ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة – الشيوعية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

شارك هذا الموضوع:

ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة – الشيوعية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

 

تقدمة

 الشيخ حسام  عبد الرؤوف حفظه الله

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. ثم أما بعد،

فقد يظن البعض أن الكلام عن الشيوعية صار من نافلة القول وذكريات الماضي بعد أن كفرت بها معظم الدول التي طبقتها بما فيها روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي؛ وأصل النظام الشيوعي ومَصْدَرُه ومُصَدِّرُه بالدعاية والترغيب والترهيب بل والاحتلال العسكري المباشر؛ بعد أن ثبت فشل النظام الشيوعي في تحقيق كل ما بنيت عليه الماركسية وانقشاع السراب الذي أوهموا العالم بأنه سيغسل كل خطايا وذنوب الإقطاع والرأسمالية والمتاجرين باسم الدين؛ فإذا الشيوعية أشد سمَّاً وضلالًا واستعبادًا للبروليتاريا – أي الطبقة الكادحة – أكثر من النظم الرأسمالية التي شنت عليها أقسى حملات التَّشْهِيرِ والنَّكِيرِ؛ ولم تجن الشعوب التي آمنت بالشيوعية أو اتخذتها أسلوب حياة ونظام حكم إلا الحنظل والبوار.

ومن ثَمَّ فقد يستغرب نشر هذا الكتاب في الوقت الرَّاهن على أساس أنه – كما يظن – مضيعة للوقت وأنه لا يستحق القراءة أو إعمال الفكر فيما جاء فيه من شرح للفكر الشيوعي والفروق بينه وبين النظم والمذاهب الفكرية الأكثر انتشاراً وتطبيقاً وعلى رأسها الديمقراطية والاشتراكية والرأسمالية؛ أو الإسلام والأديان السماوية عمومًا!

ولا شَكَّ أنَّ الكتاب في أوَّله يشعر بِشَيْءٍ من الملل أو الجفاف لاستغراق الكاتب رحمه الله في شرح مفردات الشيوعية والفكر الشيوعي؛ والاستدلال بأقوال أئمته من أساطين الكفر والإلحاد وغيرها من الأبواب التي استطرد فيها لشرح المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة وقوانين المادة التي تحكم الطبيعة وتحكم الحياة البشرية؛ وكذلك المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة! إلا أنَّه بعد ما بدأ في شرح أوجه الاختلاف في التَّفْسِير المادي والتَّفْسِير الجاهلي

والتَّفْسِير الإسلامي للتاريخ، بالإضافة إلى الكلام عن التَّفْسِير المادي للدين والأخلاق والأسرة والإنسان والقيم الإنسانية؛ والحديث عن الدِّين ودوره في صياغة الحياة البشرية، تغيرت صورة الكتاب.

فكل هذه الأبواب أعطت الكتاب ثِقَلًا وأصبح الجزء الأكبر منه سلسًا وممتعاً ومفيداً جدَّاً ليعرف المسلم نعمة الهداية للإسلام وبركة تطبيق أحكام الشريعة؛ ولأنه يكشف سوءات الأنظمة التي تحكم دول المسلمين بشعارات لا تختلف قيد أنملة عمَّا رفعه زعماء الدول الفاشية الشيوعية من شعارات جوفاء وإن اختلفت المسميات؛ ولجوئهم إلى نفس الأساليب للسيطرة على شعوبهم وصياغتهم للعقول والأفكار بنفس الطريقة التي كان يطبقها زعماء الشيوعية العالمية مهما كانت دنيئة؛ أو كما قال “إنجلز”: “إنَّ الأخلاق التي نؤمن بها هي كل عمل يؤدي إلى انتصار مبادئنا مهما كان هذا العمل منافيًا للأخلاق المعمول بها”؛ وقول “لينين”: “يجب على المناضل الشِّيوعي الحق أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والغش والتَّضليل، فالكفاح من أجل الشِّيُوْعِيَّة يبارك كل وسيلة تحقق الشِّيُوْعِيَّة”، مع استبدال المصطلحات فبدلًا من مصطلح “الشيوعية” و”ديكتاتورية البروليتاريا”؛ يستخدمون: الوطن والأمن القومي والوحدة الوطنية وحقوق المواطنة والحرية والعدالة .. إلخ.

وكذلك استبدالهم طبقة “البروليتاريا”؛ بطبقة العاملين من الرجال والنساء في القطاع العام والمصالح الحكومية وغيرها من الوظائف الرسمية – بمعنى أصح – استعبادهم مقابل الكفاف؛ فكما قيل: (الوظيفة من أبرز مظاهر العبودية المالية)؛ وتجنيد الملايين في أجهزة القوات المسلحة والشرطة والاستخبارات وغيرها التي تعد على المواطنين أنفاسهم وترصد وتسحق أي محاولة للتعبير عن الرأي الحر أو المعارض للمخالفات الحكومية مهما بلغت من الطغيان والتَّفَلُّت من أحكام الدِّينِ!

وكذلك موازاة كل الامتيازات والسُّلُطَات التي كان يتمتع بها أعضاء “الحزب الشيوعي” الحاكم وزعيمه؛ بالمزايا والسُّلُطَات التي يتمتع بها رأس الحكم في أي دولة من الدول العربية والإسلامية وحاشيته وأعضاء حزبه الحاكم الذين يتمسحون بالديمقراطية وغيرها من الشعارات الجوفاء؛ بعد أن ساروا على نفس خطى النظام الشيوعي الذي ألغى المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة من المجتمع الشيوعي، وركَّزَ السُّلْطَان والنفوذ في “الحزب” فجعل منه طبقة متميزة، لها كل سمات الطبقة ومميزاتها سواء في نوع المعيشة -أي: المتاع- أو في النفوذ وَالسُّلْطَان.

والضَّحِك على الشعوب بالخطط والرُّؤى المعسولة والأماني الكاذبة مثلما وعدت الشيوعية شعوبها بأنها بتنفيذ المراحل الكبرى في مسيرتها التي حددتها وهي: الشِّيُوْعِيَّة الأولى ثُمَّ الرق ثُمَّ الإقطاع ثُمَّ الرَّأْسِمَالِيَّة ثُمَّ الشِّيُوْعِيَّة الثانية؛ ستصل البشرية إلى قمة الحضارة الإنسانية وسيتم التطبيق الفعلى لشعار: “مِنْ كُلٍّ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ؛ وكُلٌّ بحَسَبِ حَاجَتِهِ”. وستنعم البشرية بالمتعة التي لا حَدَّ لها والأمن والطمأنينة والسلام بين

الجميع؛ عندئذٍ فلن تكون هناك حاجة للدين فلا قيود من أي نوعٍ كان؛ ولا للحكومة التي لا حاجة إليها لا في التوزيع ولا في ضمان الأمن العام!

والخلاصة: الكتاب يستحق الاهتمام بدراسته بعناية ومحاولة المقارنة بين ما ورد فيه وواقعنا الحاضر لتبين الحقائق وتبصرة شعوبنا لتضع أقدامها على الطريق الصحيح إلى الرفعة والسمو والعدالة والكفاية؛ في ظل تطبيق أحكام الشريعة التي هي الطريق الوحيد والضمان الأكيد لتحقيق ذلك! وأمَّا ما عداها من أساليب وطرق جاهلية بشرية فلن تزيدهم إلا رهقًا وضنكًا؛ وعبودية لأشر وأكفر خلق الله من اليهود والنصارى وأذنابهم؛

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الشِّيُوْعِيَّة

مدخل

تمهيد:
ليست الشِّيُوْعِيَّة مذهبا اقتصاديا بحتا كما يتبادر إلى ذهن كثير من الناس حين يسمعون لفظة الشِّيُوْعِيَّة، وإن كان لها ولاشَكَّ مذهب اقتصادي محدد متميز، إنَّما هي تصور شامل للكون والحياة والإنسان ولقضية الألوهية كذلك، وعن هذا التصور الشامل ينبثق المذهب الاقتصادي، ثم إنها من جهة أخرى مذهب اقتصادي واجتماعي وسياسي وفكري مترابط متشابك لا يمكن فصل بعضه عن بعض.
ومن ثم فلا يمكن عزل المذهب الاقتصادي وحده بعيدًا عن التصور الشامل الذي ينبثق عنه، أو بعيدا عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية المصاحبة له.
وسواء كان التصور الذي تنبثق عنه هذه الأوضاع جميعا سليما في ذاته أو غير سليم..
وسواء كان الوضع الاقتصادي وحده هو الأصل الأصيل والأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية المصاحبة له مجرد انعكاس له كما تقول النظرية الشِّيُوْعِيَّة، أم كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية أصيلة في صدورها عن التصور الشامل كأصالة الوضع الاقتصادي كما نزعم نحن..
ففي جميع الحالات لا يمكن فصل المذهب الاقتصادي وحده، وعزله عن التصور الشامل الذي انبثق عنه، ولا عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية المصاحبة له، كما أنه لا يمكن تركيبه على تصور آخر،

ولا على أوضاع سياسية واجتماعية وفكرية مغايرة، وليس هذا خاصا بالشِّيُوْعِيَّة إنما هو من طبيعة كل تصور، وكل أوضاع ناشئة عن ذلك التصور.

وليس معنى هذا أن التصور الواحد لا يمكن أن ينبثق عنه إلا صورة اقتصادية وسياسية واجتماعية وفكرية واحدة محددة السِّمات والتفصيلات. فسوف نرى في أثناء العرض والمناقشة أن ذلك غير صحيح، ولكن الذي نعنيه أن هناك اتجاهات عامة تربط بين المذهب الاقتصادي السياسي الاجتماعي الفكري وبين التصور الذي ينبثق عنه ذلك المذهب. وأن هذه الاتجاهات العامة لا بد أن توجد في كل صورة من الصور الاجتماعية السياسية الاقتصادية الفكرية التي يمكن أن تنبثق عن ذلك التصور، وإن اختلفت فيما بينها في الدرجة أو في التفصيلات والسمات الخاصة.
وبديهي أن التصور الشيوعي للألوهية والكون والحياة والإنسان هو تصور مادي بحت.. فهم يسمون نظريتهم العامة “المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة” ويسمون تفسيرهم للتاريخ “التَّفْسِير المادي للتاريخ” ومن أقوالهم:
“لا إله. والكون مادة”.
وحدة العالم تنحصر في ماديته.
المادة سابقة في الوجود على الفكر.
لم يكن هناك وقت لم تكن المادة موجودة فيه، وليس هناك وقت لا تكون المادة موجودة فيه …
الإنسان نتاج المادة.
الفكر نتاج الدِّمَاغِ والدِّمَاغُ مادة … إلخ.
وحين نتكلم عن الشِّيُوْعِيَّة فلا بد أن نتكلم عن أمور ثلاثة رئيسية هي: المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة، والمذهب الاقتصادي الشيوعي مع الأوضاع السياسية والاجتماعية المصاحبة له.
ولكنا نحب أن نشير في هذا التمهيد إلى أن “ماركس” -أو الشيوعيين بصفة عامة- ليسوا هم الذين ابتدعوا الاتجاه المادي، وإنما الحق أنهم قمته ومنتهاه.
وليسوا هم الذين ابتدعوا “الجدلية” تفسيرا للحياة البشرية أو الوجود عامة بما فيه الكون المادي والحياة البشرية، إنما “الجَدَلِيَّة المَادِّيَّة” أو “المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة” هي التي يمكن أن تعتبر ابتداعهم الخاص.
الاتجاه المادي قديم في الحياة الأوروبية قدم النهضة الأوروبية إن لم نقل إن له جذورا أعمق من ذلك في بعض اتجاهات الفلسفة الإغريقية القديمة واتجاهات الحياة الرومانية قبل المسيحية. وقد قامت النهضة الأوروبية كما سبق أن بينا على أساسٍ مُعَادٍ للدين.. كما أنها رجعت إلى الأصول الإغريقية الرومانية تستمد منها، بدلا من الأصول الدينية المسيحية التي كانت منسلخة منها منقلبة عليها.
وحين قامت النهضة انقلب اتجاه التفكير في أوروبا من ناحيتين اثنتين على الأقل، كلتاهما تعضد الأخرى، فقد كان الفكر الأوروبي في فترة المسيحية الكنسية قائمًا على أصول دينية -بصرف النظر عما وقع فيها

من تحريف عن الأصل الصحيح- أي: إن مصدرها -في حسهم- هو الله والوحي الرباني؛ ثُمَّ إن هذا الفكر كان متجها إلى الآخرة على أساس أن الخلاص الحقيقي هناك. وأنه لا خلاص في الحياة الدُّنْيَا … أما فكر النهضة فقد كان “إنسانيا” من جهة، وموجها إلى الحياة الدُّنْيَا من جهة أخرى. إنساني لا بمعنى أنه مشغول بالقيم العليا الإنسانية أو “بالإنسان” كما ينبغي أن يكون في صورته الكريمة اللائقة بإنسانيته، ولكن بمعنى أن الإنسان -وليس الله- هو الذي ينبغي أن يكون مصدر المعرفة، وأن الفكر الإنساني -لا الوحي الرباني- هو المرجع الذي يرجع إليه الإنسان في النظر إلى أمور حياته ومتطلباتها، وفي الوقت ذاته كان هذا الفكر موجها إلى النظر في الحياة الدُّنْيَا ومقتضياتها لا إلى الآخرة ومقتضياتها.
يقول “رايوبرث” عن عصر النهضة:
“وامتاز ذلك العصر بشعور الإنسان فيه بشخصيته المطلقة وبمعارضته للسلطة وذويها، وذهابه شوطا بعيدا في اعتبار العالم كله وطنا له.. وقد أعلت النهضة شأن الطبيعة الإنسانية والحياة الدنيوية مخالفة في ذلك طريقة التفكير في القرون الوسطى.. ولذلك يسمى العلماء الذين خصصوا أنفسهم لدراسة آداب اليونان والرومان والعلوم عند القدماء “الإنسانيين” … وكان من خير ما أحدثه هؤلاء الإنسانيون “نمو الفردية” أعني الرأي القائل بأن الإنسان ينبغي أن يفكر بنفسه لنفسه، وهو رأي كان قد أهمل في عصر عبودية العقل(1).
ويقول “جرين برينتون” عن الحركة الإنسانية وفنونها:
“إنه طالما كانت العصور الوسطى في الواقع عصورا دينية، وطالما أن عصر النهضة يعني على الأقل محاولة العودة إلى الوثنية اللادينية إن لم نقل الزَّنْدَقَة. فإنَّ فن العصور الوسطى يرتبط بالكنيسة، أما فن عصر النهضة فيتمتع بحرية بوهيمية..”(2).
وهذا الاتجاه المنسلخ من الدين، المتجه إلى المَادِّيَّة، لم يقفز دفعة واحدة من الروحانية الدينية إلى المَادِّيَّة اللادينية، ولا استقام نحو هدفه في طريق واحد خال من الذبذبات. ولكنه كان في كل قفزة يتجه إلى المَادِّيَّة أكثر، ويبعد عن الله أكثر، وإن عاد فهي عودة مؤقتة سرعان ما يتخلص منها ويمضي مبعدا في الطريق المنسلخ عن الدين. فقد انفصلت الفلسفة عن الدين بادئ ذي بدء ونبذت البحث فيما “وراء الطبيعة” كما كانوا يطلقون على أمور الغيب المتعلقة بالله سبحانه وتعالى وخلقه لهذا الكون، والغاية من هذا الخلق، والوحي الرَّبَّاني المتضمن للقيم الدِّينية التي ينبغي أن يتبعها الإنسان من أجل الخلاص في الآخرة، واتجهت الفلسفة إلى دراسة “الطبيعة” والكون المادي، والإنسان باعتباره كائنًا موجودًا في الطبيعة، لا بوصفه كائنا قد خلقه الله لغاية معينة وهدف يؤديه، وكان التقدم العلمي الذي حدث منذ بدء النهضة أحد العوامل الهامة التي ساعدت على اتجاه الفكر الأوروبي ذلك الاتجاه من خلال المذهب العقلي والتجريبي.
يقول “برينتون” عن المذهب العقلي:

“فالمذهب العقلي يتجه إلى إزالة الله وما فوق الطبيعة من الكون ومن الوجهة التاريخية، فإنَّ نمو المعرفة العلمية وازدياد الاستخدام البارع للأساليب العلمية يرتبط بشدة مع نمو الوضع العقلي نحو الكون”(3).
ويقول “الدكتور محمد البهي” عن المذهب التجريبي:
“إن تحصيل الإنسان للحقائق الكونية ومعرفته بها لا يكون إلا بالتجربة الحسية وحدها، ومعنى ذلك أن الحس المشاهد لا غيره هو مصدر المعرفة الحقيقية اليقينية، ففي العالم الحسي تكمن حقائق الأشياء، أما انتزاع المعرفة مما وراء الظواهر الطبيعية الحسية، والبحث عن العلة في هذا المجال، فأمر يجب أن يرفض، ولهذا تكون كل نظرية أو كل فكرة عن وجود له طابع الحقيقة فيما وراء الحس نظرية أو فكرة مستحيلة”(4).
وهكذا يتفق المذهب العقلي مع المذهب التجريبي في البعد عن الله وتجنب البحث عن الغاية من الخلق، والنظر في “الطبيعة” بدلًا من النظر فيما وراء الطبيعة، أي: في عالم الحس بدلًا من عالم الغيب.
ثم كان “نيوتن” ونظرياته خطوة دافعة على الطريق!
فقد اكتشف “نيوتن” بعض ما سمي عندهم “قوانين الطبيعة” التي يجري الكون المادي بمقتضاها، وكشف عمَّا يسمى عندهم “قانون السببية” أي: القانون الذي يفسر ظواهر الطبيعة بردها إلى أسبابها الظاهرة، وقد كان هذا في أوروبا ذريعة لنفي الأسباب غير الظاهرة وغير المحسوسة. أي: نفي الأسباب الغيبية(5).
يقول “برينتون”:
“إن السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الخاطئة في هذا العالم” ويمضي فيقول: “الإله في عرف “نيوتن” أشبه بصانع السَّاعة. ولكن صانع هذه الساعة الكونية -ونعني بها الكون- لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد، فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد، أما الرجال على هذا الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليها، وإن ليبدو أن ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى الإله صانع هذه الساعة الكونية الضخمة، الذي لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في شئون عمله”(6)!!
ويقول:
“ولكن ثمة أناس ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتبروا فكرة الإله فكرة شريرة، وخاصة إذا ما كان إله الكنيسة الكاثوليكية، وأطلقوا على أنفسهم بكل فخر اسم الملحدين، وهم يعتقدون أن ليس ثمة وجود لمسيح أو لإله المسيحية، ويقولون إن الكون ليس إلا مجموعة متحركة ذات نظام معين يمكن فهمه باللجوء إلى السببية المعتمدة على أسس العلوم الطبيعية”(7).
ويقول “راندال”:
“إن الأقرب إلى الطبيعي والمعقول أن نشتق من صور المادة كل شيء موجود؛ لأنَّ كل حاسة من حواسنا

تبرهن على وجودها، ونختبر كل لحظة نتائجها بأنفسنا، ونراها فاعلة متحركة، تنقل الحركة وتولد القوة دون انقطاع، من أن نعزو تكون الأشياء لقوة مجهولة ولكائن روحي لا يستطيع أن يخرج من طبيعته ما ليس هو بذاته، كائن يعجز بحكم الجوهر المنسوب إليه أن يفعل أي شيء أو أن يحرك أي شيء(8)!!
هكذا سار الاتجاه المادي الملحد بخطوات حثيثة حتى جاء القرن التاسع عشر، فظهرت الفلسفة الوضعية التي تقول بسيادة الطبيعة على الدين والعقل، واعتبارها هي الأصل الذي ينبثق عنه كل شيء.. والذي يبعث الأفكار في العقل البشري، وكان من أهم فلاسفتها “أوجست كومت” و”فرباخ”.
ويذكر الدكتور محمد البهي في تلخيصه الجيد للفكر الغربي في تلك الفترة(9): “أن هذه الفلسفة التي تدعو إلى سيادة الطبيعة، إن لم نقل عبادتها، قد قامت في جو معين حيث تولدت الرغبة في نفوس كثير من العلماء والفلاسفة لمعارضة الكنسية التي كانت تملك نوعا خاصا من المعرفة تستغله في معارضة خصومها وهي المعرفة الدينية، فقام هذا الفريق من العلماء والفلاسفة بالهجوم الشديد عليها باسم العلم، وقامت هذه الفلسفة الوضعية على أساس تقدير الطبيعة وحدها مصدرا للمعرفة اليقينية”.. ثم يقول: “ومعنى تقديرها للطبيعة على هذا النحو أن الطبيعة في نظرها هي التي تنقش الحقيقة في ذهن الإنسان، وهي التي توحي بها وترسم معالمها … هي التي تكون عقل الإنسان، والإنسان -لهذا- لا يملى عليه من خارج الطبيعة، أي: لا يملي عليه مما وراءها، كما لا يملى عليه من ذاته الخاصة..إذ ما يأتي من “ما رواء الطبيعة” خداع للحقيقة وليس حقيقة!! وكذا ما يتصوره العقل من نفسه وَهْم وتخيل للحقيقة وليس حقيقة أيضًا”.
“وبناء على ذلك يكون “الدين” وهو وحي “أي: ما بعد الطبيعة” خداع! هو وحي ذلك الموجود الذي لا يحدده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة”.
“وهي وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة الكلية، وكذلك “المثالية العقلية” وَهْمٌ لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي، إذ هي تصورات الإنسان من نفسه من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة التي يعيش فيها وتدور حوله” اهـ.
“إن عقل الإنسان في منطق هذه الفلسفة -أي: ما فيه من معرفة- وليد الطبيعة التي تتمثل في الوراثة والبيئة والحياة الاقتصادية والاجتماعية … إنَّه مخلوق، ولكن خالقه هو الوجود الحسي. إنه يفكر، ولكن عن تفاعل مع الوجود المحيط به، إنَّه مقيد مجبر، وصانع القيد والجبر هو حياته المَادِّيَّة. ليس هناك عقل سابق على الوجود المادي، كما أنَّه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان عن طريق الوحي.. عقل الإنسان ومعرفته يوجدان تبعا لوجود الإنسان المادي، هما انطباع لحياته الحسية المَادِّيَّة التي يتنفسها”(10).
أما الجدلية فقد سبق إليها “فيشته” و”هيجل”.
وقد كان الأصل في التفكير الجدلي “الديالكتيكي” هو البحث عن تصور فلسفي يسمح بوجود المتناقضات في الكون والحياة ويفسرها. ذلك أن المنطق اليوناني القديم “الذي يسمى المنطق الصوري

Formal logic” ينفي وجود التناقض في الكون والحياة، ويقيم تفكيره على أساس أنَّ الشَّيْءَ ونقيضه لا يمكن أن يجتمعا بل لا يمكن أن يوجدا أصلًا، فوجود أي شيء هو ذاته نفي قاطع لوجود نقيضه.
ولكن الفكر الأوروبي منذ عصر النهضة -وإن كان قد رجع إلى الفكر الإغريقي يستمد منه- كانت له التفاتات مختلفة عنه في مجالات متعددة، حتى إذا كان النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي عصر سيادة العقل في الفكر الأوروبي المسمى عندهم بـ”عصر التنوير” قام فلاسفة يشيرون إلى وجود التناقض في الكون والحياة ويحاولون تفسيره، من أبرزهم “فيشته” و”هيجل” فأما فيشته “1762-1814م” -كما يقول الدكتور محمد البهي في كتابه السابق الذكر- فقد استخدم مبدأ النقيض كي يدعم سيادة العقل كمصدر للمعرفة مقابل الدِّينِ والطبيعة(11)..

وأما “هيجل” “1770-1831” فيستخدم مبدأ النقيض لتأكيد قيمة العقل من جهة، ثم لدعم فكرة الألوهية من جديد وتأكيد الوحي كمصدر أخير للمعرفة، لأنه يعتبر الله سبحانه عقلا(12).

واستخدم “هيجل” مصطلحات خاصة به، هي الدعوى ومقابل الدعوى وجامع الدعوى ومقابلها، وتصور أن هناك فكرة مطلقة أطلق عليها اسم العقل المطلق -وهو الله عنده- انبثقت عنه الطبيعة وهي تغايره تمامًا؛ لأنها مقيدة ومتفرقة وهي عنده العقل المقيد، ثم انتقلت الفكرة من الطبيعة أو العقل المقيد إلى جامع يلتقي فيه الشيء ونقيضه وهو العقل المجرد الذي هو نهاية الطبيعة المحدودة وغايتها، وهو جامع الدعوى ومقابلها.
وهذا العقل المجرد يتمثل في القانون والأخلاق، وفي الفن والدِّينِ والدَّوْلَة والجماعة والفلسفة. إذن فالعقل المجرد الذي يتحقق في أي وحدة من هذه القيم العاملة المذكورة جامع للمتقابلين: جامع للفكرة في العقل المطلق وهو الله، وللفكرة في العقل المقيد وهو الطبيعة.. ذلك أنه ليس له إطلاق العقل المطلق ولا تحديد عقل الطبيعة، بل فيه إطلاق بالنسبة إلى الطبيعة وتقييد بالنسبة للعقل المطلق، ولذا يعتبر جامع الدعوى ومقابل الدعوى(13).
وأما المنبع الثالث فكر “ماركس” بعد الجدلية التي أخذها من “هيجل”، والمَادِّيَّة التي أخذها من “كومت” فهو “داروين” ونظرية التطور.
جاء “داروين” يؤله الطبيعة ويقول عنها: “إنَّهَا تَخْلُقُ كُلَّ شَيْءٍ ولا حَدَّ لقُدْرَتِهَا على الخَلْقِ”، ويؤكد أن الإنسان هو نهاية سلسلة التطور الحيوانية، وأن التطور ذاته -الذي أنشا الحياة في المادة الميتة أول مرة، ثم تدرج بها من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان- هو نتيجة أسباب مادية بحتة، وأنه يتم مستقلًا عن إرادة الكائن الحي، وبصورة حتمية لا يملك الكائن الحي الخروج عليها ولا معارضتها ولا الوقوف في طريقها.
ماذا بقي من فكر “ماركس” لم يسبق إليه؟!

ومع ذلك فلم يكن عمل “ماركس” هو مجرد التجميع للأفكار السابقة والمعاصرة(14) فلقد أنشأ فلسفة مترابطة متكاملة -أيا كانت مصادرها الأولية- تشمل كل القضايا المحيطة بالإنسان، وتشملها جملة وتفصيلًا عن نحو غير مسبوق.
وليس هنا مجال تقويم هذه الفلسفة في جملتها وتفصيلاتها(15) ولا مجال السؤال عن كونها- في صورتها التي قدمها بها ماركس- كانت قمينة أن يلتفت إليها ويحتفى بها، أم تترك “لتمر” كما مرت فلسفات كثيرة من قبل، لتصبح فيما بعد “كلاما” يدرسه طلاب الفلسفة في الجامعات، أم تهاجم الهجوم الذي يقضي عليها ويَجُبَّها من منبتها.. ولولا ذلك السند الضخم الذي لقيته من العناصر التي سعت لإقامة الشِّيُوْعِيَّة في الأرض والدعاية لها في الآفاق(16).
إنما نحن هنا في مجال تقديم الشِّيُوْعِيَّة كما قدمها أصحابها، ومن خلال الموضوعات الثلاثة الرئيسية: المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة والمذهب الاقتصادي بين النظرية والتطبيق.
__________
1 كتاب مبادئ الفلسفة، ترجمة محمد أمين – دار الكتاب العربي بيروت ص119، 120.

2 كتاب منشأ الفكر الحديث – ترجمة عبد الرحمن مراد ص27.
3 المصدر السابق.

4 الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي ص279.
5 انظر حديثنا عن السببية ودورها في الفكر الأوروبي في فصل “العقلانية” من هذا الكتاب.
6 منشأ الفكر الحديث ص 151.
7 المصدر السابق ص 152.

8 تكوين العقل الحديث ج1، ص439.

9 الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي الطبعة الثامنة، ص298، 299.
10 المصدر السابق ص299.
11 كان هذا قبل ظهور الفلسفة الوضعية المَادِّيَّة التي قالت بسيادة الطبيعة مقابل العقل والدين، والواقع أن الفلسفة الوضعية قامت ردا على الفلسفة العقلية التي سادت في عصر التنوير.

12 عن “الفكر الإسلامي الحديث”: ص289 بتصرف.
13 عن المصدر السابق ص290، 291 بتصرف.
14 هيجل وكومت سابقان عليه وداروين معاصر له.
15 سيأتي تقويم النظرية تاليا في هذا الفصل، بعد عرض خطوطها العريضة كما يقدمها أصحابها.
16 سيأتي الرد على هذا السؤال ضمنا في أثناء مناقشة النظرية.

أولًا: المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة

مدخل

المَادِّيَّةُ الجَدَلِيَّةُ تصور خاص لقضايا الألوهية والكون والحياة والإنسان يقوم على أساس مادي بحت، على أساس أن المادة هي الشيء الوحيد الأصيل في هذا الكون، وأن كل ما في الكون ومن فيه منبثق من المادة ومحكوم بقوانين المادة، ولا وجود له خارج نطاق المادة، كما يقوم هذا التصور من جهة أخرى على أساس وجود التناقض في طبيعة المادة، ومن ثم في كل ما ينبثق عنها من مخلوقات ومن كيانات بما في ذلك الكيان الإنساني، فهو كيان مادي من جهة، ومحكوم بصراع المتناقضات من جهة أخرى، وتلك هي حقيقة كل أفكاره ومشاعره، وكل نظمه ومؤسساته، وكل قيمه ومبادئه، وكل حركته خلال التاريخ.
وقد قلنا في التمهيد السابق إن “ماركس” لم يكن هو مبتدع الجدلية أو التفكير الجدلي على العموم، فقد أخذ هذا التَّفكير عن “هيجل”، ولكنه خالفه فيه مخالفة أساسية، إذ قال “هيجل” إنَّ الفكرة هي الأصل وهي سابقة في وجودها على المادة ومسيطرة عليها، وقال ماركس إن المادة هي الأصل وهي سابقة على الفكرة ومسيطرة عليها.
يقول “ماركس”: “لا يختلف منهجي الجدلي في الأساس عن منهج هيجل فقط، بل هو نقيضه تمامًا، إذ يعتقد هيجل أنَّ حركة الفكر التي يجسدها باسم الفكرة، هي مبدعة الواقع الذي ليس سوى الصورة الظاهرية للفكرة، أما أنا فأعتقد على العكس، أن حركة الفكر ليست سوى انعكاس حركة الواقع وقد انتقلت إلى ذهن الإنسان”(1).
ومن ثَمَّ سميت جَدَلِيَّة “هيجل” الجَدَلِيَّة المثالية؛ وجَدَلِيَّة “ماركس”الجَدَلِيَّة المَادِّيَّة أو المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة.
أما أصل التسمية -في لغتها الأصلية- فهي مأخوذة عن الإغريقية، ومستمدة من الحوار الفلسفي الإغريقي Dialogos الذي كان يمثل وجهتي نظر مختلفتين تتجادلان حتى تتبين الحقيقة من خلال الجدل، وغالبا ما تكون الحقيقة مزيجا من وجهتي النظر المختلفتين، ولكن يظهر جليا في أثناء الحوار “أو الجدل” إن إحدى وجهتي النظر تأخذ في التراجع المؤدي إلى التسليم، بينما تأخذ وجهة النظر الأخرى في التفوق حتى تتغلب في نهاية الأمر، وإن كانت في غلبتها لا تلغي الأخرى تمامًا بل تبقى منها بقايا تظهر في الحقيقة النهائية.
يقول “ستالين”(2):
“وتقوم المَادِّيَّة الفلسفية على مبدأ آخر، وهو أن المادة والطبيعة والكائن، هي حقيقة موضوعية موجودة خارج الإدراك أو الشعور وبصورة مستقلة عنه. وأن المادة هي عنصر أول؛ لأنها منبع الإحساسات

والتصور والإدراك، بينما الإدراك هو عنصر ثان مشتق؛ لأنه انعكاس المادة؛ انعكاس الكائن، وأن الفكر هو نتاج المادة لما بلغت في تطورها درجة عالية من الكمال، أو بتعبير أدق: إن الفكر نهو نتاج الدماغ، والدماغ هو عضو التفكير، فلا يمكن بالتالي فصل الفكر عن المادة دون الوقوع في خطأ كبير”.
وجاء كذلك في كتاب “أسس المَادِّيَّة الديالكتيكية” ص43:
“وجدت الطبيعة ليس فقط قبل الناس وإنما عموما قبل الكائنات الحية، وبالتالي مستقلة عن الإدراك، وهي الأولية، أما الإدراك فلم يستطع التواجد قبل الطبيعة فهو ثانوي”.
وجاء فيه كذلك “ص30، 31”:
“يقول “لوموسوف”: إنَّه في الطبيعة لا ينشأ شَيْءٌ من لا شَيْءٍ. ولا يختفي أبدًا بلا أثر، ولكن إذا كان الأمر كذلك فإنَّ المادة “الطبيعة” قد وجدت دائما؛ لأننا إذا سلمنا بأنه في وقت من الأوقات لم يكن هناك شيء في العالم، أي: لم تكن توجد مادة فمن أين لها أن تنشأ؟ ولكن ما إن توجد المادة فهذا يعني أنها لم تنشأ في أي وقت من الأوقات، بل وجدت دائما وستوجد دائما. فهي أبدية وخالدة. ولهذا لم يمكن أن تخلق فلا يمكن أن يخلق ما لا يمكن إفناؤه، وبذلك فالمادة لم تنشأ أبدا بل وجدت دائما وستوجد دائما فهي أبدية”(3).
وجاء في كتاب “المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”(4):
“ثُمَّ إنَّ العلم إذ يكشف عن الصِّلات الطبيعية بين ظواهر الطبيعة، يطرد في تطوره الإله من الطبيعة ويدحض خطل المثالية، ويؤيد صحة النظرة المَادِّيَّة إلى العالم، والعلم يتفق مع المَادِّيَّة في بحثه عن الحقيقة في الحياة ذاتها وفي الطبيعة، ويفسر ظواهر الطبيعة والمجتمع معتمدا على القوانين الموضوعية، وهذا ما يدل على أن العلم الحقيقي ذو طابع مادي، إنَّ العلم مادي بطبيعته وبجوهره، والمثالية غريبة عنه وعدوة له”.
وجاء في كتاب “أصول الفلسفة الماركسية”(5):

“ولقد أثارت النزعة المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة هذه الصعوبات، وفقدت فكرة “الله” كل محتواها، ولم يعد النقاش حول وجود الله أو عدم وجوده -ذلك النقاش الذي أثار النزعة الإلحادية الساذجة غير الماركسية- يثار كما أثير سابقا، لقد أصبح الله كما قال لابلاس: فرضية لا نفع فيها.
“ولا شك في أن فكرة الله والعواطف الدينية موجودة، وهي تتطلب تفسيرا، وبدلا من القول بأن الإنسان كائن “إلهي” يجمع في ذاته العنصر الطبيعي”(6) والعنصر الإلهي، كما يجمع عنصر الموت والخلود في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى، يجب القول بأن “الله” و”الدِّيانة” هما ظاهرتان إنسانيتان؛ لأن العنصر الإلهي هو من إبداع الإنسان وليس الإنسان هو من إبداع الله” اهـ.
ويقول “ماركس” في كتاب “بؤس الفلسفة”(7):
“إن العزة الإلهية والهدف الإلهي هي الكلمة الكبيرة المستعملة اليوم لتشرح حركة التاريخ، والواقع أن هذه

الكلمة لا تشرح شيئا”.
ويقول “إنجلز”(8):

“فالطبيعة توجد مستقلة عن كل فلسفة فهي الأساس الذي نمونا عليه، نحن الناس نتاجها أيضا. وخارج الطبيعة والإنسان لا يوجد شيء، أما الكائنات العلوية التي ولدت في مخيلتنا الدينية فليست سوى انعكاس خيالي لوجودنا نحن”.
تكفينا هذه النصوص(9) لبيان الفكرة.
فواضح منها أنهم يعتبرون المادة هي الأصل الذي انبثقت منه كل الكائنات، الحية منها وغير الحية، بما في ذلك الإنسان، وأنها جميعا قد انبثقت عنها بطريق الخلق.
أي: إن المادة هي الخالق الذي أنشأ الحياة وأنشأ الإنسان، وأنشأ كل ما يحتوي عليه عالم الإنسان من أفكار ومشاعر.
أما المادة ذاتها فلم تخلق، إنما كانت دائما موجودة وستظل دائما موجودة.
أي: إنها أزلية أبدية، موجودة بذاتها ومنشئة لغيرها.
وأما الله -الأزلي الأبدي الخالق البارئ المصور المريد الفَعَّال لما يريد- فهو عندهم خرافة ابتدعها خيال الإنسان، والحقيقة الوحيدة هي المادة، والوحدة التي تجمع الكون هي ماديته.
__________
1 أصول الفلسفة الماركسية تأليف جورج بوليتزر وآخرين تعريب شعبان بركات، ج1 ص36 نقلا عن رأس المال لماركس.

