ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة – الإنسانية والإلحاد – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

شارك هذا الموضوع:

ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة

الإنسانية والإلحاد – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

الإنسانية:

-أو العالمية كما يدعونها أحيانا- دعوى براقة، تظهر بين الحين والحين، ثُمَّ تختفي لتعود من جديد، يا أخي! كن إنساني النَّزْعَة، وَجِّهْ قلبك ومشاعرك للإنسانية جمعاء.. دَعِ الدِّينَ جانبًا فهو أمر شخصي، علاقة خاصة بين العبد والرب محلها القلب، لكن لا تجعلها تشكل مشاعرك وسلوكك نحو الآخرين الذين يخالفونك في الدِّينِ.. فإنه لا ينبغي للدِّينِ أن يُفَرِّق بين البشر.. بين الأخوة في الإنسانية، تعال نصنع الخير لكل البشرية غير ناظرين إلى جنس أو لون أو وطن أو دين!
دعوى براقة كما ترى.. يخيل إليك حين تستمع إليها أنَّها تدعوك للارتفاع فوق كل الحواجز التي تفرق بين البشر على الأرض، تدعوك لترفرف في عالم النور.. تدعوك لتكون كبير القلب.. واسع الأفق، كريم المشاعر، تنظر بعين إنسانية، وتفكر بفكر عالمي، وتعطي من نفسك الرَّحْبَة لكل البشر على السَّواءِ، بدافع الحب الإنساني الكبير!
أي رفعة، وأي سمو، وأي نبل، وأي عظمة في القلب والفكر والشعور!
ولكن مهلا! انتظر حتى يخفت الرَّنين الذي تحدثه الكلمات والعبارات، وفتش عن الحقيقة بعيدًا عن العواطف والانفعالات، وانظر أين تجد هذه الشعارات مطبقة في واقع الأرض؟! هل لها رصيد حقيقي من الواقع أم إنَّها شعارات زائفة تُرْفَعُ لأمر يراد؟!
ثم انظر إلى تلك العبارة الماسونية: “اخلع عقيدتك على الباب كما تخلع نعليك”!
ألا ترى شبها بين هذه الدعوة وتلك؟ أما ترى أنهما قريبتان؟ بل شقيقتان؟!
“اخلع عقيدتك على الباب “أي: عند دخولك الماسونية” كما تخلع نعليك.. “وادخل بلا عقيدة.. فهكذا يريدك الشياطين ليستعبدوك.. ليسخروك لمصالحهم!
“الأمميون هم الحمير الذي خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار”..

والحمار الآدمي هو ذلك الذي خلع عقيدته على الباب كما يخلع نعليه.. ودخل، حيث أريد له أن يدخل.. بلا دين ومن ثَمَّ بلا أخلاق!
وفي القديم، حين كان الدِّينُ قويا لا يقوون على مواجهته، لم يكونوا يجرءون على التلفظ بمثل هذه العبارة، بل كانوا ينافقون ليصلوا إلى أغراضهم من “إغواء” الآخرين.
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (1).
{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (2).
ولكنهم اليوم آمنون، فلا حاجة بهم إلى التظاهر بالإيمان بما أُنْزِلَ على المؤمنين، بل إنهم لينشرون الإلحاد اليوم بجسارة في كل الأرض، ولكنه بضاعة للتَّصْدِيرِ فقط! يُصَدِّرونها للأمميين لإغوائهم عن الدِّينِ، ولكن لا يستخدمونها بين أنفسهم، فالهدف الأخير من التخطيط كله هو محو كل دين لدى الأمميين، لكي يبقى اليهود وحدهم في الأرض أصحاب الدِّينِ! وهم على جبلتهم لا يغيرونها.. يتظاهرون أمام الناس بشيء، فإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ!
وهزأة اليوم هي هذه الدَّعوة: “اخلع عقيدتك على الباب كما تخلع نعليك! ” فإذا صدَّقها الأمميون وخلعوا عقيدتهم كما يخلعون نعالهم، فرك الشياطين أيديهم سرورًا حين يخلو بعضهم إلى بعض، وقال بعضهم لبعض: إنا معكم، ما نزال على دين الشياطين.. إنما نحن نهزأ بالأمميين!
والفارق بين دعوى الإنسانية ودعوى الماسونية ضئيل..
الفارق أنه في تعبير الماسونية الخشن المتوقح يوضع الدين جنبا إلى جنب مع النعال؛ لأنَّ المقبل على الماسونية لا يقبل عليها إلا وقد خلع دينه بالفعل أو أوشك على خلعه، فالكلمة الخشنة لا تؤذيه، بل قد تكون منه موضع ترحيب! فهي كلمة للتوكيد.. وقد تكون للتهديد! تهديد من بقيت في قلبه بقية خَفِيَّة من بقايا الدِّينِ.. فليتنبه وليخلعها قبل الدُّخُول!
أما في دعوى الإنسانية فالتعبير للترغيب والتحبيب، ومن ثَمَّ فهو مهذب لطيف يبتلعه من يبتلعه وهو مسرور. أو قل إنَّه يبتلعه وهو أشبه بالمخدور.
ولكن هذا وذاك يدعوك في النهاية أن تترك دينك وتواجه الحياة بلا دين. فإذا فعلت ذلك اجتالتك الشياطين!
ولكن إناسا قد يخدعون بدعوى الإنسانية لما فيها من بريق، فيؤمنون بها أو يدعون إليها غافلين عن الحقيقة التي تنطوي عليها. وقد لا يصدقون أصلًا أنها دعوة إلى التَّحَلُّلِ من الدين يبثها الشياطين في الأرض لأمر يراد.
فلنصدق -مؤقتا- أنها دعوى مخلصة للارتفاع بالإنسان عن كل عصبية تلون فكره أو سلوكه أو مشاعره، ليلتقي بالإنسانية كلها لقاء الصديق المخلص الذي يحب الخير للجميع …
فلنصدق ذلك في عالم المثل.. في عالم الأحلام.. فما رصيد هذه الدَّعوى في عالم الواقع؟!
ما رصيدها في العالم الذي تجتاحه القوميات من جانب.. والعصبيات العرقية والدينية والسياسية والاجتماعية من كل جانب؟
فلنأخذ مثالًا واحدًا من العالم المعاصر.. من المعاملة التي يلقاها المسلمون في كل مكان في الأرض يقعون فيه في حوزة غير المسلمين، أو في دائرة نفوذهم من قريب أو من بعيد …
فلننظر إلى “الإنسانية” التي يُعَامَلُون بها “والحماسة” التي يُقَابَلون بها، “وسعة الصدر” و”حب الخير” الذي ينهال عليهم من كل مكان!
خذ مثالٍ الحبشة..
يبلغ المسلمون فيها 55% على الأقل من مجموع السُّكان وذلك قبل ضم أريتريا -عنوة- إليها، وأريتريا كلها مسلمون، فكيف تعاملهم الدولة المسيحية المتسلطة عليهم؟
لا يوجد في الدولة وزير مسلم واحد يمثل أغلبية السُّكَّان! ولا موظف واحد من كبار الموظفين! ومدارس الدولة لا تُعَلِّم القرآن لأبناء المسلمين ولا تلقنهم مبادئ دينهم(3)، وحين يفتح المسلمون “كتاتيب” لتعليم القرآن لأبنائهم على نفقتهم الخاصة، تظل الدولة تفرض عليها من الضرائب ما يثقل كاهلهم حتى يغلقوها(4) ويحرم عليهم أن يتلقوا أي معونات من المسلمين من الخارج(5)؛ وإلى عهد غير بعيد كان المسلم الذي يستدين من مسيحي حبشي ويعجز عن وفاء دينه يُسْتَرَقّ لدائنه! ووقف هيلاسيلاسي عام 1962 في هيئة الأمم فألقى خطابا “ضافيا” أعلن فيه أنَّه في خلال اثني عشر عاما لن يكون في الحبشة إلا دين واحد! ولم يرتفع صوت واحد في تلك “المؤسسة الإنسانية” يستنكر ذلك التَّصْرِيح!
والفلبين كانت ذات يوم أرضًا إسلامية فغزاها الصليبيون(6) وحكموها قهرًا عن أصحابها، فكيف عاملوا المسلمين فيها؟
لقد ظلوا يطاردونهم ويخرجونهم من أرضهم وديارهم وأموالهم حتى حصروهم في قطاع من أصل أرضهم، ثم سموهم “متمردين” فاستباحوا لأنفسهم قتلهم، وقتالهم وتحريق مزارعهم، بل تحريقهم هم أنفسهم شفاء للحقد الصليبي المتأصل في نفوسهم، ولا يتحرك واحد في الأرض كلها ليرد البلاء عن المسلمين، ويكف عدوان المعتدين.
والهند حكمها المسلمون ثمانية قرون فلم يُكْرِهوا أهلها على الإسلام، ولم يضطهدوهم وهم يعبدون البقر ويعبدون الأوثان، فلما حكمها الهنود فانظر كيف يعاملون المسلمين:
لا تنقطع أخبار “الشغب” كما تسميه الدولة والصحافة … وخلاصتها أن يهجم الهندوس على القرى الإسلامية فيحرقوها على أصحابها ويقتلوا منها من تطوله أيديهم.. فيحتج المسلمون، ويخرجون لرد العدوان فتعتقلهم الشُّرطة بتهمة إثارة الشَّغب وتودعهم في السُّجون! هذا وحكومة الهند حكومة “علمانية” أي: إنَّها لا تقيم حكمها على الدِّينِ، ولا تتعرض لأصحاب الدِّينِ! ومن سنوات غير بعيدة صرح نهرو تصريحًا عَجَبًا قال فيه: “إن تقرير المصير حَقٌّ لكل الناس. إلا في كشمير!! ولم يستنكر ذلك أحد في العالمين”!

وفلسطين ظلت أربعة عشر قرنا من الزَّمان أرضا إسلامية … ثُمَّ جاء اليهود ليقيموا عليها دولة يهودية.. ولم يستنكر أحد من “الإنسانيين” طرد السُّكان الأصليين وإجلاءهم عن أرضهم بالقنابل والمدافع. بل بِشَقِّ بطون الحوامل والتَّلَهِّي بالتراهن على نوع الجنين كما فعلت العصابات اليهودية التي كان يرأس إحداها مناحم بيجن … وإنَّما استنكرت من المسلمين أن يطالبوا بأرضهم، وألا يخلوها عن طيب خاطر للغاصبين!
__________
1 سورة البقرة: 14.
2 سورة آل عمران: 72.

3 في مصر يدرس للتلاميذ الأقباط مبادئ دينهم على يد مدرسين مسيحيين، وتوضع دروسهم في الجدول الرسمي للدراسة وتعطى لهم الحرية الكاملة يقولون في دروسهم كل ما يريدون بلا رقيب عليهم.

4 وفي مصر يفتح الأقباط -بجانب الدروس الدينية الرسمية التي يتلقونها في مدارس الدولة- مدارس دينية خاصة تسمى “مدارس الأحد” لا تتعرض لها الدولة أي نوع من التعرض.
5 وفي مصر يتلقى الأقباط المعونات من الدول المسيحية والهيئات والأفراد فلا تسألهم الدولة من أين يأخذون ولا فيم ينفقون.
6 كان “ماجلان” الذي يطلق عليه لقب “الرحالة العظيم” ممن قاموا بغزوة صليبية على الفلبين بعد إلحاح شديد على “البابا” أن يأذن له في فتح تلك البلاد وضمها إلى المسيحية، وقد قتله الأهالي في المعركة التي جرت على أثر تجرؤه على رفع الصليب على أرض بلادهم الإسلامية فسموا “المتبربرين”.

ويطول الأمر بنا لو رحنا نستعرض أحوال المسلمين الواقعين في قبضة غير المسلمين، أو الذين يتعرضون لعدوان غير المسلمين في كل مكان في الأرض … في روسيا الشيوعية التي قتلت ما يقرب من أربعة ملايين من المسلمين، وفي يوغسلافيا التي قتلت ثلاثة أرباع مليون منهم، وفي أفغانستان التي تستخدم فيها الأسلحة المحرمة “دوليا” و”قانونيا” و”إنسانيا! ” وفي أوغندا، وفي تنزانيا، وفي.. وفي.. وفي.. وفي.
فمال بال “الإنسانيين”؟ ما بالهم لا يتحركون؟! ما بالهم لا يصرخون في وجه الظلم الكافر الذي لا قلب له ولا ضمير؟!
إنَّما توجه دعوى “الإنسانية” فقط ضد أصحاب الدِّينِ!
فمن كان متمسكا بدينه فهو “المتعصب” “ضيق الأفق” الذي يفرِّقُ بين البشر على أساس الدين، ولا يتسع قلبه “للإنسانية” فيتعامل معها بلا حواجز في القلب أو في الفكر أو في السُّلُوكِ!
أو قل على وجه التَّحْدِيد إنَّ الذين يُحَارَبُون اليوم بدعوى “الإنسانية” هم المسلمون!
يحاربون بها من طريقين، أو من أجل هدفين: الهدف الأول هو إزالة استعلاء المسلم الحق بإيمانه النَّاشِئ من إحساسه بالتَّمَيُّزِ عن الجاهلية المحيطة به في كل الأرض. لكي تَنْبَهِم شخصيته وتتميع؛ والهدف الثاني هو إزالة روح الجهاد من قلبه.. ليطمئن الأعداء ويستريحوا!!
في الهدف الأول يقول المستشرق النمساوي المعاصر “فون جرونيباوم Von Grunebaum” في كتاب له يسمى “الإسلام الحديث(1) Modern Islam”: “إن الحاجز الذي يحجز المسلم عن “التغريب Westernization” هو استعلاؤه بإيمانه، وإنَّه لا بد من تحطيم ذلك الحاجز لكي تتم عملية التغريب!”.
أرأيت! إنه هدف مقصود لذاته … ألَّا يشعر المسلم بالاستعلاء بالإيمان! يراد له أن تذوب شخصيته وتتميع، ولا تكون لها تلك السِّمَة المميزة التي أرادها الله.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (2).
إن أعداء الإسلام لن يستريحوا حتى يزيلوا ذلك التميز الذي يحسه المؤمن:
{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (3).
وتلك قضية قديمة عمرها الآن أكثر من أربعة عشر قرنا.. أي: منذ وجد المجتمع الإسلامي في المدينة.. ولكن وسائل القتال تتغير، ومن بينها اليوم ما نسميه “الغزو الفكري” ومن بين الغزو الفكري هذه الدَّعوى … دعوى الإنسانية!
فباسم الإنسانية يقال للمسلم الحق: يا أخي لا تعتزل الناس! إنَّ الإنسانية كلها أسرة واحدة، فتعامل مع الأسرة كفرد منها، ولا تميز نفسك عنها! وشارك في النشاط “الإنساني” ومظاهر الحضارة “الإنسانية”!
ولا نقول لهؤلاء: هل تعاملون أنتم المسلمين كأفراد من أسرتكم “الإنسانية” “العالمية” فتعطونهم حقهم بوصفهم أفرادًا في تلك الأسرة فلا تطاردونهم، ولا تنبذونهم، ولا تتعصبون ضدهم، ولا تتجمعون على أذاهم؟!
لا نقول لهم ذلك؛ لأنه لا فائدة من جدالهم، ولكن نقول “شهد شاهد من أهلها” فهو غير متهم فيما يشهد به! ذلك هو “توينبي” المؤرخ المعاصر المشهور، وتعصبه ضد الإسلام والمسلمين أمر كذلك مشهور!
يقول في محاضرة له باسم الإسلام والغرب والمستقبل بعد أن قسم العالم تجاه عملية “التغريب” إلى متحمسين بغير عقل(4)، ومقلدين بلا تَحَفُّظ، وبعد أن امتدح حركة كمال أتاتورك المقلدة للغرب:
“ويجب على المراقب الغربي أن يراعي حدود اللياقة ولا يسخر(5) لأنَّ ما يحاول “المقلدون” الأتراك القيام به هو تغيير وطنهم ومواطنيهم مما هم فيه إلى حالة كنا نحن منذ التقاء الغرب بالإسلام ننتقدهم لعدم وجودها طبيعة فيهم. وها هم حاولوا -ولو متأخرين- إقامة صورة طبق الأصل لدولة غربية وشعب غربي”.
“وعندما ندرك تماما هدفهم الذي رموا إليه لا نستطيع إلا التساؤل بحيرة: هل يبرر هذا الهدف حقا الجهد الذي بذلوه في صراعهم لبلوغه(6)”.
“من المؤكد أننا لم نكن نحب التركي التقليدي المسلم الذي كان يثير حنقنا عندما ينظر إلينا من عل على أننا فريسيون زناديق! ويحمد الله على أنه لم يجعله مثلنا، وبما أن التركي التقليدي القديم كان يعتبر نفسه من طينة خاصة، حاولنا أن نحط من كبريائه بتصوير هذه الطينة الخاصة شيئا ممقوتا وسميناه “التركي النكرة” إلى أن استطعنا أخيرا أن نحطم سلاحه النفسي، وحرضناه على القيام بهذه الثورة “المقلدة” التي استهلكها الآن أمام أعيننا”.
“والآن، وبعد أن تغير التركي بتحريضنا ورقابتنا، وبعد أن أصبح يفتش عن كل وسيلة لجعل نفسه مماثلا لنا، وللشعوب الغربية من حوله، الآن نحس نحن بالضيق والحرج، بل ونميل إلى الشعور بالسُّخط والحنق، تماما كما شعر صموئيل عندما اعترف بنو إسرائيل بفظاظة غايتهم ورغبوا في وجود ملك”.
“لذلك فإنَّ شكوانا الجديدة من الأتراك في هذا الظرف أمر أقل ما يقال فيه إنَّه غير لائق(7)، وبإمكان التركي أن يجيبنا أنه مهما فعل فهو مخطئ في نظرنا”.
“على كل حال، قد يكون انتقادنا للأتراك فظا وغير لائق، ولكن ليس فيه أي تحامل(8) ولا هو خارج عن الموضوع، إذ ما الذي سيكسبه التراث الحضاري، في حالة عدم ذهاب جهود الأتراك سدى؟ أي: في حالة نجاحهم -فرضا- النجاح المرجو؟ وهذه النقطة تكشف حركة المقلدين عن نقطتي ضعفها الأصليتين فيها:
“أولها: أن الحركة مقلدة متبعة، وليست مخترعة، لذا ففي حالة نجاحها -جدلا- لن تزيد إلا في كمية المصنوعات التي تنتجها الآلة في المجتمعات المقلدة, بدل أن تطلق شيئا من الطاقة المبدعة في النفس البشرية”.
“ثانيهما: في حالة النجاح الباهت -المفترض- هذا، وهو أقصى ما يمكن للمقلدين الوصول إليه، سيكون هناك خلاص -مجرد خلاص- لأقلية ضئيلة في أي مجتمع تَبَنَّى طريقة التقليد؛ لأنَّ الغالبية لا
تأمل في التَّحَوُّل إلى أعضاء في الطبقة الحاكمة للحضارة المقلدة، ومآل هذه الغالبية هو تضخيم عدد بروليتاريا الحضارة المقلدة”.
“كانت ملاحظة موسوليني ملاحظة حادة عندما قال: هناك شعوب بروليتارية(9) مثلما هناك طبقات بروليتارية وأفراد بروليتاريون”(10).
تلك هي القضية! إنَّ تَمَسُّك المسلم بإسلامه شَيْءٌ يغيظ أعداء الإسلام بصورة جنونية.. ولا يهدأ لهم بال حتى يُذْهِبُوا عنه ذلك التَّمَسُّك ويميعوه “ومن وسائل ذلك كما أسلفنا دعوى الإنسانية والعالمية” فإذا تميع بالفعل، ولم تعد له سمته المميزة له، احتقروه كما احتقرت أوروبا الأتراك بعد أنْ أزال أتاتورك إسلامهم و”فرنجهم” و”غربهم”! بينا يقول أحد المبشرين في كتاب “الغارة في العالم الإسلامي”: إنَّ أوروبا كانت تفزع من “الرجل المريض” “وهو مريض” لأنَّ وراءه ثلاثمائة مليون من البشر مستعدون أن يقاتلوا بإشارة من يده(11) وهذا النَّص الأخير يدخل بنا إلى النَّقطة الثانية أو الهدف الثاني من استخدام دعوى “الإنسانية” في محاربة المسلمين.
__________
1 لا يتسع المجال هنا للتعليق على عنوان الكتاب الذي يقصد به أن الإسلام ليس شيئا ثابتا محدد المعالم، وإنما هو شيء دائم التغير! فالإسلام الأول شيء، وإسلام القرون الوسطى “وهذا عنوان لكتاب آخر لنفس المؤلف” شيء آخر، والإسلام الحديث شيء ثالث! وهذه القضية ذاتها من وسائل الحرب التي يستخدمها المستشرقون ضد الإسلام!

