ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة – الديمقراطية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

شارك هذا الموضوع:

ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة

  الديمقراطية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

 

الديموقراطية

مدخل
…:
الديمقراطية Democracy كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين Demos “الشعب” و Kratos “سلطة” ومعناها الحكم الذي تكون فيه السُّلْطَة للشعب. وتطلق على نظام الحكم الذي يكون الشعب فيه رقيبا على أعمال الحكومة بواسطة المجالس النيابية، ويكون لنواب الأمة سلطة إصدار القوانين.
وأول من مارس الديمقراطية هم الإغريق في مدينتي أثينا وإسبرطة، حيث كانت تقوم في كل من المدينتين حكومة “يطلق عليها اصطلاحًا اسم “حكومة المدينة” أي: الحكومة التي تقوم في مدينة واحدة مفردة” وكان كل أفراد الشعب من الرجال في كل من المدينتين يشاركون في حكم المدينة، فيجتمعون في هيئة “جمعية عمومية” فيتشاورون في كل أمور الحكم، فينتخبون الحاكم ويصدرون القوانين ويشرفون على تنفيذها ويضعون العقوبات على المخالفين.
فكان “حكم الشعب” مطبقا بصورة مباشرة في كل من المدينتين، وكانت التَّسْمِيَّةُ منطبقة على الواقع انطباقًا كاملًا.
ولكن هذه الصورة من صور الديمقراطية انتهت بانتهاء “حكومة المدينة” في كل من أثينا وإسبرطة، وإن ظلت محفوظة في ذاكرة أوروبا ككثير من الأفكار والقيم والمبادئ الإغريقية التي بقيت كامنة في الفترة التى غلبت المسيحية فيها على أوروبا، ثم عادت إلى الظهور بعد قيام “النهضة” على التراث الإغريقي الممتزج بالتراث الروماني، الذي يطلقون عليه في اصطلاحاتهم Greco- Roman أي: إغريقي روماني.
ولقد ظل الإقطاع يحكم أوروبا أكثر من ألف عام في ظل الإمبراطورية الرومانية والقانون الروماني. ولم تغير المسيحية شيئا من سماته في هذه الناحية؛ لأنَّ الكنيسة لم تحاول تطبيق شريعة الله، وتركت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية تجري على ما كانت عليه في ظل الإمبراطورية الرومانية دون تعديل يذكر، وحين نازعت الملوك والأباطرة سلطانهم لم يكن ذلك -كما أسلفنا- من أجل إلزامهم بتحكيم شريعة الله، كما فعل المسلمون في الأرض التى حرروها من قبضة الرومان في مصر والشام والشمال الإفريقي.. إلخ، إنما كان من أجل إلزامهم بالخضوع لهواها هي وسلطانها الشخصي.

وفي ظل الإقطاع لم يكن “للشعب” وجود إلا بوصفه قطعا آدمية لاصقة بالطين، لا كرامة لها ولا حقوق..
كان هناك ملوك مستبدون بالحكم يحكمون بمقتضى “الحق الإلهي المقدس” باعتبارهم “ظل الله في الأرض” فكلامهم أمر، وأمرهم مقدس، وما عنّ لهم من أهواء فهي أوامر واجبة التنفيذ.
ويعاونهم في تثبيت سلطانهم وتوكيده في الأرض أمراء الإقطاعيات الواقعة في ملكهم، مقابل إطلاق يد هؤلاء الأمراء “الذين يُسَمَّوْن: النبلاء أو الأشراف” في إقطاعياتهم، يتصرفون فيها كيف شاءوا دون مراجعة ولا رقابة تضبط تصرفاتهم؛ وإلى جانب الملوك والنبلاء كانت سلطة الكنيسة ورجال الدين، وكانت منصبة في النهاية كذلك على الشعب. فإلى جانب الخضوع المذل لرجال الدين -وهو حق “مقدس” لهم- كانت هناك الإتاوات والعشور، والسخرة المجانية في أرض الكنيسة، والتجنيد في جيوش الكنيسة التي كانت توجهها لتأديب الخارجين على سلطانها من الأباطرة والملوك.

ووقع اختيار أوروبا على “الديمقراطية” بديلا من الإقطاع، وكانت هناك عوامل كثيرة ترشح لهذا الاختيار.
فطبقة “الشعب” هي الطبقة المكبوتة المسحوقة، وهي الطبقة الثائرة التي تسعى إلى المشاركة في السلطان … والطبقة الرأسمالية هي الطبقة الجديدة التي صار المال في يدها بدلًا من طبقة الإقطاعيين بسبب انتقال الإنتاج -تدريجيا ولا شك- من إنتاج زراعي إلى إنتاج صناعي بعد اختراع الآلة.. وهذه الطبقة الجديدة تريد أن تنتزع السلطان انتزاعا من الطبقة المالكة السابقة التي كان في يدها السلطان. لذلك كانت الديمقراطية هي اللعبة المناسبة التي توفق بين رغبة الطبقتين الساعيتين إلى السلطة، إحداهما وهي الطبقة الرأسمالية تملك السلطان الحقيقي، والثانية وهي طبقة الشعب تشارك -بقدر- في السلطان(1)، وذلك فضلا عن عنصرين آخرين أحدهما إيحاء الفكر الإغريقي القديم وتأثيره على المفكرين الغربيين منذ عصر النهضة، وهو فكر يحمل صورة “تذكارية” للديمقراطية من أيام أثينا وإسبرطة، والثاني هو الشعارات التي وضعتها الماسونية اليهودية للثورة الفرنسية وهي: الحرية والإخاء والمساواة، والديمقراطية هي المنطلق الأنسب لهذه الشعارات، ومن ورائها يحقق اليهود ما يحلو لهم من أهداف.
لذلك كله كانت الديمقراطية هي الإطار المناسب للعناصر المتفاعلة في أوروبا في ذلك الحين … في ظل الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية القائمة في تلك الفترة من الزمان.

ولم يكن الأمر سهلًا مع ذلك ولا مُيَسَّرًا للرَّاغبين.. فقد احتاج إلى صراع طويل مرير حتى استوى على صورته الحالية. وكانت “المكاسب الديمقراطية” تأتي متقطعة وجزئية، ولا تأتي إلا بعد معارضة طويلة من الذين في أيديهم السلطان ولا يرغبون في التنازل عنه، وبعد قيام “الشعب” بالإضراب والعصيان والتَّمَرُّد، وتعرض دعاة الحرية إلى السجن والاعتقال والتشريد، بتهمة إثارة الشغب والتحريض على الإخلال بالنظام. وبعد نضال وكفاح استمر قرابة قرن من الزمان استقرت الديمقراطية في صورتها الحالية التي تراها في دول غرب أوروبا وأمريكا.
كانت نقطة الانطلاق، أو نقطتا الانطلاق في الحقيقة أولًا: وجوب إشراف الشعب على أعمال الحكومة، أي: إلغاء “الحق الإلهي المقدس” وإخضاع الحكومة لرقابة الشعب على تصرفاتها، وفصل السُّلُطَاتِ وجعل الحكومة سلطة تنفيذية فحسب، لا سلطة تشريعية.. وثانيًا إعطاء الشعب حقوقه “الإنسانية” التي حرم منها أكثر من ألف عام في ظل نظام الإقطاع. وفي كلا الميدانين أحرزت الديمقراطية تقدمًا ضخمًا بالنسبة لما كان في عهد الإقطاع وعهد الحكم بمقتضى الحق الإلهي المقدس.

ومن جهة أخرى ظلت الضرائب المباشرة على الدخل والثروة -خلال نمو الديمقراطية- تخفف تدريجيا عن الفقراء وتزاد على الأغنياء بعد أن كان الحادث هو العكس تماما حيث كان الأغنياء يستمتعون بالثروات الطائلة ولا يدفعون عنها ضرائب على الإطلاق أو يدفعون ضرائب تافهة لا تؤثر أي تأثير على ثرواتهم الضخمة، بينما الفقراء هم الذين يتحملون عبء الضرائب الأكبر! كما وجه الصرف من موارد الدولة -وأهمها الضرائب بطبيعة الحال- على المشروعات العامة التي تصل فائدتها لأكبر عدد من الناس الذين يوصفون بصفة خاصة بأنهم دافعو الضرائب، فزاد الإنفاق تدريجيا على التعليم، وعلى الصحة العامة، وعلى المرافق العامة من طرق وجسور وخدمات، وقل الإنفاق في ذات الوقت على مشروعات الترف التي لا تفيد إلا القلة المترفة من الشعب بعد أن كانت مثل هذه المشروعات هي الشغل الأول للحكومات السالفة وتنفق فيها الأموال الطائلة.

أما الضرائب غير المباشرة، أي: الضرائب المفروضة على الأشياء المشتراة أو المستخدمة لا على الدَّخل، فقد كانت وما تزال موضع النِّقاش في البلاد الديمقراطية؛ لأنَّه لا يمكن التمييز فيها بين الأغنياء والفقراء فيقال في الحوار إنَّه ينبغي إلغاء الضَّرائب أو تخفيفها عن “الضَّروريات” ورفعها على “الكماليات”؛ ثُمَّ يظل النزاع قائما في تعريف ما هو ضروري وما هو كمالي من الأشياء. ولكن الاتجاه على كل حال يظل مائلًا إلى التَّخفيف عن الفقراء والزيادة على الأغنياء.

لقد كان الأغنياء -بحكم أموالهم ومكانتهم في الدولة- في حصانة من سلطان القانون وإن كانت الدَّسَاتِير لا تقول ذلك بصفة رسمية. وقد كان القانون الرُّوماني -الشَّهير بعدالته- ينص صراحة على التفرقة القانونية بين السيد والعبد، فيحيط الأول بضمانات وحقوق كثيرة، ويخفف عنه العقوبة إذا أجرم، بينما يحيط الأخير بكثير من القيود، ويشدد عليه العقوبات على أقل هفوة تصدر عنه.
وألغت الديمقراطيات هذه التفرقة في نصوصها المكتوبة، ولكنها ظلت قائمة في عالم الواقع فترة غير قصيرة، حتى تراجعت عنها الحكومات خطوة خطوة بجهاد طويل وكفاح قامت به الشعوب، فأخذت الضَّمانات والحقوق تتسع لتشمل فئات جديدة من “الشعب” حتى صارت تشمله كله في نهاية المطاف.

وكانت كلمة “المواطن” ذاتها من المعاني التي استحدثتها الديمقراطية فأصبح المواطنون جميعًا متساوين -نظريا- في جميع الحقوق والواجبات بحكم أنهم جميعًا مواطنون في وطن واحد، وأصبحوا بالفعل متساوين في كثير من الحقوق. أمَّا المساواة التَّامة فلنا مراجعة بشأنها فيما بعد.
ونلحظ من لفظة “المواطن” في اللغات الأوروبية “Citizen” أنها نبعت من المدينة “City” فمن هناك بدأت حركة المطالبة بالمساواة، ومن هناك طالب المطالبون بأن يتساوى كل السكان -أي: سكان المدينة- في الحقوق والواجبات، وبعد أن نالت المدينة حقوقها عُمِّمَ ذلك على جميع السكان في الوطن كله، ولكن اللفظة الأوروبية لم تتغير، وظل اشتقاقها من المدينة باقيا حتى بعد أن اتسع مدلولها فشملت كل السُّكَّان … أمَّا اللفظة العربية فقد ترجمت متأخرة، حين بدأت الأفكار الديمقراطية تصبح موضع حديث في البلاد الإسلامية الناطقة بالعربية فأخذت المدلول الأخير للكلمة، المتصل “بالوطن” كله لا بالمدينة فحسب.

ومهما يكن من أمر فقد قامت الديمقراطية التي تمثل في الواقع محاولة التوفيق بين الطبقتين المتصارعتين في المجتمع الرأسمالي وهما: طبقة العمال “أي: الشعب” وطبقة الرأسماليين، قامت بجهد متواصل حتى قررت حق العمل من حيث المبدأ وجعلت الدولة ترضى بتحمل مسئوليتها في هذا الشأن.
وحين نقول “الديمقراطية” فنحن نقصد في الواقع كفاح الطبقة المظلومة المضغوطة للحصول على حقوقها، ولا نقصد أن الديمقراطية من ذات نفسها تمنح الحقوق للراغبين. وإلا فإنَّ النظام البرلماني في ذاته -وهو أداة الحكم في الديمقراطيات- لم يتسع لحقوق الفقراء إلا تحت القهر والضَّغط، فإذا كانت هذه الحقوق قد أصبحت اليوم سمة من سمات الديمقراطية؛ فليس لأن الديمقراطية ولدت على هذه الصورة، أو أنها يمكن أن توجد تلقائيا في أي بلد على هذه الصورة، ولكن لأنَّ صراعا حادا نشب، هو الذي أعطى الأوضاع صورتها الراهنة، ولو لم يقع ذلك الصراع لبقيت الديمقراطية كما كانت حكما صرفًا للأغنياء دون الفقراء!.

حق التعليم:

لم يصبح التعليم حقا “للشعب” في أوروبا إلا بعد كفاح مرير.
ففي ظل الإقطاع لم يكن للتعليم كله شأن يذكر. ولكن السادة على أي حال كانوا يتعلمون في القصور ما يليق بهم من العلم في ذلك الحين. يتعلمون اللاتينية والإغريقية والشعر والأدب ونصوصا من الكتاب المقدس وشيئا من الحساب وما شابه ذلك. أما أبناء الشعب فإن تعلموا شيئا من الكتاب المقدس على يد راعي الأبرشية فذلك حسبهم وزيادة، فما الذي يصنعون بالعلم وهم في داخل سياج القرية أو الإقطاعية، قد لا يفارقها الواحد منهم طيلة حياته.
ثم جاءت الثورة الفرنسية ثم الثورة الصناعية فَرَجَّتا المجتمع رجَّاً، وبَدَّلَتَا كثيرا من أوضاعه، ومن بين ما تبدل من هذه الأوضاع تدفق النازحين إلى المدينة من الريف وإقامتهم الدائمة هناك.
وبدأ الطلب على التعليم يتزايد؛ لأنه كان ظاهرًا أنَّ للتعليم مهمة يؤديها في المجتمع الجديد، وأنه يؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة بالنسبة للمتعلمين. حيث يستطيعون أن يعملوا في غير الأعمال اليدوية التي تركت للجهلة من العمال الذين لا يحتاجون في عملهم إلى ثقافة ولا تعليم.
وشيئا فشيئا تراجعت “الأرستقراطية” عن أفكارها ومواقفها ووافقت على توسيع دائرة التعليم حتى يتسع لعدد أكبر من أبناء الشعب، وإن كانت عقبة التمويل ظلت توضع أمام كل مطالب بتوسيع التعليم لكي يكف عن المطالبة التي تقلق بال الأرستقراطية وتهددها بأن تنزع منها تفردها وتميزها.
وجاء اليوم الذي طالب فيه المطالبون بجعل التعليم إجباريا على نفقة الدولة.

واحتدمت معركة حامية حول هذا الشأن لم تهدأ من قريب.
ولكن دفعة الجماهير والمدافعين عن حقوقهم كانت من القوة بحيث تغلبت على جميع الاعتراضات، وتقرر حق التعليم بعد صراع مرير، وبعد جهد جهيد بذل في التغلب على العقبات الحقيقية كقلة موارد الميزانية، وقلة المباني وقلة المدرسين.
واختلفت البلاد في تحديد مرحلة الإلزام التي تتحمل الدولة كل نفقاتها، هل تكون بسنوات محددة من العمر، والتلميذ يحصل ما يحصل في تلك الفترة بحسب قدرته على التحصيل؟ أم تكون بمستوى تعليمي معين أيا كانت السنوات التي يقضيها التلميذ فيها حتى يكملها؟ ولم تدخل المرحلة الجامعية في هذا النطاق.