2 في كتابه “المَادِّيَّة الديالكتيكية والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ص29 من الترجمة العربية”.

3 يقصد أنها أزلية أبدية.
4 تأليف ف. كليل م. كوفاللزون” ترجمة أحمد داود ومراجعة الدكتور بدر الدين السباعي “طبع دار الجماهير بدمشق 1970م، ص500 من الترجمة العربية”.

5 “تأليف جورج بولتيرز وآخرين، تعريب شعبان بركات، إصدار المكتبة العصرية ببيروت، ج1 ص206 من الترجمة العربية”.

6 يقصدون المادي.
7 “ترجمة أندريه يازجي، طبع دار اليقظة العربية بسوريا ومكتبة الحياة بلبنان ص123، 124 من الترجمة العربية”.

8 في كتابه “لود فيج فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية” “إصدار دار التقدم بموسكو ص16 من الترجمة العربية”.
9 قام بجهد تجميع هذه النصوص وغيرها مما جاء في هذا الفصل “أحمد العوايشة” في رسالته للماجستير بعنوان موقف الإسلام من نظرية ماركس للتفسير المادي للتاريخ، بإشرافي وإشراف الأستاذ عبد الرحمن حبنكة الميداني.

ثانيا: قوانين المادة التي تحكم الطبيعة وتحكم الحياة البشرية كذلك

1- الترابط في الطبيعة:

يقول “ستالين” في كتابه المذكور (1): “إن الديالكتيك -خلافا للميتافيزقية- لا يعتبر الطبيعة تراكما فرضيا للأشياء، أو حوادث بعضها منفصل عن بعض، أو أحدها مستقل عن الآخر، بل يعتبر الطبيعة كلا واحدًا، ومتماسكا ترتبط فيه الأشياء والحوادث فيما بينها ارتباطا عضويا، ويتعلق أحدها بالآخر ويكون بعضها شرطا لبعض بصورة متقابلة”.
“لذلك تعتبر الطريقة الديالكتيكية أن أي حادث من حوادث الطبيعة لا يمكن فهمه إذا نظر إليه منفردا بمعزل عن الحوادث المحيطة به، إذ أن أي حادث في أي ميدان من ميادين الطبيعة، يمكن أن ينقلب إلى عبث فارغ لا معنى له إذا نظر إليه بمعزل عن الشروط التي تكتنفه، وعلى العكس، يمكن فيهم أي حادث من الحوادث وتبريره إذا نظر إليه من حيث ارتباطه ارتباطا لا ينفصم بالحوادث المحيطة به، أي: إذا نظر إليه كما تحدده وتكيفه الحوادث التي تحيط به”.
ويلاحظ من كلام “ستالين” في تعرضه للميتافيزيقا أن الميتافيزيقا التي كانت عندهم -والتي كانوا يواجهونها بالمَادِّيَّة الجَدَلِيَّة- كانت تفترض أنَّ كل شَيْءٍ من الأشياء قائم بذاته ولا صلة له بغيره من الأشياء، وأنه لا ترابط في النظام الكوني بين أجزائه المختلفة.

2- الحركة في الطبيعة:
جاء في كتاب “أصول الفلسفة الماركسية”(2):
“وفي الطبيعة لا يلعب الكون الدور الحاسم رغم أنه موجود وإنما تلعب هذا الدور الحركة والتطور والتغير، هذه الحركة ملازمة داخليا للمادة كخاصة جذرية لا تنفصل عنها، ولا داعي لوضع السؤال التالي: من أين حصلت المادة على هذه الحركة؟ لأنها موجودة منذ الأزل، ولهذا لا داعي للسؤال الذي يقول: من الذي أكسب المادة الحركة، ما دامت لا تنفصل عنها، وتعتبر شكلا من أشكال وجودها”.
وجاء في كتاب “أسس المَادِّيَّة الديالكتيكية”(3):
“ما قيل يعني أنه لا يوجد في العالم ظاهرة واحدة لم تكن نتيجة لحركة المادة وتطورها، فهي تشمل كل شيء، وفي كل مكان يمتد فعلها، ولا يوجد شيء غير المادة المتحركة المتطورة، وما يتولد عنها، ولا يمكن أن يوجد، وهذا يعني أنه لا يوجد غير عالم مادي واحد، ولهذا بالتحديد يشير إنجلز إلى أن وحدة العالم تنحصر في ماديته، وبعبارة أخرى أن العالم واحد لأنه مادي”.
ويقول “ستالين” في كتاب “المَادِّيَّة الديالكتيكية”(4):

“إنَّ الديالكتيك -خلافا للميتافيزيقا- لا يعتبر الطبيعة حالة سكون وجمود، حالة ركود واستقرار. بل يعتبرها حالة حركة وتغير دائمين. حالة تجدد وتطور لا ينقطعان ففيها دائما شيء يولد ويتطور وشيء ينحل ويضمحل”.
ويستشهد “ستالين” “ص17″ بـ”إنجلز” حيث يقول الأخير: “إن الطبيعة من أضأل الأجزاء إلى أكبر الأجسام: من حبة الرمل إلى الشمس، من البروتوزوا “الخلية الحية الابتدائية” إلى الإنسان، هي في حركة دائمة من النشوء والاضمحلال، هي في مد لا ينقطع. في حركة وتغير مستمرين وأبديين”.

3- التطور في الطبيعة:
يقول “ستالين” في “ص18”:
“إن الديالكتيك -خلافا للميتافيزيقية- لا يعتبر حركة التطور حركة نمو بسيطة، لا تؤدي التغيرات الكمية فيها إلى تغيرات كيفية، بل يعتبرها تطورا ينتقل من تغييرات كمية ضئيلة وخفية إلى تغييرات ظاهرة وأساسية، أي: إلى تغييرات كيفية. وهذه التغييرات الكيفية ليست تدريجية بل هي سريعة فجائية، وتحدث بقفزات من حالة إلى أخرى، وليست هذ التغييرات جائزة الوقوع، بل هي ضرورية، هي نتيجة تراكم تغيرات كمية غير محسوسة وتدريجية، ولذلك تعتبر الطريقة الديالكتيكية أن من الواجب فهم حركة التطور، لا من حيث هي حركة دائرية، أو تكرار بسيط للطريق نفسه، بل من حيث هي حركة تقدمية صاعدة وانتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى حالة كيفية جديدة، وتطور ينتقل من البسيط إلى المركب، من الأدنى إلى الأعلى”.

4- التناقض في الطبيعة:
جاء في كتاب “أسس المَادِّيَّة الديالكتيكية والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” لـ”سبركين وياخوت” “ص72 من الترجمة العربية”.
“فينحصر جوهر قانون وحدة صراع الأضداد في أن جميع الأشياء والعمليات تلازمها جوانب داخلية متناقضة، موجودة في وحدة لا تنفصم، وفي صراع مستمر في نفس الوقت، وصراع الأضداد هو بالتحديد المصدر الداخلي والقوة المحركة للتطور”.
وجاء في “ص71”:
“نأخذ مجال الطبيعة الحية. هنا نرى بوضوح دور التناقض الجدلي كمصدر للتطور، من لا يعرف أن الأطفال يشبهون الآباء ولكنهم ليسوا نسخة منهم تماما، فالنمطية والجمود مع ذلك لا وجود لهما، يرجع هذا أوَّلًا وقبل كُلِّ شَيْءٍ إلى أنَّ قانون الوراثة يعمل إلى جانب نقيضه -قانون التغير- وهو يضمن “عدم

تشابه” و”عدم تكرار” وتغير كل الأجسام وتطورها، والوراثة بدورها تثبت هذه الخواص في السلالة، بخلاف ذلك يمكن أن تختفي التغييرات. وهكذا يسوق الصِّرَاع الأبدي بين القوتين المتضادتين: القابلية للتغير والوراثة، عملية تطور الطبيعة الحية، ويحدث اختيار طبيعي نتيجة للصراع بين هذين الضدين. تولد القابلية للتغير قسمات جدية مفيدة، أما الوراثة فتجمعها في السلالة. ونتيجة لذلك تتولد أنواع جديدة من الكائنات الحية. وليست القوة الخارجية ولا الرب، إنما التناقضات الداخلية الطبيعية هي المصدر والمحرك الداخلي لعملية تطور الطبيعة الحية”.
تلك هي قوانين المادة …
وليس بنا -سواء هنا في مجال العرض أو في مجال المناقشة التي تتلوه -أن نتعرض لهذه القوانين ومدى صحتها من الوجهة العلمية، إنما الجانب الذي يهمنا أكثر من أي شيء آخر في مجال بحثنا هو قولهم إن قوانين المادة بحذافيرها تحكم الحياة البشرية في جميع أشكالها وشتى ألوان النشاط فيها.
فأما عن الترابط فقد قالوا إن هناك ارتباطا لا ينفصم بين الأفكار والمشاعر وبين الأوضاع والتغيرات المَادِّيَّة.

يقول ستالين في “ص23”:
“فإذا صَحَّ أنَّ ليس في العالم حوادث منعزلة، إذا صَحَّ أنَّ كل الحوادث مترابطة فيما بينها ويكيف بعضها البعض الآخر بصورة متبادلة، فمن الواضح أن كل نظام اجتماعي وكل حركة اجتماعية في التاريخ لا ينبغي الحكم عليها من ناحية “العدالة الأبدية” أو من ناحية أية فكرة أخرى مقررة سلفا، كما يفعل المؤرخون على الغالب، بل ينبغي لنا أن نبني حكمنا على أساس الظروف التي وَلَّدَتْ هذا النظام وهذه الحركة الاجتماعية المرتبطتين بها. إن نظام الرِّقِّ يكون في الظروف الحاضرة خرقا وبدعة مضادة للطبيعة، ولكن نظام الرق في ظروف المشاعية البدائية الآخذة بالانحلال، هو حادث مفهوم ومنطقي؛ لأنه يعني خطوة إلى الأمام بالنسبة لنظام المشاعية البدائية.
ويقول “ماركس” في كتابه “الأيديولوجية الألمانية”(5): “إن نتاج الأفكار والتَّصورات والوعي مختلط بادئ الأمر -بصورة مباشرة ووثيقة- بالنشاط المادي والتعامل المادي بين البشر، فهو لغة الحياة الواقعية، إن التصورات والفكر والتعامل الذهني بين البشر تبدو هنا على اعتبارها إصرارا مباشرا لسولكهم المادي، ينطبق الأمر نفسه على الإنتاج الفكري كما يمثل في لغة السياسة ولغة القوانين والأخلاق والدين والميتافيزيقا.. إلخ عند شعب بكامله، فالبشر هم منتجو تصوراتهم وأفكارهم … حتى الأشباح في العقل البشري هي تصعيدات ناتجة بالضرورة عن تطور حياتهم المَادِّيَّة، التي يمكن التحقق منها تجريبيا والتي تعتمد على قواعد مادية، ومن جراء ذلك فإن الأخلاق والميتافزياء وكل البقية الباقية من الأيدلوجية، وكذلك أشكال الوعي التي تقابلها، تفقد في الحال كل مظهر من مظاهر الاستقلال الذَّاتي فهي لا تملك تاريخها،

وليس لها أي تطور، إن الأمر على النقيض من ذلك، فالبشر إذ يطورون إنتاجهم المادي وعلاقاتهم المَادِّيَّة، هم الذين يحولون فكرهم ومنتجات فكرهم على السواء مع الواقع الذي هو خاصتهم. فليس الوعي هو الذي يعين الحياة، بل الحياة هي التي تعين الوعي” اهـ.
ويقول “إنجلز”(6): “فإنَّه ينبغي البحث عن الأسباب الأخيرة لسَائِرِ التبدلات الاجتماعية والثورات السياسية ليس في أدمغة البشر، ليس في فهمهم النامي للحقيقة والعدالة الأبديتين. بل في التبادلات الطارئة على أساليب الإنتاج والمبادلة”.
وأما عن الحركة فقد قالوا إن الحياة البشرية تتحرك؛ لأنها من أشكال المال: يقول مؤلف كتاب “المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”(7):
“والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة -خلافا للعلوم الأخرى- لا تدرس فقط هذه القوانين الخاصة أو تلك من قوانين تطور أشكال معينة لحركة المادة، وإنما هي تدرس القوانين العامة الشاملة للحركة المَادِّيَّة، والمجتمع هو أيضا شكل لحركة المادة”.
أمَّا التَّطَوُّر الذي قالوا إنه يحدث في المادة فقد بنوا عليه تطورا حتميا في المجتمع البشري، ومن ثم نفوا الثبات في أي وضع من الأوضاع ولا قيمة من القيم:
يقول “ستالين” في كتابه “المَادِّيَّة الديالكتيكية”(8): “وبعد، إذا صح أن الانتقال من التغيرات الكمية البطيئة إلى تغيرات كيفية وفجائية وسريعة هو قانون للتطور فمن الواضح أن الثورات التي تقوم بها الطبقات المضطهدة هي حادث طبيعي تماما ولا مناص عنه.
“وبالتالي فالانتقال من الرَّأْسِمَالِيَّة إلى الاشتراكية وتحرر الطبقة العاملة من النير الرأسمالي يمكن تحقيقها لا بتغيرات بسيطة بطيئة، ولا بإصلاحات، بل فقط بتغير كيفي للنظام الرأسمالي؛ أي: بالثورة”.
ويقول “موريس كورنفورث”(9):

“ونجد هذا القانون عن تحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية في المجتمع كذلك، فقبل أن يوجد نظام الرَّأْسِمَالِيَّة الصناعية حدثت عملية من تراكم الثروة في شكل نقود في أيدي قلة “عن طريق نهب المستعمرات أساسا” ومن تكون بروليتاريا لا تملك شيئا عن طريق تسييج الأرض وطرد الفلاحين، وعند نقطة معينة من هذه العملية، حين تراكمت النقود الكافية لتزويد المنشآت الصناعية برأس المال، وحين تحول عدد كاف من الناس إلى بروليتاريا لتقديم العمل اللازم، نضجت الظروف لتطور الرَّأْسِمَالِيَّة الصناعية، عند هذه النقطة ولد التراكم في التغيرات الكمية مرحلة كيفية جديدة في تطور المجتمع.
“وتحدث التغيرات الكيفية عموما بفجائية نسبية بوثبة. إنَّ شيئا جديدا يولد فجأة، رغم أنَّ إمكانياته كانت تحويها عملية التحول التدريجي للتغيرات الكمية المستمرة التي حدثت من قبل”.
أما التناقض فقد أثبتوه من قبل للمادة، وحيث إن حركة المجتمع البشري جزء من حركة المادة فقد احتوت على التناقض بداهة من منشئها المادي التاريخي، وجرى التناقض في كل حركة من حركات البشر على الأرض في صورة صراع طبقي:
إلى هنا كنا نتناول المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة، وقد أوردنا من كلامهم ما يبين وجهة نظرهم بالقدر الذي يكفي لتتبع المناقشة التي ستأتي فيما بعد.
والآن ننتقل إلى الكلام عن المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة، والحقيقة أن هناك ارتباطا وثيقا بين المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة بحيث يصعب الفصل بينهما، وهم أنفسهم يقولون ذلك.
جاء في كتاب “المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”(10):

“إن المَادِّيَّة الديالكتيكية والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة تظهران كَعِلْمٍ واحدٍ، وكفلسفة متكاملة، فلا المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة معقولة بدون المَادِّيَّة الديالكتيكية، ولا المَادِّيَّة الديالكتيكية ممكنة بدون المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة، فبماذا نفسر ذلك؟ “.
“أوَّلًا: بأنه لا يمكن وضع نظرة مادية ديالكتيكية عن العالم ككل، إذا لم يتوفر التَّفْسِير المادي للحياة الاجتماعية، إذا لم يكن قد اكتشف أن المجتمع هو أيضا شكل لحركة المادة وخاضع في تطوره لقوانين موضوعية كقوانين الطبيعة المَادِّيَّة والديالكتيكية غير ممكنة بدون المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”.
“ثانيًا: لأنَّ الإجابة الصحيحة عن المسألة الأساسية في الفلسفة حول أولوية المادة وثانوية الوعي غير ممكنة بدورها بدون توضيح سبب وكيفية ظهور الوعي الإنساني والدور الذي لعبه في ذلك التطبيق العملي الاجتماعي التاريخي للناس، إذ إن الإجابة عن هذا السؤال تقدمها المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”.
__________
1 “ص15، 16 من الترجمة العربية”.