2 سورة البقرة: 143.
3 سورة البقرة: 217.
4 يقصد بهم -بصفة خاصة- المسلمين المحافظين على إسلامهم!

5 هذا اعتراف من المؤلف بأن الغربيين يسخرون من الأتراك بعد أن تغربوا وتركوا إسلامهم!.
6 لاحظ سخرية المؤلف بالأتراك، مع أنه ينصح الغربيين بعدم السخرية بهم!
7 وهذا اعتراف بأن سخرية الغرب بالأتراك المقلدين تصل إلى حد “عدم اللياقة” أي: سوء الأدب.
8 يعود إلى سخريته -على طريقته الخاصة- فيقول إن سخرية الغرب بالأتراك المقلدين ليس فيها أي تحامل! يعني أنهم يستحقون ذلك!

9 أي: شعوب ذليلة تابعة مقدر عليها الذل والتبعية لا فكاك لها منها!
10 تعريب الدكتور نبيل صبحي باسم “الإسلام.. والغرب … والمستقبل” ص51-53.
11 ظهر في بريطانيا في أوائل الستينات كتاب بعنوان “معضلة الرجل الأبيض” The White Man’s Dilemma شرح فيه مؤلفه موقف الرجل الأبيض من الرجل الملون. وخلاصة فكرة الكتاب أنَّ الرجل الأبيض يتصايح اليوم بضرورة تحديد نسل الرجل الملون. ويحاول إقناع الرجل الملون بتحديد نسله بشتى الوسائل على أساس أنَّ أقوات الأرض لا تكفي لمواجهة “الانفجار السُّكَّاني” في المستقبل، ويناقش المؤلف هذا الزَّعم، ويثبت أن موارد الأرض لم تستثمر كلها بعد، فضلًا عن أن موارد البحر تعتبر غير مستثمرة أصلًا. وأن الأرض -بيابسها ومياهها- تحمل من الأقوات ما يكفي أضعاف أضعاف العدد الحالي من البشر. ولكن الحقيقة الكامنة وراء هذه الصيحة أن الرجل الأبيض يخشى على سيادته وسيطرته ورفاهيته الناعمة من يقظة الرجل الملون الذي سلب الرجل الأبيض خيراته عن طريق السيطرة والاستعمار، فإذا ظل نسل الرجل الملون يتزايد بنسبته الحالية -بينما نسل الرجل الأبيض يتناقص بسبب عمل المرأة وانشغالها بالمحافظة على رشاقتها وانشغالها بملذاتها عن الحمل والأمومة- فسيستيقظ الرجل الملون إلى الحقيقة الواقعة، وهي أن خيراته التي تشتد حاجته إليها بسبب تزايد أعداده مسلوبة بيد الرجل الأبيض، وعندئذ سيثور على الرجل الأبيض لاسترداد خيراته المسلوبة، فيفقد الرجل الأبيض سلطانه ورفاهيته، ومن أجل ذلك ينصحه بتحديد نسله ويخوفه بالجوع!!

إنَّ أشد ما يخشاه أعداء الإسلام من الإسلام هو روح الجهاد الكامنة فيه! وقد مر بنا في الفصل الماضي كلام المستشرق الكندي المعاصر “ولفرد كانتول سميث” الذي يقرر فيه أن أوروبا لا تستطيع أن تنسى الفزع الذي ظلت تزاوله عدة قرون من الفتح الإسلامي، وأنَّ هذا الفزع لا يدانيه شيءٌ في العصر الحديث، ولا فزع أوروبا من استيلاء الشيوعية على تشيكوسلوفاكيا سنة 1948!
وهذا هو المستشرق الأمريكي “روبرت بين Robert Payne يقول في مقدمة كتابه “السيف المقدس “The Sacred Sword:
“إنَّ لدينا أسبابا قوية لدراسة العرب والتعرف على طريقتهم، فقد غزوا الدنيا كلها من قبل، وقد يفعلونها مرة ثانية! إنَّ النار التي أشعلها محمد ما تزال تشتعل بقوة، وهناك ألف سبب للاعتقاد بأنَّها شعلة غير قابلة للانطفاء”!
ولنترك المستقبل لعلم الله. فما ندري ماذا يكون من أمر المسلمين غدًا.
ولكِنَّا ننظر إلى الحاضر ذاته فنلمح السَّبب في فزع أعداء الإسلام من روح الجهاد الكامنة فيه..
إن أوروبا لم تتضخم كما تضخمت اليوم، ولم تصل إلى الرفاهية الناعمة التي تعيش فيها إلا باستعمار العالم الإسلامي ونهب خيراته واستعباد أهله وإخضاعهم لنفوذها، فماذا يكون إذا استيقظت في المسلمين روح الجهاد فطردوا ذلك الاستعمار بكل أنواعه الخفية والظاهرة، العسكري منها والسياسي والاقتصادي، واستردوا سيادتهم على أرضهم وأرواحهم وأفكارهم وضمائرهم؟!
ماذا يحدث لأوروبا لو تم ذلك؟ ومن أين لها الرفاهية الناعمة التي تعيش فيها اليوم، إذا احتفظ المسلمون بخيراتهم لأنفسهم. أو باعوها لأوروبا بيعا حُرَّاً بالسعر الحقيقي الذي تستحقه في التجارة الحرة المتكافئة؟ ومن أين لها التضخم الذي تمارسه اليوم، سواء التضخم العسكري أو العلمي أو المادي، إذا انحسرت مواردها وكسدت بضاعتها التي توزعها اليوم على “المتخلفين” وتربح فيها بغير حساب؟!
كلا! ما يحب أعداء الإسلام قط أن تستيقظ روح الجهاد الكامنة فيه، ولو لم يتحقق شيء من كلام “روبرت بين”، الذي يزعج به أعصاب الغرب ليشتدوا في الضغط على المسلمين ولا يتيحوا لهم أي فرصة للنهوض. أو -على وجه التحديد- لا يتيحوا لهم أي فرصة للرجوع إلى حقيقة الإسلام التي فقدوها بعملية “التغريب”!
ودعوى الإنسانية من أسلحة الحرب الموجهة ضد روح الجهاد عند المسلمين.
يا أخي! لقد تغيرت الدنيا! لا تتكلم عن الجهاد! أَوْ إِنْ كنت لا بد فاعلا فتكلم عن الجهاد الدِّفاعي فحسب! ولا تتكلم عنه إلا في أضيق الحدود! فهذا الذي يتناسب اليوم مع “الإنسانية المتحضرة”! لقد كانت للجهاد ظروف تاريخية وانقضت! أما اليوم فقد أصبحت الإنسانية أسرة واحدة! وهناك قانون دولي وهيئات دولية تنظر في حقك وتحل قضاياك بالطرق “الدبلوماسية”! فإذا فَشِلَت تلك الهيئات في رَدِّ حقك المغتصب فعندئذ لك أن تقاتل دون حقك ولكن لا تسمه جهادًا. فالجهاد قد مضى وقته! إنما سمه دفاعا عن حقوقك المشروعة!!
أمَّا نشر الدَّعوة فإياك أن تتحدث فيه عن الجهاد! هناك اليوم وسائل “إنسانية” لنشر الدعوة فاسلكها إن شئت.. هناك الكتاب والمذياع والتلفاز والمحاضرة والدرس.. إياك إياك أن تتحدث عن الجهاد فتكون مضغة في أفواه المتحضرين!
ولا نقول لهؤلاء: أين هي الهيئات الدولية في قضية فلسطين؟ وفي قضية الفلبين؟ وفي قضية كشمير، وفي قضية أفغانستان؟ وفي كل قضية كان المسلمون طرفا فيها؟ أين هي الحقوق التي ترد بالطُّرُقِ الدولية أو العدوان الذي يصد؟!
ولا نقول لهم: ما قيمة هذه الهيئات الدولية والقانون الدولي وكل الإجراءات الدولية. إذا كان هذا القانون يعترف رسميَّاً بأنَّ هناك جبابرة خمسة في الأرض لهم الحق -الشرعي!! – أن يوقفوا أي إجراء لا يوافق أهواءهم ومطامعهم العدوانية -مهما يكن عادلا في ذاته- عن طريق “الفيتو” “حق الاعتراض”؟!
لا نقول لهم ذلك؛ لأنَّه لا فائدة من جدالهم! إنَّما نقول لهم إنَّ إسرائيل تضرب بقرارات هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن عرض الحائط، وتعلن في تبجح -وهي المعتدية دائمًا- أنَّها لن تخضع لهذه القرارات ولن تلتزم بها، ولا يتحرك “الإنسانيون” لتأديبها.. إنَّما يشهر سلاح “الإنسانية” في وجه المسلمين فقط حين يطالبون بحقهم المشروع!
الإسلام -دين الله- صريح غاية الصراحة، حاسم كل الحسم، لا يداور ولا يناور، ولا يتاجر بالشعارات.
{خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} (1).
{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (2).
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} (3).
ويقرر في صراحة حاسمة أنَّ ولاء المسلم هو لله ولرسوله وللمؤمنين، ويحرم الولاء فيما وراء ذلك:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا … } (4).
{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} (5).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (6).
ويقرر في صراحة حاسمة كذلك أنَّ الجهاد لنشر الدَّعوة ماض إلى يوم القيامة:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} (7).

ولكنه لا يقاتل من أجل فرض عقيدته على الناس وهم كارهون، إنما يقاتل كما قلنا من قبل لإزالة القوى الجاهلية التي تمنع وصول الحق للناس دون حواجز نفسية أو حسية مادية، ممثلة في نظم جاهلية لها في حس الناس ثقل “الأمر الواقع” وجيوش ودول تحمي تلك النظم الجاهلية وتعطيها ثقلها في الأرض، فإذا أزيلت الحواجز فلا إكراه في الدين:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (8).
إنما يقام العدل الرباني ليستمتع به الناس ويعيشوا في ظله ولو كانوا لا يعتنقون عقيدة الإسلام.
وقد فتح المسلمون مصر وكان سكانها على دين النصرانية، فلم يكرههم المسلمون على اعتناق الإسلام، ولو كان هناك إكراه ما بقي الأقباط على دينهم حتى هذه اللحظة!
__________
1 سورة التغابن: 2.
2 سورة الزمر: 9.
3 سورة فاطر: 19-22.
4 سورة المائدة: 55.
5 سورة آل عمران: 28.
6 سورة المائدة: 51.
7 سورة الأنفال: 39.

8 سورة البقرة: 256.

إنما أقام المسلمون العدل الرباني كما أمرهم الله فردوا للأقباط كرامتهم الإنسانية المفقودة التي سلبهم إياها حكامهم الرومان وهم على نفس الدين، ولكن على مذهب مخالف. فقد كان الرومان يلهبون ظهور الأقباط بالسياط لمخالفتهم إياهم في المذهب فلا يتحرك الأقباط لرد العدوان. ولا يجدون ملجأ ليجئون إليه يمنحهم الحرية الاعتقادية ويمنحهم العدل والكرامة، فلما جاء المسلمون منحوهم كل ذلك. وقصة القبطي الذي ذهب إلى المدينة ليشكو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضربة العصا التي وقعت على ظهر ابنه من ابن عمرو بن العاص شهيرة لا تحتاج إلى إعادة، ولكن دلالتها واضحة. فهذا القبطي الذي كان يتلقى سياط الرُّومان ولا يشكو ولا يثأر لكرامته المسلوبة. يسافر هذه الرحلة الطويلة طلبا للعدل؛ لأنَّ الإسلام رد له كرامته فصار يستنكر الظلم ويطلب العدل؛ ولأنَّ الإسلام أوجد له ملجأ حقيقيَّاً يطلب العدل فيه فطلبه هناك.
ومن أجل هذا يقاتل المسلمون. لا لفرض عقيدتهم، ولا للتوسع الاستعماري، ولا لسلب أقوات الناس والاستئثار بها لأنفسهم، ولا لأي فائدة أرضية من التي تسعى الدول إليها، ولكن قياما بأمر الله، ونشرًا لهذا العدل الرباني في الأرض.
وفتح المسلمون الأندلس، وظلوا هنالك ثمانية قرون.. فلم يفرضوا عقيدة الإسلام على نصارى الأندلس بل دخل منهم من دخل الإسلام حُبَّاً فيه وإيمانا بصدقه، وبقي النَّصَارى نصارى حتى ردوا للمسلمين الجميل بطردهم من الأندلس مع التَّعذيب والتَّنْكيل والتَّشْريد على أبشع صورة وعاها التاريخ، ونشر المسلمون النور في الأندلس وغيرها من البلاد عن طريق مدارسها وجامعاتها وأساتذتها وكتبها وعلومها وحضارتها، التي مرت شهادات الشاهدين بها من منصفي الغرب على قلتهم! وكانت الأندلس هي الملاذ الآمن لليهود والنَّصارى على السَّواء، يشعرون فيها بالآمن الكامل في ظل الحكم الإسلامي، بينما أوروبا كلها تضطهد اليهود وتنكل بهم، وبينما النصارى المخالفون لمذهب الكنيسة يعيشون في رعب دائم من الإرهاب.
وفتح المسلمون الهند، وحكموها ثمانية قرون.. فلم يفرضوا العقيدة الإسلامية على الوثنيين الهنود، بل تركوهم لعقائدهم مع أنَّ فيها ما لا يعقله عاقل، من عبادة للبقر، وتبرك بروثها وبولها.. وإنما فرضوا عليهم فقط أن يكُفُّوا عن بعض عاداتهم الوحشية التي كانوا يمارسونها من دفن الأرملة حَيَّةً مع زوجها المتوفى، أو حرقها حية. من أجل رفع هؤلاء الناس إلى درجة الآدمية في بعض تصرفاتهم دون المساس بعقائدهم. وظل الهندوس محافظين على عقائدهم وتقاليدهم في ظل الحكم الإسلامي حتى تسلموا حكم الهند بمساعدة الصليبيين الإنجليز فردوا الجميل للمسلمين بالعدوان المستمر عليهم وتحريق قراهم وتعمد الإثارة الدائمة لهم. والتهييج الدائم لخواطرهم.
كذلك كان فتح المسلمين للأرض.. ومن أجل هذه المعاني الرفيعة أمرهم الله بالقتال لنشر الدعوة.. ومع ذلك فهم لا يبدءون بالقتال، إنما يبدءون بعرض الإسلام، فإن لم يُقْبَل منهم فالجزية، فإنْ لم تقبل فالقتال من أجل إخراج الناس من ظلمات الجاهلية وظلمها إلى عدل الإسلام وسماحته، على النَّحْوِ الذي تم به الأمر في واقع التَّاريخ.
وللحرب مع ذلك تقاليد.. بل قل إنها أخلاقيات الإسلام في كُلِّ شَيْءٍ حتى مع المشركين المعاندين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجيشه يعلمه أخلاقيات الحرب في الإسلام: “اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا..” الحديث(1).
ثُمَّ إن أعطوا الأعداء عَهْدَاً أو موثقا فالله يأمرهم أن يوفوا بالعهد ولا ينقضوا الميثاق، تحت أي ظرف من الظروف ولأي هدف من الأهداف، فإن خافوا منهم خيانة فلينبذوا إليهم عهدهم علانية ولا يغدروا ولا يفاجئوا عدوهم بالقتال قبل انقضاء العهد:
{وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (2).
{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (3).
ولقد كان معاوية قد أعطى عهداً للروم إلى أمد محدد، ثُمَّ جاءته عيونه تخبره أنَّ القوم يستغلون الهدنة للاستعداد للانقضاض على المسلمين، فأراد أن يباغتهم. فاستشار فأبى عليه مستشاروه، وقالوا له: إمَّا أن تنبذ إليهم عهدهم على سواء وإمَّا أن تنتظر إلى نهاية العهد، والله ينصرك بالطاعة، فانتظر حتى نهاية العهد وانتصر بإذن الله.
ويروي التاريخ كيف غدر الصليبيون بعهدهم مع صلاح الدين وفاجئوا المسلمين الآمنين على بغتة فاحتموا بالمسجد فدخلوا عليهم المسجد وأعملوا فيهم القتل حتى غاصت الخيل إلى ركبها في الدِّماء.. فلما دارت الدورة وانتصر صلاح الدين أبى أن ينتقم منهم -سماحة- ولم يغدر قط بميثاق واحد أعطاهم إياه.
وظل وفاء المسلمين بمواثيقهم في السلم والحرب مضرب المثل خلال التاريخ، اتباعا لتعاليم الإسلام، وتخلقا بأخلاق لا إله إلا الله.
والإسلام صريح في توجيه أتباعه إلى التميز عن أحوال الجاهلية، التميز بنظافة السَّمْت ونظافة الأخلاق ونظافة السُّلوك، والاستعلاء بالإيمان على كل مصدر ليس إسلاميا أو متعارض مع الإسلام، حتى لو لحقت بهم هزيمة مؤقتة أو ضعف طارئ:
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (4).
ومصدر التميز هو الإحساس بأنهم على الهدى وغيرهم على الضلال، وأنَّ المنهج الذي يعيشون به هو المنهج الأعلى؛ لأنَّه المنهج الرَّبَّاني، والذي يعيش عليه غيرهم هو المنهج الأدنى؛ لأنَّه منهج جاهلي، فهو ليس تميزا مبنيا على الجنس ولا اللون ولا الجاه ولا الغنى ولا القوة ولا أي معنى من المعاني الأرضية التي تعتز بها الجاهلية وتستعلي بها على الناس، إنما التميز المستمد من معرفة المنهج الرباني واتباعه.
ومع ذلك كله فكيف يكون التعامل الإسلامي مع غير المسلمين؟!
{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (5).
{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} (6).
كما أنَّه ليس مقتضى التَّمَيُّز والاستعلاء هو “مخاصمة” كل ما يأتي من مصدر غير إسلامي، إن كان شيئا نافعا في ذاته، ولم يكن متعارضا مع الإسلام، فقد أخذ المسلمون الأوائل من الحضارة الفارسية والحضارة البيزنطية ما رأوه نافعا لهم ولا يتعارض مع عقيدتهم وأخلاقهم وأفكارهم وتصوراتهم الإسلامية، إنما مقتضى ذلك ألا يأخذوا من مصدر غير إسلامي أمرًا يتصل بالعقيدة أو يتصل بالقيم أو يتصل بالشَّريعة أو يتصل بالأخلاق؛ لأنَّ مرجعهم في ذلك كله هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو حسبهم وفيه كل ما يحتاجون إليه في هذه الأمور، أما “الأدوات” الحضارية، وأمَّا “العلم” وأمَّا “التجارب” النافعة فلا خصومة معها، ولا عداء ما دامت لا تصادم أصلا من أصول الإسلام.
ذلك هو الواقع الإسلامي.. وخلاصته أن “الإنسانية” الحقيقية “والسماحة” الحقيقية هي الإسلام!