وأيا يكن الأمر فقد اتسمت الديمقراطية بتلك السِّمَة وأصبح التعليم العام المجاني معلما من معالم الديمقراطية، ولكن ينبغي أن نذكر في كل مرة أن صراع الجماهير وضغطهم المستمر هو الذي وسم الديمقراطية بتلك السمة في النهاية، ولم تكن كذلك من مبدئها، ولا كان في نية القائمين عليها أن تصبح كذلك في نهاية الطريق!.

  

الحقوق السياسية:

حق الانتخاب، حق الترشيح، حرية الكلام، حرية الاجتماع، حق الاحتجاج

مع نمو الديمقراطية نمت الحقوق السياسية للشعب، بل إنَّ الحقوق السياسية هي في الواقع أبرز سمات الديمقراطية في صورتها النهائية التي استقرت عليها.
وخلاصة الحقوق السياسية أن يكون للشعب حق الإشراف على الحكومة وتوجيهها وحق نقدها والاعتراض على أعمالها … ويتخذ ذلك صورتين متكاملتين: إحداهما هي التَّمثيل النيابي ويحوي حق الانتخاب وحق الترشيح لدخول البرلمان، والثانية حق الاجتماع وإبداء الرأي خارج البرلمان، ويشمل الصحافة والاجتماعات السياسية والمظاهرات السِّلمية التي تقام للمطالبة بأمر معين أو الاحتجاج على أمر معين. وكل هذه الأمور لم يكن للشعب منها نصيب على الإطلاق قبل الديمقراطية، وحتى حين بدأت الديمقراطية تتخذ شكل التمثيل النيابي فإنَّ “الشعب” لم يكن مُمَثِّلًا هناك ولا كان مسموحا له أن يلج هذا الميدان رغم ما كان مكتوبا في ديباجات الدساتير من عبارات “الحرية والإخاء والمساواة” إنما نال الشعب كل ذلك بالعرق والدماء والدموع! بالسجن والتشريد والاضطهاد، وجميع ألوان المحاربة والمعارضة، فلما ثبت المطالبون وألحوا في الطلب وصمدوا أمام الضغط أخذوا يحصلون رويدا رويدا على كل هذه الحقوق، حتى أصبحت اليوم أمرًا مقرَّرَاً في الديمقراطية، بل أصبحت هي السمة البارزة لهذا اللون من الحكم.

وككل شيء في الديمقراطية لم يحصل الشعب على هذه الضمانات في يسر ولا كانت من مقررات الديمقراطية حين قامت في البدء؛ فقد كانت الديمقراطية قائمة -في أول عهدها- والشعب مطارد مضطهد بلا ضمانات تحميه!
كان من حق الشرطة أن تقبض على أي إنسان وتودعه السجن، وكان ذلك في الغالب لإحدى “جريمتين”: الفقر أو معارضة الحكومة، فأما الفقر فقد كان يبيح للشرطة القبض على أي إنسان بتهمة “التشرد” وعليه هو أن يثبت ما يخالف ذلك وليس على الشرطة أن تثبت “الجريمة” فالشبهة كافية والقانون -الذي وضعه الأغنياء- يوافق على ذلك، ويجعل الناس متهمين حتى تثبت براءتهم، وذلك حتى يكون “الفقراء” تحت تهديد دائم يمنعهم من الخروج على الأدب اللائق في حق الأغنياء.
وأما معارضة الحكومة فيالها من جريمة تبيح السجن والاعتقال والتشريد، وما أيسر التهمة، التحريض على قلب نظام الحكم، أو التحريض على كراهية النظام، أو العيب في أي ذات من الذوات “المقدسة” التي لا يجوز العيب فيها. وجاهد الشعب وجاهد أحرار الفكر جهادا طويلا مضنيا من أجل تغيير هذه الأوضاع كلها، حتى تقرر في الدساتير أوَّلًا ثم في الواقع العملي بعد ذلك أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته” وليس مدينا حتى تثبت براءته كما كان الحال من قبل …

أما ضمانات المحاكمة -بعد ضمانات الاتهام والتحقيق- فهي حق المتهم في إقامة محام يقوم بالدفاع عنه أمام المحكمة، يختاره بنفسه إذا كان يملك دفع “أتعابه” أو تنتدبه له المحكمة مجانًا إذا كان فقيرًا لا يملك دفع الأتعاب. وحقه في الامتناع عن الرد على أي سؤال توجهه المحكمة إليه، وحق المحامي في منعه من الإجابة على أي سؤال يرى من معرفته بالقانون أن الإجابة عليه تضر بالمتهم، وحقه في استدعاء الشهود الذين يرى أن شهادتهم تنفعه في قضيته. ثم حق المتهم في استئناف الحكم إذا رأى أنه جار عليه أو أوقع عليه جزاء لا يستحقه “ويقابله حق النيابة في استنئاف الحكم إذا رأت أنه أقل مما يستحقه المتهم”.

وإذا نظرنا إلى حال “الشعب” في ظل الإقطاع فلا شك أن في الديمقراطية -بالصورة التي صارت إليها- فإنَّ الإنسان الأوروبي، الخارج من ظلمات الإقطاع، قد استمتع بجوانب مضيئة ما كانت لتخطر على باله من قبل، ولكن هذه الجوانب المضيئة ليست هي الصفحة الوحيدة للديمقراطية “الليبرالية” كما تُسمى ديمقراطية الغرب، أي: التي تقوم على حرية الفرد في أن يعمل ما يشاء، تحقيقًا للشعار الشهير الذي أطلقته الرأسمالية في نشأتها “دعه يعمل ما يشاء Laissez Faire، دعه يمر من حيث يشاء Laissez Passer والتي صورتها العامة هي الحرية السياسية وتعدد الأحزاب(2)؛ إنَّما كانت هناك صفحة قاتمة شديدة القتام بمقدار ما تتلألأ هذه الصفحة بالنور. والتطبيق الواقعي للديمقراطية الليبرالية هو الذي يكشف سوآتها ويحدد وزنها الحقيقي في ميزان الحق.
قياسًا على الآية الكريمة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} فإنَّ هذا الأمر يصدق فيما بين الديمقراطية والشيوعية، فإن كلا منهما تصدق فيما تقوله عن الأخرى وإن كذبت فيما تدعيه لنفسها من حسنات.
فالشيوعية تقول في هذا الصَّدَد إنَّ “الذي يملك هو الذي يحكم” وإن “الطبقة” التي تملك وتحكم تضع التشريعات لحسابها الخاص على حساب الطبقات الأخرى. وإنه في الديمقراطية الليبرالية يكون المال في يد الطبقة الرأسمالية فهي التي تملك، ومن ثَمَّ فهي التي تحكم، وهي التي تضع التشريعات التي تحمي مصالحها ضد مصالح الطبقة الكادحة.
وهذه القولة صادقة إلى حد كبير.. وتوشك أن تكون صادقة كل الصِّدقِ لولا أن الطبقة الكادحة لم تستسلم تمامًا كما كانت قبل ثورتها على الإقطاع، بل قاومت وقاومت وقاومت.. وحصيلة مقاومتها هي التي أحدثت الفرق بين الصِّدق الكامل والصِّدق إلى حد كبير!
ولكن تعال ننظر -رغم ذلك- إلى حقيقة الواقع، ونسأل -بموضوعية كاملة- لصالح من تجري الحياة في ظل الديمقراطية الليبرالية، ومن هو المستفيد الأكبر، ولا نقول كما تقول الشيوعية إنه المستفيد الوحيد.
لا شك أن الأمور تجري -في عمومها- لمصلحة الرأسماليين!
ورغم كل التنازلات التي أكرهت الرأسمالية على تقديمها للشعب فما زال الغنم الأكبر في أيديهم، والفتات في يد الجماهير.
لا نقول -كما تقول الشيوعية- إن المنتج الحقيقي هو العامل، وإنه هو الذي يستحق وحده حصيلة الإنتاج، فتلك مغالطة سنناقشها حين نناقش الشيوعية في الفصل القادم. ولا نقول كذلك -كما تقول الشيوعية- إنَّ أصحاب رءوس الأموال هم قوم لا عمل لهم إلا التَّطَفُّل على دماء الكادحين، بينما هم لا يستحقون منها شيئًا على الإطلاق؛ لأنهم لا يعملون بأيديهم..
لا نقول هذا ولا ذاك.. ومع ذلك فلننظر إلى الفارق الضخم الذي يفرق بين دخول الرأسماليين ودخول العمال.. هل هو فارق طبيعي؟ هل هو فارق عادل؟ هل هو فارق لا يؤثر في القيم والمبادئ المتعلقة بإنسانية الإنسان؟!
كيف جاء هذا الفارق بادئ ذي بدء؟ هل هو حقيقة نتيجة العبقرية الفذة التي خص الله بها الرأسماليين وحرم منها بقية عباد الله؟! أم هي مغتصبة اغتصابًا بوسائل غير مشروعة؟!
هل كانت الرأسمالية عادلة منذ البدء في تحديد أجور العمال؟ أم كان تحديدها قائمًا على أسوأ نوع من أنواع الاستغلال؟ وحتى حين خفضت ساعات العمل ورفعت الأجور بعد الصراع المرير الذي قام به العمال، فهل حدثت العدالة الإنسانية الواجبة؟
إن تضخم رءوس الأموال ينشأ ابتداء من امتصاص دماء العمال وعدم توفيتهم أجورهم.. وقد يكون تحديد الأجر مسألة اجتهادية تختلف من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال. ولكن له حدودًا عامة لا ينبغي أن يخرج عنها، وهي توفير “الحياة الكريمة” للإنسان الذي يبذل جهده ليعيش.

ويجيء تضخم رءوس الأموال كذلك من إقامة الحياة كلها على الأساس الربوي الذي يمقته الله:
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (3).
والذي قال عنه الدكتور “شاخت” الألماني في تقرير أعده في الأربعينات من هذا القرن إن نتيجته الحتمية هي تزايد رءوس الأموال في يد فئة يتناقص عددها على الدوام وزيادة الفقر في عدد متزايد من الناس!
ويجيء تضخم رءوس الأموال أيضًا من إنشاء صناعات تافهة لا يحتاج إليها الإنسان الجاد الذي يعيش لأهداف جادة، بل هي تفسد الأخلاق وتميع الطباع وتشغل الناس بالتفاهات بدلًا من شغلهم بآفاق الحياة العليا.. وكل ذلك لأنها أكثر ربحًا.. ولأن دورة المال فيها أسرع بكثير من دورته في الصناعات الحقيقية التي تؤدي هدفًا جادا في حياة الإنسان.. كصناعة السينما وصناعة أدوات الزينة والتفنن في “المودات” سواء مودات الملابس أو مودات الأثاث في البيوت أو مودات السيارات في الطريق.
تلك أدوات التضخم الرأسمالي أو هذه أبرزها.. فأيها أدوات طبيعية؟ وأيها أدوات عادلة؟ وأيها أدوات لا تؤثر في إنسانية الإنسان؟

والانحراف الذي يتخذ الرأسمالية وجهه الاقتصادي، والديمقراطية الليبرالية وجهه السياسي، والتفكك الاجتماعي -كما سيجيء – وجهه الاجتماعي، هو أولًا انحراف عن شريعة الله ومنهجه المنزل لإصلاح الحياة وإقامتها بالقسط، وهو من جهة أخرى انحراف الفردية الجامحة التي تريد أن تفعل ما تشاء Laissez Faire، Laissez Passer! هذه الفردية الجامحة تأخذ في الاقتصاد صورة الرأسمالية، وتأخذ في الاجتماع صورة المجتمع المفكك الروابط المنحل الأخلاق. وهي انحرافات متناسقة بعضها مع بعض، متكاملة بعضها مع بعض، ولا يمكن فصل بعضها عن بعض!
فالذين يقولون نأخذ الديمقراطية صورة سياسية وليس من الضروري أن نأخذ معها الرأسمالية الجامحة هم واهمون في محاولة فصل وجه من هذا النظام عن وجه آخر.. أو هم يتحدثون عن شيء آخر غير الديمقراطية الليبرالية لا نعلم صورته على وجه التحديد!
ومهما يكن من أمر فإنَّ الديمقراطية الليبرالية -الموجودة بالفعل، لا المتخيلة في الأذهان- هي هذه التي تحتمي بها الرأسمالية وتلعب لعبتها من خلالها. وسنتكلم في الصفحات القادمة عن أبعاد اللعبة كلها التي تتم من وراء الصورة السياسية المتمثلة في الديمقراطية الليبرالية، ولكننا نقرر هنا حقيقتين. تبدوان متناقضتين في الظاهر ولكنهما في الحقيقة غير متناقضتين إذا أنعمنا النظر فيهما:
الأولى: أنه من خلال النظام الديمقراطي نال “الشعب” ما ناله من حقوق وضمانات.
والثانية: أن الرأسمالية هي صاحبة الهيمنة وصاحبة التشريع من وراء اللعبة الديمقراطية بأكملها.
ولإزالة التناقض الظاهري بين الحقيقتين:

نقول أولًا: إن الشعب نال ما ناله من الحقوق من خلال صراعه وكفاحه ودأبه في إحراج الرأسمالية واقتناص الحقوق والضمانات منها، فهو ينتزعها منها انتزاعًا وهي تتنازل عنها كارهة ومكرهة. وإن يقظة الشعب بدأت منذ ثار على الإقطاع وليس منذ اتخذ الديمقراطية! بل الديمقراطية هي ثمرة ثورته فهي نتيجة لا سبب.
ونقول ثانيا: إنَّه على الرغم من ذلك فقد تركت الرأسمالية الثوب -ثوب الديمقراطية- يلبسه الشعب، ونَفَذَتْ هي إلى مصالحها من خلاله، فنالت كل ما تريد من تشريعات تحمي مصالحها وتتيح لها أن تقوم بكل مظالمها! فإذا كانت قد اضطرت للتنازل عن بعض المصالح تحت ضغط الشعب، فهي من جهة قد تنازلت عن فتات لا يؤثر تأثيرًا حقيقيا في مصالحها، فما تنازلت عنه هو قطرات من فائض أرباحها، وما تزال أرباحها تتزايد بصورة جنونية! وهي من جهة أخرى قد تنازلت عن هذا الفتات؛ لأنها لم تأمن على نفسها إذا ظلت في موقف التَّصَلُّب أن تفقد ثروتها كلها وكيانها كله! ففي نظرها هي أنها ألقت للكلاب الجائعة بلقيمات تلهيها بها خوفًا من أن تأكلها الكلاب! فخوفًا من الشيوعية تنازلت الرأسمالية الغربية عما تنازلت عنه، وخوفًا من أن تدمر الاضطرابات كل الأرباح!
فلا تناقض إذن بين الحقيقتين، والرأسمالية هي صاحبة النظام كله وهي المستفيد الأول منه، ولا عليها أن يتزيا الشعب بزي الحرية.. أو الحرية والإخاء والمساواة(4)!
ولنأخذ ثلاثة نماذج مختلفة من طريقة تشكيل “الرأي العام” في مسألة سياسية، ومسألة اجتماعية، ومسألة اقتصادية تخدم كلها مصالح الرأسمالية ويبدو فيها “الرأي العام” كأنما تشكل من تلقاء نفسه، واتجه إلى الوجهة التي اتجه إليها!
لنفرض أن المطلوب هو إشعال حرب في مكان ما على سطح الأرض. وهو أمر يهم الرأسمالية من جميع الوجوه المتخيلة! وأولها بيع السلاح الذي يدر على صانعيه أرباحًا خيالية “ونصرف النظر -مؤقتًا- عن أن تجار السلاح في العالم من قديم الزمان هم اليهود”(5)! فكيف يهيأ “الرأي العام” لتقبل الحرب أولًا، ثم التَّحمس لها ثانيًا، ثم المطالبة بها أخيرًا!
تبدأ الصحف -وكذلك وسائل الإعلام- في نشر أخبار قصيرة مثيرة تثير عند الغافلين -والرأي العام دائمًا غافل- نوعًا من التطلع والانتباه. ثم يزاد في طول الخبر ويؤتى بمزيد من التفاصيل.. ثم يصبح الموضوع هو الحديث اليومي في الصحافة والإذاعة والتليفزيون.. ثم يزاد في نغمة الإثارة حتى تشحن النفوس بالوقود. ثم تأخذ الصحافة في استطلاع “الرأي العام” “كأنَّما لم تكن هي التي وجهته” فإذا الرأي العام مُتَحَمِّس! إذن لا بد من مطالبة الحكومة بالتَّحَرُّكِ! وإذن تبدأ الحكومة في الإعداد.. ثُمَّ تنطلق شرارة الحرب، ويباع السِّلاح، وتتحقق الأهداف المطلوبة من وراء “المشروع”!
ففي الحرب العالمية الثانية التي امتدت فشملت معظم أرجاء الأرض، وقتل فيها أربعون مليونًا من الشباب في ميادين القتال غير الذين قتلوا من الرجال والنساء والأطفال بعيدًا عن ميادين الحرب بالقنابل المدمرة، وغير الذين قتلوا بتأثير القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا في نجازاكي وهيروشيما.. بدأت صحافة الحلفاء “أي: الديمقراطيات في غرب أوروبا وفي أمريكا” تتكلم عن هتلر واستعداداته الحربية والأزمات التي يثيرها “وخاصة أزمة ممر دانزج التي اعتبرت الشرارة الأولى للحرب”. وبدأت تكتب عن النازية وعن النظم الدكتاتورية وعداوتها للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. وأن على الديمقراطيات التي تشكل “العالم الحر” أن تؤدب هذا الطاغية الذي ينذر بشر مستطير لجميع البشرية!
وما نريد أن نتحدث هنا عن “الحق” في أي جانب كان.. فقد كان كل ما تقوله صحافة “العالم الحر” عن هتلر والنازية والدكتاتورية حقا، وكان هتلر بالفعل طاغية جبارًا يريد إذلال العالم وإخضاعه لسلطانه، ويصدر عن جنون عنصري مرتكز على أفضلية الجنس الآري وجدارته بأن يحكم العالم كله! ولكن ما فضل “الحلفاء” عليه؟ أليسوا هم مثله طواغيت -كانوا- يحكمون العالم كله يومئذ ويذلونه باسم حضارة “الرجل الأبيض” وجدارته أن يحكم كل شعوب الأرض؟ وماذا يملك الرجل الأبيض من المقومات الحقيقية التي تؤهله لذلك السلطان وتجعله وقفًا عليه وحده لا يشاركه أحد فيه؟
فقد كان إذن ما تقوله صحافة الحلفاء “وإذاعتهم” حقا بالنسبة للنازية وهتلر، أما ما كانوا يدعونه لأنفسهم من أنهم هم حماة الحرية وحماة حقوق الإنسان، فقد تبين كذبه كله عقب الحرب مباشرة حين خرج الحلفاء منتصرين من الحرب فضربوا بكل وعودهم للشعوب عرض الحائط، بل قالوا لهم في تبجح: لقد حميناكم من النازية فادفعوا ثمن الحماية.. وثمنها أن يكونوا خاضعين لهم يدورون في فلكهم ويخدمون مصالحهم.
على أي حال فنحن نتتبع معالجة الصحافة والإذاعة للأمر..
لقد كان المطلوب تهيئة “الرأي العام” للحرب، ولأمر آخر لا يقل خطرًا.. هو إنشاء دولة إسرائيل..
فلتكتب الصحافة إذن -وجميع وسائل الإعلام المتاحة- عن طغيان هتلر، وعن وحشيته في إبادة اليهود وتعذيبهم.. حتى يشحن “الرأي العام” ويصبح مستعدا للحرب بعد إذ كان نافرًا منها أشد النفور.. وحتى يعطف على قضية اليهود بعد إذ كان كارها لهم أشد الكره!
وشيئًا فشيئًا يصبح حديث الحرب أمرًا عاديًا، بل يتحمس الناس للحرب ويضغطون على حكوماتهم أن تدخل الحرب تأديبًا للطاغية الذي يستحق التأديب، والذي إذا ترك وشأنه خرب الأرض ودمر مقومات الحضارة!
وشيئًا فشيئًا يتعاطف الناس مع اليهود الذين يعذبهم النازي ويحرقهم أحياء في الأفران(6)! ويصبح “الرأي العام العالمي” مهيأ للدعوة التي تجيء بعد ذلك بضرورة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين(7)!
ثم يشتد الحماس حتى تدخل كل دول الغرب في الحرب، ويشتد التعاطف مع اليهود حتى يصبح العرب في نظر العالم مجرمين، إذا أبوا أن يتنازلوا عن أرضهم وديارهم لشعب الله المختار!
ولنفرض أن المطلوب هو تفكيك روابط الأسرة ونشر الفساد الخلقي وتحريض المرأة ضد قوامة الرجل عليها.
تبدأ الصحافة بمهاجمة الزواج المبكر وذكر مضاره!
إن كلا من الزوجين يكون قليل الخبرة بالجنس الآخر نتيجة عدم الاختلاط، ثم قليل الخبرة بالحياة لصغر السن وقلة التجربة، ثم قليل الخبرة بتربية الأولاد.. الذين يجيئون في أول عهد الزواج فتسوء تربيتهم! لذلك يلزم تأخير سن الزواج مع إباحة الاختلاط حتى يتحقق التعارف بين الجنسين واكتساب الخبرة اللازمة للزواج، ويتأخر مجيء الأولاد حتى تزداد الخبرة فتحسن تربيتهم!
ثُمَّ يظل الحديث عن ضرورة الاختلاط يلح على الناس حتى يتكون “رأي عام” موافق على الاختلاط بعد إذا كان معارضًا له، ثم يظل الحديث يلح على الناس حتى يتحمسوا له، ثُمَّ يظل الحديث يلح على الناس حتى يبلغ الحماس للاختلاط أن يتهموا كل معارض له بالرَّجعية والتَّخلف والجمود والتَّأخر ويهددوه بأنَّ عجلة التَّطَوُّرِ ستسحقه وتقضي عليه!
ثُمَّ يقال للمرأة إنَّ الزَّواج الباكر والإنجاب الكثير يفسد رشاقتها! ويقتل حيويتها! ويمنعها من مشاركة الرجل في إدارة شئون المجتمع! وتظل الصحافة “ووسائل الإعلام الأخرى” تلح على هذا الأمر حتى تخرج المرأة من فطرتها وتنظر إلى الزواج على أنه قيد يعوقها! وإلى الإنجاب على أنه عدو يفسد جمالها ورشاقتها، وإلى البيت والانشغال به على أنه إهدار لطاقتها بل إهدار لكرامتها! وبعد أن كانت -كما هو مركوز في فطرتها- تفرح بصيحة الطفل؛ لأنها تحقيق لرسالتها وإثبات لأنوثتها المتمثلة في الاستعداد للحمل والإنجاب، صارت تمقت صيحة الطفل، وتكره البيت، وحتى إن تزوجت تستخدم موانع الحمل لتحافظ على رشاقتها.
ثم يظل تأثير الصحافة ووسائل الإعلام عليها حتى ترى أن من حقها أن “تستمتع” بالحماية استمتاعًا حرا دون أن يفرض على استمتاعها قيد خلقي أو اجتماعي أو من أي نوع. فمن حقها أن تمارس الجنس في حدود الصَّدَاقة مع الرجل دون أن ينشأ عن ذلك بالضَّرورة زواج أو أسرة.. ومن حقها أن تؤخر الزواج حتى تشبع من الاستمتاع الحر.. ومن حقها أن تؤخر الإنجاب حتى تشبع من العمل خارج البيت ومن الرشاقة في الحفلات وحلبات الرقص.
ويصبح ذلك كله من مقررات “الرأي العام” النسائي على الأقل، بل النسائي والرجالي كذلك.. “أي: من مقررات العقل الجمعي”! ويصبح المعارض لذلك هو المجنون الأبله، وهو المتحجر على أوضاع عفى الزمن عليها ولا يمكن أن تعود!
إذا كانت هذه هي طريقة تشكيل “الرأي العام” الذي تعتمد عليه الديمقراطية -في ظاهرها على الأقل- فكيف تكون الديمقراطية هي حكم الشعب على الحقيقة؟!
إن الرجل العادي -الذي يسمونه “رجل الشارع” كأنه لا بيت له ولا انتماء له- مشغول بأحواله المعيشية الخاصة عن النظر الحقيقي في الأمور العامة، وتكوين رأي مستقل فيها. وذلك لسببين: أحدهما عام لا يختص ببيئة معينة ولا زمن معين، هو أن الأغلبية الكبرى من الناس لا تحب أن تشغل نفسها بالأمور العامة ولا تصبر على التعمق فيها، وليس عندها الأدوات المعينة على ذلك من تفقه وتدبر وبعد نظر وإحاطة بالأسباب والنتائج، فتحب أن تترك هذه الأمور لفئة معينة من الناس، تثق فيها وتكل إليها هذه المهمة الخطيرة. والسبب الثاني خاص بهذه الديمقراطية الليبرالية بالذات، أو هو في الحقيقة خاص بالجاهليات جميعًا ولكنه في هذه الجاهلية التي يشرف اليهود على توجيهها أشد، وهو التلهية الدائمة لرجل الشارع هذا عن أن يلتفت إلى الأمور العامة بنظر مستقل وفكر متفحص، عن طريق شغله بأمور معاشه من جهة وأمور لهوه و”استمتاعه” من جهة أخرى. نقول إن هذا موجود في الجاهليات جميعًا، حتى يتفرغ أصحاب السلطان لسلطانهم دون تدخل من يقظة الجماهير، التي قد تتيقظ فتطالب بحقوقها المسلوبة، التي يعيش -من سلبها- أصحاب السلطان! ولكنه في هذه الجاهلية أشد؛ لأن اليهودية -أو إن شئت قل الرأسمالية- تشغل الناس شغلًا دائمًا بأمور المعاش لكي تربح هي ربحها الفاحش، فاليوم الثلاجة وغدًا السيارة وبعد غد تغيير السيارة؛ لأن الجديدة أكثر أناقة أو فيها زر إضافي ليس في السابقة! كما تشغلهم باللهو الدائم فاليوم السينما وغدا المسرح وبعد غد حلبة الرقص وبعده النزهة الخلوية … والليلة موعد مع الصديقة وبعدها صديقة أخرى أو حفل جنسي صاخب.. وهكذا، لتربح الرأسمالية -أو قل اليهودية- أرباحًا مركبة: ربح المال، وربح إفساد الأمميين، وربح تلهيتهم عما يدور حولهم من أمور، ليخطط المخططون وهم في مأمن كامل من يقظة الجماهير!

إذا كان الحال كذلك على الحقيقة فأين هو “الرأي العام” الحقيقي الذي يوجه السياسة في الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية؟! إنه في الحقيقة أصحاب رءوس الأموال.. هم الذين يرسمون السياسة، وهم الذين يشكلون “الرأي العام” عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، فيصوغونه على النحو الذي يريدون.. النحو الذي يحقق مصالحهم في النهاية، ولا بأس أن يترك شيئًا من الفتات “للشعب” حتى لا يتحول إلى كلاب جائعة تهدد المكتنزين!
حقيقة إن هناك نوابًا وتمثيلًا نيابيا وهناك برلمان يقول فيه من أراد كل ما يريد أن يقول.
ولكن من هم النواب في حقيقة الواقع؟
هل يتاح لأي إنسان أن يصل إلى البرلمان ويوجه الأمور من هناك، كما هي الصورة النظرية للديمقراطية؟
إن المعركة الانتخابية في حاجة إلى تكاليف لا يقدر عليها إلا الأغنياء من الناس، ومتى كان هو من طبقة الأغنياء فما الذي يجعله يفكر في “طبقة” المساكين؟ إنهم ليسوا في نظره مساكين! إنهم من جهة أولئك “الأعداء” الحاسدون لما في يده من النعمة، الطامعون، الذين يريدون أن ينهبوه وينتقصوا أرباحه! وهم من جهة أخرى أولئك “الطفيليون” الذين لا يحسنون شيئًا ويطمعون في كل شيء، “الأغبياء” الذين وقف بهم غباؤهم عن أن يصعدوا إلى القمم التي وصلوا هم إليها..؛ وحقيقة إن هناك من الفقراء ومتوسطي الحال من يرشحون أنفسهم وينجحون في الانتخابات.. ولكن كيف يصلون إلى هناك؟ إنه لا بد من أحزاب تحملهم وتحمل عنهم عبء المعركة الانتخابية وهو عبء باهظ.
فإذا دخل الإنسان الحزب فقد تغيرت أحواله كلها وأصبح إنسانًا آخر.. أصبح “محترفًا” في عالم السياسة، وهو وحزبه في أحد حالين لا ثالث لهما، وفي أحد موقفين: إما أن يكون حزبه في الحكم فهو ملتزم بتأييد الحكومة في كل ما تصنع، سواء كان في دخيلة نفسه مقتنعًا بما تفعل أو غير مقتنع. وإما أن يكون حزبه في المعارضة -أي: خارج الحكم- فهو ملتزم بمعارضة الحكومة القائمة في كل ما تصنع “إلا أن تكون “مصلحة عامة” أي: يستفيد منها الرأسماليون جميعًا!” سواء كان في دخيلة نفسه مقتنعًا بالمعارضة أو غير مقتنع!
وهكذا تسمع صيحات: العدل. والقيم. والمبادئ. والإنسانية. إلخ.
من الحزب المعارض طالما هو في المعارضة، فإذا وصل إلى الحكم سلك ذات السُّلُوكِ الذي كان ينتقده ويندد به من قبل! وصار الدور على الحزب المعارض -الذي كان في الحكم من قبل- لينتقد من الحكومة القائمة ذات الأعمال التي كان يسوغها لنفسه وهو في الحكم ويتصايح بدعاوى الإنسانية والعدالة والقيم والمبادئ!
إنَّ القرارات تؤخذ بالأصوات. ولا ضير في المبدأ في ذاته فهو مبدأ عادل.

ولكنه صالح حين يكون أصحاب الأصوات من العدول لا حين يكونون من أصحاب الأهواء، فأما حين يكونون من أصحاب الأهواء، الملتزمين بالمعارضة أو الملتزمين بالتأييد بحكم موقف الحزب الذي يتبعونه، فعندئذ تضيع أصوات القلة من الأحرار في وسط أصوات الكثرة من المزيفين! وتنفذ مصالح الرأسمالية كلها من خلال اللعبة الهائلة، لعبة الحرية والديمقراطية والتمثيل النيابي والبرلمان! إلا الفتات الذي يتساقط في الطريق، أو يسقط عمدًا للتلهية، أو يسقط تحت الضغط الشديد!
أما “الحرية” الحقيقية التي تتيحها الديمقراطية وكأنما أنشئت من أجلها فهي “الحرية الشخصية”: حرية الإلحاد وحرية الفساد الخلقي! هنا يلتقي الجميع: المعارضون والمؤيدون والشعب والرأسماليون، والحكام والمحكومون!
إنَّ الديمقراطية الليبرالية تقيد الحرية حيث ينبغي أن توسع، وتوسعها حيث ينبغي أن تضيق!
فحين تمس مصالح الرأسمالية فلا حرية على الإطلاق! ويذكر الناس جميعًا قصة مقتل كنيدي رئيس جمهورية الولايات المتحدة، حين قتل في عام 1963م لأنه وقف في طريق مصلحة من مصالح الرأسمالية، ثُمَّ لُعِبَ بقضيته لعبًا بحيث لا تنكشف الحقيقة ولا يوقع على المجرمين الجزاء!
وتلك هي الديمقراطية حين تمس المصالح المباشرة للرأسمالية.
وما كانت مصالح مشروعة حتى نقول إن الذي وقف في سبيلها كان يستحق الانتقام منه بأية صورة من الصور، إنما كانت مصالح جشعة مجرمة، تريد أن تضع العالم كله على حافة الحرب لكي تربح هي من وراء ذلك الربح الحرام.. وفي سبيل ذلك تلغي كل ضمانات الديمقراطية وكل “الحرية” الزائفة التي يتغنى بها الديمقراطيون!
أما حين يكون الأمر مُخْتَصَّاً بالفساد فهنا الحرية بلا ضابط ولا حساب! حرية الإنسان في أن يلحد حرية مكفولة بالقانون!
فرغم أن الدولار الأمريكي مكتوب عليه “ثقتنا في الله In God We Trust! ” إلا أن القانون ينص على حرية العقيدة. والحرية معناها أن من شاء أن يلحد ويعلن إلحاده على الناس ويدعو إلى الإلحاد ويسخر من القيم الدينية كلها ومن عقيدة الألوهية ذاتها فمن حقه أن يفعل.. لا تحريج عليه على الإطلاق!
وحرية الإنسان في أن يفسد حرية مكفولة بالقانون!
فالسلوك الجنسي مسألة خاصة إلى أبعد حدود الخصوصية لا يتدخل القانون بشأنها أي تدخل إلا في حالة واحدة هي جريمة الاغتصاب؛ لأنها تقع بالإكراه لا بالاتفاق. أما أي علاقة -على الإطلاق- تقع بالاتفاق فلا دخل للقانون بها، ولا دخل للمجتمع ولا دخل لأحد من الناس.. فسواء كانت هذه العلاقة سوية أو شاذة، وسواء كانت مع فتاة لم تتزوج أو مع امرأة متزوجة، فهذا شأن الأطراف أصحاب العلاقة وليس شأن أحد آخر..
والغابات والحدائق العامة مسرح لكل ألوان السلوك الجنسي فضلًا عن النوادي والبيوت.. كلها ماخور كبير يعج بالفساد الذي يحميه القانون.. قانون الديمقراطية!