2 ج1 ص49 من الترجمة العربية”.

3 “ص34 من الترجمة العربية”.

4 “ص16 من الترجمة العربية”.

5 “ج1 ص30 من الترجمة العربية لكتابه الأيديولوجية الألمانية”.

6 “ص321 من الترجمة العربية لكتابه أنتي دوهرنج”.

7 “ص11 من الترجمة العربية”.

8 “ص25 من الترجمة العربية”.

9 في كتاب “مدخل إلى المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة” “ص107 من الترجمة العربية لمحمد مستجير مصطفى”.

10 “المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة ص12 من الترجمة العربية”.

ثانيا: المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة

مدخل

المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة كما هو واضح من التَّسْمِيَّةِ، محاولة لتفسير التاريخ البشري على الأسس المَادِّيَّة التي أوردناها في شرح المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة، أي: على أَسَاسِ أَنَّ المادة أزلية أبدية وأنَّها هي الخالقة لكُلِّ ما في الكون من مخلوقات: وأنَّ الإنسان نتاج المادة، والفكر نتاج المادة، وأنَّ قوانين المادة هي بذاتها التي تحكم حياة البشر الاجتماعية، وأن الوضع المادي والاقتصادي هو الذي يكيف شكل الحياة البشرية في أي وقت من أوقاتها وفي أي طور من أطوارها، وأنَّه هو الأصل الذي تنبثق منه الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم التي ينشئها البشر في حياتهم، وأنَّه يأتي دائمًا سابقًا لها ولا تجيء هي سابقة له بحال من الأحوال؛ لأن المادة تسبق الوعي ولا يمكن للوعي أن يسبق المادة، وأنَّ الوضع المادي والاقتصادي في تطور دائم، ومن ثم فإن الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم التي تنبثق عنه دائمة التطور كذلك، بحكم ارتباطها بالوضع المادي والاقتصادي وانبثاقها عنه.
وربما يحق لنا أن نبدأ الحديث عن المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة من نقطة صلتها بالداروينية ونظرية التطور؛ لأَّن ذلك قد يلقي الضوء على بعض مفاهيمها.
قدم “داروين” تفسيرا معينا لتطور “الحياة” من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان، قرر فيه جملة “مبادئ” تأثرت بها المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة، كان من جملتها:
أنَّ “الطبيعة” تَخْلُقُ كُلَّ شَيْءٍ ولا حَدَّ لقُدْرَتِهَا على الخَلْقِ.
وأنَّ الطبيعة تخبط خبط عشواء، أي: إنه ليس لها مقصد معين من الخلق ولا غاية.
وأنَّ الظروف المَادِّيَّة المحيطة بالكائن الحي هي التي تحكم حياته كما تحكم تطوره.
وإنَّ الكائن الحي ليس حُرَّاً في اختيار طريقة حياته ولا طريقة تطوره وإنما ذلك مفروض عليه من خارج كيانه من الظروف المَادِّيَّة المحيطة به.
وأنَّ الإنسان ليس خلقا قائمًا بذاته إنَّما هو نهاية سلسلة التَّطور الحيواني السابق لوجوده.
وأنَّه في “تطوره” الأول الذي أوصله إلى حالته الراهنة كان محكوما بذات الظروف المَادِّيَّة التي حكمت خط التطور السابق له.
وأنَّه لا وجود لشيء “ثابت” في عالم الأحياء؛ لأن قانون “التطور” هو الذي يحكم الحياة والأحياء، يحكمها من خارج كيانها ودون خضوع لإراداتها، وبصورة حتمية.
ولعله قد اتضح الآن كم أخذت المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة من الداروينية ونظرية التطور ولكن فلننظر في أقوالهم هم لنرى ماذا يقولون في هذا الشأن.
يقول” كورنفورث”:

“وتقدم المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة أساسا للعلم الاجتماعي بنفس الطريقة التي تقدم بها نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي أساسا للعلم البيولوجي، فأيا كان النوع الذي يدرس فإنه قد تطور عن طريق الانتقاء الطبيعي وهذا يحدد كل طبيعته، وبالمثل، أيا كان المجتمع الذي يدرس فإنه أصبح ما هو عليه بتكيف علاقات الإنتاج مع الإنتاج، والأفكار والمؤسسات مع علاقات الإنتاج”.
وجاء في كتاب “أصول الفلسفة الماركسية”(1):

“وكان للاكتشافات الثلاثة التالية أثر كبير في ذلك:
1- اكتشاف الخلية الحية التي تتطور عنها الأجسام المعقدة.
2- اكتشاف تحول الطاقة من حرارة وكهرباء ومغناطيس وطاقة كيميائية.
فهي صورة مختلفة نوعيا لحقيقة مادية واحدة.
3- نظرية التحول عند “داروين” فلقد أظهرت هذه النظرية اعتمادا على الحفريات، وعلم تربية الحيوان، أنَّ جميع الكائنات الحية “ومنها الإنسان” هي ثمرات التَّطَوُّر الطبيعي”.
وجاء في كتاب “أسس المَادِّيَّة الديالكتيكية(2) والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ص16 من الترجمة العربية”:
“وبذلك أعد تطور العلم -وخصوصا الاكتشافات الثلاثة في العلم الطبيعي: قانون حفظ الطاقة، ونظرية التكوين الخلوي للكائنات الحية ونظرية التطور لداروين- المقدمات العلمية لانتصار النظرية المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة عن العلم، التي وضعها كارل ماركس وفردريك إنجلز”.
وسيتناول حديثنا عن المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة أمرين: التَّفْسِير المادي للتاريخ، والتَّفْسِير المادي للدين والأخلاق والأسرة.

أولًا: التَّفْسِير المادي للتاريخ

من الطبيعي أن تكون الفلسفة التي يقوم عليها التَّفْسِير المادي للتاريخ فلسفة مادية بحتة، سواء في نظرتها إلى “الإنسان” الذي تؤرخ له أو حركة هذا الإنسان على الأرض خلال التاريخ، والعوامل التي تؤثر في هذه الحركة.
والحق أن التَّفْسِير المادي للتاريخ لا ينكر وجود “القيم” في الحياة البشرية ولا يفسر الحياة طعاما وشرابا وملبسا ومسكنا وجنسا فقط.. لكن الحق إلى جانب ذلك أنه ينفي نفيا قاطعا -كما ورد من كلامهم فيما سبق- أن تكون هذه القيم ثابتة، أو أن تكون قائمة بذاتها، أو أن تكون سابقة في وجودها على الأوضاع المَادِّيَّة والاقتصادية، أو أن تكون في أي وقت من الأوقات منشئة لأوضاع مادية واقتصادية لم تكن قائمة من قبل..
تبدأ النَّظرية من أنَّ الإنتاج المادي هو أساس الحياة البشرية كلها وأساس التاريخ البشري؛ يقول ماركس(4):

“وليس لنا بد مع الألمان المجردين عن أية مقدمات من أن نبدأ بتقرير المقدمة الأولى للوجود البشري بكامله وبالتالي للتاريخ بأسره، ألا وهي المقدمة التي تنص على أنه لا بد للبشر من أن يكونوا في مركز يمكنهم من العيش، كما يكون في مقدورهم أن يصنعوا التاريخ. بيد أن الحياة تشتمل قبل كل شيء على المأكل والمشرب والمسكن والملبس وأشياء عديدة أخرى. وهكذا فإن العمل التاريخي هو إنتاج الوسائط القمينة بسد هذه الحاجات. إنتاج الحياة المَادِّيَّة بالذات.. وبالفعل فإن هذا العمل عمل تاريخي، شرط أساسي للتاريخ بكامله، لا بد في اليوم الحاضر مثلما كانت الحال قبل آلاف السنين من تحقيقه يوما فيوما، وساعة فساعة لمجرد الإبقاء على الحياة الإنسانية”.
وقوى الإنتاج المادي من ثَمَّ هي أهم عنصر في الحياة … وهي المقياس الذي يقاس به كل شيء.
جاء في كتاب “أسس المَادِّيَّة الديالكتيكية(5)”:

“وهكذا فإن القوى المنتجة تعبر عن علاقات مادية بين المجتمع والطبيعة.
ومستوى تطور هذه القوى دليل على درجة سيطرة البشرية على قوى الطبيعة، وبدوره يتحدد المستوى نفسه قبل كل شيء بأدوات العمل وتزويد الإنتاج بالطاقة وتنظيم التكنولوجيا العملية الإنتاجية وتطور العلم، وكذلك بمستوى استخدام المنتجين المباشرين للقيم المَادِّيَّة للمنجزات العملية”.
والعمل -العمل الذي يؤدي إلى الإنتاج المادي- هو محور الحياة.
يقول “إنجلز”: “يقول الاقتصاديون إن العمل هو مصدر كل ثروة، وإنه لكذلك فعلا. مع الطبيعة التي تقدم له المادة التي يحولها إلى ثروة، ولكنه أكثر من ذلك أيضًا إلى ما لا نهاية. إنَّه الشرط الأساسي الأول لكل حياة بشرية، وإنه لكذلك إلى درجة ينبغي علينا معها -بمعنى ما- أن نقول: “إن العمل قد خلق الإنسان ذاته”(6).

وعلاقات الإنتاج هي التي تصور شكل الحياة البشرية في أي طور من أطوارها.
جاء في كتاب “المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”(7): “بما أن أسلوب الإنتاج هو الذي يحدد نمط حياة الناس في هذا المجتمع أو ذاك فإن جميع ظواهر الحياة الأخرى تتعلق بأسلوب الإنتاج وتكون نابعة منه ومشروطة به”.
ويقول ماركس(8): “ترتبط العلاقات الاجتماعية وتتعلق بالقوى الإنتاجية، ولدى تحقيقنا لقوى إنتاجية جديدة يغير الناس نوع الإنتاج، وعند تغييرهم لنوع إنتاجهم، وعند تغيير طريقة كسبهم لمعيشتهم، فإنهم يغيرون كل العلاقات الاجتماعية. إن الطاحونة التي تدار باليد تمثل لك مجتمعا يتحكم فيه السيد الإقطاعي، وتمثل الطاحونة البخارية مجتمعا تتحكم فيه الصناعة الرَّأْسِمَالِيَّة.
“إن نفس الذين يؤسسون علاقاتهم الاجتماعية لتطابق إنتاجهم المادي، تراهم ينتجون أيضا المبادئ والأفكار واللوائح لكي تطابق علاقاتهم الاجتماعية، وهكذا فإن هذه الأفكار وهذه اللوائح ليست أبدية كالعلاقات التي تعبر عنها، إنها إنتاج تاريخي وفترة انتقال”.

ويقول ستالين(9): “الخاصية الأولى للإنتاج أنه لا يقف أبدا مدة معينة فهو دائما في حالة تغير ونمو، وعلاوة على ذلك فإن أسلوب الإنتاج يؤدي بصورة حتمية إلى تغير النظام الاجتماعي بأسره وتغير الأفكار الاجتماعية والآراء والمؤسسات السياسية.
“إن المجتمع ذاته وأفكاره ونظرياته، وآراءه ومؤسساته السياسية تتعلق من حيث الأساس بأسلوب الإنتاج في المجتمع أو -بعبارة أبسط- كل نمط من المعيشة يطابقه نمط من التفكير.
“ومعنى هذا أن تاريخ تطور المجتمع هو قبل كل شيء تاريخ تطور الإنتاج وتاريخ أساليب الإنتاج التي تتعاقب خلال العصور. تاريخ تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج بين الناس”.
ويقول ماركس(10): “وهكذا فإنه من الجلي تماما مذ البداية أن ثمة رابطة مادية تجمع البشر بعضهم بعضا، تتحدد بحاجتهم ونمط إنتاجهم، وهي قديمة قدم البشر أنفسهم، وإن هذه الرابطة لتتخذ على الدوام أشكالا جديدة، وبذلك تمثل “تاريخا” حتى دون أن يوجد بعد أي هراء سياسي أو ديني يحقق -علاوة على ذلك- التماسك بين البشر”.
ينقسم التاريخ البشري -بناء على القواعد السَّالفة الذِّكْر- إلى خمسة أطوار رئيسية:
المشاعية الابتدائية، والرِّق، والإقطاع، والرَّأْسِمَالِيَّة، ثُمَّ الاشتراكية المُمَهِّدَة للشيوعية.

فبالنسبة للمشاعية الابتدائية:
جاء في كتاب “المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”(11): “ومع ظهور الإنتاج الفردي ظهر التناقض بين الملكية الاجتماعية والطابع الفردي لعملية الإنتاج، هذا التناقض الذي يحل عن طريق القضاء على الملكية الاجتماعية وظهور الملكية الخاصة لوسائل ومواد الإنتاج، وهذه هي الأسباب الرئيسية التي أدت إلى القضاء على النظام البدائي كحتمية طبيعية”.
وحين انحلت المشاعية البدائية بظهور الزراعة وجدت الطبقات، ووجد صراع الطبقات، الذي هو صراع على المصالح المَادِّيَّة:
يقول “كورنفورث”(12): “إنَّما صار تاريخ الإنسان فقط هو تاريخ الصِّرَاع الطبقي لتغير ظروف الإنتاج مع نشوء الزِّراعة، ثُمَّ التغير الهائل في المجتمعات الرَّأْسِمَالِيَّة”.
وجاء في كتاب “أسس المَادِّيَّة الديالكتيكية”(13): “والمصالح الأساسية للفئات الاجتماعية والطبقات البشرية هي أولا وقبل كل شيء مصالح مادية اقتصادية تحدد في نهاية الأمر المصالح السياسية والقانونية والأخلاقية والدينية والجمالية والعلمية والفلسفية وغيرها”.
ويقول ماركس(14): “إن أفكار الطبقة السَّائدة هي في كل عصر الأفكار السَّائدة أيضا. يعني أن الطبقة التي هي القوة المَادِّيَّة السائدة في المجتمع هي في الوقت ذاته القوة الفكرية السائدة. إن الطبقة التي تتصرف بوسائل الإنتاج المادي تملك في الوقت ذاته الإشراف على وسائل الإنتاج الفكري بحيث إن أفكار أولئك الذين يفتقرون إلى وسائل الإنتاج الذهني تخضع من جراء ذلك لهذه الطبقة السَّائِدَة”.

__________

1 ج1 ص27 من الترجمة العربية.

2 “أسس المَادِّيَّة الديالكتيكية والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ص16 من الترجمة العربية”.

3 المصدر السابق.

4 “ص37 من الترجمة العربية لكتابه “الأيديولوجية الألمانية””.

5 “أسس المَادِّيَّة الديالكتيكية والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ص151 من الترجمة العربية”.

6 “عن كتاب: نصوص مختارة، فردريك إنجلز ص123 من الترجمة العربية”.
7 “ص60 من الترجمة العربية”.

8 في كتاب “بؤس الفلسفة” “ص112، 113 من الترجمة العربية”.
9 في كتاب “المَادِّيَّة الديالكتيكية والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ص49، 50 من الترجمة العربية”.

10 في كتابه “الأيدلوجية الألمانية” “ج1 ص39 من الترجمة العربية”.

11 “ص161 من الترجمة العربية”.

12 في كتاب “مدخل إلى المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ص30، 31 من الترجمة العربية”.

13 “أسس المَادِّيَّة الديالكتيكية والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ص162 من الترجمة العربية”.

14 في كتاب “الأيديولوجية الألمانية” “ص56 من الترجمة العربية”.