فحيث تكون دعاوى الإنسانية والعالمية والتسامح في كل النظم مجرد شعارات لا رصيد لها من الواقع، فإنها في الإسلام واقع حقيقي، لا دعاوى ولا شعارات مرفوعة بغير رصيد.
والإسلام دين الله الحق، وكل أمر فيه -بما في ذلك الجهاد لنشر الدعوة، والتميز والاستعلاء بالإيمان، واعتزال أدران الجاهلية وعدم المشاركة فيها- هو أمر رباني، لم يبتدعه المسلمون من عند أنفسهم، ولا قاموا به لصالح لأنفسهم، إنما تنفيذًا لأمر الله، سواء وقع عليهم منه في الأرض الغنم أو الغرم -بالمقاييس البشرية المحدودة- إنما يصنعونه ابتغاء مرضاة الله، وطمعا في الجزاء في الآخرة.
ولكن غير المسلمين لا يؤمنون بذلك بطبيعة الحال، فلا نناقشهم بمنطق الإيمان الذي لا يلزمهم، بل نفترض -جدلا- أنَّ كل النُّظُمِ ذات حَقٍّ متساو في الوجود وفي الانتشار في الأرض.. فلننظر في الواقع التاريخي نظرة “علمية” “موضوعية” “مجردة”. أي النظم مارس حقه في الوجود وفي الانتشار في الأرض بروح إنسانية حقيقية، وأيها مارس الوجود والانتشار بسلوك خال من القيم الإنسانية هابط إلى الحضيض؟!
فمن كان في شَكٍّ فلينظر إلى الواقع المعاصر وما يتم فيه من ألوان من البربرية الوحشية لا تخطر على البال، وألوان من نقض المواثيق لا تخطر على البال، وألوان من العبث بكرامات الشعوب والاستخفاف “بحقوق الإنسان” لا تخطر على البال.
وذلك رغم كل الشِّعارات المرفوعة، والقيم المُسَطَّرة في ديباجات الدَّساتير والمعاهدات والمواثيق!
أمَّا الإسلام فلا يداور ولا يناور، ولا يرفع الشعارات البراقة بلا رصيد، إنَّما هو رغم الصَّراحة الحاسمة التي يعالج بها كل أمر، هو الذي يطبق الرُّوح الإنسانية الحقيقية والتَّسامح الحقيقي.. ولا عجب في ذلك، فإَّنما هو المنهج الرَّبَّاني الحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الصِّراط المستقيم الذي لا عوج فيه.

__________
1 رواه مسلم.

2 سورة النحل: 91-94.
3 سورة الأنفال: 58.

4 سورة آل عمران: 139.
5 سورة الممتحنة: 8.
6 سورة المائدة: 5.

الإلحاد:

الإلحاد -بمعنى إنكار وجود الله، والقول بأنَّ الكون وجد بلا خالق أو أنَّ المادة أزلية أبدية، وهي الخالق والمخلوق في ذات الوقت- بدعة جديدة في الضلالة فيما أحسب، لم توجد من قبل في جاهليات التاريخ السابقة، ومن المؤكد على أي حال أنها لم توجد بهذه الصورة وبهذا الاتساع الذي تمارسه الجاهلية المعاصرة، في أي فترة سابقة من فترات التاريخ.
وبعض الناس يشير إلى الآية الكريمة: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} (1) ويستدلون منها على أنه وجد في الجاهلية العربية “وبالتالي في غيرها” من ينكر وجود الله، وأن هؤلاء الدَّهْرِيين كما أطلق عليهم هم صنو القائلين بالطبيعة المنكرين لوجود الله.
والآية -فيما أرى- لا تعطي هذه الدِّلالة بصورة قاطعة، فإنَّها تقطع فقط بأنَّ القوم المشار إليهم ينكرون البعث، ولكنها لا تقطع بأنَّهم ينكرون وجود الله.
وما لم يثبت من مصدر يقيني(2) أنه وجد في العرب أو في غيرهم من الأمم من قبل من ينكر وجود الله فأغلب الظنّ عندي أن هؤلاء القوم المشار إليهم في الآية هم الذين يؤمنون بوجود الله وبأنه هو الخالق المدبر ثُمَّ ينكرون قدرته سبحانه وتعالى على بعث الموتى بعد أن يصيروا ترابا وعظامًا: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (3) {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} (4) ومع إقرارهم بذلك كله فقد كانوا ينكرون البعث إنكارا شديدا ويعجبون ممن يقول به: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} (5).
فتكذيبهم بالبعث لم يكن ناشئا من إنكارهم لوجود الله إنما من إنكارهم قدرته سبحانه وتعالى على إحياء الموتى بعد أن بليت أجسادهم وضلوا في الأرض:
{وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} (6).
ولذلك كان الجدل معهم في هذا الموضوع يدور كله حول معنى واحد هو أنَّ الذي خلق الخلق من العدم أوَّلَ مَرَّةٍ قادر على أن ينشئهم مرة أخرى:
{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (7).
{وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا} (8).
{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (9).
والذين أطلق عليهم اسم “الدَّهْرِيين” قوم ينكرون البعث إنكارًا مطلقًا، ويقولون إن هي إلا حياتنا الدُّنْيَا، أي: لا توجد حياة أخرى بعدها، يموت منا من يموت ويحيا منا من يحيا، وما يهلكنا إلا مرور الزمن، فكلما مر الزمن ماتت نفوس.. ولكن لا بعث وراء ذلك ولا حياة، أما إنكارهم لوجود الله فاستدلال لا تدل عليه الآية دلالة صريحة ولا دلالة لازمة، والقوم إنما نسبوا إلى الدَّهْرِ -أي: إلى مرور الزمن- أنه هو الذي يهلكهم، ولكنهم لم يقولوا إن الدَّهْرَ هو الذي خلقهم أو هو الذي منحهم الحياة، أي: إنهم لم يتخذوه إلَهَاً بدلا من الله!
__________
1 سورة الجاثية: 24.
2 أي: حديث مقطوع بصحته.
3 سورة لقمان: 25.
4 سورة المؤمنون: 84-89.

5 سورة سبأ: 7، 8.
6 سورة السجدة: 10.
7 سورة يس: 78-83.
8 سورة الإسراء: 98، 99.
9 سورة الروم: 27.

وحتى لو فرضنا جدلا -بغير دليل يقيني- أنَّهم أنكروا وجود الله، فليس هناك من يقول إنهم كانوا كثرة يحسب لها حساب، ولا إنهم كانوا هم الصورة الغالبة للجاهلية، أما إنكار وجود الله على النحو الذي تتبجح به الجاهلية المعاصرة، وبالسَّعَةِ التي تمارس بها ذلك التبجح، فأمر غير مسبوق في تاريخ البشرية..
ذلك أنَّ الفطرة بذاتها تعرف وجود الله، وتتجه إليه اتجاها فطريا بالعبادة على نحو من الأنحاء.. ولو ضلت الطريق! ولم يكن الضَّلال الغالب على البشرية في جاهلياتها هو إنكار وجود الله، إنَّما كان الضَّلال الغالب هو الشِّرْك، وتصور الله على غير حقيقته، فقد يتصورون أنه هو الشمس أو هو القمر أو هو النجم أو ما إلى ذلك من المخلوقات.. {وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (1).
{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} (2).
أو يتصورونه آلهة متعددة متعادلة في القوة والسَّطْوَة كإله الخير وإله الشر عند الفرس، يتنازعان أبدا ولا يغلب أحدهما الآخر، أو غير متعادلة كما كان الرُّومان والإغريق يؤمنون بوجود إله كبير هو رب الأرباب، ودونه آلهة شَتَّى، وكما كان العرب في جاهليتهم يؤمنون بأنَّ الله هو رب الأرباب الخالق الرَّازق المهيمن، وثَمَّة آلهة أخرى يشاركونه في بعض الأمر فيعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى:
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (3).
ولم يبعث الله رسولا ولا نبيا ليقول للناس إن هناك إلها فالفطرة تعرف ذلك بغير رسول! ولا ليقول لهم إن هناك إلها فاعبدوه. فالفطرة تتجه بالعبادة تلقائيا إلى الإله الذي تعتقد بوجوده بغير رسول! فقد أودع الله ذلك كله في الفطرة والبشر ما زالوا في عالم الذر:
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} (4)!.
إنما الذي أرسل به الرسل جميعا هو “التوحيد”:
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (5).
{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (6).
وذلك لتصحيح مسار العقيدة وتقويم الفطرة مما تقع فيه من الضَّلال، لا لإنشاء العقيدة ابتداء وإثبات وجود الله.
{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (7).
نعم.. تعرف الفطرة بذاتها وجود الله، وتتجه إليه بالعبادة منذ أن أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم..
ولا ندري نحن كيف تم ذلك..
ولكنَّا نلحظ من أحوال الفطرة مصداق تلك الحقيقة.
هناك منافذ في الفطرة تتلقى إيقاعات من الكون والحياة، فتستيقظ من غفلتها، إن كانت غافلة، فتروح تتساءل: ما وراء ذلك؟ ومن وراء ذلك؟ فتهتدي إلى وجود الله ثم تتصوره على حقيقته، فردا صمدا خالقا رازقا مدبرا مهيمنا.. فتعبده العبادة الحقة وتخلص له العبادة، أو تضل فتتصوره على غير حقيقته، وتشرك معه آلهة آخرى. ولكنها في الحالين تعرف وجوده، وتتوجه إليه بالعبادة على نحو من الأنحاء.
هناك بادئ ذي بدء هذا الكون الهائل، الذي يروع الحس بضخامته المعجزة.
وبغير الأدوات التي استحدثها الإنسان لتزيد بصره حدة، وتجعله ينفذ في آماد الكون المتطاولة التي لا تنفذ إليها النظرة بالعين المجردة، كان الإنسان يحس بضخامة الكون وسعته المعجزة، من رؤية السماء التي لا يحيط بها بصره، ورؤية الشمس والقمر، ورؤية العدد الهائل من النجوم التي يعجز عن إحصائها.. وكان يروعه ذلك كله ويسترعي انتباهه فيظل يفكر فيه، ويتساءل.. أو تتساءل فطرته، من وراء ذلك؟ وماذا وراء ذلك.. فيهتدي إلى الله الحق..أو يضل فيتصور الشمس هي الله، أو القمر هو الله، أو النجم هو الله.. أو أنها جميعا آلهة في وقت واحد، ولكنه في كل حالة يعلم أن هناك خالقا لهذا الكون الهائل. فيتخيله على صورة من الصور، ويعبده لونا من العبادة يحتوي على ركوع وسجود، وشعائر أخرى والتزامات.
وحين مد الإنسان ببصره إلى داخل الكون من خلال المناظير رأى عجبا يأخذ بالألباب!
رأى أن الشمس كلها والمجموعة الشمسية من حولها ليست إلا “نجما” واحدًا من نجوم لا تحصى في مجموعة واحدة تعرف “بالمجَرَّة” وأنَّ المجَرَّة التي فيها شمسنا ليست إلا واحدة من مَجَرَّات أخرى غيرها في الكون تعد بالملايين! كلها ذات نجوم تعد بالملايين!
ورأى أن هناك نجوما تبعد عنا عدة آلاف.. لا من الأميال.. ولا من ألوف الأميال “أي: ألوف الألوف” ولكن من السنين الضوئية! أي: المسافة التي يقطعها الضَّوْءُ في سنة كاملة وهي رقم فلكي لا يتعامل به البشر على سطح الأرض:
186000× 60× 60× 24× 365.25= 5,869,713,600,000 ميلًا تقريبًا.
ورأى من حيث الحجم أن هناك نجوما تبلغ أضعاف حجم شمسنا، التي لا نراها بطبيعة الحال في حجمها الطبيعي لأنَّها تبعد عنا حوالي 93 مليون ميل، وأنَّ هذه النجوم تبدو لنا مجرد نقط في الفضاء رغم حجمها الهائل ذلك؛ لأنَّ مسافتها منَّا شيءٌ مذهلٌ، لا يقاس إليه بعد شمسنا منا.. وأنَّ المسافة بين نجم ونجم في هذا الفضاء لا يكاد يتصورها عقل.. فما بال الفضاء كله؟ كم حجمه؟ ما أبعاده؟ هل هو منته أم ممتد بلا انتهاء!
وعُلِمَ -من طريق المناظير- أنَّ الكون المرئي كله إنْ هُوَ إلا جزء من الكون فحسب، وأنَّ نسبته إلى الكون أمر لا يمكن تحديده؛ لأنَّه لا يمكن بعد تحديد مقدار ذلك “الكل”.. لأنَّه كلما اخترع الإنسان آلة أبعد. بدا له من الكون مزيد لم يكن يراه من قبل، ولم يكن يحسب أنَّه كائن في الوجود!
ومع هذه الضَّخامة المعجزة يلحظ الحس البشري دقة معجزة كذلك.
ومن قبل أن يتوصل الإنسان إلى الأجهزة الدقيقة البالغة الدِّقَّة ليقيس بها مقدار الدِّقَّة في هذا الكون، كان يرى ما يروع حسه ويستغرق انتباهه.
كان يرى الدِّقَّة العجيبة في تتابع الليل والنهار بمواعيد مضبوطة على مدار العام، والدِّقَّة العجيبة في مسار الظِلِّ وتغيره يوما عن يوم حتَّى يعود إلى نفس مكانه بعد عام كامل من كل يوم.. ومن هنا نبتت فكرة المزولة ثُمَّ فكرة السَّاعة. وكان يرى الدِّقَّةَ في مسار القمر وتغير أوجهه ليلة بعد ليلة حتى يعود إلى نفس وضعه بعد شهر كامل من كل يوم يرصد فيه..

وكان يرى دورة النبات من البذرة المغمورة في الأرض، إلى الشطأ الذي يخرج منها، إلى الساق والأغصان والأوراق، إلى الزَّهْرَة والثمرة والبذرة في نهاية المطاف.. وكان يرى الزَّهْرَة الملونة تتكون من خيوط دقيقة ومساحات دقيقة من اللون يعجز الرَّسَّامُ الماهر أن يرسمها بهذه الدِّقَّةِ، ويعجز عن تكرارها بنفس الصُّورة في رسم آخر فضلًا عن ألوف وملايين؛ ولكنها في الطبيعة تبرز ملونة بهذه الدِّقَّةَ في كل زهرة دون جهد مبذول.

ويرى ريشة الطائر الملون مكونة من عدد لا يحصى من الخطوط والخيوط، كل يحمل نصيبا دقيقا من اللون يعجز الرَّسَّامُ أن يرسم مثله في دقته، ثُمَّ يحدث من تجمعها في الرِّيشة ذلك المنظر البهيج الذي يروع النظر ويروع الحس.

وكان يرى دقة دخول الليل في النهار حتى يتلاشى الضَّوْءُ، ودقة دخول النهار في الليل حتى يتلاشى الظلام..

وكان يرى أشياء وأشياء توقظ فطرته إنْ كانت غافلة فيتساءل: هل يمكن أن توجد هذه الدِّقَّةِ العجيبة كلها بغير موجد؟ ثُمَّ يروح يتطلع إلى الموجد. فيهتدي إلى أنَّه حقيقة لا تدركها الأبصار فيؤمن بالله على بصيرة، ويعبده على بصيرة، أو يضل فيتصور أنه الشمس أو القمر أو النجوم أو الرُّوح السَّاكنة في التِّمْثَال الذي ينحته بيديه..ولكنه في كل حال يعلم أنه لا بد من خالق خلق هذا الوجود بتلك الدِّقَّةِ التي يلحظها في تلك الكائنات حوله.
ثُمَّ مد الإنسان ببصره إلى داخل هذا الكون المعجز عن طرق الأدوات التي استحدثها فرأى عجبا لم يكن يخطر له على بال! رأى هذا الكون العجيب كله مكونا من ذَرَّات متناهية في الدِّقَّةِ لا تراها العين المجردة، إنما ترسمها الأدوات التي استحدثها الإنسان. في صورة شمس تدور حولها كواكب على ذات النمط الذي تتكون منه المجموعة الشمسية ولكن في دقة متناهية لا يدركها الحس. وفي كل قطعة صغيرة من المادة ملايين وملايين من هذه الذرات متراكبا بعضها مع بعض، ومشدودا بعضها إلى بعض، بذات القوة التي تمسك الكون كله بعضه إلى بعض، وتسمح له بالحركة الدائبة دون أن يصطدم أو يتناثر، والتي أطلق عليها اسم “قوة الجاذبية”.