__________

1 سنتكلم عن “اتجاه الحرية” حين نناقش الوجه الآخر للديمقراطية فيما يلي من هذا الفصل.

2 حين يطلق الشيوعيون على الديمقراطية الغربية وصف “الليبرالية” فهم يقصدون به الذم لا المدح. ويعنون به الديمقراطية التي يتمتع فيها الرأسماليون بحرية استغلال الطبقة الكادحة. وسنناقش هذه النقطة بعد قليل.

3 سورة البقرة: 275، 276.

4 يقول البروتوكول الأول: “إن هتافنا بكلمات “الحرية والمساواة والإخاء” مع جهود دعاتنا المسخرين اجتذب في كل أنحاء العالم جيوشًا جرارة من البشر حملت أعلامنا بكل فخر وحماسة في حين أن هذه الكلمات الساحرة كانت سوسا ينخر في كيان سعادة الأمميين. ومعول هدم للأمن والسلام والوحدة لديهم” “تعريب أحمد عبد الغفور عطار”.

5 من أجل ذلك هم دعاة الحروب دائمًا.. يقول سبحانه وتعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [سورة المائدة: 64] .

6 اتضح فيما بعد أن حوادث التعذيب كانت قليلة جدا، وأن الصحافة الغربية هولت فيها تهويلًا ضخمًا مقصودًا لخدمة أهداف معينة بل تقول كاتبة ألمانية من أصل يهودي: إن اليهود هم الذين دفعوا هتلر دفعًا إلى إيقاع هذا التعذيب عليهم ليستغلوه في الدعاية لقضيتهم وهي الاستيلاء على فلسطين بحجة أنهم شعب مشرد مضطهد ولا بد له من وطن.
7 يقول “وليم كار” في كتاب الأحجار: “إن اليهود أججوا الحرب كلها من أجل إنشاء وطن لهم وكلامه في هذه النقطة فيه حق كثير”.

إن الحرية التي تمنحها الديمقراطية الليبرالية هي حرية الحيوان لا حرية الإنسان(1).
ولقد أراد “الثوار” الذين ثاروا في وجه الطغيان الإقطاعي أن يحرروا “الإنسان” من العبودية التي كانت تستذله وتهبط به عن الوضع الذي يليق بالإنسان.
ولكن اليهودية العالمية التي سيطرت على المجتمع الصناعي منذ مولده أرادت شيئًا غير ذلك. “فالإنسان” بالذَّات هو عدوها الذي ترهبه، وعدوها الذي تريد أن تقضي عليه. وسنحت لها الفرصة فحققت حلمها القديم في استحمار الأمميين وتسخيرهم لشعب الله المختار.. فمسخت آدمية أولئك الآدميين وحولتهم إلى أولئك الحمير..
فما الإنسان بغير عقيدة؟
وما الإنسان بغير أخلاق؟
فأما بغير عقيدة فقد قال عنهم الخالق تبارك اسمه: {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (2).
وأما بغير أخلاق ولا قيم خلقية، فالحيوان وحده هو الذي يعيش بغير قيم خلقية؛ لأنه ليس له إلا طريق واحد لا اختيار له فيه، فلا يوصف عمله بأنه أخلاقي أو غير أخلاقي، إنما يوصف بأنه عمل غريزي، فإذا أكلت القطة الفأر أو أتى الكلب أنثاه في الطريق فلا أحد يقول إن هذه أعمال غير أخلاقية! أما الإنسان الذي كرمه ربه بالإنسانية وجعل له طريقين اثنين لا طريقا واحدا، وأعطاه القدرة على التمييز بين الطريقين واختيار واحد منهما: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (3)، فإنَّه حين يرفض القيم الخلقية، ويقول عن إقامة الرَّأسمالية على أساس الربح بصرف النظر عن كون هذا الرِّبح حلالا أو حراما، جائزا أو غير جائز، يقول إن هذه مسألة اقتصادية لا علاقة لها بالأخلاق ويقول عن تحويل المجتمع كله إلى ماخور كبير: إن الجنس مسألة “بيولوجية” لا علاقة لها بالأخلاق، حين يفعل ذلك فإنَّه يفقد آدميته بالطبع ويصبح من الدَّواب، بالضبط كما يريد له شعب الله المختار.
ولقد كانت الديمقراطية وشعارات الحرية هي اللعبة الكبرى التي نَفَّذَت اليهودية العالمية عن طريقها مخططها كله(4) واستحمرت بها الأمميين في الغرب لحساب الشعب الشيطان.
ولا ينفي ذلك كله ما كسبته الشعوب في ظل الديمقراطية من حقوق وضمانات تحدثنا عنها من قبل وقلنا إنها -في هذا الجانب- تكريم للإنسان وتحقيق لصفة الإنسانية فيه.

ثُمَّ نقول إنَّ الصفحة السَّوداء فيها قاتمة السَّواد أكثر بكثير مما يظن الذين يأخذون الأمور من سطوحها فيحسبون الفساد جزئيا قابلا للإصلاح وقابلا للتعديل بوضع بعض الضوابط هنا وبعض القيم هناك.
إنَّها من جهة مسرحية ضخمة تمثلها الرأسمالية وتضع لها أدوارها وتوهم المشاهدين أن الممثلين يتحركون على المسرح من ذوات أنفسهم وبمقتضى إرادة ذاتية لهم، بينما هم -كأي ممثلين في مسرحية- يتحركون بمقتضى الدور المعطى لهم وفي حدوده المرسومة، لا يملكون أن يتجاوزوا المسرح أو يتجاوزوا دورهم في المسرحية المعروضة عليه … وإلا طردوا بتهمة الإفساد! أو عوقبوا عقابا صارما ليكونوا عبرة للآخرين. كما يطارد دعاة الحرية الحقيقيون بتهمة الشغب والخروج على القانون وتعريض الأمن القومي للخطر، وكما قتل كنيدي حين تجرأ جرأة لا تليق “بموظف” مسئول في حضن الرأسمالية.
وهي من جهة أخرى أداة ضخمة لإتلاف إنسانية الإنسان بإعطاء الفساد الديني والفساد الخلقي شرعية كاملة، وجعل ذلك جزءا أصيلا من مفهوم الديمقراطية ومفهوم الحرية.
فَتَحْت هذا الشعار -شعار الحرية- ظل “الإنسان” الأوروبي يجد التَّشجيع المستمر على التَّحلل من دينه وعقيدته بوصف أن هذه أمور خاصة يتصرف فيها الإنسان على مزاجه الخاص، فمن شاء أن يبقى على عقيدة ودين فليبق، على مسئوليته الخاصة، وليتلق السُّخْرية الدَّائمة من المجتمع ومن الكُتَّاب والمفكرين وأهل “الفن” من قصاصين ومسرحيين وإذاعيين وتلفزيونيين ورسامي “الكاريكاتير” فضلًا عن المُخَذِّلات الدائمة من حوله، التي تتفنن في صرفه عن الدين والعقيدة. ومن شاء أن يلحد فليلحد، ولن يقف في سبيله أحد ولن يخرج عليه أحد فتلك حريته الشخصية، ولن يجد السخرية حتى من رجال الدين! إنما يجد منهم “لطيفة” للتفاهم معه ومحاولة “فاترة” لرده إلى الإيمان بينما يجد التشجيع من جهات كثيرة في الأرض!
ومن جهة ثالثة فهي لعبة اليهودية الكبرى لتنفيذ مخططاتها كلها مع إيهام الناس أنهم يتصرفون من تلقاء أنفسهم وحسب رغباتهم الخاصة!

فأما المصالح الرأسمالية اليهودية فتسخر لها الأحزاب السياسية والبرلمانات و”نواب الأمة” ووسائل الإعلام التي تشكل الرأي العام وتقوم بعملية التزييف الكبرى لأفكار الناس واهتماماتهم بما يحقق تلك المصالح في نهاية المطاف، ويحقق انسياب الذهب -معبود اليهود القديم- إلى جيوبهم وقلوبهم ويتفننون به في زيادة سيطرتهم على الأمميين.
وأما “المصالح” اليهودية الأخرى المتمثلة في إفساد عقائد الناس وأخلاقهم ليسهل استحمارهم وتسخيرهم لمصالح الشعب الشرير فهي تتم كاملة من وراء شعار “الحرية” الذي تحدثنا عنه ومن خلال شعور الناس أن “هذه” هي الديمقراطية!
وهكذا يضيع الخير الضئيل الذي كسبته “الشعوب” بالحقوق والضمانات في وسط هذا الشر الهائل الذي يحققه الأشرار من وراء هذا النظام المخلخل المليء بالعيوب، والمليء بالثقوب!
فإذا عرضنا الأمر على الإسلام فهناك قضيتان رئيسيتان من وجهة النظر الإسلامية هما محور الارتكاز في الموضوع كله وهما أداة التقويم بالنسبة للديمقراطية أو أي مذهب آخر من المذاهب التي نناقشها في هذا الكتاب. هاتان القضيتان هما:
أولا: من المعبود؟
ثانيا: إنسانية الإنسان.
وقد وهّنت الجاهلية المعاصرة التي يوجهها اليهود كلتا القضيتين -والأولى بصفة خاصة- التي زعموا أنها ليست محور الحياة الإنسانية ولا مقياسها، بل العكس هو الصحيح! فالإنسان أرقى كلما بَعُدَ عن الدِّينِ، وأكثر تأخُّرًا ورجعية كلما اقترب منه، على أساس أنَّ حياة الناس قد مَرَّتْ بثلاث مراحل هي: السِّحْرُ والتَّدَيُّن والعلم، وأن الدين -الذي يمثل المرحلة الوسطية من حياة البشرية- قد أخلى -أو ينبغي أن يخلي- مكانه للعلم من أجل تقدم الإنسان ورقيه وتحضره!
وأما القضية الثانية فقد زعمت الجاهلية المعاصرة أنه ليس لها مقياس ثابت! وأن الإنسان ليس له كيان ثابت أو صورة مثلى يُقوَّم بمقتضاها، إنما كل عصر له مقياسه، ومقياسه هو الأمر الواقع في ذلك العصر! والإنسان دائم التشكل على الصورة التي يقتضيها -أو يرتضيها- العصر بلا زيادة! ومن ثم فإنسانية الإنسان أمر لا يمكن أن يوضع له ميزان ثابت!
ولكن الإسلام يقوِّم الأمور بميزان الله سبحانه وتعالى، الذي أنزله ليقوم الناس بالقسط: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (5). وميزان الله -وهو الحق- يقول إن قضية “من المعبود؟” هي أهم قضية بالنسبة للحياة البشرية كلها في تاريخها كله، وإن كل شيء في الحياة الدنيا -فضلا عن الآخرة- يتوقف على جواب هذه القضية وهي كون المعبود هو الله أم شيئا آخر مع الله أو من دون الله …
والجاهلية المعاصرة تغفل الحياة الأخرى عن عَمْدٍ وتبرز الحياة الدُّنْيَا وحدها وتجعلها مجال الاهتمام وموضع التقويم(6)؛ لأنها لو وضعت اليوم الآخر في الميزان فقد حسمت القضية، وانتهت من أول لحظة.. فلن يقول أحد إنَّ الدار الآخرة ستكون للملحدين الذين ينكرون وجود الله، أو ينكرون شريعته، أو يكرهون هذه الشريعة ويرفضون تحكيمها في أمور حياتهم!
لذلك فإنَّ الجاهلية المعاصرة لا تتكلم أَبَدًا عن اليوم الآخر وما فيه من بعث ونشور وحشر وحساب وثواب وعقاب! وإن تحدثت عنه فعلى أنَّه وهم لا حقيقة له، أو قضية “غيبية” لا ينبغي أن يشغل بها نفسه الإنسان المتحضر أو الإنسان الواقعي، أو الإنسان الذي يحترم عقله، أو الإنسان الذي يحترم العلم ويعيش بروح علمية!!
فإذا أصبحت الحياة الدنيا هي مبلغ الناس من العلم وهي التي يتجه إليها الاهتمام كله ضمن المخططون الشريرون أن تسير الأمور كما يشتهون وأن تسير السائمة من الأمميين في الطريق الذي رسمه شعب الشيطان المختار.

وإذا كانت الجاهلية المعاصرة قد أغفلت ذكر اليوم الآخر لغاية في نفسها وأبرزت الحياة الدنيا وحدها وجعلتها غاية كل شيء ومقياس كل شيء، فنحن لا نجاري تلك الجاهلية فيما اتجهت إليه، ولا نقرها على تعبيد الناس للحياة الدنيا، ولكنا نقول إن قضية “من المعبود”؟ ليست متعلقة بالآخرة وحدها ولكنها من صميم قضايا الحياة الدنيا، وإن الجواب على هذه القضية لا يتوقف عليه مصير الإنسان في الآخرة وحدها، بل يتوقف عليه مصيره هنا في الحياة الدنيا، وبدرجة أكبر بكثير وأخطر بكثير مما يظن المستعبدون للمخطط الشرير من الأمميين المسخرين كالحمير!
إنه بصرف النظر -مؤقتا- عن القيم المتعلقة بالدين، المستمدة من كون المعبود الواجب العبادة هو الله سبحانه وتعالى وحده بلا شريك “ولنا عود إليها بعد قليل” فإن الجواب على هذا السؤال الخطير: “من المعبود؟ ” يترتب عليه في الوقت ذاته إجابة على سؤال مهم في حياة البشر على الأرض وهو: “من المشرع؟..”.
يقول التفسير المادي للتاريخ، وهو هنا على حَقٍّ فيما يقول: “إن الذي يملك هو الذي يحكم، وإن الطبقة التي تحكم تضع التَّشْرِيعات التي تحفظ مصالحها، ويكون ذلك على حساب الطبقات الأخرى”.
لذلك فإنَّ قضية “مَنْ المُشَرِّع؟” قضية مهمة بالنسبة للناس على الأرض. وليست قضية جانبية أو ثانوية يمكن التغاضي عنها لقاء بعض المتاع الأرضي الزائد عن الحد، كمتاع الجنس المجنون، أو “متاع” التبذل في الأرض بلا أخلاق، الذي قال عنه:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} (7).
فهو متاع الحيوان لا متاع الإنسان.
وقضية “مَنْ المُشَرِّع؟” هي التي قامت من أجلها الثورات التاريخية كلها حتى هذه اللحظة بسبب المظالم التي تقع من المُشَرِّعين الذين يُشَرِّعون لصالحهم وصالح الطبقة التي ينتمون إليها. فيثور المظلومون ليرفعوا هذا الظلم أو ليحاولوا رفعه على أقل تقدير. فإذا كانت القضية على هذا القدر من الأهمية، وكان لها كل هذا الأثر في حياة الناس على الأرض -بصرف النظر عن مصيرهم بعد ذلك- فلننظر من المُشَرِّع الحقيقي في الديمقراطية الليبرالية أو في الحقيقة في أي جاهلية لا تحكم بما أنزل الله.
إنهم بادئ ذي بدء بشر، ثُمَّ هم بعد ذلك طبقة معينة لها مصالح معينة لا تتحقق بصورتها التي يريدونها إلا على حساب الآخرين.