من المشاعية البدائية انتقل الناس إلى الرِّقِّ:

يقول “إنجلز”(1): “وإن تطبيق العبودية في الظروف التي كانت سائدة في ذلك الحين قد كان خطوة كبرى إلى الأمام”(2). “ذلك أنه من الحقائق الواقعة أن الإنسان قد انبثق من الحيوان، وبالتالي فلم يكن له بد من استخدام وسائل بربرية تكاد أن تكون وحشية من أجل تخليص نفسه من البربرية”! (3).
ونشأ الرق من منبعين أساسيين: الحرب والدَّيْن ذلك أن المدين الذي يعجز عن السداد كان يتحول إلى رقيق.
يقول “ماركس”: “كان الصِّرَاع الطبقي في المجتمع القديم -وبالدرجة الأولى- صراعا بين الدائنين والمدينين، وقد انتهى في روما إلى زوال المدين من طبقة العامة وتحوله إلى عبد”؛ “نقلا من كتاب لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ” ص17 من الترجمة العربية.
وفي مجتمع الرق ظهرت الدَّوْلَة ونمت الثقافة وظهرت الفلسفة وتقدمت البشرية تقدما كبيرا يعزوه الماديون إلى الصِّرَاع الطبقي!
جاء في كتاب “المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”(4): “إن تطور الصِّرَاع الطبقي والمعارف النظرية أدى إلى ظهور الفلسفة، وحدثت اختلافات مهمة على صعيد الدين، الذي تحول تدريجيا إلى أداة روحية لاستعباد الجماهير، وبهذا فإن انقسام المجتمع إلى طبقات يحدث انقلابا جذريا في البنيان الفوقي وفي حياة المجتمع الروحية كلها، وفي المجتمع العبودي بالذات ظهرت لأول مرة كل الأشكال الراهنة للوضع الاجتماعي” اهـ.
وكانت معاملة الرقيق في أوروبا بالبشاعة التي يعرفها التاريخ، ولم تفلح ثورات العبيد في تحسين أحوالهم ولا رفع الرق عنهم، ولكن لأسباب مادية واقتصادية بحتة بدأ عهد الرق ينهار.
يقول “إنجلز”(5): “ولكن هذه العبودية المشرفة على الموت كانت لا تزال من القوة بحيث تجعل كل عمل من أعمال الإنتاج يبدو وكأنه عمل عبودي وضيع لا يليق بمقام الرومان الأحرار …
إن المسيحية ليست مسئولة قط عن هذا الزوال التدريجي للعبودية القديمة، إذ هي قد جنت من ثمار العبودية في الإمبراطورية الرومانية خلال قرون من الزمن، ولم تفعل فيما بعد شيئا لا لمنع المسيحيين من المتاجرة بالرقيق -سواء الألمان في الشمال أو تجار البندقية على البحر الأبيض المتوسط- ولا لحظر التجارة بالرقيق الزنوج في السنين الأخيرة، وإنما زالت العبودية؛ لأنها لم تعد تدر ربحا قط، لكنها بزوالها خلفت وراءها لسعتها السامة وذلك بوسمها عمل الأحرار في الإنتاج بميسم الضعة، فكان ذلك بمثابة الزقاق المسدود الذي وجد العالم الروماني نفسه فيه، كانت العبودية مستحيلة من الناحية الاقتصادية، وكان عمل الأحرار مستهجنا من الناحية الأخلاقية، لم يعد في وسع الأول أن يظل أساس الإنتاج الاجتماعي، وكان الأخير لا يزال غير قادر على أن يكون أساسا لهذا الإنتاج، لم يكن ينفع في هذا الحال سوى ثورة كاملة”(6).
هذا من جهة.. ومن جهة أخرى كان اختراع المحراث الحديدي أهم تحول أدى إلى ظهور الإقطاع.
يقول “سيجال”(7): “كان نظام الرِّقِّ شكلًا اجتماعيَّاً ضروريًا من أشكال تطور القوى المنتجة في مرحلة من مراحل التاريخ، ولكن هذا التطور كان بدوره سببا لانحطاط هذا النظام”.
جاء الإقطاع بصورته الأوروبية المعروفة، وكانت الطبقتان المسيطرتان فيه هما: طبقة كبار الملاك وطبقة رجال الدين، وبقية الشعب مُسَخَّر لصالح كلتا الطبقتين.. وأخذ الإقطاع جولته التاريخية “الحتمية” حتى تطورت أدوات الإنتاج باختراع الآلة وتعقدت علاقات الإنتاج القائمة وصارت غير مناسبة للمرحلة الاقتصادية الجديدة.
جاء الإقطاع نتيجة ظروف مادية واقتصادية، فمن الناحية المَادِّيَّةكان اختراع المحراث الحديدي وتطور زراعة الأرض نتيجة إدخال أدوات جديدة أكثر صلاحية من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور الإقطاع. ومن الناحية الاقتصادية كان لا بد من تغيير علاقات الإنتاج بعد أن أصبح الرَّقِيق -بحالته التي كان عليها- عاجزا عن الإنتاج أو بعبارة أخرى عاجزًا عن تلبية مصالح السيد الاقتصادية، لكثرة تمرده وهربه نتيجة المعاملة البشعة التي كان يتلقاها من السيد أو وكيله.
وفي النظام الإقطاعي يملك السيد الأرض ولكن الفلاح الذي يعمل لحساب السيد يمكن أن يمتلك قطعة صغيرة من الأرض -بالقدر الذي يسمح به الإقطاعي- وله نصيب من الإنتاج -يُحَدِّده الإقطاعي كذلك- يعيش منه هو وأسرته.
ولكن نصيب الفلاح -في مجموعه- كان أضأل من أن يوفر له الحياة الكريمة أو الحياة الصِّحِّيَّة، وكان هو وأسرته يعيشون في حالة من الضَّنك الشَّديد، وكثيرا ما كان الفلاحون يموتون بالمئات والألوف نتيجة الجوع أو الإصابة بالسُّلِّ أو نتيجة الأوبئة الفتاكة.
وبدأ نضال الفلاحين ضد الإقطاعيين لرفع الظلم الفاحش الواقع عليهم، ولكنهم كانوا أضعف من أن ينالوا شيئا من الإقطاعيين المحصنين بقلاعهم المزودين بجيوش تحميهم، كما أنَّه لم يكن للفلاحين تَجَمُّع ذو هدف محدد يخوض معركة منظمة ضد الإقطاعيين، لذلك باءت ثوراتهم بالإخفاق، ولكن من خلال التطور المادي والاقتصادي أخذ الإقطاع ينهار لتحل محله الرَّأْسِمَالِيَّة.
نشأت الرَّأْسِمَالِيَّة “التي يسميها الشِّيوُعِيِّون “البرجوازية” لنشأتها في المدينة Bourjois نتيجة عِدَّة عوامل أهمها اختراع الآلة التي أخذت تحل بالتَّدريج محل الإنتاج اليدوي، كما اتسعت الكشوف الجغرافية وزاد حجم التِّجَارة الأوروبية”(8)، كما أن ظاهرة العمل المأجور -أي: تأجير العامل جهد يده من أجل الحصول على مطالب الحياة- كانت قد بدأت توجد في المدن وإن كان حجمها في بادئ الأمر لم يكن كافيا لتشغيل الحركة الصناعية الناشئة فقامت الثورة التي أدت إلى تحطيم الإقطاع.
يقول “سيجال”(9): “وهكذا نرى أن الإقطاعية التي كانت متوافقة عند نشأتها مع مستوى القوى المنتجة في المجتمع صارت متناقضة مع القوى المنتجة المتنامية، وصار إلغاؤها ضرورة تاريخية”.
وفي ظل الرَّأْسِمَالِيَّة حدث تقدم عظيم في مجالات كثيرة منها المجال العلمي والمجال التكنولوجي؛ لأنَّ الرَّأْسِمَالِيَّة تسعى دائمًا لزيادة الإنتاج من أجل الرِّبْح. كما نشأ تنظيم جديد للعمل يتعاون فيه مجموعة كبيرة من الناس في العمل الواحد بدلًا من العمل الفردي، ونشأ تحسين للطرق والمواصلات من أجل تصريف الإنتاج الصِّناعي في داخل البلاد وخارجها، كما كان الاستعمار وسيلة للحصول على موارد رخيصة ومجالًا لتصريف فائض الإنتاج، ونشأت “الأمم” في أوروبا وحل الحكم الدُّسْتوري محل الحكم الملكي المطلق. ولكن هذا كله كان على حساب طبقة العمال المضطهدة، التي تبذل الجهد الحقيقي في عملية الإنتاج ولا تنال إلا أقل القليل” اهـ.
يقول “إنجلز”(10): “ولما كان استغلال طبقة من قبل طبقة أخرى هو أساس الحضارة، فإنَّ نموها كله يسير في تناقض مستمر، كل خطوة إلى الأمام في الإنتاج هي في الوقت ذاته خطوة إلى الوراء في أحوال الطبقة المضطهدة أي الأكثرية العظمى، كل ما هو خير للبعض لا بد أن يكون شرَّاً للآخرين، كل تحرر جديد لإحدى الطبقات يعني دائما اضطهاداً جديدًا لطبقة أخرى، وأعظم دليل على هذا نجده في إدخال الآلة “يقصد الرَّأْسِمَالِيَّة” التي يعرف العالم بأسره آثارها الآن” اهـ.
ويقول “كورنفورث”(11): “والسِّمَةُ الأساسية لزيادة قوى الإنتاج التي نشأت في إطار الرَّأْسِمَالِيَّة هي تشريك العمل “يقصد جعله مشتركا بدلًا من أن يكون فرديا” فلقد حلت محل الإنتاج الفردي الصغير قوة العمل الاجتماعي الذي يتعاون الناس فيه معًا في منشآت إنتاجية كبيرة تستخدم آلات تعمل بالطاقة. لكن هذه السِّمَة تعوقها علاقات الإنتاج الرَّأْسِمَالِيَّة التي تجعل التاريخ ملكا للرأسماليين، وتجبر الإنتاج الاجتماعي على أن يخدم الربح الخاص”.
وجاء في كتاب “المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ص174 من الترجمة العربية”: “إنَّ تغيير علاقات الإنتاج الإقطاعية إلى علاقات رأسمالية يؤدي إلى إعادة تركيب البناء الفوقي الذي يؤدي بدوره مع ملاءمته للقاعدة الجديدة إلى تغيير وجه المجتمع كله”.
وجاء فيه أيضا “ص341، 342”: “إن عصر الرَّأْسِمَالِيَّة الصَّاعِدَة هو عصر نشوء الأمم. والماركسيون يذهبون إلى أنَّ الأُمَّةَ لم توجد قبل الرَّأْسِمَالِيَّة؛ لأنَّ الشُّروط الاقتصادية اللازمة لنشوئها كانت لا تزال معدومة(12). إن تَكَوّن الشعب من اختلاط مجموعات جغرافية مختلفة اتحدت في الأرض واللغة والثقافة كان المنطلق لتكوين الأمة. مع أنَّه ليس ضروريا أن تتألف الأمة من شعب واحد، فكل الأمم الحديثة نشأت وتنشأ نتيجة لاتحاد الشعوب المختلفة. وهكذا فإن الأمة كشكل لتجمع الناس نشأت من متطلبات الإنتاج الرأسمالي وتنشأ على أساسه؛ وهي تنشأ لأنَّها ضرورية من أجل تطور الإنتاج الرأسمالي الضخم” اهـ(13).
وتأخذ الرَّأْسِمَالِيَّة دورها ثُمَّ يجيء التطور الحتمي …
يقول “سيجال”(14): “غير أنَّ الرَّأْسِمَالِيَّة -عندما تتطور قوى المجتمع المنتجة – تبدو يوما فيوما أقل قدرة على السَّيْطَرة عليها. وأجدى برهان على ذلك هو تلك الأزمات التي تأتي على نحو دوري فتزعزع النظام الرأسمالي وتدمر جزءًا من القوى المنتجة، وهكذا تصبح الرَّأْسِمَالِيَّة أكثر فأكثر عائقا في طريق تطور هذه القوى التي ولدتها هي ذاتها، ومن هنا يتبين أنَّ إلغاء الرَّأْسِمَالِيَّة بالطّرُقِ الثورية واستبدالها بالشِّيُوْعِيَّة – يقصد استبدال الشِّيُوْعِيَّة بها؛ لأنَّ الباء تدخل على المتروك – أي: بمجتمع دون طبقات تكون وسائل الإنتاج فيه ملكا مشتركا يصبح ضرورة تاريخية” اهـ.
والسبب الرئيسي في ذلك هو التَّنَاقض المتزايد بين مصالح الرَّأْسِمَالِيَّة ومصالح العمال “طبقة البروليتاريا” الذي يؤدي في النهاية إلى ثورة طبقة البروليتاريا على طبقة الرأسماليين لنزع السُّلْطَة منها وإنشاء مجتمع بلا طبقات، وتوزيع الإنتاج على الجميع دون استغلال طبقة لطبقة.
ولا يتم ذلك دفعة واحدة. فهناك مرحلة انتقالية ينتقل فيها الناس من الرَّأْسِمَالِيَّة إلى الاشتراكية، ثُمَّ إنَّ المرحلة الاشتراكية تمهد للمرحلة الأخيرة وهي الشِّيُوْعِيَّة حيث يتحقق مبدأ “مِنْ كُلٍّ حَسَبَ طَاقَتِهِ، ولِكُلٍّ حَسَبَ حَاجَتِهِ”.
تنقضي المرحلة الأولى في الكفاح لإزالة الطبقة المستغلة والقضاء عليها، حتى يمكن تأصيل المبادئ الجديدة المبنية على إزالة الطبقات وتحويل الملكية من ملكية فردية إلى ملكية جماعية. والعمل على زيادة الإنتاج لكي تتحقق المرحلة الأخيرة التي لا يمكن الوصول إليها إلا بزيادة هائلة في الإنتاج تُمَكِّن كل إنسان أن يأخذ بحَسَبِ حَاجَتِهِ في الوقت الذي يعمل حسب طاقته.
__________
1 في كتاب أنتي دوهرنج “ص217 من الترجمة العربية”.

2 “ص21 من الترجمة العربية لكتاب “مدخل إلى المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”.
2، 3 التعجب من عندنا.

4 “ص163 من الترجمة العربية”.

5 في كتاب “أصل الأسرة والملكية الخاصة والدَّوْلَة” “ص236، 237 من الترجمة العربية”.
6 لم يقل لنا كيف كانت هذه الثورة.

7 في كتابه “لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ “ص21 من الترجمة العربية”.

8 نحن هنا -كما سبقت الإشارة- نعرض الأفكار ولا نناقشها، ولكن لا بد لنا هنا من تعليق بمناسبة الكشوف الجغرافية وزيادة حجم التجارة الأوروبية يغفله المؤرخون الأوروبيون عامدين، ويستغل إغفالهم ذلك كل الذين يحبون طمس العنصر الديني وآثاره في التاريخ البشري، فإن الحقيقة أن الحروب الصليبية الحديثة التي بدأت بعد طرد المسيحيين للمسلمين من الأندلس، وملاحقتهم لمحاولة القضاء عليهم فيما وراء الأندلس، كانت هي السبب الحقيقي للكشوف الجغرافية، وأشهر مثال على ذلك أن فاسكوداجاما -الذي كشف لأوروبا طريق رأس الرجاء الصالح- قال عند وصوله إلى جزر الهند الشرقية “الآن طوقنا رقبة الإسلام ولم يبق إلا جذب الحبل ليختنق فيموت” وقد كان الاستعمار الصليبي لبلاد الإسلام أهم العوامل في تنشيط التجارة الأوروبية وإتاحة الفرصة للرأسمالية النامية لتستكمل نموها الظالم الجبار.

9 في كتاب: “لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ” “ص33 من الترجمة العربية”.
10 في كتاب “أصل الأسرة والملكية الخاصة والدَّوْلَة” “ص279 من الترجمة العربية”.

11 في كتاب “مدخل إلى المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ج1 – ص73 من الترجمة العربية”.
12، 13 نقول دون مناقشة للفكرة -ولكن للتذكرة فقط- إن هذا قد يكون صادقا على نشأة الأمم في أوروبا مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر الميلادي، ولكن قبل ذلك بأحد عشر قرنا برزت إلى الوجود أمة قال عنها خالقها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وانظر المناقشة في مكانها فيما بعد.

14 في كتابه “لمحة عن تطور المجتمع منذ بدء التاريخ” “ص36، 37 من الترجمة العربية”.

ثانيا: التَّفْسِير المادي للدين والأخلاق والأسرة

يقصد بالتَّفْسِير المادي للدين والأخلاق والأسرة أمران في آن واحد: الأول: أنَّها ليست “قِيَمَاً” قائمة بذاتها، ولا يمكن النظر إليها على هذا النحو، ومن ثَمَّ فليس لها ثبات ولا قدسية، والثاني: أنَّها في ذات الوقت انعكاس للأحوال المَادِّيَّة والاقتصادية القائمة في أي وقت من الأوقات، وكل وضع مادي أو اقتصادي قائم هو الذي ينشئ “الأفكار” المتعلقة بالدِّين والأخلاق والأسرة، وتتغير هذه الأفكار تغيرا حتميا كلما تغير الوضع المادي أو الاقتصادي، وإليك أقوالهم في كل أمر من هذه الأمور الثلاثة:
1- الدين:
يقول “إنجلز”(1): “ومهما يكن من شَيْءٍ فليس الدين إلا الانعكاس الوهمي في أذهان البشر لتلك القوى الخارجية التي تسيطر على حياتهم اليومية، وهو انعكاس تتخذ فيه القوى الأرضية شكل قوى فوق طبيعية”.
ويقول كذلك “ص382 من نفس الكتاب”: “من الأزمنة الموغلة في القدم -إذ وصل الفكر بالناس وهم بعد في جهل تام ببنياتهم الجسدية الخاصة، وتحت تأثير أحلامهم، إلى القول بأن أفكارهم وأحاسيسهم ليست من فعل أجسادهم ذاتها، بل من فعل روح خاصة تسكن هذا الجسد وتفارقه لحظة الموت- منذ ذلك الحين اضطروا لأن يصطنعوا لأنفسهم أفكارًا عن علاقات هذه الروح مع العالم الخارجي”.
“وعلى هذا النحو تمامًا -عن طريق تشخيص القوى الطبيعية- ولدت الآلهة الأولى التي اتخذت خلال التطور اللاحق شكلًا غير أرضي أكثر فأكثر، إلى أن حدث أخيرًا عملية تجريد … فنشأ على نحو طبيعي خلال التطور العقلي أن تَوَلَّدَت في عقل الناس من الآلهة المتعددين ذوي السلطة الضعيفة والمقيدة بعضهم حيال بعض، فكرة الإله الواحد المنفرد في الديانات التوحيدية” اهـ.