بل رأى أعجب من ذلك حين فَتَّتَ الذَّرَّةَ وأطلق منها “الطاقة”.
إنَّ الذَّرَّةَ ليست “مادة” مصمتة كما كان يتخيل أول الأمر، وليست هي الصورة النهائية “للمادة” ولكنها جسيمات كهربية موجبة وسالبة ومتعادلة، يمكن تفتيتها وتفكيكها فتتحول إلى طاقة، والطاقة يمكن أن تتحول إلى مادة، ولا يوجد ذلك الحاجز الذي كان يتخيله بين المادة وبين الطاقة.. والكَوْنُ في النهاية طاقة تأخذ صُوَرَاً شتى. صورة متكتلة في هيئة المادة، وصورة منطلقة في هيئة شعاع ضوئي، وصورة منطلقة في هيئة جاذبية مغناطيسية، أو مغناطيسية كهربية تحير الألباب!
ورأي من بين ما رأى عجبًا عاجبًا في تكوين الجنين ونموه المتتابع حتى يصبح خلقا تام التكوين.
فهو في أصله بويضة ملقحة وحيدة الخلية، تتكاثر عن طريق الانقسام المستمر إلى خلايا جديدة متشابهة في التَّكوين ولكنها مُتَخَصِّصَة، وإلى أن تكون مضغة لا يظهر للعين ذلك التَّخَصُّص. ولكن في وقت معين مُقَدَّرٌ محدد. تصدر لكل خلية أوامر خفية، فهذه الخلية يصدر لها أمر أن تكون هي الأنف، وتلك الخلية يصدر لها أمر أن تكون هي العين، وثالثة يصدر لها الأمر أن تكون هي القلب. ثُمَّ تتكاثر كل منها على النحو المقدور لها فيتكون من تكاثرها أنف وعين وقلب وبقية الأعضاء..
ثُمَّ هناك “الجينات” أو “المورثات” متناهية في الصِّغَرِ كالذَّرَّاتِ.. عجيبة كل العجب في شأنها كله.
فكل جنس من أجناس الكائنات له عدد محدد من “الكروموسومات” حاملات الصِّفات الوراثية لا يتجاوزها في كل فرد من أفراده، تُحَدِّد له خصائصه كلها من أعضاء وقدرات وأعمال، فالكلب له عدد من “الكروموسومات” معين، والحصان له عدد معين، والقرد له عدد معين.. والإنسان هو أكثرها عَدَدَاً.. ولا يتجاوز كل جنس حدوده إلى جنس آخر، محكوما بعدد هذه الكروموسومات وما تحمله في داخلها من الخصائص.. فلا يستطيع القرد أن يكون إنسانا في يوم من الأيام ولا في جيل من الأجيال!
ثُمَّ هذا الإنسان، أعجب مخلوقات الله وأشدها إعجازا، وإن كان الخلق كله معجزا بالنسبة إلينا، وهينا بالنسبة للخالق الذي يقول للشيء كن فيكون، ولا يتعب في تشكيله وتكوينه كما تتعب المخلوقات!

عدد “الكروموسومات” بالنسبة للإنسان كله واحد، ولكن الإنسان أكثر كائنات الخلق تعددا في صوره وأشكاله، فهذا قصير وهذا طويل وهذا أبيض وهذا أسود، وهذا أزرق العينين وهذا داكن … وهذا عبقري وهذا خامل … وهذا موهوب في الأدب وهذا موهوب في الرياضيات … وهذا جَلِد صبور وهذا مستثار حائر.. كل إنسان تركيبة وحده، وهو مكون من ذات العناصر.. من ذات العدد من حاملات الصفات الوراثية التي يحملها “الإنسان” ولكنها في كل فرد غيرها في الفرد الآخر، فلا يكاد يتماثل اثنان في ملايين البشر في الجيل الواحد ولا في جميع الأجيال، بل تصل الدقة في بصمات الأصابع إلى حد تصبح معه من وسائل التَّعَرُّف؛ لأنَّها لا تتكرر في فردين اثنين من بين ملايين الأفراد!
كيف يحدث ذلك كله؟ كيف تحدث هذه العجائب التي لا ينقضي العجب منها سواءٌ في تكوين المادة أو في تكوين الكون كله. أو في المادة الحية من أول الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان، أو التَّنَاسُق و”التوازن” في بنية الكون، وخاصة ذلك التوازن الكائن في تلك المجموعة الشمسية التي منها أرضنا، والتي يتبدى التنسيق الدقيق فيها بحيث لو اختل عنصر واحد منها ما أمكنت الحياة على صورتها الحالية ولا أمكن استمرار الحياة.. لو اقتربت الأرض من الشمس أكثر تحترق الكائنات الحية ولو ابتعدت أكثر تهلك من الصقيع.. لو اقترب القمر من الأرض أكثر لارتفع المد حتى يغرق كل الأرض … ولو زاد الأكسجين لاشتعلت الكائنات ولو قل لم تجد كفايتها للحياة.
كيف يحدث ذلك كله؟ من غير خالق مدبر حكيم؟
ويتلقى الحس البشري إيقاعات من الحياة من حوله. الحياة ذاتها إعجاز.. كيف تكونت الحياة أول مرة من الموات؟
ثُمَّ كيف تعدَّدَتْ على هذا النحو الذي نراه، من نبات وحيوان وإنسان؟ ثُمَّ في أنواع النبات المختلفة وأنواع الحيوان المختلفة وأشكال الإنسان المختلفة؟
ما الحياة؟ ما سرها؟ من واهبها؟ وكيف يهبها؟
كيف “ينمو” الكائن الحي وتتغير أحواله من طور إلى طور..؟
والكائن البشري بالذَّات.. المعجز في كل تفصيلاته … كيف تتم عمليات النمو المختلفة فيه.. كيف يتعلم الكلام؟
إنَّ الكلام ذَاتُهُ معجزة لا يحيط بها العقل البشري! كيف تم للبشر أن ينطقوا بلغة ذات رموز وتراكيب؟ كيف تأتي للأصوات المبهمة أن تُكَوِّن ألفاظا محددة، وكيف تم للألفاظ أن تعبر عن المعاني.. وكيف تعدَّدَتْ اللغات التي تعبر عن ذات المعاني ما بين شعب من البشر وشعب، وكلهم “نوع” واحد. يعاني تجربة واحدة هي تجربة الحياة في هذه الأرض؟!
وهذه المعاني.. هذه الأفكار المجردة.. كيف تمت؟
وعملية التفكير ذاتها.. وعملية التَّذَكُّر.. كيف تتم هذه وتلك؟
وكيف “ينمو” هذا كله مع نمو الطفل.. كيف تنمو قدرته على الكلام، وقدرته على التفكير والتَّذَكُّر؟
وكيف اختص “الإنسان” -دون مقدمات من الكائنات الأدنى منه- بخاصية التفكير المجرد، وخاصية الرمز للأفكار بالكلمات ذات الأصوات والحروف والمقاطع، وخاصية الإبداع المادي والمعنوي، فصارت له حضارة وصار له تاريخ؟!
ثُمَّ.. ذلك الجانب الآخر من “الحياة” الذي يسمى “الموت”.
ما سره؟ كيف يحدث؟ من الذي يملكه؟
إنَّ الطفل -لفرط حيويته- يتخيل الوجود كله “حَيَّاً” مثله.. ويتخيل أنَّ الحياة هي الأمر الطبيعي لكل الأشياء.. فيتعامل مع اللعبة التي يلعب بها، كما يتعامل مع الباب والنافذة والكرسي والعصا على أنها كائنات حية، تفهم عنه لغته التي لم تتبلور بعد، وتتجاوب معه وإن لم تنطق بحرف!
ثم ينمو إدراكه ويعرف بطبيعة حال أن هناك أحياء حقيقيين، وأشياء أخرى لا حياة فيها، كان هو يخلع الحياة عليها في طوره السَّابق، واليوم يعلم أنَّها لا تتحرك من ذات نفسها ولا تأكل ولا تشرب ولا تتغير حالها كما تتغير أحوال الأحياء، ولكِنَّهُ من فرط حيويته لا يزال يخلع عليها الحياة وهو عالم بأنَّها غير حية في حقيقتها، ويكلمها ويتخيل أنها ترد عليه، ويضربها أو يربت عليها، ويتخيل أنها تتألم وتبكي أو تسر وتفرح، كما يتخيل الشاعر فيما بعد وهو يكلم الأطلال ويستوحيها ويناجي “الطبيعة” ويتخيل أنها ترد عليه!
ثُمَّ ينضج في يوم من الأيام حتى يدرك إدْرَاكا لا لبس في أنَّ هناك فارقا حاسما بين الأحياء وغير الأحياء من الكائنات؛ ولكنه بعد يفترض أن الحياة دائمة في الأحياء كما أنَّ الجمود دائم في الجوامد من الأشياء.
ولكنه ذات يومٍ يفاجأ بحقيقة الموت، وبأنَّ “الحياة” ليست دائمة كما كان يظن. ذلك حين يموت أمامه كائنٌ حَيٌّ يعرفه، سواء كان القطة التي كان يلهو بها، أو العصفور الذي يراه يقفز فوق الأغصان، أو قريبًا له كان يحبه ويتعلق به.. وعندئذ تفعل المفاجأة فعلها في نفسه، فتهزه من أعماقه وتثير الأسى في قلبه، ويظل التأثر بالموت يصاحبه كلما جَدَّ له داع من دواعيه.. حتى يأخذ دوره في الرَّكْبِ الرَّاحِلِ عن الحياة.
وتظل الظاهرتان معا، ظاهرة الموت وظاهرة الحياة، تهزان كيانه، وتبعثانه يتساءل: من وراء ذلك؟ من وراء الحياة يخلقها بكل مظاهرها، ومن وراء الموت الذي ينهي الحياة ويقف دفعتها عن السَّرَيَان؟! ويهتدي فيعرف الله على حقيقته، وأنه هو المحيي المميت، أو يضل فينسب الحياة إلى مصدر والموت إلى مصدر آخر كما كان يفعل “الدَّهْرِيُّون” أو ينسبهما معًا إلى آلهة آخرى غير الله. ولكنه يعلم -على الأقل- أنَّ واهب الحياة هو خالق الخلق فيتعبده ويترضاه.
ويتلقى الحس البشري إيقاعات كذلك من جريان الأحداث من حوله:
فهذا الوجود حوله ليس ساكنا في أي حالة من حالاته.
فهناك الليل والنهار حركة يومية دائبة تنقل الأشياء كلها من النور إلى الظلمة؛ ومن الظلمة إلى النور. وهناك دورة الفلك حركة سنوية دائمة تنقل الأشياء كلها من الربيع إلى الصيف، ومن الصيف إلى الخريف، ومن الخريف إلى الشتاء، ومن الشتاء إلى الربيع؛ مع ما يصحب ذلك من اختلاف مستمر في الحرارة والبرودة، والجفاف والرطوبة، واخضرار الزرع وجفافه، وإيناعه وإثماره، ونضجه وسقوطه، واختلاف مستمر في نشاط الإنسان وأحواله بما يناسب الجو وأحواله والعمل وأحواله.
وهناك حركة الحياة والموت في الأحياء لا بوصفها “ظاهرة” ولكن بوصفها حركة تنتج عنها أحداث، هذا يولد وهذا يموت، وهذا يكون صغيرًا فينمو، وصحيحًا فيمرض أو مريضًا فَيَصِحُّ. وهذا غني فيفتقر أو فقير فيغنى، وتدول دول وتولد أخرى، وتحدث حروب وسلم، وهزيمة ونصر، ورفع في مكانة الناس وخفض، وتقدم وتأخر، وعز وذل …
وتشد الأحداث انتباه الناس وتهزهم، فيروحون يتساءلون: هل هناك “رابط” بين الأحداث؟ وهل هناك “نظام”؟ أم إنَّها تحدث كيفما اتفق؟ وهل وراءها غاية أم يسير الوجود كله بلا هدف ولا غاية؟ وما الغاية إن كان هناك؟ ومن صاحب الغاية؟ ومن يُدَبِّر الأحداث؟ ويهتدي الإنسان إلى الحقيقة، فيعلم أنَّ مُدَبِّر الأحداث هو خالق الكون، وأنَّه يجري الأحداث بمشيئته وقدره، وأنَّ له حكمة من وراء ذلك يعلمها البشر أحيانا ويجهلونها أحيانا.. أو يضل فلا يعرف الغاية ولا يعرف الحكمة ويحسب الأمور تجري خبط عشواء.. ولكنه في كل حالة يعلم أن هناك مشيئة تجري بمقتضاها الأحداث، وأنَّها ليست مشيئة البشر إنَّما مشيئة كائن أعلى من البشر، فيشعر نحوه بالرَّهْبَةِ وقد يشعر نحوه بالإجلال.
ويتلقى حس الإنسان إيقاعات “ذاتية” دائمة من شعوره الدَّائم بالعجز.. يولد الطفل عاجزًا تمام العجز لا يقدر على شيء. ولولا رعاية الذين يحيطونه وإمدادهم له بالغذاء وقضاؤهم له حاجاته ما استطاع أن يعيش، ورويدًا رويدًا يقدر على شَيْءٍ من الحركة وهو محمول في حضن والديه أو المكلفين برعايته، حتى يستطيع في وقت من الأوقات أن يجلس مُسْتَقِّلًا بعض الشَّيْءِ. وفي اللحظة التي “يقدر” فيها على الجلوس يحس “بالعجز” عن المشي! ويجاهد حتى يتمَكَّن أخيرًا من الحَبْوِ على الأرض.
وفي اللحظة التي يقدر فيها على الحَبْوِ يحس بالرَّغْبَةِ في الوقوف والعجز عن تحقيق تلك الرَّغْبَةِ! وفي مرحلة تالية يتمكن من الوقوف ولَكِنَّهُ يحاول المشي فيقع على الأرض ويحس بالعجز عن تحقيق ما يريد.. وتمضي الأيام والسُّنون فيمشي ويجري ويخرج إلى الطريق ويتعلم العلم ويحس “بالقدرة” على أشياء كثيرة لم يكن يقدر عليها من قبل …
فهل تنقضي رغباته؟ وهل يكف عن الشعور بالعجز؟
كلا! إنه هكذا رُكِّبَ في طبيعته.. كلما حقَّقَ حلما راح يشتاق جديدًا، ولم يقنع بما وصل إلى تحقيقه بالفعل، حتى حين ركب الصَّاروخ ووصل إلى القمر ونزل على سطحه.. حتى حين سيطر على كثير من شئون البيئة من حوله ونظمها حسبما يريد.. حتى حين اخترع من الآلات ما صار يحقق في جزء من الثانية ما كان يستغرق منه السَّاعات والأيام والشُّهور ولا يحكم تنفيذه.. حتى حين وصل إلى ذلك كله فهل رضيت نفسه، وقال: لقد حَقَّقَت وجودي كاملًا فما أرغب المزيد؟!

كلا! إنَّه يريد في حقيقة الأمر شيئًا لا يقدر عليه، ويحس “بالعجز” الدَّائم عن تحقيقه، يريد أن يسيطر على الكون، يريد أن يقول للشَّيْءِ كن فيكون!
ويعلم الإنسان في دخيلة نفسه أنَّه عاجز عن تحقيق ذلك، وأنَّه مهما أوتي من القدرة والسيطرة على بعض جوانب الوجود؛ فإنَّ بينه وبين السَّيْطَرَةِ الحقيقية التي يحلم بها أمدًا لا يمكن بلوغه؛ لأَّن مدى قدرته محدود بحدود، ومدى عمره محدود بحدود، ومدى تمتعه -في عمره المحدود- بالصِّحَّةِ والقوة والنشاط والقدرة محدود بحدود!
وهكذا يشعر الإنسان بالعجز كلمَّا شعر بالقدرة، ولا يصفو له قط الشُّعور بالقُدْرَة الكاملة التي يحلم بها في كل مراحل عمره، فضلًا عن أنواع العجز التي يعلم أنَّها مفروضة عليه لا محالة، ومن بينها الموت الذي يعجزه عن الخلود!
ومن شعور الإنسان بالعجز الدَّائم الذي يلاحقه حتى آخر لحظة من حياته يلتفت الحس البشري إلى الكائن الذي لا يعجزه شَيْءٌ في السَّموات ولا في الأرض!
كل شيء يعجز عنه هو يقدر عليه ذلك الكائن الذي لا يُعْجِزَهُ شَيْءٌ!
الخَلْقُ من العَدَمِ بادئ ذي بدء، والسَّيْطَرُة المطلقة على كُلِّ شَيْءٍ، والتَّسْخِير المطلق لِكُلِّ شَيْءٍ، والقوة التي لا يقهرها شَيْءٌ وهي تقهر كُلَّ شَيْءٍ، والمشيئة التي تحقق كُلَّ شَيْءٍ في لمح البصر؛ لأنَّها تَقُولُ للشَّيْءِ كن فيكون..
والخلود الأزلي الأبدي صفة يتفرد بها ذلك الكائن الذي لا يعجزه شيء.. وكل ما عداه يفنى ويزول..
عندئِذٍ يتحول الحس إلى ذلك الكائن الذي قدرته لا تحد.. فيهتدي، ويعرف الله على حقيقته ويعبده حق عبادته، أو يضل فيظن ذلك الكائن هو الشمس أو القمر أو النَّجم أو الرُّوح القاطن في الوثن الذي ينحته بيديه.. ولكنه يعلم في كل حالة أنَّه هناك. أنَّه موجود. وأنَّه إِلَهٌ، وأنَّه معبود، فيتقدم إليه بالشعائر، ويلتزم نحوه بلون معين من السُّلُوك.
رغبة أخرى من رغبات الإنسان لا تقل عُمْقَاً في نفسه عن رغبة السَّيْطَرة ورغبة الخلود، يحس فيها الإنسان بالعجز المطلق الذي لا تُحِدَّهُ حدود، تلك هي رغبته في استكناه الغيب!
الرَّغْبَة في معرفة الغيب قديمة قدم الإنسان على الأرض، وستظل تصاحبه طالما كان هناك بشر يعيشون في الأرض!