كان الحاكم في الإقطاع هو أمير الإقطاعية الذي يملك ويحكم، ولا معقب من البشر لحكمه؛ لأنه هو السُّلْطَة الوحيدة ولا أحد غيره يملك شيئًا من السُّلْطَان.
والحاكم في الديمقراطية الليبرالية هو الرأسمالية التي تملك وتحكم ولا معقب من البشر لحكمها، وإن كان التَّشْرِيعُ -نظريا- من حَقِّ الشَّعب، والتعقيب نظريَّاً في يد الشعب!
الرأسمالية -يهودية أو غير يهودية- هي التي تدير المسرحية كلها، وهي التي تضع التشريعات للمحافظة على مصالحها على حساب مصالح “الشعب” الذي يقع عليه الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كل جاهلية من جاهليات التاريخ.
الظُّلْمُ هو طابع الجاهلية التي يشرع فيها البشر للبشر بدلا من أن يتحاكم البشر كلهم إلى شريعة الله!
إن المجتمع الجاهلي لا بد أن ينقسم بطبيعته إلى فئتين اثنتين: سادة وعبيد سادة في يدهم السلطان وفي يدهم التشريع وعبيد يقع عليهم السلطان ويقع عليهم التشريع.
وأيا تكن طرافة اللعبة الديمقراطية فهي لا تستطيع أن تخفي هذه الحقيقة وهي أن الرأسماليين هم السَّادَة، هم المشرعون، وأن الشعب هو العبيد الذين يقع عليهم عبء التشريع.
حقيقة إن “العبيد” في ظل الديمقراطية الليبرالية هم في أفضل وضع وجد فيه العبيد في أية جاهلية من جاهليات التاريخ “بسبب طبيعة الرأسمالية الحرة -كما أسلفنا- وعجزها عن تحقيق الربح إلا عن طريق العامل الذي يتمتع بقسط محدود من الحرية” إلا أن هذا لا يغير حقيقة وضعهم، وهو أنهم عبيد.. عبيد مهما امتلكوا -في المسرحية الطريفة- من “مظاهر” الحرية!
إنَّ الحرية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في أية جاهلية تحكم بغير ما أنزل الله(8)؛ لأنَّ الحكم بغير ما أنزل الله هو الذي يُقَسِّم الناس إلى “أرباب” و”عبيد”. أربابٌ يُشَرِّعون وعبيد يُنَفِّذُون، ولا يملك العبيد حرية حقيقية إزاء الأرباب!
إنَّ رَدَّ “الحاكمية” لله، أي: التَّحاكم إلى شريعة الله وعدم التَّحاكم إلى أي شريعة أخرى غير شريعة الله، فضلًا عن كونه من حَقِّ الله على عباده؛ لأنَّه من الخصائص الخالصة للألوهية: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} (9)؛ فإنه في الوقت ذاته هو الضَّمان الحقيقي لحرية البشر في الأرض، وعدم تحويل بعضهم إلى أرباب وأكثريتهم إلى عبيد لأولئك الأرباب.
إنَّ إخلاص العبودية لله وحده -سواء في إفراده بشعائر التَّعَبُّد أو إفراده بالحاكمية- هو الذي يلغي في التَّوِّ وجود الأرباب ويحرر الناس في الأرض من عبادتهم.
فما دام الله وحده هو المعبود -سواء بتقديم الشعائر له وحده أو بتنفيذ شريعته دون كل الشَّرائع- فمن أين يوجد الأرباب الذين يتعبدون العبيد؟! كلا! لا يتحرر الناس الحرية الحقيقية في الأرض إلا حين يكون الله وحده هو المعبود، والناس كلهم- حكاما ومحكومين- عبيدا لله وحده دون شريك.
عندئذ فقط يولد الناس أحرارًا ويظلون أحرارا إلى أن تنتهي آجالهم على الأرض، وعندئذ فقط يشعر الناس بالاستعلاء -استعلاء الإيمان- على كل قوة في الأرض بشرية كانت هذه القوة أو مادية أو اقتصادية؛ لأنهم يستمدون وجودهم وقوتهم من الله، والله أكبر.. أكبر من كُلِّ قُوَّةٍ في الوجود.
عندئذ يحدث ما حدث في صدر الإسلام والعبودية خالصة لله وحده في كل مجال من مجالات الوجود.

كلا! لا تتحقق الحرية الحقيقية ولا المساواة الحقيقية ولا الإخاء الحقيقي إلا حين يكون الله وحده هو المُشَرِّع، ولا يكون للبشر حق التشريع من عند أنفسهم(10). وكل ما ترفعه الديمقراطية من شعارات “الحرية والإخاء والمساواة” إنْ هُوَ إلا شعارات! شعارات غير قابلة للتحقيق في عالم الواقع ما دام بعض البشر يُشَرِّعون وبعضهم الآخر -وهم أكثرية الناس- يخضعون للتشريع، وما دامت الأقلية التي تُشَرِّع إنما تُشَرِّع لمصالحها الخاصة على حساب الآخرين.
وهكذا يتبين لنا أن قضية “من المعبود؟” ليست قضية غيبية خاصة بالآخرة كما يصورها الجاهليون المحدثون، ولكنها -بالإضافة إلى كونها متعلقة بالآخرة- قضية من صميم هذه الحياة الدنيا؛ لأنه يترتب عليها تقرير “من المُشَرِّع؟” أي: من واضع منهج الحياة للناس.. وأنه حين لا يكون الله هو المعبود وحده بلا شريك تختل الحياة الدنيا بجملتها ويقع الناس في الخبال.

فإذا قَوَّمْنَا الديمقراطية بهذا الميزان فكيف تكون النتيجة؟!
هل الله هو المعبود في الديمقراطية الليبرالية وحده دون شريك؟! أم هناك عشرات من الآلهة الزَّائفة تُعْبَد مع الله أو من دون الله؟ وكلاهما سَوَاءٌ! فإنْ عُبِدَتْ مع الله فهو الشِّرْك، وإنْ عُبِدَتْ من دون الله فهو الكُفْرُ … والشِّرْك والكُفْرُ كلاهما كُفْرٌ!
حَقَّاً إن هناك ألوفا من الكنائس تفتح أبوابها يوم الأحد لتستقبل المصلين، ودع الآن جانبا ما في العقيدة الكنسية من التحريف، ودع جانبا كذلك مئات الملايين الذين لا يذهبون إلى الصَّلاةِ أَصْلًا ولا يعترفون بوجوبها عليهم.. وانظر إلى هذا المصلي الذي جاء يحضر الصَّلاة (في الكنيسة) بدافع من “التَّدَيُّن” ما رأيه في الرِّبا؟! ماذا لو قام أحد يخبره أنَّ الرِّبا حرامٌ، ويدعوه إلى استنقاذ أمواله من الرِّبا وعدم التعامل به في الأخذ والعطاء؟ كم تكون سخريته؟ وكيف يكون جوابه؟ إن الجواب الوحيد الذي يرد به الغربي على هذه الدعوى هو أن الربا مسألة اقتصادية بحتة والدِّينُ لا علاقة له بالاقتصاد.
وما رأيه في علاقات الجنس؟ ماذا لو قال له أحد الناس إنَّ هذه العلاقات كلها حرام إلا الزَّواج الشَّرْعي، ودعاه ليعدل سلوكه ويعدل عن “الصَّداقات” التي يمارسها … فماذا يكون جوابه..أو جوابها لو كانت فتاة؟! إنَّ الفتاة الأمريكية تقول بملء فِيْهَا إن الجنس مسألة “بيولوجية” لا علاقة لها بالدِّينِ ولا علاقة لها بالأخلاق!

الله هو المعبود في الديمقراطية الليبرالية؟ أم عشرات من الآلهة المزيفة تحكم حياة الناس وتتحكم فيها؟
الدولار إله(11) والإنتاج إله. والصالح القومي إله، والمجتمع إله. و”الرأي العام” إله، العقل إله، والعلم إله، والإنسان إله. والآلة إله. و”المودة” إله. والشهوات إله. والهوى إله(12).
كلها تعبد مع الله أو من دون الله، وكلها تعطي إجابة حاسمة بالنسبة للقضية الكبرى في حياة الإنسان، قضية المعبود: هل هو الله أم شَيْءٌ آخر غير الله..
كلها تقول إن المعبود في الديمقراطية الليبرالية ليس هو الله.

أما القضية الثانية فهي قضية إنسانية الإنسان …
وكما ألغت الجاهلية المعاصرة “اليوم الآخر” من حس الناس لكيلا تفقد شرعية وجودها من أول لحظة، وألغت الإيمان بالله لكي لا يعوق “مصالحها” ومخططاتها.. فكذلك ألغت كل معيار حقيقي لإنسانية الإنسان لذِّاتِ الدَّوَافِعِ وذات الأسباب!
لو أقرت الجاهلية المعاصرة أن الإنسان يختلف عن الحيوان منذ البدء في أن له عقيدة واعية في الله، وقدرة على الإيمان بما لا تدركه الحواس “أي: الإيمان بالغيب” وأن أعماله -كلها- تحمل قيمة خلقية ناشئة من أن له طريقين لا طريقا واحدا كالحيوان، وقدرة على التمييز بين الطريقين وقدرة على الاختيار، ومن ثَمَّ يوصف علمه بأنه خير أو شرير، بينما لا يوصف بذلك عمل الحيوان.. لو أقرت بذلك فكيف تبرر كل ممارساتها التي تقيمها على أساس حيوانية الإنسان؟
ولو أقرت بذلك فكيف تفعل بمخططاتها ومصالحها؟!
كيف يتحقق للرأسمالية ربحها الحرام، القائم أساسًا على الفصل الكامل بين العمليات الاقتصادية وبين الدِّينِ والأخلاق؟ وكيف يتحقق لليهودية مخططها في استحمار الأمميين وتسخيرهم لشعب الله المختار؟
كيف يتحقق للرأسمالية ربحها من الربا، ومن الصِّناعات التافهة التي تُمَيِّع الطباع وتفسد الأخلاق، ومن الحروب التي تثيرها من أجل إيجاد أسواق لتصريف فائض الإنتاج.
وكيف يتحقق لليهودية مخططها في إفساد الرجل والمرأة وشغلهما بمستقذرات الجنس عن تنشئة أطفال صالحين يقومون في شبابهم بإرساء قواعد الحق والعدل وإرساء قواعد الأخلاق؟ وكيف تقوم بتفكيك روابط الأسرة والمجتمع، وشغل البشرية كلها بجنون الجنس وجنون السينما وجنون التليفزيون وجنون الكرة وجنون “المودة” وجنون “التقاليع”..؟
كلا! إنها لا يمكن أن تقر بذلك؛ لا لأنه ليس حقيقة في ذاته؛ ولكن لأنَّ الإقرار به يفقدها شرعية وجودها على التَّوِّ، ويضر أيما إضرار بمخططاتها ومصالحها.
وإذن فلتقل أي شيء تميع به القضية وتبعد حقيقتها عن الأذهان.
فلتقل إن الحضارة المادية هي مقياس إنسانية الإنسان!

فلتقل إن مقدار استهلاك الإنسان للكهرباء هو مقياس إنسانية الإنسان(13).
فلتقل إن “حرية” الإنسان في أن يفعل كل ما بدا له هو مقياس إنسانية الإنسان!
أو فلتقل إنه لا يوجد مقياس ثابت لقياس إنسانية الإنسان.

أو فلتقل صراحة إن الإنسان ليس بإنسان.
المهم أن تكتم الحقيقة عن الناس حتى لا يستيقظوا لحقيقتهم: أنهم فقدوا إنسانيتهم بالفعل، وأصبحوا أولئك الحمير الذين يريدهم -ليركبهم- شعب الله المختار!
ولكن الإسلام -دين الله الحق- يقرر الحقيقة ويبرزها ويؤكد عليها: أن الإنسان خُلِقَ إنسانا من أول لحظة. وكُلِّفَ تكاليف الإنسان، فحمل “الأمانة” التي أشفقت من حملها السَّموات والأرض والجبال، وأنَّه يحافظ على إنسانيته طالما ظل حاملًا للأمانة، ويفقدها حين يتخلى عن حملها.

وكحقيقة إن هناك متغيرات كثيرة في حياة البشرية تنشأ من التَّفاعل الدَّائم بين العقل البشري والكون المادي، واستخلاص طاقات الكون وتسخيرها لمصلحة الإنسان، ولكن هذه المتغيرات كلها لا تغير القيم الثابتة التي تحكم حياة الإنسان، بل ينبغي أن يحكم الثابت المتغير لكي تستقيم الحياة على الأرض ولا تنفلت الأمور من عقالها؛ فيصيب البشرية الخبل والاضطراب.

__________
1 سنتكلم في الفصل التالي عن الشيوعية وسنرى أنها منحت الناس هذه الحرية بالذات في حين حرمت كل الحريات.
2 سورة الأعراف: 179.

3 سورة الشمس: 7-10.
4 لا يمنع هذا -كما سنرى في الفصل القادم- أن اليهود استخدموا الشيوعية كذلك فيما بعد.
5 سورة الحديد: 25.

6 بعض الكتاب يستعمل كلمة “التقييم” بدلا من التقويم ليميز بين التقويم بمعنى تقدير القيمة والتقويم بمعنى إصلاح المعوج، والصواب أن الفعل واوي في كلا المعنيين.
7 سورة محمد: 12.

8 الجاهلية -كما جاء استعمال اللفظ في القرآن الكريم -تنشأ أصلا من عبادة غير الله ومن الحكم بغير ما أنزل الله، ويجيء حكم الجاهلية مقابلا لحكم الله في مثل قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ؟! [المائدة: 50] .
9 سورة الأعراف: 54.

10 أشرنا من قبل أن اجتهاد المجتهدين في استنباط الأحكام فيما لا نص فيه يتم بإذن من الله، وهذا هو الذي يعطيه شرعيته فلا يعتبر تشريعا يشرعه الناس من عند أنفسهم كما تفعل الجاهليات، فضلا عن كونه محكوما بالأصول العامة للشريعة لا يخرج عن إطارها فلا يحل حراما حرمه الله ولا يحرم حلالا أحله الله.

11 يقول صلى الله عليه وسلم: “تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ”، والناس اليوم في كثير من أقطار الأرض عبيد للدولار.

12 يقول تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [سورة الجاثية: 23] .

13 في كتاب: “في النفس والمجتمع” فصل بعنوان “حضارة الكيلو واط”!