ويستشهد مؤلفو كتاب “أصول الفلسفة الماركسية”(2) بهذه القولة لـ”إنجلز”:
“إن الدين يولد من نظريات الإنسان المحدودة، وهذه النظريات محدودة بعجز الناس البدائيين المطلق تقريبا أمام الطبيعة المعادية، التي كانوا لا يفهمونها، وهي محدودة من ناحية ثانية بتعلقهم الأعمى بالمجتمع الذي لا يفهمونه، والذي كان يبدو لهم أنَّه تعبير عن إرادة سامية، وهكذا كانت الآلهة -وهي الكائنات المهمة الجبارة المسيطرة على الطبيعة والمجتمع- انعكاسا ذاتيا لعجز الناس الموضوعي أمام الطبيعة والمجتمع، وكان على تقدم العلوم الطبيعية والاجتماعية أن يظهر طابع المعتقدات الوهمي: الاعتقاد بوجود آلهة متعددة، ثم الاعتقاد بوجود إله واحد”.
وجاء في كتاب “نصوص مختارة، فردريك إنجلز”(3): “أمَّا المجالات الأيديولوجية التي تحوم أعلى في الفضاء كالدين والفلسفة … إلخ، فإنَّها مؤلفة من بقية -تعود إلى ما قبل التاريخ وقد وجدها العهد التاريخي أمامه فالتقطها- لما نسميه اليوم غباء. إنَّ هذه التَّصَوُّرات المختلفة الخاطئة عن الطبيعة، وعن تكوين الإنسان ذاته، وعن الأرواح، وعن القوى السحرية، ليس لها في الغالب إلا أساس اقتصادي سلبي، فالتطور الاقتصادي الضعيف لعهد ما قبل التاريخ تكون فيه كتكملة -ولكن كذلك عل نحو جزئي كشرط أو حتى كسبب- تصورات خاطئة عن الطبيعة”.
هذا عن نشأة الدين “أي: في فترة الشِّيُوْعِيَّة البدائية” أما عن تطوره نتيجة تغير الأوضاع المَادِّيَّة والاقتصادية فإنَّه في عهد الرِّقِّ والإقطاع استغل لتخدير الكادحين حتى لا يشعروا بالظلم الواقع عليهم، ولتمنيتهم بنعيم الجنة تعويضا عن عذاب الدُّنْيَا” اهـ.
جاء في كتاب “أصول الفلسفة الماركسية”(4): “لم تُحَرِّم الكنيسة الكاثوليكية الرِّقَّ، ولذلك وجد رقيق في أوروبا في العصر الوسيط، ولقد عَلَّمَتْ الكنيسة الأرقاء أن يطيعوا سيدهم، واضطرت الأسياد المحاربين حقا إلى احترام “هدنة الله” وهدَّدَتْهُم بالنار الأبدية، ولكنها بهذا الأُجَرَاء قد أنقذت قبل كل شيء المزروعات الضَّرورية لحياة المجتمع، كما حفظت الإنتاج وأمنت تفشي المجاعة واندلاع نار الثورة، وهكذا تحمي في النهاية الإقطاعية ضد تصرفات الإقطاعيين المغالية”(5).
ويقول “موريس كورنفورث”(6): “وفي أوج الإقطاع في أوروبا الغربية كانت للكنيسة الكاثوليكية مكانة هائلة، وسادت العقيدة الكاثوليكية الفلسفة والأدب والفنون، ولقيت هذه العقيدة مساندة السلطة الزمنية -مساندة الحكام الإقطاعيين ودولهم والقوانين- ولا يمكن تفسير الحماس القاسي الذي كانت الكنيسة تلاحق به الهراطقة وتلقى فيه مساندة الحكام بمجرد الهوس الدِّيني فلماذا وجد هذا الهوس؟ لقد استقرت العقيدة الكاثوليكية كجزء أساسي في النظام الاجتماعي وأحست الكنيسة عن حق -كمالك كبير للأرض إلى جانب كبار ملاك الأرض الآخرين- بخطر التمزق الاجتماعي الكامن خلف كل هرطقة”.
ويقول “إنجلز” عن الحروب الدِّينية التي سادت في العصور الوسطى(7): “إن ما يسمى بالحروب الدِّينية … كانت تتضمن مصالح طبقية مادية إيجابية، فقد كانت هذه الحروب حروبا طبقية تماما … ورغم أنَّ الصِّرَاعات الطبقية كانت عندئذ مُغَلَّفَةِ بشعارات دينية، ورغم أنَّ مصالح وحاجات ومطالب مختلف الطبقات كانت مختفية خلف شعار ديني، فلم يبدل هذا شيئا من الأمر، ويمكن تفسيره ببساطة من واقع ظروف تلك الأيام”.
أما في عصر الرَّأْسِمَالِيَّة فقد ضعف الدين في أوروبا، وهذا تفسيرهم لهذه الظاهرة:
يقول “جورج سول”(8): “فإذا كانت المصادر القديمة قد أخطأت في نظراتها إلى العالم الطبيعي أما كانت كذلك مخطئة في نظراتها إلى السلوك البشري؟ أصبح كل شيء موضع التساؤل والشك، وعلى ذلك سمي العلم فلسفة، ولم يعد هناك تمييز بين الميادين التي عني كل منهما بتفَحُّصِهَا، وأخذ الكُتَّابُ والمتفلسفون يعيدون البحث في النظم البشرية تماما كما كانوا يفعلون بالنسبة إلى الأشياء غير البشرية، وهم في تصرفهم هذا كانوا يُسَلِّمون بأنَّ الإنسان جزء من الطبيعة وليس كائنا منفصلًا عن بقية المخلوقات، أوجدته العناية الإلهية وتولت رعايته.
“وأصبح البحث يَنْصَبُّ على تفسير النتائج والأسباب بالنسبة إلى السلوك البشري -سواء أكان مرغوبا فيها أم غير مرغوب- عن طريق قوانين الطبيعة، بدلا من البحث عنها في إرادة الله كما قالت الكتب المقدسة أو المذاهب الكنسية، ومعنى هذا -بتعبير آخر- أن علينا أن نسترشد في أعمالنا وتصرفاتنا بالعقل دون سلطة القدامى”.
“وصار لزاما على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك ووجدوه في الطبيعة، أما الذين ظلوا على استمساكهم بالدين ولو باللسان -وإن لم يكن في الواقع كما هو أغلبهم- فقد اعتقدوا أن الله يعبر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها، وليس بوسيلة مباشرة، وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شَيءٍ له وجود فحسب، وإنَّما هو شَيْءٌ ينبغي أن يطاع، وصارت مخالفتها دليلا على نقص التقوى والأخلْاق” اهـ.
ويقول “كورنفورث”(9): “ومع ظهور البرجوازية برزت أفكار دينية وفلسفية جديدة، ففي مجال الدين بدأ التأكيد على ضمير الفرد وعلاقة الفرد المباشرة بالله، ودعا الفلاسفة إلى سيادة العلم والعقل، ومن هذه الزاوية أخضعوا الأفكار الإقطاعية للنقد المدمر، ودرسوا من جديد أسس المعرفة، وحاولوا أن يبينوا كيف يمكن توسيع المعرفة ووضع الإنسانية في طريق التقدم، وكانوا في ذلك يخدمون البرجوازية الجديدة في التخلص من الإقطاع ودعم الرَّأْسِمَالِيَّة” اهـ.
ولكن البرجوازية أحست بأن نبذها للدين خطر عليها فعادت إلى احتضان الدين وتسخيره لمصالحها.
ويضيف كورنفورث(10): “ولهذا رأينا البرجوازية حينما شعرت بالتهديد، أعادت الدين عن قصد وتبنته -بعد أن سخرته لخدمة حاجاتها- فَقَوَّته ودعمته وجعلته جزءًا لا يتجزأ من البناء الفوقي الرأسمالي، ثُمَّ أعلنت أنَّ التعليم الديني والتعليم العلماني يتمم كل منهما الآخر” اهـ.
أما الشِّيُوْعِيَّة فموقفها من الدين واضح.
جاء في كتاب “المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” “ص80 من الترجمة العربية”: “إنَّ الدين لا يتولد من القاعدة في الظروف الاشتراكية، وإنما يوجد كجزء من مخلفات القديم، كبقية من البنيان الفوقي للتشكيلات السابقة، سوف يتم القضاء عليها في عملية بناء الشِّيُوْعِيَّة، ويتضمن البرنامج الجديد للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي تأكيدا على ضرورة استخدام مختلف وسائل التأثير الفكري للقضاء على الخرافات الدينية، ومن أجل نشر تربية علمية” اهـ.
وجاء في كتاب: “أصول الفلسفة الماركسية”(11): “ولهذا كان الفلاح في روسيا القديمة -وقد أرهقه الفقر وفقد كل أمل في المستقبل- يستسلم للإرادة الإلهية، ولقد جاءت الثورة الاشتراكية فوضعت في يد المجتمع السيطرة على قوى الإنتاج، ومكنته في نفس الوقت من إدارة المجتمع بصورة علمية، كما زادت سيطرته على الطبيعة، فوجدت عندئذ الظروف الموضوعية لتنمحي من وعي الناس الأفكار الدينية التي ولدتها ظروف موضوعية أخرى”.
“وأخيرا يقول ماركس قولته الشهيرة” “الدين أفيون الشعوب”.

2- الأخلاق:
يقول “إنجلز”(12): “وهكذا فإننا نرفض كل محاولة لإلزامنا بأية عقيدة أخلاقية مهما كانت على اعتبارها شريعة أخلاقية أبدية، ونهائية، وثابتة أبدًا، بحجة أنَّ للعالم الأخلاقي أيضا مبادئه الدَّائمة التي تنهض فوق التاريخ وفوق الفوارق بين الأمم … إننا ننادي على النَّقيضِ من ذلك بأنَّ سائر النظريات الأخلاقية قد كانت حتى هذا التاريخ، في آخر تحليل، نتاجا لأوضاع المجتمع الاقتصادية السائدة في زمانها” اهـ.
ويقول “ص115”: “وما دام المجتمع قد تطور حتى الوقت الحاضر ضمن التَّضَادَات الطبقية، فإنَّ الأخلاق كانت على الدَّوام أخلاقا طبقية، فهي إمَّا أن تبرر سلطة الطبقة الحاكمة ومصالحها، وإمَّا أن تمثل -حالما تحوز الطبقة المضطهدة ما يكفي من القوة- التمرد على تلك العقيدة، ومصالح المضطهدين المقبلة في الوقت نفسه” اهـ.
وفي مجال التطور الأخلاقي المرتبط بتطور الأوضاع الاقتصادية تجيء مثل هذه الأقوال:
جاء في كتاب “النظرية الماركسية اللينينية”(13): “ولقد وَلَّدَتْ علاقات الإنتاج الجماعية في النِّظام المشاعي البدائي عادات وتقاليد جماعية وأخلاقا جماعية عند الناس البدائيين، وعندما واجه الناس في مجرى تطور القوى المنتجة علاقات أصبح فيها التَّمَتُّع الشخصي ببعض الأشياء أكثر سهولة لعملية الإنتاج، تغيرت آراء الناس أيضًا، وأصبحت الملكية الشخصية لبعض الأشياء.. وهي الملكية التي كانت تعتبر في المراحل السابقة لا أخلاقية، أو غير طبيعية وغير معتادة على أقل تقدير، أمرًا لا ضير فيه، ولا يتعارض مع المصلحة العامة” اهـ.
وجاء في كتاب المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة “ص457 من الترجمة العربية”: “إن أخلاق مجتمع عهد الرِّقِّ هي أوَّل شكل للأخلاق الطبقية، فقد كانت أخلاق مالكي الأرقاء هي السَّائدة في ذلك المجتمع، وهي إذ نشأت على أساس العلاقات الاقتصادية للنظام الرِّقِّي، كانت تعكس العلاقات القائمة بين الأرقاء ومالكيهم بالدَّرَجَةِ الأولى، إنَّ الخاصية المميزة لهذه الأخلاق هي أنَّها كانت لا تعترف بالعلاقات الإنسانية إلا بين الأحرار من الناس، لقد كان الرَّقِيقُ خارج الأخلاق، وهو سلعة وشيء، وأداة ناطقة..

ولهذا فقد كانت الأخلاق تسمح بظلمه وجلده وقتله، ولم تكن تلك المعاملة الوحشية للرقيق لتوقظ أي “تأنيب ضمير” لدى مالكه، وكانت الأخلاق تبررها، لكن هنا التبرير لم يكن إلا ضرورة اقتصادية أملتها العلاقات الرقية لذلك العصر” اهـ.
وجاء في نفس الكتاب “ص457، 458 من الترجمة العربية”: “ومع الانتقال إلى الإقطاعية صارت الأخلاق الإقطاعية هي السَّائدة، فهي لا تنظر إلى القِّن كَشَيْءٍ، وإنما كإنسان من الدَّرَكِ الأسفل “العظم الأسود” بينما كانت تنظر إلى ممثلي الطبقة السائدة كبشر من الصنف الممتاز “العظم الأبيض” وإلى جانب هذا فقد كانت الأخلاق الإقطاعية تخفي ظلم الإقطاعيين الوحشي للفلاحين وتقنع الشكل الإقطاعي للاستغلال، ولقد كانت تصور بنفاق كبير علاقة السيد بفلاحيه كعلاقة الأب ببنيه، يوجههم ويرعاهم ويتحمل المسئولية عنهم”.
“إنَّ دين المجتمع الإقطاعي قام بتفسير الأخلاق السَّائدة وبوضع الأسس لها، إذ صور مطالبها وحدودها التي تعبر في الواقع عن مصالح المستغلين كأوامر إلهية، والأخلاق الإقطاعية التي ارتكزت على الدين ساعدت على كبح جماح جماهير الفلاحين المسحوقة السوداء” اهـ(14).
أما في ظل الرَّأْسِمَالِيَّة فقد حدث تقدم ظاهري يخفي المضمون الحقيقي للأخلاق الطبقية الاستغلالية.
جاء في نفس الكتاب “ص458، 459 من الترجمة العربية”:
“ومع هذا فقد أحرز التقدم الاجتماعي خطوة إلى الأمام على صعيد الأخلاق، فالأيديولوجيون البرجوازيون إذ يناضلون ضد الأيديولوجية والأخلاق الإقطاعيتين، ناضلوا في سبيل حرية الفكر، وحرية النشاط من أجل تحرير الفرد من كل القيود الإقطاعية الممكنة، ولكنه مع انتصار الرَّأْسِمَالِيَّة يتكشف المضمون الحقيقي لأفكار الحرية والمساواة والإنسانية البرجوازية. فالمساواة البرجوازية شكلية، وهي تخفي تبعية العامل للرأسمالي، والاستغلال الشديد الوطأة للمنتج المباشر، المقيد اقتصاديا من قبل الرأسماليين بقيود أقوى من أية قيود حديدية أخرى. إن الحرية البرجوازية هي تمتع الرأسماليين بحرية نشاط المؤسسة، وفي الاستيلاء على عمل الآخرين، وهي بالنسبة للبروليتاري بيع قوة عمله أو الموت جوعًا، والإنسانية البرجوازية أيضًا هي إنسانية مجردة. فالرَّأْسِمَالِيَّة في الواقع لا تخلق الشروط الواقعية لتطور وازدهار الشَّخْصِيَّة، وأكثر من ذلك فهي تحوِّل كرامة الإنسان إلى قيمة تبادلية، والعلاقات بين الناس إلى علاقات نقدية، قاضية على أي نوع من الصِّلات بين الناس إلا صلة المصلحة المكشوفة، صلة الدَّفع الخالي من العلاقات الإنسانية”.
“إنَّ مبدأ الفردية هو السائد في سلوك البرجوازي إلا أنه ليس من مصلحة البرجوازية أن تعلن عن مصالحها الجشعة بصورة سافرة ومكشوفة، إنَّ البرجوازي يسعى لتبرير أنانيته وفرديته في الوعي الأخلاقي، إذ يصور السعي لبلوغ أهدافه الجشعة كاهتمام بالمصلحة العامة، وهنا تتجلى الفردية الحيوانية “كحرية الفرد” ويتجلى استعمار العمال “كإنقاذ للمحرومين من الجوع” و”كتقديم الخبز للجائعين” ويتجلى إنتاج السلع من جل الحصول على الأرباح “كتأمين المواد الضَّرُورِيَّة للمجتمع” ويتبدى استعباد الشعوب الأخرى كعملية “تمدين” لها”.
“ولهذا فإنَّ ما يميز الأخلاق البرجوازية هو طابعها المنافق عندما تتقنع شريعة الغاب في عالم الملكية الخاصة بستار من تعاليم الأيديولوجيين البرجوازيين” اهـ.
وأما أخلاق الشِّيُوْعِيَّة فلندعهم هم يصفونها بأقلامهم:
جاء في نفس الكتاب “ص471، 472 من الترجمة العربية”: “إنَّ الماركسية تنتقد دُونَمَا تَحَفُّظ محاولات علماء الاجتماع البرجوازيين، والبرجوازيين الصغار، لجعل الاشتراكية قائمة على “أساس أخلاقي” أي: بناء نظرية الاشتراكية على أساس المبادئ الخلقية المجردة كالعدالة الخالدة والحَقِّ المطلق وغيرهما، دون أن ينطلقوا من القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي.