يريد الإنسان أن “يطمئن” على حياته.
كم سيعيش؟
هل يسلم من الأحداث؟
هل يستمتع بالقوة والصِّحَّة والنَّشاط والحيوية فيما قدر له من العمر؟
هل يحقق أحلامه؟ يتزوج ويسعد ويحصل على الثروة والجاه.. أو يكون بطلًا مجاهدًا.. أو يكون زعيمًا قائدًا.. أو..
ماذا يكسب غدًا؟
بأي أرض يموت؟
عشرات من التساؤلات ومئات.. يريد أن يعرفها “ليطمئن”..
ويروح يستكنه الغيب فلا يقدر..
لا غيب السَّنوات القادمة ولا الشُّهور ولا الأيام، بل غيب السَّاعات القليلة القادمة.. بل غيب اللحظة المقدمة عليه. التي دخل أولها من الباب وما زال آخرها محجوبا بحجاب!
كيف يقدر والغيب وراء الأستار؟!
هل تنزاح الأستار؟!
يمضي الإنسان -في جاهليته- نحو الكاهن والعَرَّاف، يستلهمه أمر الغيب، ويتعلق بكل كلمة تخرج من شفتيه كأنَّها أسرار الغيب الحقيقي.. ولكن.. هل يستيقن؟ هل “يطمئن”؟
وحين يهتدي يعرف أنَّ الكاهِنَ والعَرَّافَ والمُنَجِّمَ وضارب الرَّمل والشياطين والجن كلهم محجوبون مثله عن الغيب، فيكف عن طلب الغيب منهم، ولكن هل تغادره الرَّغْبَة في أن يعلم سر الغيب ويطمئن على نفسه ومن يحبهم من حوله ويخاف عليهم؟
يروح يستلهم حسه الباطن.. ويستلهم الرُّؤى.. ويستلهم تلك القوة الخفية في نفسه التي تقدر على الاستشفاف.. ولكن هل يستيقن؟ هل “يطمئن”؟.
كلا! إنَّه يشعر بالعجز الكامل عن النَّفَاذِ وراء الأستار، ويظل الغيب المحجوب ملفعا بالحجاب..
عندئذ يتحول الحس إلى من لا يعزب عنه مثقال ذَرَّة في السَّموات ولا في الأرض؛ لأنَّه هو العليم بكُلِّ شَيْءٍ، وهو خالق الأحْدَاث والأَشْيَاء وكل شيء سائر بمشيئته وحده لا بمشيئة أحد سواه.

ويهتدي فيعرف أن الله الحق علام الغيوب، أو يضل فيظنه كائنا آخر.
ولكنه يعلم دائمًا أنَّ أسرار الغيب مكشوفة للكائن العلوي الذي يخلق ويبدع وينتهي إليه مصير كل شيء.. فيعبده لونا من العبادة، ويلتزم نحوه بلون من السُّلوك.
تلك بعض منافذ الفطرة التي تتلقى إيقاعات الكون والحياة، فتستيقظ من غفلتها إن كانت غافلة، فتروح تبحث عن الله سواء اهتدت إلى اللهِ الحَقِّ أم ضلت في الطريق.
لذلك فإنَّ الفطرة دائمًا تعرف وجود الله، وتؤمن به في داخل أعماقها، وإن ضلت عن الهدى فتصورت الله على غير حقيقته أو أشركت به آلهة مزعومة ليس لها وجود.
أمَّا أن تنكر الفطرة وجود الله أصْلًا، وتقول إنَّ الخَلْقَ قد وجد بلا خالق.. فبدعة في الضَّلاِل غير مسبوقة في التاريخ.
صحيح أنَّ الحس البشري بحكم الإلف أو العادة يَتَبَلَّد..
يَتَبَلَّد على المنظر المكرور فلا يعود يهزه كما هَزَّهُ أول مرة. ويَتَبَلَّد على المعنى المكرور أو الحدث المكرور فلا يعود يستجيش مشاعره كما استجاشها أول مرة، فيعيش في وسط الآيات غافلًا عن دلالتها ويموت قلبه فلا يتحرك لمعنى الألوهية كما ينبغي له أن يتحرك.. فيعيش كما تعيش السَّائمة:
{أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (8).
وصحيحٌ أنَّ البشرية حين يطول عليها الأمد “تتعب” من الإيمان بما لا تدركه الحواس، وتتجه إلى المحسوس، فتنشئ آلهة محسوسة تعبدها من دون الله أو تعبدها مع الله، في صورة أوثان وأصنام، أو في صورة بشر، أو في صورة أفلاك.. وذلك لأَنَّ الإيمان بما لا تدركه الحواس يستلزم أن يكون الإنسان في وضعه الطبيعي -أو الفطري- كما خلقه الله، تعمل كُلُّ أجهزته في وقت واحد، فتعمل أجهزة الإدراك الحسي جنبا إلى جنب مع أجهزة الإيمان المعنوي أو الإيمان بما لا تدركه الحواس، عَمَلًا فطريا طبيعيا متناسقا ينتج عنه الإيمان بالله عن طريق رؤية آياته في الكَوْنِ، والإيمان به إيمانًا مباشرًا عن طريق الرُّوح، فَيُعَمِّق كل منهما الآخر فيصل إلى درجة اليقين.
__________
1 سورة فصلت: 37.
2 سورة النجم: 49.
3 سورة الزمر: 3.
4 سورة الأعراف: 172.

5 سورة محمد: 19.
6 سورة هود: 61.
7 سورة الروم: 30.

8 سورة الأعراف: 179.

فإذا طال على البشرية الأمد يحدث “هبوط” في كيان الإنسان، يعطل أجهزة الإدراك المعنوي تعطيلا جزئيا أو كاملا، وتبقى أجهزة الإدراك الحسي هي التي تعمل، وعلى قدر الهبوط يكون نوع الشِّرْكِ ودرجته، فيظل صاحبه مؤمنًا بالله ويشرك به آلهة محسوسة، أو يؤمن بالآلهة المحسوسة وحدها من دون الله.
وصحيحٌ أنَّ البشرية في حالة هبوطها تجنح إلى ثقلة الأرض فتشدها الشَّهَوَات إلى أسفل، فتتفلت من تكاليف الدِّين والتزاماته، تتفلت من “قيد الإنسان” الذي تصاحبه “حرية الإنسان” وتجنح إلى “حرية الحيوان” التي تصاحبها قيود الحيوان(1) ولَكِنَّها -في مبدأ أمرها على الأقل- تحب أن تسند هذا التَّفَلُّت بأمر شرعي! {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} (2).
ورويدًا رويدًا تحتاج إلى اختراع آلهة تسند إليها ذلك التَّفَلُّت، من البشر أو غير البشر، تتخذ أربابا مع الله أو من دون الله:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (3).
وصحيحٌ أنَّ الطُّغَاة في الأرض يضيقون بالقيد الرَّبَّاني الذي يجعلهم عبيدًا لله ككل العبيد، خاضعين لأمره منفذين لشريعته، ويريدون أن يكون لهم السُّلْطَان الطَّاغي في الأرض، ويريدون أن يكون الولاء لهم لا لله، فيضيقون دائمًا بديانة التَّوْحِيد، وبإخلاص العبادة لله وحده، فيفرضون أنفسهم بالقوة الغاشمة وبالإرهاب أربابا من دون الله أو مع الله، هم الذين يُشَرِّعُون، وهم الذين يفرضون التَّشْرِيعَ، وهم الذين يعاقبون “عبيدهم” إذا خرجوا على ذلك التَّشْرِيعِ.
وفي هذه الحالات كلها يقع الشِّرْكُ الذي تجنح إليه البشرية كلما ضَلَّتْ الطريق، ولكنها في كل حالاتها السابقة لم تكن تنكر وجود الله.
وحتى فرعون حين قال لموسى عليه السلام: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} (4).
وحين قال لهامان: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} (5).
وحين قال لقومه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (6).
وحين قال لهم: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (7).
لم يكن ينكر وجود إِلَهٍ خالق لهذا الكون، ولم يكن يقصد أنَّه هو الإله الخالق، والدَّليل على ذلك قول الملأ من قومه له:{أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ} (8).
فقد كان له إِلَهٌ يعبده، هو الذي يؤمن بأنَّه خالق السَّموات والأرض وخالق الكون كله(9)، وعلى الرَّغم من أنَّه -كما سجلت الآثار الفرعونية- كان يُدْعَى “الإله ابن الإله” وكانت تقدم له شعائر التَّعَبُّد من ركوع وسجود كما كانت تقدم لقيصر وكسرى، إلا أنَّ ألوهيته وبنوته للإله الأكبر كانت في حسه كما هي في حس “الجماهير” من قومه ألوهية مجازية لا حقيقية. وكان يقصد من أقواله لموسى وهامان ولقومه أمرين في آن واحد: الأمر الأوَّل أنَّ الإِلَهَ الذي يتحدث عنه موسى عليه السلام، ويقول إنَّه مرسل من عنده، ويعطي نفسه بناء على ذلك سُلْطَانًا يأمر به فرعون وينهاه، ويطلب منه أن يطلق سراح بني إسرائيل، هذا الإله لا وجود له، وموسى كاذب في دعواه بوجوده، وبإرساله من عنده، إنَّما الإِلَهُ الموجود حقيقة هو الإِلَهُ الذي يعبده هو وقومه، وينحتون له التَّمَاثِيل ويرسمون له الرُّسوم، الإِلَهُ المحسوس الذي تعبده الجاهلية هبوطا منها عن الإيمان بما لا تدركه الحواس! والأمر الثاني: -وهو مشتق من الأول- أنَّه يقول لقومه خاصة: ما علمت لكم من سُلْطَةٍ تأمر فَتُطَاع إلا سُلْطَتي، فأطيعوني ولا تطيعوا ذلك الخارج عن سلطاني، والذي يزعم أنه صاحب الكلمة التي ينبغي أن تطاع.
وحتى النَّمْرُود حين حاجَّ إبْرَاهِيمَ في ربِّهِ؛ لأنَّه يرى نفسه مَلِكَاً ذا سلطان وإبْرَاهِيمُ فَرْدٌ من أفراد “الشَّعب” لا يحق له أن يناقش صاحب السُّلطان ولا يأمره ولا ينهاه.. لم يكن يعتقد أنَّه هو الإله الخالق، إنَّما كان يصدر عن كبر أجوف بإزاء إبراهيم عليه السلام، ولكن في حماقة أشد من حماقة فرعون الذي كان يعلن على الملأ أنَّ له إِلَهَاً يعبده هو وقومه.. أمَّا النَّمرود فَقَدْ جَرَّه الاستكبار على إبْرَاهِيمَ إلى الادِّعاء بأنَّ له سلطانا في الأرض يشبه سلطان الله، وأنه -مثل الله- يحيي ويميت! حتى حاجَّهُ إبْرَاهِيمَ عليه السلام فأخرسه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} (10).
وهذا الشِّرْكُ -الذي ينجم عن مثل الأسباب التي ذكرناها في الفقرة السَّابقة- هو الذي يبعث الرُّسل لتقويمه وتصحيحه، ويوقع الوحي الرباني على ذات الأوتار التي خلقها الله في الفطرة، وجَعْلَها تهتز لإيقاعات الكون والحياة. فتستيقظ من غفلتها إن كانت غافلة، وتروح تبحث عن الله لتعبده وتخشاه.
فعن الكون بضخامته المعجزة ودقته المعجزة وما يحدث فيه من حركة معجزة يقول الوحي الرباني:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (11).
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (12).
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} (13).

{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} (14).
__________
1 انظر الفصل القادم.
2 سورة الأعراف: 28.
3 سورة التوبة: 31.
4 سورة الشعراء: 23.

5 سورة غافر: 35، 36.
6 سورة القصص: 38.

7 سورة النازعات: 24.
8 سورة الأعراف: 127.
9 هو الإله “آمون” الذي يرمزون له بقرص الشمس.

10 سورة البقرة: 258.
11 سورة البقرة: 64.
12 سورة الأعراف: 54.
13 سورة لقمان: 10.

14 سورة الفرقان: 45، 46.

وعند قدرة الله لا في الخلق فحسب، بل في تنويع الخلائق كذلك:
{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (1).
{وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (2).
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (3).
وفي أطوار الجنين:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (4).
وفي عجائب الخلق في الأرض عامة وفي الإنسان خاصة:
{وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (5).
وفي الموت والحياة:
{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (6).
{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (7).
{هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (8).
في جَرَيَانِ الأحداث:
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (9).
وفي العجز البشري مقابل القدرة الإلهية:
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ، أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ، أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ، أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ، أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ، أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (10).
وفي علم الغيب خاصة:
{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ … } (11).
{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (12).

{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13).
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (14).
__________
1 سورة الأنعام: 99.
2 سورة الرعد: 4.
3 سورة فاطر: 27، 28.
4 سورة المؤمنون: 12-14.
5 سورة الذاريات: 20، 21.
6 سورة الملك: 1، 2.

7 سورة الزمر: 42.
8 سورة غافر: 68.
9 سورة آل عمران: 26، 27.
10 سورة الطور: 35-43.
11 سورة الرعد: 8-11.
12 سورة سبأ: 2، 3.

13 سورة لقمان: 34.
14 سورة الأنعام: 95.

والقرآن كله في الحقيقة توقيعات على أوتار القلب البشري لاقتلاع كل دواعي الشِّرْكِ واستنبات بذرة الإيمان.
فأمَّا الغفلة التي ترين على القلب بحكم الإلف والعادة، فالقرآن يستعرض آيات الله في الكَوْنِ بطريقة موحية تعرضها كأنَّما يشهدها الحِسُّ لأوَّلِ مرة فيتلقى شحنتها كاملة، ويتيقظ لدلالتها يقظة كاملة. فإذا استثير الوجدان بالآيات المعروضة على هذا النَّسَق الفريد، قال له الحقيقة المطلوبة: “ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ” فيتلقى الوجدان الحقيقة حَيَّةً متحركة تزيل عنه الغفلة وتذهب عنه “الرَّان”.. فيتطلع القلب إلى الله، شَاعِرَاً بعظمته، مُقِرَّاً بألوهيته وربوبيته، مستيقنًا بوحدانيته، فيعبده وحده بلا شريك.
وأمَّا الهبوط الذي تهبط به البشرية عن الإيمان بما لا تدركه الحواس، فإنَّ القرآن يعيد الرُّوح البشرية إلى طلاقتها وإشراقها، تارة بعرض سَعَةِ الكون الهائلة وإحاطة قدرة الله بها، وتارة بعرض الدِّقَّةِ المعجزة في الكون وارتباطها بقدرة الله، وتارة بعرض إحاطة علم الله بِكُلِّ ما في الكون من أشياء وأشخاص وأحداث، وتارة بعرض مشاهد القيامة حية مجسمة كأنَّها الحاضر الذي يعيشه الإنسان في هذه اللحظة، والحياة الدُّنْيَا كأنَّها ماض كان منذ زمانٍ سَحِيقٍ، وتارة باستجاشة الوجدان بآيات رحمة الله بالإنسان ورعايته له في سرائه وضرائه، وتارة بعرض هيمنة الله المطلقة على كُلِّ شَيْءٍ في هذا الكون، سماواته وأرضه وأفلاكه، وناسه وأحداثه، سواء في الحياة الدُّنْيَا أو الآخرة، يوم يبعث الموتى ويُعْرَضُون للحساب {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} (3)، {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} (4).
وحين يخاطب القرآن “الإنسان” كله، من جميع جوانبه، وفي كل حالاته، يعود إلى وضعه الفطري، فتعمل أجهزته كلها في وقت واحد، فتعود لأجهزة الإيمان بما لا تدركه الحواس حيويتها الطبيعية، فيؤمن الإنسان بالله الذي {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (5) بلا جهد يبذله في ذلك الإيمان، بل بشعور عميق بالطُّمَأْنِينَة والرِّضا والاسترواح والسَّكينة التي تغمر القلوب.
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (6) فتصبح لحظات القلق هي لحظات البعد عن النُّوُرِ الإِلَهِيِّ الفياض وساعات الرِّضا هي ساعات الاقتراب.
وأمَّا ثقلة الشَّهَوَات التي تجنح بالإنسان إلى التَّفَلُّت من أمر الله، وتؤدي به في النِّهَاية إلى ألوان مختلفة من الشِّرْكِ، فإنَّ القُرْآنَ يرفع الإنسان عنها بتوسيع آفاقه، ورفع اهتماماته، وتوجيه طاقاته إلى جوانب الخير في الحياة. فيحدث “التَّسَامي” أو “التَّصْعِيد” الذي يُطَهِّر النَّفس من الأرجاس:
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} (7).
وحين تصل النفس إلى هذه الرِّفْعَةِ فإنَّها لا تعود تستنكر القيد الرباني وتسعى إلى التَّفَلُّت منه، بل تحس أنه القيد الذي يمنح الإنسان الحرية اللائقة به.. حرية الإنسان. وتعود تنفر من ذلك الهبوط الذي كانت تتشهاه من قبل، وتلمس فيه القيود الكريهة التي لم تكن تراها من قبل.. قيود الحيوان.. وعندئذ تُقْبِلُ النَّفْس على الله راضية بعبادته وحده دون سواه.
وأمَّا الطُّغَاةُ الذين يستعبدون الناس في الأرض، ويصنعون من أنفسهم أربابا مع الله أو من دون الله، ويسوقون الناس إلى الشِّرْكِ في نهاية المطاف، فالوحي الرباني يُجَنِّدُ النفوس المؤمنة لجهادهم وإجلائهم من الأرض على أساس من إخلاص العبادة لله، ذلك الإخلاص الذي يتضمن الاعتقاد اليقيني في القلب بوحدانية الله، والتوجه بالشعائر التعبدية لله وحده، وتحكيم شريعة الله وحدها، ورفض أي شريعة أخرى لم يأذن بها الله.
وبهذه الوسائل كلها مجتمعة تفيء الفطرة إلى سوائها، وتعود إلى صفائها، ويصبح الإنسان في أحسن تقويم.
ولقد كانت “مؤهلات” الشِّرْكِ كلها قائمة في الجاهلية المعاصرة منذ “النَّهْضَة الأوروبية” إلى اليوم، مِمَّا ران على القلوب من غفلة، ومن الهبوط الذي يُعَطِّلُ أجهزة الإيمان بما لا تدركه الحواس، ومن الهبوط الخلقي واتباع الشَّهَوات؛ ومن تحكيم غير شريعة الله.
ولكن لأمر ما لم تؤد هذه “المؤهلات” بأوروبا إلى الشِّرْكِ -كما كان شأنها في الجاهليات السَّابقة- ولكنها أدَّت بها إلى الإلحاد!
ولا بد من وقفة لدراسة هذا الأمر الذي لا مثيل له من قبل في كل جاهليات التَّاريخ.
الكنيسة الأوروبية -بحماقاتها- هي المسئول الأول عن ذلك ولا شَكّ.
فهذه الحماقات هي التي أدَّت إلى جعل العِلْمِ بَدِيلًا من الدِّينِ، وجعل السَّبب الظَّاهر بَدِيلًا من السبب الحقيقي، وجعل الطبيعة بَدِيلًا من الله.
فالعلم – في وضعه الطبيعي- ليس بَدِيلًا من الدِّينِ، إنَّما هو نافذة من نوافذ المعرفة التي تؤدي في النِّهَايَةِ إلى المعرفة الحَقَّةِ بالله، ومن ثَمَّ إلى إخلاص العبادة لله، حين يدرك العقل البشري عظمة الخلق ويَطَّلِع على أسراره العجيبة التي تحير الألباب: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (8).
وحين قالت أوروبا إنَّ الدِّينَ قد أخلى مكانه للعلم وإنَّ العلم هو البديل من الدِّين، لم تكن تتحدث عن حقيقة موضوعية ولا حقيقة مطلقة.. إنما كانت تتحدث عن “واقع” حدث في أوروبا بسبب حماقة الكنيسة حين حاربت العلم والعلماء، وخيرتهم بين اتباع الخرافة للمحافظة على “الدين” -دينها الذي ابتدعته وشكلته على حسب أهوائها- وبين اتباع العلم والخروج من الدين.
وقد اختار العلماء اتباع العلم؛ لأنَّهم يعرفون قدره. ويعلمون أنَّه أَحَقُّ بالاتباع من الخرافة، فلما طَرَدَتْهُم الكنيسة من “الدين” كان العلم -بالنسبة إليهم- هو البديل من الدين، لا لأنَّه في الحقيقة بديل عنه، ولا لأنه بطبيعته يغني عنه، ولكن لأنَّ حماقة الكنيسة وضعت الأمور في هذا الوضع.
والسبب الظاهر ليس بَدِيلًا عن السَّبب الحقيقي؛ لأنَّه يفسر فقط كيف تحدث الأشياء على النَّحْو الذي تحدث به، ولكِنَّه لا يفسر لماذا كانت الأشياء على هذا النَّحْو!
__________
1 سورة طه: 108.
2 سورة طه: 111.