فهذه الطاقات أوَّلًا مسخرة من عند الله للإنسان:
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (1).
والجهد الذي يقوم به الإنسان لتحقيق هذا التسخير والأدوات التي يستخدمها، هي من عند الله كذلك:
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (2).
والشكر يقتضي استخدام هذه الطاقات كلها بمقتضى أوامر المنعم الوهاب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ استخدام هذه الطاقات يغير “الصُّوْرَة” التي يحيا بها الإنسان على الأرض ولكنه لا يغير “الجوهر” الإنساني من حيث تكوينه الأصيل ولا من حيث مهمته في الأرض. ومن ثَمَّ لا تتحكم الصُّوْرَة المتغيرة في الجوهر الثابت، إنما يتحكم الجوهر الثَّابت في الصورة المتغيرة على الدَّوام(3).
يقول “رينيه دوبو” في كتاب “إنسانية الإنسان”:
“عاش رجل “كروماجنون Cro-Magnon” في أكثر أنحاء أوروبا قبل حوالي ثلاثين ألف سنة، قبل قيام الزراعة وحياة القرية بفترة طويلة، ومع أنه كان صيادا بصورة رئيسية فقد كان -على ما يظهر- مشابها لنا جسما وعقلا. فأدواته وأسلحته تناسب حجم أيدينا الآن، وفنه في كهوفه يثير مشاعرنا، والعناية التي كان يوليها لدفن موتاه تكشف أنه شاركنا بشكل ما في الاهتمام بنهاية الإنسان وآخرته، وكل أثر مدون من آثار إنسان ما قبل التاريخ يوفر شواهد أخرى للفكرة القائلة إن الخواص الأساسية للجنس البشري لم تتغير منذ العصر الحجري”(4).
وهكذا لا يتغير جوهر الإنسان بتغير الصُّوْرَة التي تكون عليها حياته، ومن ثَمَّ لا تتغير كذلك ضوابطه ومعاييره.
وحقيقة إن التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي هو ذاته معيار من معايير “الإنسان” فقد أنشأ الله الإنسان ليعمر الأرض وسخر له ما في السموات وما في الأرض ليقوم بعملية التعمير، فإن توانى في ذلك أو تقاعس فهو مُقَصِّرٌ في جنب من جوانب إنسانيته، ولكن هذا المعيار ليس هو المعيار الأوحد، ولا هو المعيار الأول، وإنما يأتي في مكانه الطبيعي بعد تقرير المبادئ والقيم التي تتوقف عليها إنسانية الإنسان. والفارق بينه وبين المعايير الأخرى -معايير القيم والمبادئ- أن القيم والمبادئ يمكن أن تشكل إنسانا ولو كان ناقصا في جانب التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي، فهو “إنسان” ولكن ينقصه جانب من الجوانب ينبغي عليه استكماله ليستكمل إنسانيته، أما التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي -بغير قيم ومبادئ- فلا يشكل إنسانا على الإطلاق!
ومصداق ذلك هو “إنسان” القرن العشرين! الذي هو أقرب شَيْءٌ إلى “إنسان الغاب”(5).
إنه في قمة التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي … ولكنه بمقياس الإنسانية هابط إلى الحضيض.
إذا قَوَّمْنَا الديمقراطية الليبرالية بالمعيارين اللذين يقوّم بهما الإسلام حياة البشر على الأرض، وهما قضية العبادة وقضية إنسانية الإنسان، فماذا تكون يا ترى حصيلتها في الميزان؟!
فأما العبادة فقد تبين لنا أنه ليس الله هو المعبود في تلك الديمقراطية إنما هو الشيطان، وحيثما لا يكون الله هو المعبود فالمعبود هو الشيطان، وإن تَعَدَّدت السُّبل وتَعَدَّدت المسميات.
{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} (6).

والطاغوت هو كل شَيْءٍ أو شخص أو نظام يعبد الناس لغير الله، أو يتعبده الناس من دون الله، وعبادته فرع من عبادة الشيطان.
وأما إنسانية الإنسان فأين هي على وجه التَّحديد في الدَّوامة الوحشية التي يعيش فيها الإنسان الجاهلي المعاصر؟
أهي في مباءة الجنس المتدنية إلى أدنى من بعض أنواع الحيوان؟ (7).
أهي في شريعة الغاب: القوة هي الحق، والقوي يأكل الضعيف؟
أهي في المواثيق التي تبرم لتنقض والعهود القائمة على الخداع؟
أهي في هذا المسخ المشوه الذي فقد إشراقة الروح وعاطفة الإنسان؟!

وليس معنى ذلك أننا ننقص من قيمة تلك الضَّمانات والحقوق بحال من الأحوال، إنما الذي نعنيه أنها تكون في وضعها الطبيعي، وتتحول إلى خير شامل، حين يكون الإنسان بكامله على مستوى الإنسان.. وهو ما عجزت تلك الديمقراطية عجزا فاضحا عن تحقيقه، أو قل إن شئت إنه لم يُرد لها أن تحققه منذ البدء؛ لأن تحقيقه لا يُمَكِّن الجاهلية الرأسمالية من الوجود فضلًا عن التَّضَخُّمِ، ولا يمكن شعب الله المختار من ركوب الأمميين كما يشتهون!
هناك وضع واحد تتحقق فيه كل الضمانات والحقوق التي جاءت بها الديمقراطية على المستوى الأرفع، مع المحافظة الكاملة على إنسانية الإنسان … ذلك حين يكون الإنسان عابدا لله، مطبقا لشريعة الله، أي: حين يحقق الإنسان الإسلام! عندئذ تتحقق الكرامة الحقيقية للإنسان، وتتحقق له كل الحقوق والضمانات التي وهبها الله للإنسان لتحقق له كرامته في واقع الأرض.
يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (8).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، … ” (9).
فيقرر الله أصل الكرامة لبني آدم، ويقرر الرسول صلى الله عليه وسلم حرمة الدماء والأموال والأعراض تحقيقا لتلك الكرامة في عالم الواقع، في التعامل الذي يجري بين الناس، ثم تتوالى التوجيهات الربانية وتوجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم لتحديد مجالات تلك الكرامة على أوسع نطاق عرفته البشرية في تاريخها.
يأمر الله ألا تنتهك حرية المسكن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (10).
والتجسس كذلك حرام؛ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا} (11). ويقول صلى الله عليه وسلم: “وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” (12).
وَعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: “إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا، أَمِنَّاهُ، وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ” (13).
ولا يجوز استراق السمع على الشخص أو مسكنه أو أحاديثه أو كشف سر من أسراره أو الاطلاع على رسائله بغير أذنه. يقول صلى الله عليه وسلم: “لَوْ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ” (14). ويقول صلى الله عليه وسلم: “يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ” (15).
ولذلك ذكر بعض الفقهاء، أنه لا يجوز التجسس على الإنسان ولا متابعته للكشف عن أسراره ولا دخول مسكنه لتفتيشه إلا بتوفر شرطين:
الأول: ظهور أدلة وعلامات وقرائن على وجود جريمة معينة.
الثاني: أن يكون في ترك البحث والكشف ودخول المنزل انتهاك حرمة يفوت استدراكها، كأن يأتي الخبر بأنَّ رَجُلًا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليرتكب فاحشة، فإذا لم يكن الأمر بحيث يفوت استدراكه فلا يجوز البحث والكشف ودخول المنزل.
وفضلًا عن ذلك فإن الناس لا يؤخذون بالظنة، دون وجود تهمة جادة من مصدر موثوق به، لقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (16) كما لا يؤخذ إنسان بجريرة غيره لقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (17)، وتقييد حرية الإنسان غير جائز إلا بحكم شرعي يصدره القاضي.
فالأصل في الإنسان ضمان حريته في السكن والحركة والتنقل لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (18).
وتقييد الحرية بغير حكم شرعي -أي: بما يسمى الاعتقال أو الحبس الاحتياطي- غير جائز في الإسلام على خلاف بين الفقهاء بالنسبة لبعض أنواع المتهمين.
__________
1 سورة الجاثية: 13.
2 سورة النحل: 78.

3 انظر -إن شئت- تفصيلا لهذه القضية في كتاب “التطور والثبات في حياة البشرية”.
4 ص71 من الترجمة العربية، تعريب الدكتور نبيل صبحي الطويل، الطبعة الأولى عام 1399هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، و”رينيه دوبو” أستاذ بجامعة روكفلر بنيويورك متخصص في علم الحياة، حصل على جائزة نوبل في العلوم عام 1976، والذي يعطي شهادته وقيمتها أنه يدلي بها من زاوية علمية بحتة، لا فلسفية ولا أدبية ولا دينية!.

5 إنسان الغاب اسم اصطلاحي لنوع من القردة يعرف علميا باسم “الأورانج أوتان” وسمي إنسان الغاب؛ لأنه يستطيع أن يقف مددا طويلة منتصب القامة كالإنسان ولكنه قرد وليس بإنسان!
6 سورة يس: 60، 61.
7 بعض أنواع الحيوان -كالجمال- تأبى ممارسة الجنس في مكان مكشوف، بينما يقع ذلك من “الإنسان” في الجاهلية المعاصرة.

8 سورة الإسراء: 70.

9 رواه الشيخان.
10 سورة النور: 27، 28.
11 سورة الحجرات: 12.
12 رواه البخاري وغيره.
13 رواه البخاري.

14 متفق عليه.
15 رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه.
16 سورة الحجرات: 6.
17 سورة فاطر: 18.
18 سورة الملك: 15.

ولأنَّ الأصل براءة الذِّمَّة لا يحلف المتهم في القضايا الجنائية المتعلقة بِحَقِّ الله تعالى، بل يذهب بعض العلماء على عدم تحليف المتهم في القضايا الجنائية المتعلقة بِحَقِّ العبد(1).
أمَّا الإكراه على الاعتراف فغير جَائزٍ بحالٍ. ولا خلاف بين الفقهاء في أنَّ الضَّرب والتَّعذيب والحبس والقيد داخلة كلها في الإكراه، وإن اختلفوا في التَّهديد والوعيد فرأى الجمهور أنَّه داخل في الإكراه، ورأى البعض أنَّه لا يكون إكراهًا إلا إذا صدر من قادر على تنفيذه، وغلب على ظن المتهم وقوع ما هُدِّد به إذا لم يُقِّر، وكان المهدد به ضارَّاً بحيث يعدم الرِّضا أو يفسده، وكون المتهم عاجزا عن مقاومته.

ولا يعتبر إقرار المكره صحيحًا لقوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا استُكْرِهُوا عَلَيْهِ” ، ولقول عمر رضي الله عنه: “لَيْسَ الرَّجُلُ بِأَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ أَجَعْتَهُ، أَوْ أَخَفْتَهُ، أَوْ حَبَسْتَهُ” (2).

تلك ضمانات الاتهام وضمانات التحقيق في الإسلام(3).
أما ضمانات المحاكمة فقد قررها الإسلام قبل أربعة عشر قرنا.
الضمانة الأولى والكبرى هي: الحكم بشريعة الله التي يتمثل فيها العدل الرباني الشامل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (4).
ولا يقضي القاضي بالحَدِّ إلا إذا استوثق تمامًا أن المتهم غير معذور في الجرم الذي ارتكبه، وإلا فالحكم هو درء الحد بالشبهة؛ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي «دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ»(5).
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: أَصَابَ غِلْمَانُ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِى بَلْتَعَةَ بِالْعَالِيَةِ نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَانْتَحَرُوهَا وَاعْتَرَفُوا بِهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَقَالَ: هَؤُلاَءِ أَعْبُدُكَ قَدْ سَرَقُوا انْتَحَرُوا نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ وَاعْتَرَفُوا بِهَا فَأْمُرْ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ فَدَعَاهُ وَقَالَ: لَوْلاَ أَنِّى أَظُنُّ أَنَّكُمْ تُجِيعُونَهُمْ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ أَتَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَقَطَعْتُ أَيْدِيَهُمْ؛ وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتَهُمْ لأُغَرِّمَنَّكَ فِيهِمْ غَرَامَةً تُوجِعُكَ. فَقَالَ: كَمْ ثَمَنُهَا لِلْمُزَنِىِّ؟ قَالَ: كُنْتُ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ فَقَالَ: فَأَعْطِهِ ثَمَانَمِائَةٍ!”(6).
فحكم عمر رضي الله عنه أولًا بدرء الحد لقيام شبهة الجوع دافعًا للسَّرِقَة. وحكم ثانيًا بعقاب “الفاعل الأصلي” وهو صاحب الغلمان الذي استخدمهم ولم يشبعهم فدفعهم الجوع إلى السَّرِقَةِ، فغرَّمَهُ ضعف ثمن الناقة.
كما أوقف عمر حد السَّرِقَةِ عام الجوع تطبيقًا للمبدأ ذاته: “ادرءوا الحدود بالشبهات”.
ومن الضَّمانات أن القاضي لا يقضي بعلمه، وإنَّما بالقرائن والأِّدلة وشهادة الشهود العدول. ولا يقضي القاضي وهو غضبان، ولا يقضي وهو معرض لأي عارض يؤثر في قدرته على الحكم الصحيح.
وكذلك ضمانات التنفيذ قررها الإسلام، وزاد فيها ضمانة لم يتضمنها أي قانون أرضي حتى هذه اللحظة وهي رد الاعتبار الكامل للمجرم بعد تطبيق الحَدِّ عليه.
فأمَّا في التنفيذ فلا يجوز تعدي العقوبات المقررة شرعا، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَلَدَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ، فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ» (7).
وأما فيما بعد التنفيذ فيكفي هذان المثالان لتقرير تكريم الإسلام للإنسان وإن هبط في لحظةٍ عابرةٍ ما دام قد كَفَّر عنها بالعقوبة التي وُقِّعَتْ عليه وبالتَّوْبة إلى الله.
“حدثنا قتيبة بن سعيد.. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: «اضْرِبُوهُ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: «لاَ تَقُولُوا هَكَذَا، لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ»” (8).
وجاء في قصة ماعز بن مالك: “فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ؛ فَسَمِعَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِى سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ. فَسَكَتَ عَنْهُمَا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ فَقَالَ «أَيْنَ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ». فَقَالاَ نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «انْزِلاَ فَكُلاَ مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ». فَقَالاَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا قَالَ «فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ»”.
تلك ضمانات الإسلام التي سبق بها الديمقراطية بأكثر من ألف عام.
فأما الحقوق السياسية التي تفاخر بها الديمقراطية فقد كان الإسلام أول من أزال “القداسة” عن الحاكم بإفراد الله بالألوهية والربوبية، فلا يعبد إلا الله ولا تطبق شريعة إلا شريعة الله.
جاء الإسلام والحكام ذوو قداسة حقيقية لا مجازية، بعضهم توجه إليه شعائر التعبد كقيصر وكسرى، وكلهم يشرِّعون فتسري شريعتهم في الرعية أمرا غير مردود.
وجاء الإسلام ليقول: “لا إله إلا الله”. و”لا معبود إلا الله ولا حاكم له حقَّ التَّشْرِيع إلا الله”.
وعندئذ تقررت الحرية السياسية الحقيقية للناس.
ليست الحرية كامنة في مجلس نيابي أو عملية تصويت شعبية، إذا كان نتيجة ذلك كله أن تتحكم فئة معينة من الناس في رقاب بقية الناس، إنَّما الحرية الحقيقية مرتبطة بتحديد من له حق التشريع.. فإذا كان البشر هم الذين يُشَرِّعون فلا حرية في الحقيقة إنَّما عبودية مُقَنَّعَة من جانب؛ وربوبية زائفة من جانب.. وإذا كانت الحاكمية لله فهنا يتجرد الحكام من الربوبية ويصبحون عبيدًا لله كبقية العباد.
إن الذي جاء به الإسلام أعظم بكثير في تقرير حرية الإنسان من كل ما أتت به الديمقراطية بعد الصراع الممتد الذي قامت به الشعوب لاستخلاص حقوقها من الطغاة، فما زال الحكام في الديمقراطية -من وراء ستار- يُشَرِّعون، فَيُشَرِّعون لمصالحهم على حساب الآخرين، من خلال المسرحية الطريفة المتمثلة في حق الانتخاب وحق الترشيح ووجود نواب وبرلمانات.
إن الذي صنعه الإسلام هو سلب الحكام أصلًا حَقَّ التَّشْرِيعِ، وبذلك وحده تكف أيديهم عن إيقاع الظلم بالمحكومين، وبذلك وحده يتحرر الناس فيشعرون بالعزة الحقيقية إزاء الحكام.

لقد قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (9). فقال أبو بكر الخليفة الأول رضي الله عنه: “أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِذا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم”؛ وقال رضي الله عنه: “أَيّهَا النّاسُ، فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْت فَأَعِينُونِي؛ وَإِنْ أَسَأْت فَقَوّمُونِي، الصّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيّ عِنْدِي حَتّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقّهُ إنْ شَاءَ اللهُ، وَالْقَوِيّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتّى آخُذَ الْحَقّ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللهُ”.