وبهذا المعنى في الواقع ليس في الماركسية مثقال ذرة من الأخلاق كما يقول “لينين”: “إنَّ الظلم وغيره من وجهة النظر الماركسية ليس أساسيا وإنما هو نتيجة” للرأسمالية، والاشتراكية لا تحتاج إلى أساس أخلاقي، وإنما إلى أساس علمي”..

وجاء فيه أيضا “ص465-476”: “إنَّ أهم مبادئ الأخلاق الشِّيُوْعِيَّة هي العلاقة الشِّيُوْعِيَّة نحو العمل، والاهتمام برعاية وزيادة الأموال الاجتماعية، وفي العلاقة نحو العمل بالذَّات وقبل كل شَيْءٍ، يتجلى الإطار الرُّوحي الجديد للناس الذين تربوا في المجتمع الاشتراكي، وتتلاءم مع الأخلاق الشِّيُوْعِيَّة تلك العلاقة الشَّريفة الطيبة نحو العمل، العلاقة نحو العمل كإبداع وكأسمى واجب للفرد تجاه المجتمع”.
“إن الأخلاق الشِّيُوْعِيَّة تدين المهملين والمتقاعسين والطفيليين، إنَّ إرادة العيش على حساب الآخرين تتناقض مع أساس المجتمع الاشتراكي، ومع أخلاقه” اهـ.
ومن ناحية أخرى يقول “إنجلز”: “إنَّ الأخلاق التي نؤمن بها هي كل عمل يؤدي إلى انتصار مبادئنا مهما كان هذا العمل منافيًا للأخلاق المعمول بها”(15).
ويقول لينين: “يجب على المناضل الشِّيوعي الحق أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والغش والتَّضليل، فالكفاح من أجل الشِّيُوْعِيَّة يبارك كل وسيلة تحقق الشِّيُوْعِيَّة”(16).
ويقول أيضا: “إذا لم يكن المناضل الشيوعي قادرا على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقا للظروف مهما تطلب ذلك من كذب وتضليل وخداع فإنه لن يكون مناضلا ثوريا حقيقيا”(17).
__________
1 “ص381 من الترجمة العربية لكتاب أنتي دوهرنج”.
2 ج1، ص296، 297 من الترجمة العربية”.

3 “جمع جان كانابا، ترجمة وصفي البنا، ص177، 178″ من الترجمة العربية”.

4 ج2: ص106، 107 من الترجمة العربية.
5 يفهم من هذا النص أن الكنيسة قامت بدور مزدوج: إخضاع الرقيق للسادة من جهة، ومنع السادة من إساءة معاملة الرقيق من جهة أخرى. لكن الغالب في كلام الشيوعيين أن يؤكدوا الدور الأول ولا يشيروا إلى الدور الآخر، وعلى أي حال فقد ربط النص عملية تعميق الدين في النفوس بأسباب وغايات اقتصادية.

6 ص117، 118 من الترجمة العربية لكتابه: “مدخل إلى المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”.
7 “ص169، 170 من الترجمة العربية لكتاب المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة”.

8 في كتاب “المذاهب الاقتصادية الكبرى” “ترجمة الدكتور راشد البراوي، ص49، 51 من الترجمة العربية”.

9 “ج2 ص107″ من الترجمة العربية لكتاب أصول الفلسفة الماركسية”.

10 “ج2، ص107، 108 من الترجمة العربية”.

11 “ج1 ص297 من الترجمة العربية”.

12 “ص114، 115من الترجمة العربية لكتابه أنتي دوهرنج”.

13 “النظرية الماركسية اللينينية” في المَادِّيَّة الديالكتيكية والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة” تأليف إيرزرين ورفيقه “ترجمة خيري الضامن، ص439 من الترجمة العربية”.
14 قد يكون هذا حقا بالنسبة “للتخطيط” الرأسمالي، ولكننا لا نرى له أثرا واقعيا في المجتمع الغربي المتحلل.

15، 16 عن كتاب “اشتراكيتهم وإسلامنا، تأليف بشير العوف ص36، 37.
17 المصدر السابق “ص37”..

3 – الأسرة:
لا يختلف تفسيرهم للأسرة عن تفسيرهم للدين والأخلاق من حيث إنها انعكاس للأوضاع المَادِّيَّة والاقتصادية، ومن حيث إنها متطورة على الدَّاوم، وليست “قيمة” ثابتة ولا قائمة بذاتها.
يقول “جان فريفيل”(1): “لا تشكل الأسرة كيانا اجتماعيا خالدًا، ولقد طرأت عليها تبدلات عديدة عبر القرون، وهذا التطور يتحدد في التحليل الأخير بالعامل الاقتصادي” اهـ.
ثُمَّ يرسمون خطا تطوريا للأسرة يعتمد في مراحله الأولى على ما اكتشف من أحوال القبائل المتأخرة في مختلف قارات الأرض، أو ما يتصورونه من أحوالها في بعض الأحيان “كحديثهم عن أسرة الجيل”.
ويقسمون أطوار الأسرة إلى: أسرة الجيل، وأسرة الشركاء، والأسرة الزَّوْجِيَّة، والأسرة الوحدانية.
فأما أسرة الجيل “التي يتصورونها تصورا” فقد كانت العلاقات الجنسية مباحة فيها بين جمع أبناء الجيل الواحد، أي: بين الأخوة والأخوات، ومحرمة في ما دون ذلك، أي: بين جيل الآباء وجيل الأبناء.
يقول “إنجلز”(2): “في هذه المرحلة “أسرة الجيل” تصنف المجموعات الزَّواجية تبعا للأجيال، جميع الأجداد والجدات ضمن حدود الأسرة هم أزواج وزوجات بالتبادل، وكذلك الأمر في أولادهم: الآباء والأمهات، كما أنَّ أولاد هؤلاء يؤلفون هم أيضًا حلقة ثالثة من الأزواج والزَّوجات المشتركين، ويؤلف أولاد هؤلاء أعني أولاد الأحفاد للأجداد والجدات حلقة رابعة، وهكذا: في هذا الشكل من الأسرة يحرم السلف والخلف فقط -الآباء والآولاد- من حقوق وواجبات زواج أحدهم بالآخر”.
“إن أسرة الجيل قد انقرضت وحتى أخشن الشعوب التي يتحدث عنها التاريخ لا تمدنا بأمثلة على هذا الشكل يمكن التثبت عنها” اهـ(3).
ويقول “ص53، 54 من الترجمة العربية”: “ولئن كان ثمة أمر أكيد فهو أنَّ الغيرة عاطفة نشأت في عهد متأخر نسبيَّاً، وهذا يصدق على مفهوم “المحرم” لأنَّ الأخ والأخت لم يكونا وحدهما يعيشان في الأصل كما يعيش الزَّوج والزَّوجة، بل إنَّ العلاقات الجنسية بين الآباء والأولاد مسموح بها أيضا لدى شعوب عديدة حتى اليوم(4). وقبل اختراع المحارم “لأنَّ المحارم اختراع حقا، بل اختراع ثمين جدا” لم يكن الوصال الجنسي بين الآباء والأبناء ليثير من الاشمئزاز أكثر مما يثيره الوصال بين أشخاص من أجيال مختلفة -كذلك الذي يحدث فعلا اليوم حتى في أكثر البلاد تظاهرًا بالتَّزَمُّت- من دون أن يثير النَّفْرَة الشَّديدة”اهـ.
ثُمَّ يقول “ص58 وما بعدها”: “إذا كان التقدم الأول يتألف من حرمان الآباء والأولاد من العلاقات الجنسية المتبادلة، فإنَّ التَّقَدُّم الثاني يتألف من حرمان الأخوة والأخوات منها.. وقد حدثت هذه الخطوة بالتَّدريج، مبتدئة في أقرب الاحتمالات بحرمان الأخوة والاخوات الطبعيين “أيك من جهة الأم” من العلاقات الجنسية، وذلك في حالات متفردة في أول الأمر، ثم أصبح حرمانهم بالتدريج هو القاعدة، وتنتهي هذه الخطوة بتحريم الزواج حتى بين الأخوة والأخوات الأباعد”.
“في جميع أشكال الأسرة الجماعية لا يعرف من هو والد الولد معرفة أكيدة أمَّا والدته فتعرف معرفة أكيدة”.
“وفي أغلبية الحالات يبدو(5) أنَّ مؤسسة العشيرة قد انبثقت مباشرة من أسرة الشُّرَكَاء” اهـ.
ويقول عن المرحلة التالية، مرحلة الأسرة الزَّوْجِيَّة “ص72، 73 من الترجمة العربية”: “في هذه المرحلة يعيش الرجل الواحد مع امرأة واحدة. لكن تعدد الزوجات والخيانة الزَّوْجِيَّة يظلان من امتيازات الرِّجال، وإن لم يكن تعدد الزَّوْجات يمارس إلا نادرا لأسباب اقتصادية فقط، وفي الوقت ذاته يطلب من المرأة الإخلاص التام طوال فترة العيشة المشتركة، فإذا زنت عوقبت بقسوة.. غير أن رباط الزيجة يمكن حله من قبل أي الطرفين، فيرجع الأولاد إلى أمهم كما كان الأمر في السابق” اهـ.
ثُمَّ يقول عن المرحلة الأخيرة -وهي الأسرة الوحدانية-وهذه “مقتطفات من ص95-102 من الترجمة العربية”: “إنَّ الأسرة الوحدانية مبنية على سيطرة الرجل، وهدفها الصريح إنتاج أولاد لا يشك في صحة أبوتهم، وهذه الأبوة التي لا بد منها لكي يرث الأولاد في يوم ما ثروة أبيهم، بوصفهم ورثته الطبيعيين(6) وتختلف الأسرة الوحدانية عن الأسرة الزَّوْجِيَّة في أن رباط الزَّواج أمتن جدَّاً منها، ولا يعود حله الآن رهنا برضى أي من الطرفين بل يصبح الرجل -كقاعدة عامة- هو وحده الذي يستطيع الآن حل هذا الرباط وتسريح زوجته”.
“كانت الزيجة الوحدانية تقدما تاريخيا عظيما، لكنها في الوقت ذاته دشنت هي والرق والثروة الخاصة “يقصد المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة” ذلك العهد القائم إلى اليوم، الذي يكون فيه كل تقدم تقهقرا نسبيا أيضا، العهد الذي يدرك فيه بعض الناس مصلحتهم وتطورهم بشقاء الناس الآخرين واضطهادهم”.
“كانت الزيجة الوحدانية أول شكل للأسرة مبني لا على أحوال طبيعية “يقصد كتلك التي كانت أيام الشِّيُوْعِيَّة الجنسية” بل على أحوال اقتصادية، أي: على انتصار الملكية الخاصة على الملكية العامة البدائية، الطبيعية النشأة” اهـ.
أمَّا الأسرة في ظل الشِّيُوْعِيَّة، فهي كالدين والأخلاق..
جاء في كتاب “المرأة والاشتراكية” “ص51 من الترجمة العربية”: “يقول “إنجلز” إنَّ العلاقات بين الجنسين ستصبح مسألة خاصة لا تعني إلا الأشخاص المعنيين والمجتمع لن يتدخل فيها، وهذا سيكون ممكنا بفضل إلغاء الملكية الخاصة، وبفضل تربية الأولاد على نفقة المجتمع، وبنتيجة ذلك يكون أساسا الزَّواج الرَّاهنان قد ألغيا. فالمرأة لن تعود تابعة لزوجها ولا الأولاد لأهلهم، هذه التبعية التي ما تزال موجودة بفضل الملكية الخاصة” اهـ.
ويقول “إنجلز” في كتابه “أصل الأسرة” “ص118 من الترجمة العربية”: “فبانتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية عامة لا تبقى الأسرة الفردية هي الوحدة الاقتصادية للمجتمع، وينقلب الاقتصاد البيتي الخاص إلى صناعة اجتماعية، وتصبح العناية بالأطفال وتربيتهم من الشئون العامة. فيعنى المجتمع عناية متساوية بجميع الأطفال سواء كانوا شرعيين أم طبيعيين، وبذلك يختفي القلق الذي يستحوذ على قلب الفتاة من جراء “العواقب” التي هي في زماننا أهم حافز اجتماعي -اقتصادي وخلقي- يعوقها عن تقديم نفسها بلا حرج لمن تحب. أفلن يكون هذا سببا كافيا لازدياد حرية الوصال الجنسي شيئا فشيئا، ومن ثَمَّ لنشوء رأي عام أكثر تساهلا فيما يتعلق بشرف العذارى وعار النساء؟!” اهـ.
كلام صريح لا يحتاج إلى تعليق!

__________
1 في كتاب “المرأة والاشتراكية” ترجمة جورج طرابيشي “ص17 من الترجمة العربية”.

2 في كتاب “أصل الأسرة والملكية الخاصة والدَّوْلَة”: ترجمة أديب يوسف ص56، 57 من الترجمة العربية”.

3  كيف نتثبت إذن؟!

4 الأمر إذن أمر احتمالات.
5 يبدو … يعني أنه ليس مؤكدا!!

6 يقول الماديون إن الوراثة والنسب قبل ذلك كانت عن طريق الأم، وإن الرجل -حين زادت ثروته وزاد نفوذه- قام بانقلاب تاريخي، فحول الوراثة والنسب إلى طريق الأب، ليورث ثروته لأبنائه، فلزمه أن يتأكد من بنوة أبنائه له.

تقويم النظرية المَادِّيَّة

مدخل

المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة كما تبين من العرض السابق شيئان مترابطان في الفكر الشيوعي لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ولا يفهم أحدهما فهما صحيحا بمعزل عن الآخر … والحقيقة أنَّ المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة هي القاعدة التي تقوم عليها المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة، والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة هي التَّطبيق التَّفْصيلي للمادية الجدلية، أو أن العلاقة بينهما تشبه العلاقة بين العظام والأنسجة الحية في الكائن الحي.. لذلك يجدر بنا أن نناقشهما معا مجتمعين، بدلا من أن نناقش كلا على حدته، فنضطر إلى التِّكرار في أكثر من موضع من مواضع الحديث.
وإذا أخذنا نناقش المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والمَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة فيجدر بنا أن نُرَكِّز الحديث على قضايا أساسية معينة، تندرج تحتها القضايا الأخرى كلها. وهذه القضايا الرئيسية هي: التَّفْسِير المادي للخالق، والتَّفْسِير المادي للإنسان، والتَّفْسِير المادي للقيم المحيطة بحياة الإنسان في الأرض.
فإذا اتَّضح لنا وجه الحق في هذه القضايا الرئيسية فإنَّ القضايا الفرعية المترتبة عليها تكون أيسر فهمًا وأقل حاجة إلى النِّقاش.