3 سورة الأنعام: 103.
4 سورة الرعد: 28.
5 سورة آل عمران: 14-17.

6 سورة فاطر: 28.

فقانون السببية يفسر كيف يتحول الماء إلى بخار بالتَّسْخِين، ولكنه لا يفسر لماذا كان التَّسْخِينُ يُحَوِّل الماء إلى بخار! فلولا أنَّ الله خلق الماء على النحو الذي يجعله التسخين يتحول إلى بخار ما تحول!
بعبارة أخرى: إنَّ العلم بخواص المادة يفسر لنا الظواهر التي تحدث في عالم المادة، ولكِنَّه لا يفسر لنا لماذا كانت المادة بهذه الصورة وبهذه الخواص، ذلك أن هذه الصُّورة ليست هي الصُّورة الوحيدة الممكنة عَقْلًا.. بل هي إحدى الصُّور الممكنة، وقد كان يمكن -لو أراد الله- أن تكون على صورة أخرى وذات خواص مختلفة. فالذي جعلها على هذه الصورة، وأعطاها هذه الخواص هو مشيئة الله وحدها. وهذا هو السَّبب الحقيقي الذي لا يغني عنه معرفة السَّبب الظاهر، وإلى ذلك تشير سورة الواقعة:
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} (1).
وحين قال علماء أوروبا في عصر النَّهضة وما بعده إنَّ السَّبب الظاهر بديل من السَّبب الغيبي، أو إنَّ “الطبيعة” بديل عما “وراء الطبيعة” لم يكن ذلك حقيقة موضوعية ولا حقيقة مطلقة.. إنما كان “واقعا” عاشته أوروبا بسبب حماقة الكنيسة، التي كانت تمنعهم -أو لا تتيح لهم- أن يبحثوا عن السبب الظاهر، وتبرز لهم السبب الغيبي وحده مع إبقائهم في ظلمات الجهل، فلما اكتشفوا السَّبب الظاهر، وانبهروا “بالعلم” الذي كشف لهم -عن طريق معرفة السبب الظاهر- آفاقا لم يكونوا يعرفونها من قبل. كان الأمر الواقع بالنسبة إليهم أنَّ السَّبب الغيبي لم يعلمهم شيئا عن ظواهر الكون المادي من حولهم، وأنَّ السبب الظاهر هو الذي علمهم؛ ومن ثَمَّ كان وضع السَّبب الظاهر بَدِيلًا من السَّبب الغيبي هو الأنسب لهم والأكسب! فقالوا قولتهم من واقعهم الضَّيْقِ الذي عاشوه، وخُيِّلَ إليهم في بهرة “العلم” أنَّ ما يقولونه هو الصَّواب!
وحين جعلت أوروبا الطبيعة بديلا من الله لم يكن ذلك -كما بينا في فصول الكتاب الأولى- إلا مهربا من إِلَهِ الكنيسة الذي تستعبد الناس باسمه وتفرض عليهم الإتاوات والعشور، والخضوع المذل لرجال الدِّينِ، مع محاربة العلم، والحَجْر على حرية الفكر، ومع الوقوف الظالم مع رجال الإقطاع ضد المطالبين بالإصلاح.. ولم يكن قط حقيقة علمية، وإن بلغ الحمق “بالعلماء” أن يُصَدِّقوا الخرافة، ويقدموها على الحقيقة، ويصنعوا ذلك باسم “العلم”(2).
ولكن هذا كله على أي حال كان إلحاد “العلماء” و”الفلاسفة” و”المفكرين” أمَّا الجماهير فكانت ما تزال تؤمن “بالدِّينِ” ولا نتعرض هنا لما كان في ذلك الدِّينِ الذي آمنت به الجماهير من تحريف وتشويه وخرافة.. وإنما نتحدث عنه باعتبار أنه “دين” يحوي على أقل تقدير إيمانا بوجود الله وإيمانا بالوحي، وإيمانا باليوم الآخر، وفي مقابل “اللادين” … في مقابل الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله، وإنكار الوحي، وإنكار اليوم الآخر …
كيف انتقلت الجماهير من الدين إلى اللادين؟
الكنيسة هي المسئول الأول ما تزال..
والفتنة بالعلم من الأسباب.
والعودة إلى “الحضارة الإغريقية” أو بالأحرى “الجاهلية” الإغريقية الوثنية هي كذلك من الأسباب. فقد كانت تلك الجاهلية بالذَّات تصور العلاقة بين الإنسان والآلهة علاقة صراع وخصام متبادل. الآلهة تريد أن تقهر الإنسان وتستذله، وتتشفى في كُلِّ مصيبةٍ يقع فيها، والإنسان يريد أن يلقي عنه نير الآلهة وينطلق بفاعليته دون قيود(3).
والعودة إلى “الحضارة” الرومانية أو بالأحرى “الجاهلية” الرومانية هي كذلك من الأسباب، فقد كانت تلك الجاهلية بالذَّات تزين للإنسان لذائذ الحس والفتنة بها إلى حد الاستغراق مع كل ما تبدعه في الأرض من رقي مادي وتنظيم، ولكن هذه الأسباب كلها مجتمعة كان يمكن أن تؤدي إلى الشِّرْكِ -كما أدَّت إليه في كل جاهلية سابقة- ولم يكن من الضَّروري -ولا من الطبيعي- أن تؤدي إلى الإلحاد بين الجماهير.
إنَّما الذي نشر الإلحاد في الأرض -تأسيسا على هذه الأسباب كلها، واستغلالا لها- كانوا هم اليهود!
كتب اليهود في “البروتوكولات”(4) أنهم سينشرون الإلحاد في الأرض … وقد نشروه بالفعل.
الثورة الفرنسية.. الداروينية.. الثورة الصناعية … النظريات “العلمية” التي تهاجم الدِّينَ والأخلاق والتَّقاليد … إنشاء مجتمع بلا دين ولا أخلاق …
ما بنا من حاجة لأن نعيد شيئا مما قلناه من قبل، وإنما نُذَكِّر فقط بهذه الحقيقة: أنَّ اليهود استغلوا الأحداث التي هيأتها لهم حماقة الكنيسة، وردود الفعل التي نشأت من تلك الحماقة، فركبوا الموجة إلى نهايتها، ونفذوا كل ما في جعبتهم من مخططات الإفساد في الأرض، لاستحمار الأمميين واستعبادهم لصالح الشعب الشرير.
والإلحاد بالذَّات هدف أساسي من أهداف المخطط الشرير.. فالهدف الأخير من المخطط كله هو إزالة كل دين في الأرض، ليبقى اليهود وحدهم في الأرض أصحاب الدين!
__________
1 سورة الواقعة: 58-70.

2 راجع أسطورة “بروميثيوس” سارق النار المقدسة، وانظر إن شئت ملخصا لها في كتاب “قبسات من الرسول”.
3 بعض الذين يتمسكون “بالمنهج العلمي” يشككون في حجية كتاب “البروتوكولات” كوثيقة ويضعون في الاحتمال أن يكون بعض الناس قد تقولوا عليهم ما جاء في البرتوكولات. ونحن لا نقطع بصحة الكتاب من الناحية الوثائقية البحتة. ولكن ذلك -في نظرنا- لا يؤثر في صدق ما جاء في ثنايا الكتاب! لأنه سواء كان هذا الكلام كلام اليهود بالفعل أو كلام إنسان أتيح له أن يطلع على فكر اليهود ويترجمه في هذه الصورة، فإنَّ كل ما جاء فيه قد نُفِّذَ بالفعل! جاء فيه أنهم سينشرون الإلحاد ونشروه. وجاء فيه أنهم سينشرون الشيوعية ونشروها، وجاء فيه أنهم سيضحكون على الأمميين بشعار الحرية والإخاء والمساواة وضحكوا بالفعل، فسواء كان هذا كلامهم أو كان ترجمة أفكارهم فالنتيجة الأخيرة واحدة.. أن هذه مخططاتهم وقد نفذوها بالفعل في غفلة من الأمميين!
4 راجع فصل “دور اليهود في إفساد أوروبا” في أوائل الكتاب.

إنَّ اليهود في هذه المرة لم يفسدوا عقائد الأمميين كما كانت محاولاتهم السابقة في التاريخ، إنَّما أفسدوا فطرتهم. وقد أسلفنا القول بأنَّ الفطرة -وإن ضلت- لا تتجه إلى الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله وإنَّما تتجه إلى الشِّرْكِ. فاتجاهها إلى الإلحاد في الجاهلية المعاصرة ليس مجرد ضَلالٍ ككل ضَلالٍ سابق، إنَّما هو فساد في أعماق الفطرة قام به اليهود استغلالًا للأرضية الفاسدة التي كانت قائمة في أوروبا منذ “الَّنهضة”. وسواء كان الجهد الذي بذلوه في هذا الشَّأن عسيرا أو ميسرا فقد استغرقوا قرابة قرنين من الزَّمان حتى وصلوا به إلى صورته الشَّاملة الموجودة اليوم في الأرض، سواء في المعسكر الشرقي حيث يفرض الإلحاد فرضًا في مناهج التعليم ووسائل الإعلام ويعاقب من يضبط “متلبسا” بمجرد الحديث في الدِّينِ لفتى أو فتاة دون سن الرشد …
أو المعسكر الغربي حيث لا يفرض الإلحاد على الناس بتلك الصُّورة ولكن يُشَجَّع الناس عليه بكل وسائل التَّشْجِيع!
والإلحاد لا يستحق منا مناقشة “علمية” جادة؛ لأنَّه ليس من الأمور الجادة التي عرضت للبشرية في مسيرتها على هذه الأرض؛ إنما هو عبث صنعه الشياطين وأوقعوا فيه المستغفلين من الأممين في فترة كانوا فيها {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} (1) ولقد كانت “الحمر” فارة من طغيان الكنيسة وحماقاتها، فأسرع الشياطين فركبوها وألهبوا ظهورها بالسِّياط لتجري إلى آخر المشوار، بدلًا من أن تفيق من نفرتها المجنونة وتفيء إلى الدِّينِ الصَّحيح الذي يخلصها من كل ما كانت تشكو منه من مشكلات أو انحرافات أو حماقات..
وقد تحدثنا في مقدمة هذا الفصل عن بعض منافذ الفطرة التي توصلها إلى الإيمان بوجود الخالق المُدَبِّر المهيمن المسيطر، سواء عرفته على حقيقته فعبدته العبادة الحقة أم تصورته على غير حقيقته وأشركت به آلهة آخرى، وما بنا من حاجة إلى مزيد في مثل بحثنا الحاضر. ولكنا هنا -في هذا الفصل- بصدد شيء واحد هو التأكيد على هذه الحقيقة: أن الإلحاد ليس من شأن الفطرة حتى في حالة ضلالها، وأنه أمر مصطنع، لا تصل إليه الفطرة من تلقاء نفسها مهما وصل بها الحال من الضلال.
ونكتفي بالتعرض لنقطة واحدة مما جاء في التواءات الجاهليين المعاصرين في شأن الدين، أو في شأن الإلحاد.
تلك هي قولة “جوليان هكسلي” في كتابه “الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World” إنَّ الإنسان قد خضع لله بسبب عجزه وجهله. والآن وقد تعلم وسَيْطَرَ على البيئة فقد آن له أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر الجهل والعجز على عاتق الله، ومن ثَمَّ يصبح هو الله؛
– نعوذ بالله -: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (2).
نفترض جدلًا أنَّ العجز والجهل -وحدهما- هما سبب خضوع الإنسان لله في صورة دين وعقيدة وعبادة … فما الذي تغير في حياة الإنسان المعاصر ليخرجه من الخضوع لله؟!
تلك القشور من العلم التي وصل إليها! وهذا القَدْرِ الضَّئِيل من السَّيْطَرَةِ على “البيئة”؟!

فأمَّا العلم: فندع “ول ديورانت” الفيلسوف المعاصر يتحدث عنه في كتاب “مباهج الفلسفة”:
“ما طبيعة العالم؟ ما مادته، وما صورته؟ وما مكوناته وهيكله؟ وما مواده الأولى وقوانينه؟ وما المادة في كيفها الباطن وفي جوهر وجودها الغامض؟ وما العقل؟ أهو على الدَّوام متميز عن المادة وذو سلطان عليها؟ أم هو أحد مشتقات المادة وعبدٌ لها؟ أيكون كلا العالمين: الخارجي الذي ندركه بالحس والباطني الذي نحسه في الشُّعور، عرضة لقوانين ميكانيكية أو حتمية كما قال الشاعر “ما يكتبه الخالق في مطلع النهار … نقرؤه في آخر النهار”؟ أم ثمة في المادة، أو في العقل، أو في كليهما، عنصر من الاتفاق والتلقائية والحرية؟.. هذه أسئلة يسألها قِلَّةٌ من الناس.. ويجيب عليها جميع الناس، وهي منابع فلسفاتنا الأخيرة، التي يجب أن يعتمد عليها في نهاية الأمر كل شيءٍ آخر. وفي نظام متماسك من الفكر.. إنَّنا نؤثر معرفة الإجابات عن هذه الأسئلة على امتلاك سائر خيرات الأرض.
“ولنسلم أنفسنا في الحال لإخفاقٍ ما مناص منه. لا لأنَّ هذا الباب من الفلسفة يحتاج إلى إتقانه إلى معرفة كاملة ومناسبة بالرياضيات والفلك والطبيعة والكيمياء والميكانيكا وعلم الحياة وعلم النفس فقط، بل لأنَّه ليس من المعقول أن نتوقع من الجزء أن يفهم الكل … فهذه النظرة الكلية -وهي فتنتنا في هذه المغامرات اللطيفة- ستبعد عن فكرنا جميع الفخاخ والمفاتن، ويكفي أن نأخذ أنفسنا بقليل من التَّواضع وشيءٍ من الأمانة، لنتأكد أنَّ الحياة في غاية من التَّعْقيد والدِّقَّة بحيث يصعب على عقولنا الحبيسة إدراكهما، وأكبر الظنِّ أن أكثر نظرياتنا تبجيلًا قد يكون موضع السُّخْرية والأسف عند الآلهة العليمة بكل شيء(3). فكل ما نستطيع أن نفعله هو أنْ نفخر باكتشاف مهاوي جهلنا! وكلما كثر علمنا قلت معرفتنا؛ لأنَّ كل خطوة نتقدمها تكشف عن غوامض جديدة، وشكوك جديدة “فالجُزَيء” يتكشف عن “الذَّرَّة” والذَّرَّة عن الإلكترون “الكهرب” والإلكترون عن الكوانتوم” Quantum” “الكويمية” ويتحدى الكوانتوم سائر مقولاتنا “Categories” وقوانينا وينطوي عليهما.
والتعليم تجديد في العقائد وتقدم في الشَّكِّ، وآلاتنا كما ترى مرتبطة بالمادة وحواسنا بالعقل.. وفي خلال هذا الضَّباب يجب علينا نحن “الزَّغَب” على الماء، أن نفهم البحر(4).
وعن تقلب “العلم” يقول:
“إلى أي نجم بعيد ذهبت نظريتنا السَّدِيمِيَّةِ المشهورة؟ هل يؤيدها علم الفلك الحديث أو يسخر من وجهها المُغَبَّر؟”.
“وأين ذهبت قوانين “نيوتن العظيم” حين قلب “أينشتين” و”ميكوفسكي” وغيرهما الكون رأسًا على عقب بمذهب النِّسْبِيَّةِ غير المفهوم؟
“وأين مكان نظرية عدم فناء المادة وبقاء الطاقة في الفيزيقا المعاصرة، وما يكتنفها من فوضى وتنازع؟”.
“وأين “إقليدس” المسكين اليوم، وهو أعظم مؤلف للمراجع العلمية، ليرى كيف يصوغ الرياضيون لنا أبعادًا جديدة بحسب أهوائهم، ويبتدعون لا متناهيات يحتوي أحدها الآخر كجزء منه، ويثبتون في الفيزيقا -والسياسة كذلك- أنَّ الخط المستقيم هو أطول مسافة بين نقطتين؟!”.
“وأين علم الأَجِنَّةِ ليرى أن “البيئة الناشئة” تحل محل “الوراثة” التي كانت إِلَهَ العلم(5)؟ وأين “جريجوري” و”مندل” الآن ليشهدا انصراف علماء الوراثة عن “وحدة الصِّفات”؟ وأين “داروين” الهدَّام الدَّقيق ليرى كيف حلت طريقة “التغيرات السريعة” محل “الاختلافات الذَّاتِيَّة والمتصلة” في التطور؟ وهل هذه التغيرات هي الثمرة المشروعة لاختلاط الهجائن؟ وهل نضطر إلى الرُّجوع في تفسيرنا للتطور إلى الوراء عند نظرية “انتقال الصِّفات المكتسبة”؟! أنجد أنفسنا وقد عُدْنا مرة أخرى أكثر من قرن إلى الماضي نعانق رقبة زرافة “لامارك”؟!
“وماذا نصنع اليوم بمعمل “الأستاذ فونط “Wundt” وباختبارات “استانلي هول” حين لا يستطيع أي عالم نفساني منا اتِّباع السلوكيين أن يكتب صحيفة واحدة في علم النفس الحديث دون أن يلقي بمخلفات أسلافه في الهواء؟”.
“وأين علم التاريخ الحديث اليوم حيث يضع كل عالم في تاريخ قدماء المصريين كشفا بالأسرات وتواريخها على هواه، ولا يختلف عن كشوف غيره إلَّا ببضعة آلاف من السِّنين؟! وحيث يسخر علماء الأجناس من “تيلور” و”وستر مارك” و”سبنسر”؟ وحيث يجهل “فريزر” كل شيء عن “الدِّينِ البِدَائي” لأنَّه قد رحل إلى العالم الآخر؟.
فماذا أصاب علومنا؟ هل فقدت فجأة قداستها وما فيها من حقائق أزلية؟ أيمكن أن تكون “قوانين الطبيعة” ليست سوى فروض إنسانية؟ ألم يعد هناك يقين أو استقرار في العلم؟!”(6).
“لقد كانت هناك دلائل من قبل على وجود هذه الطاقة في المادة. فالتَّمَاسُك والتآلف، والتنافر، كانت توحي بها. ويبدو اليوم من المحتمل أن تكون هذه الصِّفات وكذلك الكهربية والمغناطيسية صورا من “الطاقة الذرية” وهي ظواهر ترجع إلى حركات الإلكترونات الدَّائبة في الذَّرَّةِ.. ولكن، ما الإلكترون؟ أهو جزء من “المادة” يظهر في ثوب من الطاقة؟ أو هو مقدار من الطاقة منفصل تمام الانفصال عن أي جوهر مادي؟ ولا يمكن أن نتصور الفرض الأخير!