تلك هي الحرية السياسية في الإسلام! منشؤها عبادة الله وحده دون شريك، التي يترتب عليها نزع القداسة عن الحكام في الأرض. كما يترتب عليها نزع حق التشريع من الحكام بستار أو بغير ستار.. فيحس المؤمن الذي يعبد الله حق عبادته بعزة الاستعلاء التي تسنده أمام الحكام.
وخطب عمر الناس فقال: “لاَ تُغَالُوا فِي مُهُورِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللهِ لَكَانَ أَحَقَّكُمْ بِهَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وَأَوْلاَكُمْ، مَا زَوَّجَ بِنْتًا مِنْ بَنَاتِهِ وَلاَ تَزَوَّجَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ إلاَّ عَلَى اثْنَتَي عَشْرَةَ أُوقِيَّةً”. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ يَا عُمَرُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: «وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً»، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنَّ امْرَأَةً خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ»!
وصحيح أن الله قد ترك أمورًا للاجتهاد البشري، يضع البشر فيها تشريعات تلائم ما يجد من الأحوال، ولكن هذه:

أوَّلًا: محكومة بالأصول العامة للشريعة وليست متروكة للهوى البشري كما يحدث في الديمقراطيات..

وهي ثانيًا: اجتهادات يقوم بها أولو العلم من فقهاء الأمة الذين يقر الناس لهم بالقدرة على الاجتهاد، وليست لأي إنسان يفتي فيها بعلم أو بغير علم كما يحدث في البرلمانات عند التصويت على أي قرار، إذ تؤخذ القرارات بأغلبية الأصوات، وتتكافأ أصوات الذين يعلمون والذين لا يعلمون!
وتبقى الأمور الجارية التي تدخل في باب “السياسة” وهذه يلزم الحاكم أن يستشير فيها ثم يتحمل مسئوليته بعد الاستشارة؛ بشرط ألا يخالف نصَّاً من الكتاب والسنة أو ما أجمع عليه العلماء، ولا يُصَادِمُ أصلًا من أُصُول الشريعة العامة.

أمَّا حق التعليم فقد نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نَصَّاً، بل جعله فريضة: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(10)؛ وعلى كل مسلمة؛ لأنَّها داخلة في النَّصِ. ودون الدخول في تفصيل ما يكون من العلم فرض عين وما يكون فرض كفاية، فإن التعليم لم تكن له مشكلة في العالم الإسلامي، إلا في العصور المتأخرة حين بعد الناس عن حقيقة الإسلام. أما في عصور الازدهار فقد كان الإقبال شديدًا على التعليم، وكانت الدولة والمجتمع والأفراد يتعاونون في توفير العلم لكل راغب مَجَّانًا، بلا تكاليف، بل كانت الدَّوْلة تجري المعاشات للطلاب لتعينهم على طلب العلم دون مشغلة بأمر القوت، وكانت أوقاف المسلمين الذين يقفون أموالهم على التعليم تكفل المأوى والملبس والمطعم للطلاب فضلًا عن التعليم.
وأمَّا حق العمل أو الإعاشة الذي أكرهت الدُّوَل الديمقراطية عليه إكراهًا بسبب المطالبة المستمرة من العمال، وبسبب الخوف من الشيوعية، فقد قرره الإسلام ابتداء دون مطالبة من أحد، ودون صراعات في المجتمع.
وضع الرَّسول صلى الله عليه وسلم قواعد مسئولية الدَّوْلَة عن جميع رعاياها إمَّا بإعطائهم فرصة كريمة للعمل، وإمَّا بإعالتهم من بيت المال. جاءه أنْصَارِيٌّ يسأله فَأَخَذَ دِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا لَهُ وَقَالَ: اذْهَبْ فَاشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَيْهِمْ، وَاشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا فَأْسًا ثُمَّ ائْتِنِي بِهِ قَالَ: فَأَتَاهُ بِفَأْسٍ فَأَخَذَهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ عَصًا أَسْنِدُهَا لَكَ فِيهِ؟» فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا هُوَ عِنْدِي فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ عِنْدِي نِصَابٌ عَسَى أَنْ يُوَافِقَهُ، قَالَ: «فَائْتِ بِهَا إِنْ شِئْتَ» قَالَ: فَأَتَى بِهَا، فَأَخَذَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَأْسَ فَأَثْبَتَهَا فِي النِّصَابِ ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى الْأَنْصَارِيِّ وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبْ بِهَذِهِ الْفَأْسِ فَاحْطِبْ مَا وَجَدْتَ مِنْ حَلْجٍ أَوْ شَوْكٍ أَوْ حَطَبٍ، ثُمَّ احْزِمْ حِزْمَتَكَ فَائْتِ بِهَا السُّوقَ فَبِعْهَا بِمَا قَضَى اللَّهُ لَكَ، ثُمَّ لَا تَأْتِنِي وَلَا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً»، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ يَحْطِبُ ثُمَّ يَجِيءُ بِحَطَبِهِ إِلَى السُّوقِ فَيَبِيعُهُ بِثُلُثَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى أَتَتْ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً فَأَصَابَ فِيهَا عَشْرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِي فِي الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ بَرَكَةً، قَدْ أَصَبْتُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَابْتَعْتُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ لِلْعِيَالِ طَعَامًا، وَابْتَعْتُ لَهُمْ كِسْوَةً بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنِّ تَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي وَجْهِكَ نُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ” اهـ.

وكان يوزع أموال الزكاة والغنائم والفيء على المحتاجين بمقتضى قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (11). {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (12). {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (13).
ورغم قلة الموارد في أوَّلِ أيامِ الدَّوْلَةِ الإسلامية فإنَّ المبدأ قد تقرر واضحًا محددًا وهو أنَّ الدَّوْلَةَ مسئولة عن جميع رعاياها بقدر ما تسمح مواردها، وعلى الرغم من أن التكافل في الإسلام ليس مهمة الدولة وحدها، فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتكافل في داخل الأسرة وحدد لذلك نظاما دقيقا توزع التركات بمقتضاه، كما وزع التكاليف داخل الأسرة بحيث تشمل مجموع أفرادها، كما أمر بالتكافل في داخل المجتمع، وحض القادرين على كفالة غير القادرين.. على الرغم من ذلك فإنَّ مسئولية الدولة ظلت قائمة، لا يسقطها عنها وجود التكافل في داخل الأسرة وفي داخل المجتمع

“قال: حدثني يحيى بن بكير قال: سمعت الليث بن سعد يقول: كتب عمر بن عبد العزيز: “أن اقضوا عن الغارمين”. فكتب إليه: “إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث” فكتب عمر: “إنه لا بد للمرء المسلم من مسكن يسكنه وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته، نعم! فاقضوا عنه فإنَّه غارم!”. إلى هذه الدرجة العجيبة يصل الإسلام في تقرير مبدأ مسئولية الدولة عن جميع أفرادها، ويصل التنفيذ العملي في صدر الإسلام لهذا المبدأ قبل أن يثور الثَّائرون ويطالبوا بهذه الحقوق بأكثر من ألف عام، وما تزال الديمقراطيات -رغم كل خوفها من الشيوعية، وكل خوفها من تمرد العمال- لا تصل إلى تقرير هذا الحق كاملًا كما قرره الإسلام.

__________
1 “انظر مثلا الطرق الحكمية لابن القيم، ط. دار الكتب العلمية ببيروت، ص100-104”.

2 “انظر المغني والشرح الكبير ج8/ ص260-262، ج10 ص172 طباعة دار الكتاب العربي ببيروت 1392هـ -1972م”.

3 رجعت في الكلام عن ضمانات الاتهام وضمانات التحقيق إلى بحث لم ينشر للدكتور محمد سعد الرشيد الأستاذ بقسم القضاء بجامعة أم القرى بعنون “حقوق الإنسان في الإسلام”.
4 سورة المائدة: 44.
5 السنن الصغرى للبيهقي. رواه عبد الله بن عباس.. ورد في كتاب الكامل لابن عدي وفي مسند الإمام أبي حنيفة للحارثي.
6 السنن الكبرى للبيهقي.

7 قال في “مجمع الزوائد”: “رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْفَضَّاضُ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُثْمَانَ خَالُ مِسْعَرٍ وَلَمْ أَعْرِفْهُمَا، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ.
8 متفق عليه؛ وهذا لفظ البخاري.
9 سورة النساء: 59.

10 ظل الأزهر يفتح أبوابه لطلاب العلم ألف سنة كاملة معتمدا على أوقاف المسلمين ومثل الأزهر كثير من الجامعات الإسلامية القديمة في العالم الإسلام كله.
11 سورة التوبة: 60.
12 سورة الأنفال: 41.
13 سورة الحشر: 7.

وأمَّا حق التَّعبير عن الرأي فإنَّ الإسلام لم يكفله حقَّاً للناس على حكامهم بل جعله واجبًا على الناس لله! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»” (1) فجعل إبداء النَّصِيحَةِ واجبًا. وإبداء النَّصِيحَةِ هو التَّوْجيه إلى الصَّواب والنَّهي عن الخطأ أيا كان الذي وقع الخطأ منه حاكمًا أو محكومًا، وهذا -في صورته الدينية- هو هو التعبير عن الرأي الذي سعت الشعوب لانتزاعه انتزاعا من قبضة الحكام الكارهين، مع فارق رئيسي، أنه هنا إبداء الرأي مُخْلِصا لله، لتقويم ما اعْوَجَّ من أحوال المجتمع، لا احترافا للتأييد أو احترافا للمعارضة بحسب موقع الحزب الذي ينتمي الإنسان إليه من الحكم! ولا لهوى شخصي أو بغض شخصي.
ويطلب الإسلام من كل مسلم أن يكون له موقف ويكون له رأي، ليتمكن مجموع الأمة من القيام بأخطر مهمة تقوم عليها خيرية الأمة واستحقاقها للوجود وللفلاح، بينما تقع اللعنة على الأمة إن أهملتها، ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (2).
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (3).
وفي الجانب الآخر:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (4).
ولذلك يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلم ألا يكون إمَّعَة، لا رأي له ولا موقف سوى مجاراة “الرأي العام”!! يقول عليه الصلاة والسلام: “لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلاَ تَظْلِمُوا” (5).
وهذا كله بطبيعة الحال ضد مصلحة “الحكام” ما لم يستقيموا على النَّهج! فليس من مصلحة الحكام أن تكون شعوبهم متيقظة لأعمالهم، مُبَادِرَة بنقد الخاطئ منها عن طريق “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”؛ ولكن الإسلام لا يعمل لمصلحة الحكام كما تعمل الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية لصالح الرأسمالية رغم كل المسرحية الطريفة -مسرحية الحرية-؛ إنما يعمل الإسلام لمصلحة كل الناس؛ لأنه نزل لهداية كل الناس، وليقوم الناس كلهم بالقسط: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (6).
بل يشدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن توجيه النُّصح للحكام -لا مجرد إبداء الرأي من أجل إبداء الرأي فحسب كما تصنع الديمقراطية في أكثر أحوالها فيقول صلى الله عليه وسلم: “لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا..”(7). ويقول صلى الله عليه وسلم: “سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَالَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ”(8).

وهكذا يتبين أن ما جعلته الديمقراطية حقا مكتسبا وناضلت الشعوب من أجله، جعله الإسلام واجبا، وقرره قبل الديمقراطية بأكثر من ألف عام، وقرره على طريقة أفضل وأصدق وأعمق … كل شيء قرره الإسلام.
ولكن الإسلام أعطى هذه الضمانات والحقوق كلها مع المحافظة التامة على إنسانية الإنسان. وهنا مفرق الطريق بين الإسلام والجاهليات جميعا، ومن بينها هذه الديمقراطيات!
لقد كرم الله الإنسان ابتداء كما أسلفنا:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (9).
وكل ما فرضه الإسلام من الفرائض والتكاليف، وكل ما قرره من الحقوق والواجبات منظور فيه إلى “تزكية” الإنسان، وهي جزء من التكريم المراد للإنسان، بل هي قمة ذلك التكريم.
فعبادة الله وحده دون شريك -فضلا عن كونها حقا لله على عباده- هي في الوقت ذاته تزكية للإنسان وتكريم، فالإنسان كما قلنا آنفا عابد بطبعه لابد أن يعبد، ولا يوجد إنسان لا يعبد، إنما الفارق بين إنسان وإنسان يأتي من توجيه العبادة إلى الله الحق، أو توجيهها إلى إله زائف لا يستحق أن توجه العبادة إليه.
والإنسان في أعلى حالاته وأكرم حالاته حين يكون عابدا لله الحق، وهو أسفل سافلين حين ينتكس من عبادة الله إلى عبادة غير الله من الآلهة المدعاة، التي تهبط بالإنسان من إنسانيته المكرمة، فيصبح كالدابة التي لا تعي، بل يصبح أسوأ وأضل:
{لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} (10).
فعبادة الله الواحد، وإفراده بالألوهية والربوبية التي يفرضها الإسلام حقا خالصا لله تعالى، هي في الوقت ذاته رفعة للإنسان وتكريم، وفلاح في الدنيا والآخرة سواء، وتزكية ترفع الإنسان إلى عليين:
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} (11).

فمن باب رفع الإنسان إلى مقام الإنسانية الكريمة يربط الإسلام قلوب المؤمنين بالله، ويجعل صيانة العقيدة والمحافظة عليها أول واجبات الإمام المسلم والدولة المسلمة.
ومن باب رفع الإنسان إلى مقام الإنسانية الكريمة كذلك يربي الإسلام المسلمين على الأخلاق الفاضلة التي تنظف المشاعر وتنظف السُّلوك، وتنفي عن النفس خَبَثَها، وتصونها عن التَّرَدِّي إلى مستوى الحيوان، فيفرض النظافة في الأعمال كلها: “إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبِيْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ”(12).
فإذا كان الأمر أمر عبادة موجهة إلى الله فالإسلام يطهرها من الرياء والنفاق، وإن كان أمر معاملات تجري بين الناس بعضهم وبعض فقد فرض الإسلام فيها النظافة الكاملة في كل شَيْءٍ.
ففي التعامل المالي حرم الربا والاحتكار والسرقة والغصب والنهب والسلب والغش والخديعة وأكل مال الأجير، كما لعن السرف والترف وكنز المال(13)..
وفي التعامل السياسي حَرَّم الظلم الناشئ أصلا من قيام البشر بالتشريع لأنفسهم، كما حرم كل تعامل لا يقوم على العدل.
وفي التعامل الاجتماعي حرم الغيبة والنميمة والغمز واللمز والتجسس، كما بَغَّضَ في الفرقة والتباغض والتحاسد، واهتمام كل إنسان بنفسه وعدم المبالاة بالآخرين(14).

“مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ” (15) “الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا” (16). “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” (17).

وفي التعامل الجنسي حَرَّم الفاحشة بجميع أنواعها وحَرَّم ما يؤدي إلى الفاحشة من خلوة أو تبرج أو تكسر أو خلاعة أو اختلاط بغير موجب.
في كُلِّ شَيْءٍ هناك أخلاق.. وهذا هو اللائق بالإنسان.
وحين يكرم الإسلام الإنسان على هذا النَّحْوِ، وينظف مشاعره وسلوكه على هذه الصورة، فإنه يعطيه ما أعطاه من حقوق وضمانات، فتكون في مكانها الطبيعي، تكملة للتكريم، وتوكيدا للتكريم، لا كالذي تصنعه الديمقراطية الليبرالية، التي تعطي بالفعل الضَّمانات والحقوق ولكنها تدمر الإنسان كله في نهاية المطاف.
هذا هو الإسلام، وهذه هي الديمقراطية في نظر الإسلام.
ومن ثَمَّ فلا سبيل إلى مزج الإسلام بالديمقراطية، ولا سبيل إلى القول بأنَّ الإسلام نظام ديمقراطي! أو أنه يتقبل النظام الديمقراطي أو يسايره، لمجرد وجود شبه عارض في بعض النقاط!