“يقول “برتراند رسل”: “يقترب علم الطبيعة من المرحلة التي يبلغ فيها الكمال “وجميع الدلائل تدل على العكس من ذلك … أما هنري بوانكاريه فيرى أن علم الطبيعة الحديث في حالة من الفوضى، فهو يعيد بناء جميع أسسه، وفي أثناء ذلك لا يكاد يعرف أين يقف، وقد تغيرت الأفكار الأساسية عن الطبيعة تغيرا تاما في العشرين السنة الأخير فيما يختص بالمادة والحركة كلتيهما، ولم تسمح أعمال كوري ورذرفورد سودي وأينشتين ومينكوفسكي لأي تصور قديم عن الطبيعة النيوتونية بالبقاء، وكان لابلاس يحسد نيوتن؛ لأنه كشف النظام الوحيد للعالم وحزن على عدم وجود نظم أخرى تكشف! ولكن عالم نيوتن قد انتحى اليوم جانبا، ولم يعد التثاقل “Gravitation” مسألة جاذبية “Attraction” وتمزقت “قوانين” الحركة في كل جهة بنظرية النسبية، وقد كانت الفلسفة تبحث ذات يوم في “الأشباح” والمجردات، وكان العلم يبحث في “المادة” و”المحسوس” و”الحقائق الواقعة”، أما الآن فعلم الطبيعة مجموعة مستورة “Esoteric” من القوانين المجردة، “وفكرة المادة مفقودة بالكلية في الدَّوائر العلمية”(7). وكان على الفلسفة أن تتنحى جانبا “ولا يزال بعض الناس يتوقعون موتها خلال خمسين عاما” أما العلم فعليه أن يحل مشكلاتنا. والآن في الوقت الذي يحَمِّل رجل الشارع العلم والعلماء جميع أفكار الإلهام واليقين التي كانت متصلة ذا يوم بالإنجيل والكنيسة(8)، يقال لنا في تواضع إن: “البحث العلمي لا يفضي إلى معرفة طبيعة الأشياء الباطنة”(9).

__________
1 سورة المدثر: 50، 51.

2 سورة غافر: 56.

3 انظر أثر الجاهلية الإغريقية في انحرافات الفكر الغربي.
4 ص61، 62 من الترجمة العربية “ترجمة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني”.

5 انظر إلى أثر الجاهلية الإغريقية مرة أخرة.
6 ص23، 24 من الترجمة العربية.

7 ادنجتون ص274.
8 يقصد الدين.
9 ادنجتون ص303. “ص68-73 من الترجمة العربية”.

وأمَّا السَّيْطَرَةُ (أو قل العجز): فقد تحدثنا عنه في إحدى فقرات هذا الفصل، وبينا أنه عجز دائم أصيل لا يؤثر فيه ولا ينقص منه هذا القدر من السَّيْطرة الذي يحققه الإنسان “بالعلم” “والتكنولوجيا” وإن فتت الذرة وأطلق طاقتها، وإن ركب الصواريخ وطاف بها في أرجاء الكون؛ لأنَّ الذي يرغب فيه الإنسان، ويحس بالعجز عن تحقيقه هو أمر بالنسبة إليه مستحيل التَّحقيق: أن يسيطر سيطرة كاملة على الكون. أن يقول للشيءِ كن فيكون. أن يخلد في الأرض. أن يعلم الغيب. وهذه كانت بعضًا من المغريات التي أغرى بها الشيطان آدم منذ بدء الخليقة:
{وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}! (1).
ومن هنا فإنَّ الشعور بالعجز شعور دائم ملازم للإنسان في كل أحواله وفي جميع أوضاعه، وليس إنسان العصر الحديث ناجيًا منه: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (2).
ونحب أن نضيف إلى ذلك أنَّ الإنسان السَّوِيِّ يعلم أن ما يحققه من تسخير طاقات السَّموات والأرض ليس “اغتصابا” من الإله كما تصور ذلك الأساطير الإغريقية المجنونة، حتى يكون مبررا للخروج على طاعة الله، بله التبجح بإنكار وجود الله كما تفعل الجاهلية المعاصرة، إنما هو من قدر الله للإنسان، ومن رحمة الله بالإنسان، ومن فضل الله على الإنسان؛ لأنَّه هو الذي سخره ابتداءً للإنسان، ثُمَّ أعانه على تحقيقه:
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (3).
{وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (4).
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (5).
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (6).
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (7).
وأخيرًا، فنحن نزعم أنَّ الدِّينَ من الفطرة، وهم يزعمون أنَّه طَلَلٌ بالٍ ينبغي أن تزال آثاره، ليحل محله “العلم” و”الإلحاد”.
ونحن نستشهد عليهم من أنفسهم كما أشرنا من قبل.

نستشهد عليهم برائد الفضاء الأول “يوري جاجارين” الذي قال بعد هبوطه من الفضاء في المؤتمر الصحفي العالمي الذي أُعِدَّ لاستقباله: “حين صعدت إلى الفضاء أخذتني روعة الكون فمضيت أبحث عن الله”!
ولا عبرة “بالتَّصحيح” الذي أضافته الدولة على تصريحه أو أمرته أن يضيفه، فقال:
“فمضيت أبحث عن الله فلم أجده”!
إنَّه تَمَحُّل واضح …
ولا يمكن أن يكون “جاجارين” قد قاله ابتداء! فما الذي يجعله يتحدث عن الله ابتداءً إذا كان قصده هو النَّفْي، ولا أحد من الحاضرين قد أثار القضية حتى يتعرض لنفيها؟! إنَّما المعقول أن يكون ذكره لله ابتداءً للإثبات لا للنَّفْي.
لإثبات استجابة “الفطرة” الطبيعية لعظمة الكون وروعته حين رآه لأوَّلِ مرة من خارج الغلاف الجوي، فرآه في صورة مختلفة عمَّا تبلد عليه حسه بحكم الإلف والعادة … فاتجهت الفطرة اتجاها تلقائيا إلى فاطر السَّموات والأرض، رغم كل “الإلحاد” الذي صَبَّتْهُ الدولة في قلبه وفكره منذ مولده إلى لحظة انطلاقه في الفضاء؛ وهي شهادة “أفلتت” من المعسكر الملحد بغير قصد منه ولا تدبير:
{سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (8).
ونستشهد عليهم بما يقوله “علماء” من علمائهم، تربوا في “الإلحاد العلمي” فألجأهم “العلم” ذاته إلى الإيمان بوجود الله، ونكتفي بهذه المقتطفات من كتاب “العلم يدعو للإيمان”(9) وكتاب “الله يتجلى في عصر العلم”(10) فهي تغنينا عن المزيد.
يقول “أ. كريسي موريسون” رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك:
“في خليط الخلق قد أتيح لكثير من المخلوقات أن تبدي درجة عالية من أشكال معينة من الغريزة أو الذكاء أو ما لا ندري.. فالدَّبُورُ (الزَّنْبُور) مثلًا يصيد الجندب النَّطاط(11)، ويحفر حفرة في الأرض، ويخز الجندب في المكان المناسب تمامًا حتى يفقد وعيه، ولكنه يعيش كنوع من اللحم المحفوظ، وأُنْثَى الدَّبُورِ تضع بيضًا في المكان المناسب بالضبط، ولعلها لا تدري أنَّ صغارها حين تفقس يمكنها أن تتغذى دون أن تقتل الحشرة التي هي غذاؤها فيكون ذلك خطرًا على وجودها. ولا بد أن يكون الدَّبُورُ قد فعل ذلك من البداية وكرره دائمًا، وإلا ما بقيت زنابير على وجه الأرض.. والعلم لا يجد تفسيرًا لهذه الظاهرة الخفية: ولكنها مع ذلك لا يمكن أن تنسب إلى المصادفة”.

“وإن أنثى الدبور تغطي حفرة في الأرض أو ترحل فرحًا ثم تموت، فلا هي ولا أسلافها قد فكرت في هذه العملية وهي لا تعلم ما يحدث لصغارها، أو أنَّ هناك شيئا يسمى صغارًا، بل إنها لا تدري أنَّها عاشت وعملت لحفظ نوعها”(12).
“وفي بعض أنواع النَّمْلِ يأتي العملة بحبوب صغيرة لإطعام غيرها من النمل في خلال فصل الشتاء، وينشئ النمل ما هو معروف “بمخزون الطحن” وفيه يقوم النمل الذي أوتي فكاكًا كبيرة معدة للطحن، بإعداد الطعام للمستعمرة. وهذا هو شاغلها الوحيد. وحين يأتي الخريف، وتكون الحبوب كلها طُحِنَتْ فإنَّ “أعظم خير لأكبر عدد” يتطلب حفظ تلك المئونة من الطعام، وما دام الجيل الجديد سينتظم كثيرًا من النَّمل الطَّحَّان. فإنَّ جنود النمل تقتل النَّمل الطَّاحن الموجود، ولعلها ترضي ضميرها الحشري بأنَّ ذلك النمل قد نال جزاءه الكافي، إذ كانت له الفرصة الأولى في الإفادة من الغذاء أثناء طحنه”.
“وهناك أنواعٌ من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير “واختر منهما ما يحلو لك” إلى زرع أعشاش للطعام فيما يمكن تسميته بـ”حدائق الأعشاش” وتصيد أنواعًا معينة من الدُّود والأرق أو اليرق، “وهي حشرات صغيرة تسبب آفة النَّدْوة العسلية” فهذه المخلوقات هي بقر النمل وعنزاتها! ومنها يأخذ النمل إفرازات معينة تشبه العسل ليكون طعامًا له”.
“والنمل يأسر طوائف منه ويَسْتَرِّقَها. وبعض النَّمل حين يصنع أعشاشه يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب.. وبينما تضع بعض عَمَلَةُ النمل الأطراف في مكانها، وتستخدم صغارها -التي تقدر أن تغزل الحرير وهي في الدور اليرقي- لحياكتها معا، وربما حرم طفل النمل عمل شرنقة لنفسه ولكنه قد خدم الجماعة”.
“فكيف يتاح لذرات المادة التي تتكون منها النملة أن تقوم بهذه العمليات المعقدة؟!”.
“لا شك أن هناك خالقًا أرشدها إلى كل ذلك”(13).

ويقول عالم الطبيعة، “فرانك آلن”:
“ولكن قوانين الديناميكا الحرارية تدل على أن مكونات الكون تفقد حرارتها تدريجيًا وأنَّها سائرةٌ حتمًا إلى يوم تصير فيه الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة وتستحيل الحياة.. ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقة عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت”.
“أمَّا الشَّمسُ المُسْتَعِرَةُ والنُّجُومُ المُتَوَهِّجَة والأرض الغنية بأنواع الحياة فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذن حَدَثٌ من الأحداث، ومعنى ذلك أنَّه لا بد لأصل الكون من خالقٍ أَزَلِيٍّ ليس له بداية، عليم محيط بكل شَيْءٍ، قَوَيٌّ ليست لقدرته حدود. ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه”(14).
ونكتفي بهذه المقتطفات ولا نحتاج إلى المزيد، فهي كلها ناطقة بمدى سُخْفِ تلك البدعة الضالة التي نشرها الشياطين في الجاهلية المعاصرة، حين يسرت لهم “الحمر المستنفرة” أن يركبوها ويهيموا بها في وديان الضَّلال!
أما الذين يحسون اليوم أن “وجودهم الذَّاتي” أو مجدهم الذَّاتي مرتبط باعتناق الإلحاد بدلًا من اعتناق الدِّينِ، فهم فقاقيع ستنفثئ غدًا حين تعود البشرية إلى رشدها.. ونحسب أنَّها -بحكم الظروف كلها- عائدة إليه، ما لم يكتب الله عليها الفناء! (15):
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} (16).
__________
1 سورة الأعراف: 20.

2 سورة الروم: 7.

3 سورة الجاثية: 13.
4 سورة البقرة: 31.
5 سورة النحل: 78.
6 سورة الملك: 15.
7 سورة إبراهيم: 32-34.

8 سورة فصلت: 53.
9 تأليف كريسي مويسون ترجمة محمود صالح الفلكي.
10 تأليف جماعة من العلماء ترجمة الدكتور صالح الدمرداش عبد الحميد سرحان.

11 قَالَ اللَّيْث: الجُنْدَبُ الذّكر من الجَراد؛ وقال أَبُو بكر: الجُندَبُ الصَّغِير من الْجَرَاد.

12 ص129، ص130 من كتاب “العلم يدعو إلى الإيمان”.

13 مقتطفات من كتاب “العلم يدعو للإيمان” ص131، 132.
14 من كتاب “الله يتجلى في زمن العلم”ص5، 6.
15 انظر الفصل القادم.
16 سورة الرعد: 17.

الإسلام ومستقبل البشرية:

تفزع أوروبا من الدِّينِ كما يفزعُ المَلْدُوغِ من الحبل.. ولو كان بالنسبة إليه حبل النجاة!
وأوروبا تسيطر اليوم بقوتها السياسية والعسكرية والعلمية والاقتصادية والتكنولوجية على العالم كله، وتجر البشرية معها إلى الهاوية بسبب ذلك الموقف الأحمق المفزع من الدين!
ولقد زعمت الجاهلية المعاصرة في أوَّلِ أمرها في عصر النَّهْضَة أنها تستطيع أن تدير ظهرها للدين ثم تظل تمارس الحياة بصورة طبيعية لا يعتورها نقص ولا اختلال. بل زعمت أنها حين تتخلص من الدين فستعالج ما كان في حياتها من نقص واختلال! ولقد كانت ظروفها كما بينَّا من قبل تؤدي بها إلى الانسلاخ من ذلك الدين الذي يعكر صفو الحياة، ويعطل دفعتها، وينشر الجهالة، ويحجر على الفكر ويحجب عن البشرية النور.
وحين بدأت أوروبا تنسلخ من دينها لم يكن في مقدورها أن تنسلخ دفعة واحدة من “القيم” التي كانت تصاحب ذلك الدين، وربما لم يكن ذلك في نيتها في مبدأ الأمر.
فراح القوم -مخلصين فيما نحسب- يبحثون عن مصدر آخر للقيم التي لا يمكن أن تعيش بدونها البشرية.
ولكن التجربة العلمية أثبتت أنه لا يوجد مصدر حقيقي للقيم غير الدِّينِ! قالوا العقل.. وقالوا الطبيعة.. وقالوا النفس البشرية … وقالوا العلم.. وقالوا الفلسفة … وقالوا كل ما يخطر في بالهم، ثُمَّ خرجوا من ذلك كله بما وصلوا إليه آخر الأمر: القلق والجنون والضَّياع والحيرة والأمراض النفسية والعصبية والانتحار والخمر والمخدرات والجريمة والانحلال والمسخ الذي يُشَوِّه الفطرة.. والهبوط الخلقي والفكري والرُّوحي في كل ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. على مستوى الأفراد والجماعات والشُّعوب والدُّوَل كلها على السَّواء! وتحوَّل الإنسان إلى آلة للإنتاج المادي في صباحه، وحيوان هائج في الليل يبحث عن المتاع الحسي الغليظ، ويبحث عنه أحيانا في تَبَذُّلٍ يتعفف عنه بعض أنواع الحيوان!
وتلك نهاية طبيعية لبُعْدِ الناس عن الدِّينِ، وهي تجربة مكرورة في تاريخ البشرية وإن ظَنَّت الجاهلية المعاصرة أنَّها تجربة “رائدة” تخوضها البشرية لأوَّلِ مرة؛ لأنَّهم -في جهالتهم “العلمية”- لا يقرءون التاريخ، أو لا يحبون أن يأخذوا العبرة من التَّاريخ!
{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} (1).
ثم إن الإنسان عابد بطبعه كما بينا في الفصول السابقة من الكتاب فلا تستطيع أن تحول الإنسان من العبادة إلى “اللاعبادة”. إنما تستطيع أن تحوله من نوع من العبادة إلى نوع آخر، وليس الخيار -كما خيل للجاهلية المعاصرة- بين العبادة وعدم العبادة، إنَّما الخيار فقط في المعبود … هل يكون هو الله جل جلاله أم يكون شيئًا آخر غير الله.
الخيار -بالتعبير القرآني الحاسم- هو بين عبادة الله وعبادة الشَّيْطان: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} (2).
وصراط الله المستقيم واحد، ولكن سبل الشيطان كثيرة متعددة:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (3).
والمعبودات في الجاهلية المعاصرة شَتَّى، والسُّبل إليها متعددة، من عبادة “الدولار” إلى عبادة الهوى والشَّهَوات، مرورًا بـ”الإنتاج” و”المصالح القومية” و”العلم” و”العقل” و”التقدم” و”التطور” و”الحرية الشخصية” و”الطبيعة” و”الإنسانية” … ولكل معبود من هذه المعبودات تكاليفه والتزاماته التي ينبغي أن تطاع..
فأين يذهب الإنسان حين يخرج من الدِّين، أي: من عبادة الله؟
تقول الجاهلية المعاصرة إنَّه “يتحرر” من “القيد”.
نعم! يتحرر من “القيد الإنساني” ليقع في قيود الحيوان!
فالقضية كما قلت مرة في كتاب “في النفس والمجتمع” ليست خيارًا بين القيد والحرية كما يتوهم الناس لأوَّلِ وَهْلَةٍ حين ينفلتون من الدين والقيم المصاحبة له. إنَّما الخيار هو بين قيد من نوع معين يصاحبه نوع معين من الحرية، وبين حرية من نوع آخر يصاحبها نوع آخر من القيود. قيد الإنسان ومعه حرية الإنسان، أو حرية الحيوان ومعها قيد الحيوان(4).
الدِّينُ قيد لا شَكَّ فيه؛ لأنه التزام بما أنزل الله.. قيد على شهوات النفس وقيد على أهواء الإنسان.. ولكنه في الوقت ذاته يُحَرِّر الإنسان من ضغط الشَّهَوات وثقلة الأرض والخضوع المذل للقوى القاهرة التي تقهر الإنسان في الأرض ممثلة في بشر يستبدون بالبشر، أو ضغوط مادية واقتصادية تسحق كرامة الإنسان.
والانفلات من الدين والقيم المصاحبة له هو “تحرر” دون شك. تحرر من القيود التي فرضها الله على الإنسان في تصرفاته، والحدود التي رسمها للناس وقال لهم: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} (5) {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} (6). ولكنه في الوقت نفسه يمسك الإنسان من خطامه، ويَجُرُّهُ من حبل الشَّهوات أو من حبل الضُّغوط القاهرة فلا يملك ألا يستجيب!
وحين انفلت الناس في الجاهلية المعاصرة من قيد “الدين” فقد وقعوا في عبوديات لا حدود لها. سَواءٌ للحاكمين عليهم، الذين لا يحكمون بما أنزل الله، فيتخذون من أنفسهم أربابا يُشَرِّعون للناس، ويخضعونهم لهم بالسُّلطان القاهر، أو لشَهَوَاتهم التي لا يملكون الفكاك منها، أو لأعراف وقيم وموازين ما أنزل الله بها من سلطان، كلها تهبط بالإنسان من مكانه الكريم الذي كرمه الله به يوم خلقه، وتمرغه في الأوحال.
فهل هذه هي “الكرامة” التي يحققها الإنسان لنفسه حين يتمرد على الدين ويخرج من عبادة الله؟