__________
1 رواه مسلم.
2 سورة آل عمران: 110.
3 سورة آل عمران: 104.

4 سورة المائدة: 87-79.
5 رواه الترمذي. وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
6 سورة الحديد: 25.
7 رواه أبو داود والترمذي. إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو عبيدة -وهو ابن عبد الله بن مسعود- لم يسمع من أبيه، وشريك بن عبد الله -وهو النخعي القاضي- سيىء الحفظ، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الشيخ الألباني.
8 رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

9 سورة الإسراء: 7.
10 سورة الأعراف: 179.
11 سورة البقرة: 257.

12 انظر فصلا بعنوان “وليرح ذبيحته” في كتاب “قبسات من الرسول”.
13 هذه كلها هي أدوات الرأسمالية في التضخم.
14 هذه الأخيرة هي سمة الحياة الغربية.

15 رواه الحاكم والطبراني. وَلَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ حُذَيْفَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ.
16 رواه الشيخان.
17 متفق عليه.

إنَّ هذا الالتقاء العارض بين الديمقراطية والإسلام في الحقوق والَّضمانات وفي مبدأ الشورى لا يجوز أن ينسينا حقيقتين مهمتين:
الحقيقة الأولى: أنه لا ينبغي لنا -من الوجهة العقيدية- أن نقرن النظام الرباني إلى نظام جاهلي، فضلا عن أن نحاول سند النظام الرباني بنسبته إلى النظام الجاهلي، أو أن نتصور أننا نمتدح النظام الرباني بأن نقول إنه يحمل نقط التقاء مع النظام الجاهلي!
إنَّها الهزيمة الدَّاخلية تَنْدَس إلى أفهامنا دون أن نحس، وتجعلنا نعتقد أن النظام الرباني في حاجة إلى دفاعنا نحن عنه وتبريره! كما تجعلنا نعتقد أننا نمتدح النظام الرباني بأن نقول للناس إنه يحتوي على الفضائل التي تحتوي عليها النظم السائدة اليوم!
إنها الهزيمة التي أصابت المسلمين في مواجهة الغرب الظافر المتغلب، الذي غلب على بلاد الإسلام، وما كانت لتوجد في نفوسنا لو أننا واثقون في أنفسنا مستعلون بالإيمان كما وجهنا الله:
{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (1).
الهزيمة التي نشأت في الحقيقة من الخواء الذي أصاب المسلمين في القرون الأخيرة … الخواء من حقيقة الإسلام … فلما جاءت الهزيمة العسكرية أمام الغرب كانت كالضربة القاضية التي بهرت المهزومين وهزتهم من الأعماق. وما كانوا لينبهروا -رغم الهزيمة العسكرية- لولا ذلك الخواء الداخلي من حقيقة الإسلام(2).
إنه لا ينبغي لنا من الوجهة العقيدية أن نقرن الإسلام إلى الجاهلية في أي صورة من صورها، إلا إذا قلنا كما قال الله في كتابه المنزل:
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (3).
والحقيقة الثانية: أن هذا الشبه العارض في بعض النقاط لا يجوز أن ينسينا الفارق الضخم في القاعدة، إن القاعدة التي يقوم عليها الإسلام تختلف اختلافًا جذريَّاً عن القاعدة التي تقوم عليها الديمقراطية.
في الإسلام يُعبد الله وحده دون شريك، وتحكم شريعة الله عنوانا على التوحيد، وتحقيقا له في عالم الواقع، وفي الديمقراطية يعبد غير الله، وتحكم شرائع البشر عنوانا على عبادة غير الله وتوكيدا لها في عالم الواقع.
وفي الإسلام يُزَكَّى الإنسان ليحتفظ بإنسانيته في أحسن تقويم وفي الديمقراطية يُنَكَّس الإنسان فيهبط أسفل سافلين.
تلك فروق جوهرية في القاعدة، فما قيمة اللقاء العارض في بعض النقاط أيا كانت القيمة الذاتية لتلك النقاط؟!
على أننا -من الوجهة التاريخية البحتة- لا يجوز أن نقرن الإسلام إلى الديمقراطية وهو سابق على تلك الديمقراطية بأكثر من ألف عام! إنما ينبغي -إن أردنا! – أن نقول إن الديمقراطية هي التي تحمل بعض المشابه من الإسلام في بعض النقاط، لا إن الإسلام هو الذي يحمل مشابه من الديمقراطية، فاللاحق هو الذي يلحق بالسابق في عرف التاريخ!
وفي العالم الإسلامي كُتَّاب ومفكرون ودعاة مخلصون مخدوعون في الديمقراطية، يقولون نأخذ ما فيها من خير ونترك ما فيها من شرور. يقولون نقيدها بما أنزل الله، ولا نبيح الإلحاد ولا نبيح التحلل الخلقي والفوضى الجنسية.
إنَّها إذن لن تكون الديمقراطية..إنَّما ستكون الإسلام!!
إنَّ الديمقراطية هي حكم الشعب بواسطة الشعب، إنها تولي الشعب سلطة التشريع، فإذا ألغي هذا الأمر أو قُيِّدَ بأي قَيْدٍ فلن تكون هي الديمقراطية التي تقوم اليوم بهذا الاسم.
واسألوا الديمقراطيين! قولوا لهم: نريد أن نحكم بما أنزل الله، ولا يكون للشعب ولا ممثليه حق وضع القوانين إلا فيما ليس فيه نص من كتاب أو سُنَّة ولا إجماع من علماء المسلمين.
قولوا لهم: نريد أن نُنَفِّذ حكم الله في المرتد عن دينه، وحكم الله في الزَّاني والسَّارق وشارب الخمر …
قولوا لهم: نريد أن نُلْزِم المرأة بالحجاب، ونمنع التبرج ونمنع العري على الشَّواطئ وفي الطُّرُقات، وفي الوقت ذاته أن نكون ديمقراطيين!
اسألوهم وانظروا ماذا يقولون!
سيقولون على الفور: إن هذه ليست الديمقراطية التي نعرفها.. ففي الديمقراطية يُشَرِّع الناس في جميع الأمور لا يلتزمون في شَيْءٍ منها بغير ما يريده الشعب “نظريا على الأقل، وإن كانت الحقيقة كما أسلفنا أن الرأسماليين هم الذين يشرعون من وراء الستار! “
سيقولون إن الديمقراطية لا تتدخل في “الحرية الشخصية” للأفراد! فمن شاء أن يرتد عن دينه فهو حر! ومن شاء أن يتخذ صديقة أو خليلة فهو حر. ومن شاءت أن تكشف عن صدرها أو ظهرها أو ساقيها فهي حرة! ومن شاءت أن تخون زوجها فهي حرة ما لم يشتك الزوج!
سيقولون: ابحثوا عن اسم آخر لما تريدون..اسم غير الديمقراطية!

فإذا كان كذلك لماذا نُصِرُّ نحن على تسمية نظامنا الذي نريده باسم الديمقراطية؟! لماذا لا نسميه الإسلام؟!
ويقول بعض الناس مخلصين: إنما نريد أن يلتزم الحاكم -المسلم- برأي الشعب فيما ليس فيه نص … وهذا هو لب الديمقراطية الذي نريد أن نطعم به الحكم الإسلامي، لنمنع طغيان الحكام!
وما نريد هنا أن ندخل في الخلاف الفقهي القائم حول الشورى في الإسلام وهل هي ملزمة لولي الأمر أم غير ملزمة.. فهذا يخرج بنا عن موضوع الكتاب … إنما نقول فقط إن هذا أمر اجتهادي ليس فيه نص.. فالنَّصُّ يلزم بالشورى ذاتها، ولكن لا يوجد نص يقول إنَّ الشورى ملزمة أو غير ملزمة. ولذلك اختلف الفقهاء.
وما دام الأمر اجتهاديا فمن حق أي جيل من أجيال المسلمين أن ينظر فيه، وينظر في وجه المصلحة فيه … فيوم نكون جادين في تطبيق الإسلام، فعندئذ يجتمع علماء الأمة وينظرون في الأمر، ويقررون على ضوء الظروف القائمة وقتها إن كانت المصلحة تقتضي جعل الشورى ملزمة أو غير ملزمة … وتلتزم الأمة وحكامها بما يراه علماؤها المجتهدون، فإذا رأى علماء الأمة أن المصلحة تتحقق بالتزام الحاكم بنتيجة الشورى كان هذا الاجتهاد ملزما لأولياء الأمور.
أما أن نستعير “تُرْسَا” من آلة أجنبية عن الإسلام لنركبه في النظام الإسلامي لمجرد ظننا أنه صالح ومفيد، فليس هذا هو التفكير السَّديد، إن الإسلام نظام متكامل. وحاجات المسلمين ومصالحهم تتحقق من داخل النظام لا من خارجه، فلنعزم أولا أن نكون مسلمين حقا، ملتزمين بما أنزل الله، ثم لننظر بعد ذلك ما يفتح الله به علينا من الحلول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (4).
وينظر أناس إلى البغي والطغيان القائم في بلاد الإسلام فيقولون: أليست الديمقراطية خيرا من البغي؟ على الأقل نستطيع أن نتنفس ونحن آمنون! لا يجيء حاكم فيعتقل من يعتقل، ويعذب من يعذب، ويقتل من يقتل دون أن يجرؤ أحد على معارضته بسبب عدم وجود نظام ديمقراطي، فلو أننا اتخذنا الديمقراطية -مع تحكيم شريعة الله- أَمِنَّا من طغيان الحكام.
ويبدو هذا القول وجيهًا لأوَّلِ وهلة.. ففي النُّظُمِ الديمقراطية القائمة في الغرب لا يطغى الحكام بهذه الصورة، ولا يعتقلون الناس بعشرات الألوف، ولا يُعَذِّبونَهُم في السُّجون، ولا يقتلون أحدًا بالتَّعذيب داخل الأسوار، مِمَّا تعرض له الدُّعَاة المسلمون في أكثر من مكان من العالم الإسلامي.
ولكن القضية إذا أنعمنا النظر فيها لا تبدو بهذه الوجاهة التي تبدو عليها للوهلة الأولى.
فلا يوجد نظام في الأرض -حتى النظام الرباني- يعمل من تلقاء نفسه دون قيام البشر على حراسته، أو يعطي الضَّمانات للناس دون أن يحرص الناس على التَّمَسُّكِ بهذه الضَّمانات.
والديمقراطية ليست نظاما آليا يحمل ضماناته في طياته ويطبقها من ذات نفسه! إنما هي -ككل نظام- تعتمد على البشر الذين يقومون بالتطبيق.
وانظر إلى تاريخ الديمقراطية في بلادها التي تطبقها وتتمتع بضماناتها. إنه تاريخ نضال مستمر وثورات ودماء! والذي أعطى الضمانات -كما أشرنا أكثر من مرة في هذا الفصل- لم يكن هو الديمقراطية في ذاتها، إنما كان نضال الشعب وثورته على الظلم، وتحمله التضحيات والضحايا في سبيل الحصول على حقوقه، وبهذا النضال نال الشعب ما نال من حقوق وضمانات.
ولكن تعال الآن فحاول تطبيق الديمقراطية في بلاد لم تناضل ولم تتجه للنضال من أجل الحريات والضمانات والحقوق، فماذا تفعل الديمقراطية للناس؟! هل تصون لهم حقوقهم وتعطيهم ضماناتهم؟
إن الديمقراطية ليس ثوبا يُشْتَرَى جاهزًا ويُلْبَسُ، إنما ينبغي أن يُفَصَّل تَفْصِيلا على قَدِّ لابسه! لا بد من “المعاناة” التي تعطي ثمرة التجربة!
حين ثار المصريون ثورتهم “الوطنية”(5) عام 1919، كان تشرشل وزيرًا في وزارة المحافظين القائمة يومئذ في بريطانيا، فجاءت أخبار الثورة في الصُّحُفِ فسأل تشرشل: ماذا يريدون؟ “يعني المصريين” قالوا له: يريدون دستورا وبرلمانا! فقال تشرشل: “أعطوهم لعبة يتلهون بها to play with Give them a toy” وكانت كلمة صادقة من ذلك الدَّاهِيَّة السَّاخِر المتغطرس الخبيث.
ولست أقول إن النظم الطغيانية التي حلت محل تلك الديمقراطيات المزيفة هي خير منها! كلا! وألف مرة كلا! فالطغيان الذي يعتقل عشرات الألوف ويعذبهم أبشع تعذيب عرفته البشرية، ويقتل منهم من يقتل في محاكمات صورية أو داخل الأسوار بالتعذيب، هو شر خالص لا خير فيه.
ولكني أقول فقط إنَّ البديل ليس هو الديمقراطية إنما هو الإسلام!
فإذا كانت العودة إلى الإسلام اليوم تحتاج إلى جهاد طويل وتضحيات، وإلى تربية جادة على حقائق الإسلام، فإنَّ الديمقراطية كذلك! إنَّها لن تعطي ثمارها -في الجانب الخَيِّرِ منها- إلا بجهاد وتضحيات، وتربية جادة تربي جيلا من الناس يحرص على حريات الديمقراطية وضماناتها، ويأبى أن تزيف إرادته التزييف الغليظ الذي كان يحدث باسم الديمقراطية في بلادنا، وإلا فستظل لعبة يتلهى بها الناس كما قال ذلك الخبيث.
فإذا كان لا بد من التربية في الحالتين، ولا بد من الجهاد والتَّضحيات في الحالتين، أفليس الأولى أن يكون الجهد في سبيل الخير الحقيقي، الخير الذي لا يعود على المسلمين وحدهم إنَّما يعود على البشرية جمعاء، وهو خير الدُّنْيَا والآخرة في ذات الوقت؟!
ولقائل أن يقول، إن التاريخ السياسي الإسلامي مليء بالمظالم، وهو يحمل اسم الإسلام.
ونقول نعم! إن هذا صحيح!
ولكن ما سببه على وجه التحديد؟!
ظلم من الحكام.. نعم … ولكن أين كانت الأمة الإسلامية؟ ولماذا سكتت على الظلم، ولم تأطر حكامها على الحق أَطْرَاً كما أمرها زعيمها وقائدها صلى الله عليه وسلم؟
إنَّها استنامت للظلم تفريطا في حقوقها وواجباتها التي قررها الإسلام..
أفلو كانت الديمقراطية هي الحاكمة بَدَلًا من الإسلام كان المفرطون لا يفرطون؟!
وهل الأمة التي ضيعت الإسلام كانت ستحافظ على الديمقراطية؟!

إن القضية أن هذه الأمة تحتاج أن تُرَبَّى من جديد على حقيقة الإسلام.. وبغير ذلك لا ينصلح حالها ولا يستقيم.
ومن كان يرى أنَّ مشوارَ الإسلام مشوارٌ طويلٌ، وأنَّ مشوار الديمقراطية أقصر منه وأيسر، فنحن نقول له إن الديمقراطيات ذاتها في سبيلها إلى الانهيار، بما تحمل في طياتها من عِوَجٍ وانْحِرَافٍ قائم في أصل النظام.
وسيبقى الإسلام.
سيبقى لأنَّه دين الحق …
ولأن الله تكفل بحفظه..
ولأنه هو الشَّيْءُ الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البشرية كلها من ضلالها البعيد الذي لجت فيه …
ولأن هناك مؤمنين بهذا الدِّينِ يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، والله هو الذي وعدهم بالتَّمْكِينِ:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (6).
__________
1 سورة آل عمران: 139.
2 سنتحدث عن أسباب هذا الانبهار في كتاب لاحق بعنوان “واقعنا المعاصر” نتحدث فيه عن أسباب انتشار المذاهب الهدامة في العالم الإسلامي.
3 سورة المائدة: 60.
4 سورة العنكبوت: 96.

5 كانت ثورة إسلامية في منشئها ولكن سعد زغلول حولها إلى ثورة وطنية “انظر فصل “القومية والوطنية” فيما يلي من الكتاب”.
6 سورة النور: 55.

التحميل