كلا! وما تستطيع البشرية أن تستمر في الحياة على هذه الصورة.
فمن ناحية تظل أمراضها الرئيسية تتضاعف؛ لأنَّها تُعْرِض عن تناول الدَّواء.
ومن ناحية أخرى تصيبها السُّنَّة الحتمية التي لا تتبدل ولا تتخلف ولا يتغير مجراها على مر الدُّهُورِ:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (7).
ولقد مضت السُّنَّة الربانية مع أوروبا في جاهليتها المعاصرة خطوة خطوة: نسوا ما ذكروا به ففتح عليهم أبواب كل شَيْءٍ، من قوة اقتصادية وعلمية وتكنولوجية وعسكرية وسياسية.. إلخ ففرحوا بما أتوا، أي: طغوا في الأرض بغير الحق، ولم تبق إلا الخطوة الأخيرة حتى تتم السُّنَّةُ بتمامها. وهي أخذهم بغتة إذا أصروا على ما هم فيه. والبغتة هي دائمًا بغتة وإن رأى بعض الناس بوادرها وتوقعوا حدوثها.
{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} (8).
و”العقلاء” في الجاهلية المعاصرة بدءوا يتخوفون على أقوامهم من الدَّمَارِ المؤكد إن لم يغيروا حياتهم من قواعدها.
قال الفيلسوف الإنجليزي المعاصر “برتراند راسل” في تصريح له:
“لقد انتهى العصر الذي يسود فيه الرجل الأبيض.. وبقاء تلك السِّيَادَة إلى الأبد ليس قانونا من قوانين الطبيعة(9) وأعتقد أنَّ الرَّجُل الأبيض لن يلقى أياما رضية كتلك التي لقيها خلال أربعة قرون … “(10).
وقال “جون فوستر دالاس” وزير خارجية أمريكا في كتاب “حرب أم سلام”:
“إنَّ هناك شيئًا ما يسير بشكل خاطئ في أمتنا، وإلا لما أصبحنا في هذا الحرج، وفي هذه الحالة النفسية، ولا يجدر بنا أن نأخذ موقفا دفاعيا “لعله يقصد تبريريَّاً” وأن يتملكنا الذُّعْرُ، إن ذلك أمر جديد في تاريخنا”.
“إنَّ الأمر لا يتعلق بالماديات، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية. إنَّ ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي. فبدونه يكون ما لدينا قليلًا. وهذا النَّقْصُ لا يُعَوِّضه السِّيَاسيون مهما بلغت قدرتهم، أو الدبلوماسيون مهما كانت فطنتهم، أو العلماء مهما كثرت اختراعاتهم، أو القنابل مهما بلغت قوتها، فمتى شعر الناس بالحاجة إلى الاعتماد على الأشياء المادية فإنَّ النتائج السيئة تصبح أمرا حتميا”.
“وفي بلادنا لا تجتذب نظمنا الإخلاص الروحي اللازم للدفاع عنها. وهناك حيرة في عقول الناس وتآكل لأرواحهم. وذلك يجعل أمتنا معرضة للتغلغل المعادي -كما كشف عنه نشاط الجواسيس الذين تم كشفهم حتى الآن- ولن تستطيع أي إدارة لمكافحة التجسس أن تقوم بحمايتنا في هذه الظروف”(11).
وقال “ألكسيس كاريل” في كتاب “الإنسان ذلك المجهول”:
“إنَّ هدف هذا الكتاب هو أن يضع تحت تصرف كل شخص مجموعة من المعلومات العلمية التي تتعلق بالكائنات الحية في عصرنا، فقد بدأنا ندرك مدى ما في حضارتنا من ضعف … وكثيرون يرغبون في أن يلقوا عنهم التعاليم التي فرضها عليهم المجتمع الحديث. ولهؤلاء أكتب هذا الكتاب.. كذلك كتبت لأولئك الذين يجدون من أنفسهم شجاعة كافية ليدركوا -ليس فقط ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية- بل أيضا ضرورة قلب الحضارة الصناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشري” “ص11، 12 من الترجمة العربية لشفيق أسعد فريد”.
“إن الحضارة الغربية تجد نفسها في موقف صعب؛ لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون أية معرفة بطبيعتنا الحقيقية، إذ إنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية وشهوات الناس وأوهامهم ونظرياتهم ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا … ” “ص28”.
“يجب أن يكون الإنسان مقياسا لكل شيء، ولكن الواقع هو عكس ذلك فهو غريب في العالم الذي ابتدعه، إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه؛ لأنَّه لا يملك معرفة عملية بطبيعته، ومن ثَمَّ فإنَّ التَّقَدُّم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الإنسانية.. فالبيئة التي ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لا بالنسبة لقوامنا ولا بالنسبة لهيئتنا.. إنَّنا قوم تعساء، ننحط أخلاقيا وعقليا.. إن الجماعات والأمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم هي على وجه الدِّقَّةِ الجماعات والأمم الآخذة في الضَّعْفِ، والتي ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من غيرها إليها.. ولكنها لا تدرك ذلك، إذ ليس هناك ما يحميها من الظروف العدائية التي شيدها العلم حولها.. وحقيقة الأمر أن مدنيتنا مثل المدنيات التي سبقتها أوجدت أحوالا معينة للحياة من شأنها أن تجعل الحياة نفسها مستحيلة، وذلك لأسباب لا تزال غامضة.. إن القلق والهموم التي يعاني منها سكان المدن العصرية تتولد عن نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية … ” “ص44”:
“الإنسان نتيجة الوراثة والبيئة، وعادات الحياة والتفكير التي يفرضها عليه المجتمع العصري.. ولقد وصفنا كيف تؤثر هذه العادات في حسه وشعوره.. وعرفنا أنه لا يستطيع تكييف نفسه بالنسبة للبيئة التي خلقتها “التكنولوجيا” وأنَّ مثل هذه البيئة تؤدي إلى انحلاله، وأنَّ العلم والميكانيكا ليسا مسئولين عن حالته الرَّاهِنَةِ، وإنما نحن المسئولون؛ لأننا لم نستطع التمييز بين الممنوع والمشروع … لقد نقضنا قوانين الطبيعة(12)، فارتكبنا بذلك الخطيئة العظمى، الخطيئة التي يُعَاقَبُ مرتكبها دائمًا.. إن مبادئ “الدين العلمي” والآداب الصناعية” قد سقطت تحت وطأة غزو الحقيقة “البيولوجية” فالحياة لا تعطي إلا إجابة واحدة حينما تُسْتَأْذَن في السَّمَاح بارتياد “الأرض المحرمة”.. تضعف السَّائل! ولهذا فإنَّ الحضارة آخذة في الانهيار … “ص322″(13).

ولكن تخوف هذه القلة القليلة من “العقلاء” في خضم الجاهلية المجنونة لن ينقذها من الدَّمَارِ إلا أن تصيخ لصوت العقل وتعود إلى الله!
__________
1 سورة يونس: 101.
2 سورة يس: 60، 61.
3 سورة الأنعام: 153.

4 انظر -إن شئت- فصل “القيد والحرية” من كتاب في النفس والمجتمع.
5 سورة البقرة: 229.
6 سورة البقرة: 187.

7 سورة الأنعام: 44، 45.
8 سورة النحل: 45-47.

9 لا يريد الرجل أن يقول “السنن الربانية” فيسميها -بفعل الجاهلية- قوانين الطبيعة!
10 عن المستقبل لهذا الدين “ص55”.

11 عن المستقبل لهذا الدين “ص83”.

12 انظر كيف يتأثر الرجل بالعرف الجاهلي رغم كل ثورته على الجاهلية المعاصرة!
13 عن المستقبل لهذا الدين “ص72-75”.

ولقد كان الدِّينُ الذي انسلخت منه الجاهلية المعاصرة دينًا فاسدًا؛ لأنَّه من صنع البشر … دينا لا يصلح للحياة. ولقد كانت -وهي تنسلخ منه- على مشارف الرشد.. ولكنها ضَلَّت الطريق..
وعلى البشرية اليوم -إن أرادت النجاة من الهاوية المحتومة- أن تبحث عن الدِّينِ الحق. الدين الذي يُؤمِّنْ العقيدة الصَّحيحة في الله، والمنهج الصالح للحياة.
الدِّينُ الذي لا يُوْجِدُ فِصَامَاً مصطنعا بين الإيمان بالغيب والإيمان بالمحسوس، بين الإيمان بالعقيدة والإيمان بالعلم، بين نشاط الروح ونشاط الجسد، بين الدنيا والآخرة، بين العمل والعبادة، بين التقدم المادي والحضارة والالتزام بالقيم “الإنسانية”.. ولا بين أي جانب من الكيان البشري السَّوِيِّ وجانب آخر.
الدين الذي يقيم حضارة “إنسانية” متكاملة؛ لأنه يأخذ الإنسان كله ولا يهمل جانبا منه، لا يهمل قبضة الطين من أجل إشراقة الروح، ولا يهمل إشراقة الروح من أجل قبضة الطين، ولا يهمل عمارة الأرض في جميع جوانبها وأشكالها من أجل الفوز بالخلاص في الآخرة. ولا يهمل أمر الخلاص في الآخرة من أجل عمارة الأرض. لا يهمل المشاعر الدينية الشفافة الرفيعة المرفرفة من أجل النظر العلمي والتجربة العلمية. ولا يهمل النظر العلمي والتجربة العلمية من أجل شفافية المشاعر الدينية. لا يهمل القيم الخلقية من أجل “النجاح” في الأرض، ولا يهمل النجاح في الأرض من أجل القيم الخلقية.
الدين الذي يُؤَمِّنُ العدل السياسي والعدل الاجتماعي والعدل الاقتصادي، والذي يُؤَمِّنُ في الوقت ذاته التَّجَدُّد والنمو في الحياة البشرية.
الدين الذي يُنْشِئُ الحضارة التي تليق بالإنسان الذي صوره الله في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير ممن خلق:
{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (1).
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (2).
ولن يكون هذا الدين إلا الإسلام، فهو عند الله هو الدين:
{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (3).
وهو الذي تمت به نعمة الله على البشر واكتمل به شرع الله ومنهجه:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (4).
وهو الذي يشهد واقعه -وقت أن طُبِّقَ في عالم الواقع- أنَّه أنشأ تلك الحضارة “الإنسانية” المتكاملة التي شملت كل جوانب الحياة وكل جوانب النفس البشرية، والتي كانت للإنسانية كلها نورا وهداية، والتي استمدت منها أوروبا العلم والحضارة حين انبعثت -بعد احتكاكها بالمسلمين- تطلب النهوض.
وحين تعنتق أوروبا هذا الدِّين فلن تحتاج أن تَتَخَلَّى عن شَيْءٍ من تقدمها العلمي والمادي والتكنولوجي، ولا شيء من عبقريتها التنظيمية، ولا شيء من جَلَدِهَا الدَّءُوب على العمل والإنتاج، وهي العوامل التي حفظت لها بقاءها حتى هذه اللحظة، وإن كانت كما أشار “جون فوستر دالاس (John Foster Dulles”: (لا تستطيع أن تحميها من الدَّمَارِ الحتمي الذي يَجُرُّهُ عليهما غياب “الروح”).
كلا! لا تحتاج أن تتخلى عن شَيْءٍ من ذلك، إنَّما تحتاج فقط أن تقيم ذلك كله على قاعدته الصَّحيحة وهي الإيمان بالله وتطبيق منهجه في الأرض، كما تحتاج أن تتخلى عن عبوديتها للمادة وعبوديتها للشَّهَوَاتِ.
والمسلمون بطبيعة الحال يحملون المسئولية الكبرى في هذا الشَّأن، فهم الذين أخرجهم الله ليكونوا هداة البشرية في الحياة الدُّنْيَا، والشَّاهِدِينَ عليها يوم القيامة:
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (5).
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (6).
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (7).
ولن يكونوا شُهَدَاءَ على الناس يوم القيامة حتى يؤدوا الشَّهَادَةَ في الدنيا لهذا الدين، بإقامته في الأرض كما أمر الله، والدَّعوة إليه كما أمر الله، فتقوم الحُجَّة على الناس إن قبلوه فقد اهتدَوْا، وإن أعرضوا فقد أعذرت الأمة الإسلامية إلى ربها. ويوم القيامة يشهدون على الناس أمام ربهم، لقد أقمنا الدين في الأرض كما أمرتنا، ودعونا الناس إليه كما أمرتنا فأعرضوا فحَقَّ عليهم الجَزَاءَ.
والمسلمون اليوم في حضيض من الذِّلَّةِ والهوان والضَّعْفِ والتَّخَلُّف لم يهبطوا إلى مثله في تاريخهم كله بسبب تخلفهم عن هذا الدين، وإضاعة عقائده وأحكامه، والغفلة عنه، والتَّفريط فيه.
ولكنهم يحملون مسئوليتهم مع ذلك، مسئوليتهم نحو أنفسهم، ومسئوليتهم نحو البشرية، لا يعفيهم منها كل ما وقعوا فيه من الهوان والذِّلَّةِ، بل إن ذلك كله ليضاعف مسئوليتهم، فإنَّهم ما وقعوا فيه إلا لتفريطهم في هذا الدِّينِ الذي قال الله فيه:
{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (8).
فماذا هم قائلون لربهم غدا حين يسألهم؟!
وأي وزر يحملونه إذا احتاجت إليهم البشرية غدًا فلم تجدهم في المكان الذي ينبغي أن يكونوا فيه، مكان الأُمَّة التي تحمل الهدي الرباني وتبينه للناس؟!
فأما الله سبحانه وتعالى فلن يعجزه تخاذل الذين يحملون اسم الإسلام اليوم وهم غافلون عنه، إذا أراد أن يهدي البشرية غدًا إلى الدِّينِ الحَقِّ، فقد قال يحذر المسلمين من قبل:
{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (9).
فإذا أراد الله للبشرية الهدى فسيقيض لهذا الدين من يحمله وينافح عنه كما قال سبحانه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (10).
وإنا لنرى بواكير هذا الفضل الرَّبَّانِيِّ في حركات البعث الإسلامي التي تنبعث اليوم من كل مكان في الأرض، تسعى إلى تحقيق الإسلام في الواقع، وتجاهد في سبيل الله لا تخاف لومة لائم، وتتعرض لأبشع ألوان التَّعءذيب الوحشي، ثُمَّ تظل صامدةً في سعيها إلى إقامة هذا الدين في الأرض كما أمر الله.

كما نرى بواكير هذا الفضل فيمن يدخلون في هذا الدين في أوروبا وأمريكا من البيض والسُّودِ بعشرات الألوف ويتزايدون على الدَّوام.
أمَّا البشرية فقد بدأت طلائعها على الأقل تضيق بالضَّيَاعِ والحيرة وتتلمس الطريق إلى النور، والنور هو دين الإسلام.
يقول “توينبي” في محاضرته التي أشرنا إليها من قبل:
“صحيح أنَّ الوحدة الإسلامية نائمة، ولكن يجب أن نضع في حسابنا أنَّ النائم قد يستيقظ إذا ثارت البروليتاريا العالمية للعالم المتغرب(11) ضد السَّيْطرة الغربية ونادت بزعامة معادية للغرب. فقد يكون لهذا النداء نتائج نفسانية لا حصر لها في إيقاظ الرُّوح النِّضَالية للإسلام، حتى ولو أنَّها نامت نومة أهل الكهف، إذ يمكن لهذا النِّدَاء أن يوقظ أصداء التاريخ البطولي للإسلام”.
وهناك مناسبتان تاريخيتان كان الإسلام فيهما رمز سمو المجتمع الشَّرْقِيِّ في انتصاره على الدَّخيل الغربي:
“ففي عهد الخلفاء الراشدين، بعد الرسول حرَّر الإسلام سوريا ومصر من السَّيْطرة اليونانية التي أثقلت كاهلهما مدة ألف عام تقريبًا”.
“وفي عهد نور الدين وصلاح الدين والمماليك احتفظ الإسلام بقلعته أمام هجمات الصليبيين والمغول”.
“فإذا سبب الوضع الدَّوْلِيِّ الآن حربا عنصرية فيمكن للإسلام أن يتحرك ليلعب دوره التاريخي مرة أخرى.. وأرجو ألا يتحقق ذلك!”(12).
أمَّا نحن فنرجو أن يتحقق ذلك! لا على أساس حرب عنصرية كما يقول “توينبي”، الذي يحصر تصوراته في حدود التفكير الغربي الضَّيِّقِ الأفق، بل على أساس من الصِّراع الصَّحيح بين الحق والباطل الذي قال الله فيه:
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (13).
نرجو أن يتحقق ذلك لا بوصفنا مسلمين فحسب، بل انطلاقا من كل الحب الذي نُكِنُّهُ للبشرية … لكي تهتدي إلى النُّورِ.
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (14).
__________
1 سورة غافر: 64.
2 سورة الإسراء: 70.
3 سورة آل عمران: 19.
4 سورة المائدة: 3.

5 سورة آل عمران: 110.
6 سورة آل عمران: 104.
7 سورة البقرة: 143.
8 سورة الزخرف: 43، 44.

9 سورة القتال: 38.

10 سورة المائدة: 54.
11 يقصد الدول الخاضعة للنفوذ الغربي.

12 ص73 من الترجمة العربية.
13 سورة الحج: 40، 41.
14 سورة يوسف: 21.

التحميل