أوَّلًا: التَّفْسِير المادي للخالق
المادة أزلية أبدية: “لم يكن هناك وقت لم تكن المادة فيه موجودة. ولا يجيء وقت لا تكون فيه موجودة”.
والمادة هي الخالق. هي التي خلقت الحياة والإنسان: “الإنسان نتاج المادة”.
أيُّ شَيْءٍ من صفات الله لم يلحق بالمادة؟ إلا القصد والتَّدْبير والحكمة وإلَهَهُم الذي يدعونه لا حكمة له ولا قصد ولا تدبير!
لا شك أن ماركس وإنجلز وأضرابهما لم يكونوا أول الملحدين في أوروبا، فقد كانت موجة الإلحاد قد تفشت من قبل بين العلماء والمفكرين من جراء مفاسد الكنيسة وعبثها بدين الله.
ومن قبل قال “داروين”: “إنَّ الطَّبِيعَةَ تَخْلُقُ كُلَّ شَيْءٍ ولا حَدَّ لقُدْرَتِهَا على الخَلْقِ”. وقال: “إنَّ الطبيعة تخبط خبط عشواء”!
ومذهب عبادة الطبيعة -لا يزيد كما أشرنا من قبل- على أن يكون مهربا وجدانيا من إله الكنيسة الذي تستعبد الناس باسمه وتستذلهم وتبتز أموالهم وتحجر على عقولهم وأفكارهم، إلى إِلَهٍ آخر له معظم خصائص الإِلَهِ الأول، ولكن ليست له كنيسة ولا التزامات. وعباده أحرار فيما يصنعون بأنفسهم لا سلطان لأحد عليهم، إلا الهوى والشَّهوات!
ولكن “الطبيعة” على أي حال كانت تمثل في وجدان عُبَّادَها شيئا حيا، مبهما غير محدد السِّمات، يرون “مظاهره” في الجبال والأنهار والأشجار والأزهار والمطر والرياح والبرق والرعد والإنسان والحيوان.. أما القدرة على الخلق وإعطاء كل شيء صورته التي هو عليها، وتنسيق وظائف كل كائن بما يلائم ظروفه..إلى آخر تلك الصِّفات التي هي في حقيقتها صفات الخالق {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (1) فقد كانت تُضْفِي على الطبيعة بصورة أقرب إلى خيال الفن منها إلى واقعية الفكر فضلا عن واقعية العلم.. صورة سحرية مبهمة غامضة لا تستطيع أن تُمْسِكَ بها أو تحددها، وكلما حاولت تحديدها أفلتت منك؛ لأنَّها بطبيعة الحال وَهْمٌ لا حقيقة له، وَعُبَّادَها أنفسهم لم يخرجوها من دائرة الوَهْمِ إلى نور الفكر المحدد للسمات والصفات.
ورغم أنَّ الكلمة جرت على ألسنة العلماء كأنَّها حقيقة فلا شك أنَّها كانت عندهم -كما كانت عند غيرهم- مهربا وجدانيا أكثر مما هي عقيدة حقيقية.
كانت وثنا يلجئون إليه؛ يلقون إليه بحيرتهم ودهشتهم كلما فاجأهم سر من أسرار الكون العجيبة التي تشهد أن لا إله إلا الله … فيهربون عنده من الإقرار بما يجول في صدورهم لا يريدون الإقرار به حتى في سرهم وخلوتهم مخافة أن تحلق بهم الكنيسة فتوقعهم في قبضتها! ويحسبون أن الاحتماء بهذا الوثن سيخلصهم من حيرتهم وينقذهم منها؛ وهيهات!
{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (2).
ولو أنهم كاشفوا أنفسهم بدلا من مغالطة أنفسهم بالوهم، لسألوا أنفسهم هذا السؤال البدهي القريب: ما الطبيعة على وجه التحديد؟ وأين تكمن قدرتها على الخلق؟ في أي مكان منها؟ أم ليس لهذه القدرة مكان ولا حيز؟
فإذا لم تكن محسوسة ولم يكن يحدها المكان ولا الحيز، وكانت “غيبا” لا تدركه الأبصار، إنما تدرك آثاره فقط ومظاهره، فما الذي يبرر في منطق العقل أن نعدل عن الاسم الحقيقي، اسم الله، ونلجأ إلى مسميات ما أنزل الله بها من سلطان؟ أو -إن كان الله في منطق الإلحاد لا حقيقة له- فما الذي يبرر -في منطق العقل أو منطق العلم- أن يقول قائل إنَّه ليس حقيقة حين يكون اسمه الله جلال جلاله، ثم يكون هو ذاته حقيقة حين يكون اسمه “الطبيعة”؟!
أهو الخوف من الكنيسة وطغيانها؟
أو هو البغض لها والحقد عليها؟
فليكن!
فلنهجر الكنيسة ونفر منها إلى الله الحق، وهو إِلَهٌ لا كنيسة له في الحقيقة ولا رجال دين!
ولكن أوروبا الجاهلية لم تُرِدْ أن تدخل في الإسلام، ففرت من جاهلية الكنيسة إلى جاهلية لا تقل سوءًا ولا انحرافًا … إن لم تكن أشد!
هذه هي الطبيعة التي “تَخْلُقُ كُلَّ شَيْءٍ ولا حَدَّ لقُدْرَتِهَا على الخَلْقِ”، والتي “تخبط خبط عشواء” لم تكن قط في يوم من الأيام “حقيقة علمية” إنما كانت مهربا من أزمة فكرية روحية في ذات الوقت. واجهت أوروبا وحدها -لظروف محلية عندها- ولم تواجه الفكر البشري في مجموعه ولا الضمير البشري!
أما المادة الأزلية الأبدية الخالقة فما قصتها؟
وكيف نناقشها مناقشة “علمية”؟!
دع جانبا ما صار يعلمه صغار الطلاب في المدارس من أنَّ القول بأنَّ “المادة لا تفنى ولا تُسْتَحْدَث” لم يعد صحيحا من الوجهة العلمية، وهو القول الذي تصيدوه تَصَيُّدَاً في نهاية القرن الماضي ليبنوا عليه تفسيرا “علميا! ” للكون والحياة والإنسان، ولقضية الألوهية كذلك!
ودع جانبا ما صار يعلمه طلاب الجامعات من البحوث الجيولوجية والفيزيائية من أنَّ الكون المادي “حدث” ذات يوم ولم يكن موجودًا من قبل، وأنَّ عمر هذا الكون المادي في سبيله أن يحدَّد تحديدا علميا دقيقا على ضوء المعلومات التي ترسلها الأقمار الصناعية التي تدور حول الشمس وغيرها من الأفلاك.
دع ذلك جانبا؛ فلم يكن “ماركس وإنجلز ولينين” مطالبين بثقافة علمية أكبر من ثقافة عصرهم الذي وجدوا فيه(3). ولكنهم مسئولون ولا شك مسئولية كاملة عن تلك الفرية التي لا يقوم عليها أي دليل علمي، وهي أنَّ المادة هي التي تخلق، وأنَّ من بين خلقها الإنسان!
ما الدليل العلمي على هذه الفرية؟
متى شوهدت المادة وهي تخلق؟ وكيف تخلق؟!
يقول “N” عالم الطبيعة: “فالمنطق الذي نستطيع أن نأخذ به، والذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك هو أنه ليس هنالك شيء مادي يستطيع أن يخلق نفسه”(4).
إنَّ المؤمنين بالله ورسله يقولون: “إنَّ الله ينشئ الخلق من العدم، وإنَّه يقول للشيء كن فيكون، وهم لا يزعمون أنَّهم يدركون الكيفية التي يخلق الله بها الخلق، ولكنهم لا يقولون إنَّ الله مادة، وإنَّ المادة تخلق المادة؛ لأنَّ هذا خبل لا يقوله عاقل.
إنَّ المؤمنين بالله ورسله لم يروا الله جهرًا؛ لأنَّه سبحانه وتعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (5) ولكنهم رأوا من آثار قدرته ما يدل عليه:
{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (6).
{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (7).
ورأوا من آثار هذه القدرة ما يدلهم على أنَّه إله مقتدر، حكيم مدبر، لا يخلق شَيْئًا عبثًا، ولا يخلق شَيْئًا بالباطل …
{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} (8).
{وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} (9).
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (10).
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} (11).
والشِّيوُعِيِّون لا يؤمنون بذلك كله، فلا نحاسبهم بمنطق الإيمان لكنَّا نحاسبهم بمنطق “العلم” الذي يزعمون أنهم يقيمون عليه نظرياتهم وتطبيقاتهم كلها جميعا!!
أي منطق وأي علم يقول إنَّ المادة يمكن أن تخلق المادة؟!

بل أي منطق وأي علم يقول إنَّ الخالق -أيا كان هو- يمكن أن يخلق ما هو أرقى منه؟ وكيف يسيطر المخلوق على الخالق؟!
يقولون إنَّ الإنسان نتاج المادة! فكيف نتج عن المادة؟ من الذي أنتجه؟ وكيف استطاع -وهو ناتج عن المادة- أن يسيطر عليها ويتحكم فيها؟!
وإذا قلنا إنَّ المادة “تطورت” فأصبحت مادة حَيَّة، ثم تطورت فصارت إنسانا، فهل هذا يحل الإشكال من الوجهة العلمية؟!
كيف تطورت؟! ما الذي جد على طبيعتها -فجأة- فتطورت إلى مادة حية بينما هي كانت -في زعمهم- موجودة على صورتها منذ الأزل؟! وحين تطورت فلماذا لم تتطور كلها إلى مادة حية، لماذا بقيت كميات هائلة من المادة لم تتطور من قبل ومن بعد؟! ولماذا حدث التطور في اتجاه الحياة بالذَّات؟ ولماذا حدث مرَّةً واحدة ثُمَّ تَوَقَّف، فلم تعد ذرة واحدة من المادة الجامدة تتحول إلى خلية حية مهما بذل معها من التجارب ومهما تغيرت من حولها الظروف؟
وحين تطورت المادة الحية -تلقائيا! – فأصبحت -في أعلى حالات تطورها- إنسانا فلماذا توقفت في التطور عند الإنسان ولم تتطور إلى ما هو أعلى منه، مع أنَّ التَّطَوُّر -في زعمهم- قانون من قوانين المادة، والقوانين لا تتوقف عن العمل، وإلا فهي ليست قوانين.

ومن ناحية أخرى كيف تسنَّى للمادة المتطورة -التي هي الإنسان- أن تسيطر وتتحكم في المادة التي نتجت عنها مع أنَّ هذا ليس من قوانين المادة! فالقانون -المزعوم- هو تطور المادة وليس سيطرة المتطور من المادة على غير المتطور منها!
وهكذا نصل -علميا- إلى ذات الطريق المسدود سواء سرنا مع المادة الأزلية الأبدية عن طريق الخلق أو طريق التَّطَوُّر الذَّاتي، ولا نجد هذا “العلم” يفسر لنا شيئا على الإطلاق!
إننا لن نستطيع -مهما حاولنا- أن نمسك بهذا الهراء لنضعه على مائدة البحث العلمي؛ لأنه لا يتماسك حتى يوضع على مائدة البحث! وإنما نستطيع أن نفهمه في حالة واحدة. إذا أخرجناه تماما من دائرة العلم، ونظرنا إليه من زاوية الهدف المقصود منه، وسنجد أن هذه هي الوسيلة الصحيحة والميسرة.

لفهم كل “معطيات” المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والتَّفْسِير المادي للتاريخ، إنها -في الغالبية العظمى منها- ليست منطقية في ذاتها ولكنها منطقية مع الهدف المقصود منها. أي: إنَّ النَّتِيجَةَ المطلوبة توضع أوَّلًا، ثم تساق الأدلة إليها سوقا وتحشر إلى جانب بعضها البعض حَشْرَاً، سواء كانت متناسقة أو متنافرة، وسواء كانت مؤدية بالفعل إلى النتائج المطلوبة أم غير مؤدية! إنما تلوى رقاب الأدلة ليا لتؤدي -بالقوة- إلى الهدف المطلوب، ثم يقال للناس إنَّها نظرية “علمية” وتفسير “علمي”!
المطلوب أولا هو نشر الإلحاد الكامل الذي لا رجعة منه، وإزالة أي أثر من آثار الدِّينِ الذي يمكن أن يكون مندسا هنا أو هناك، وإزالة أي أثر لتوقير “الخالق” من النُّفُوس.
فحتى تسمية الخالق بالطبيعة -وهو المهرب الذي هربت به أوروبا من إله الكنيسة كما أشرنا من قبل- لم يبد كافيا في نظر المخططين لاستحمار الأمميين، وكان في حاجة إلى خطوة “تقدمية” أخرى تتقدم به نحو الهدف المطلوب.
__________
1 سورة طه: 50.

2 سورة النمل: 14.

3 العجيب هو إصرار أتباعهم على الأقوال المزيفة بعد أن أثبت العلم بطلانها!
4 من كتاب “الله يتجلى في عصر العلم”ص41.
5 سورة الأنعام: 103.

6 سورة الأنعام: 95-99.
7 سورة النمل: 60-64.
8 سورة الملك: 3.
9 سورة الرعد: 8.
10 سورة ص: 24.
11 سورة المؤمنون: 115.

فمع الإلحاد المتمثل في نفي الخلق عن الله ونسبته إلى الطبيعة كانت ما تزال هناك “وجدانات” تنبض تجاه ذلك الخالق تخرج أحيان في صورة فن، وأحيانا في صورة توقير لقوة أعلى من الإنسان. ويخشى إذا بقيت الأمور عند هذا الحَدِّ أن تتعقل البشرية ذات يوم وتكف عن مغالطة نفسها، وتعود إلى الله(1).
ولكن يراد إزالة هذه البقية الباقية تمامًا … فيتحول الخالق إلى مادة … ويقال للناس: لا إله! والكون مادة!
فإذا انتفى وجود الله تماما -بزعمهم- ولم يعد هناك إلا المادة؛ فالمادة لا تثير الوجدان ولا تستحق التوقير، ومن ثَمَّ يتخلصون من ذلك العدو المرهوب، الذي لا يخافون من شَيْءٍ على الإطلاق خيفتهم منه.. ألا وهو الدين!
والمطلوب ثانيا -كما سنرى في الحديث عن القضية الثانية- هو تحقير الإنسان وإزالة الكرامة عنه، فإنَّه إذا أحس بكرامته فسيصعب ركوبه كما تُرْكَبُ الحمير؛ لأنه سيكون معتزا بإنسانيته غير قابل للانسياق كالدواب.
ووسائل التحقير كثيرة كما سنراها في القضية الخاصة بالتَّفْسِير المادي للإنسان.. ولكن في مقدمتها جميعا نفي الخلق عن الله سبحانه وتعالى -ونفي وجود الله في الحقيقة- وجعل “الخالق” أو “المنتج” للإنسان هو المادة.
إنَّ الإنسان يستمد وجوده من إلهه وخالقه، ويستمد قَدْرَه من قَدْرِ ذلك الإله.
فحين يكون الخالق المعبود هو الله الحكيم المقتدر يكون الإنسان رفيع القدر بتكريم الخالق له -سبحانه- ومستعليا بالإيمان بخالقه العلي العظيم، أَّما حين يتدنى الخالق حتى يصبح هو المادة، فإنَّ الإنسان يَتَدَنَّى معه حتى يصل أسفل سافلين!
وقد هبطت البشرية هبوطا مستمرا منذ تفلتت من عبادة إلهها وخالقها، وكانت -حين نفت الخلق عن الله ونسبته إلى الطبيعة- قد بلغت مستوى كبيرا من الهبوط، ولكنه لم يكن كافيا في نظر المخططين بكل ما فيه من حيوانية وتبذل خلقي؛ فأرادوا له مزيدا من الهبوط، فهبطوا بالإله الخالق دركات حتى جعلوه هو المادة، وجعلوا الإنسان نتاج تلك المادة، فأي كرامة تبقى لهذا المخلوق -حتى في حس نفسه- حين يعرف أنَّه من نتاج المادة أو أنَّه نتاج تطور المادة؟ لا كرامة ولا آدمية … وهذا هو المطلوب!
ولسنا نحن بحمد الله في حاجة إلى أقوال البشر نستدل بها على وجود الله وعلى وحدانيته، فعندنا كتابنا الذي نؤمن به، هو حسبنا في كل قضية من قضايا الحياة، وقد بسط القرآن قضية الألوهية بسطًا لا يحتاج إلى تَدَبُّرِه بعقل مفتوح وقلب مفتوح.
ولكنا مع ذلك نأخذ شهادة على البشرية الضَّالة من علمائها في هذا القرن الذي نعيش فيه.
يقول: “رسل تشارلز إرنست” أستاذ الأحياء والنبات بجامعة فرانكفورت بألمانيا:
“لقد وُضِعَت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات، فذهب بعض الباحثين إلى أنَّ الحياة قد نشأت من البروتوجين، أو من الفيروس أو تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة، وقد يخيل إلى بعض الناس أنَّ هذه النظريات قد سَدَّت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات.. ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أنَّ جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية قد باءت بفشل وخذلان ذريعين.. ومع ذلك فإنَّ من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدَّلِيلُ المباشر للعالم المطَّلع، على أنَّ مجرد تَجَمُّع الذَّرات والجزئيات من طريق المصادفة يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصُّورة التي شاهدناها في الخلايا الحية. وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التَّفْسِير لنشأة الحياة. فهذا شأنه وحده! ولكنه إذ يفعل ذلك، فإنَّما يُسَلِّم بأمر أشد إعجازًا أو صعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله، الذي خلق الأشياء ودَبَّرَها.
“إنَّني أعتقد أن َّكل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقيد درجة يعصب علينا فهمها، وأنَّ ملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق، ولذلك فإنَّني أؤمن بوجود الله إيمانا راسخًا” اهـ(2).
ويقول: “إيرفنج ويليام”(3):
“إنَّ العلوم لا تستطيع أن تفسر لنا كيف نشأت تلك الدَّقَائق الصَّغِيرة المتناهية في صغرها، والتي لا يحصيها عَدٌّ، وهي التي تتكون منها جميع المواد، كما لا تستطيع العلوم أن تفسر لنا -بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها- كيف تتجمع هذه الدَّقَائق الصَّغِيرة لكي تُكَوِّن الحياة … ” اهـ(4).
ويقول: “ألبرت ماكومب ونشستر” المتخصص في علم الأحياء: “ولقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء، وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدراسة الحياة، وليس بين مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون.
“انظر إلى نبات برسيم ضئيل وقد نما على أحد جوانب الطريق، فهل تستطيع أن تجد له نظيرًا في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرَّائعة؟ إنَّه آلة حية تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النَّهار، بآلاف من التَّفاعلات الكيماوية والطبيعية، ويتم ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية.
“فمن أين جاءت هذه الآلة الحية المعقدة؟ إنَّ الله لم يصنعها هكذا وحدها. ولكنه خلق الحياة، وجعلها قادرة على صيانة نفسها، وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل، مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعيننا على التمييز بين نبات وآخر … إن دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الأحياء وأكثرها إظهارًا لقدرة الله”(5).
__________
1 عاد بعض علماء الجاهلية المعاصرة بالفعل كما سيجئ بعد قليل.

2 من مقال “الخلايا الحية تؤدي رسالتها” من كتاب “الله يتجلى في عصر العلم” ص77.
3 “دكتوراه من جامعة أيووا وإخصائي وراثة النباتات، وأستاذ العلوم الطبيعية بجامعة ميتشجان”.

4 ص52 من كتاب “الله يتجلى في عصر العلم”.
5 ص105، 106 من المصدر السابق.

ثانيا: التَّفْسِير المادي للإنسان
بعد أن فرغنا من قضية مادية الخالق نتحدث عن قضية مادية الإنسان، وذلك لازم لنا قبل أن نناقش التَّفْسِير المادي لمختلف نواحي النشاط الإنساني ومجالات حياته، كالدين، والأسرة، والقيم المعنوية، والمبادئ الفكرية، والنظم والمؤسسات.
ولا شَكَّ أن الماديين قد تأثروا بالداروينية في تصويرها المادي الحيواني للإنسان، أو هم في الحقيقة قد استغلوا النظرية -إذ وجدوها صالحة للاستغلال- في تشويه صورة الإنسان الكريمة العالية الوضيئة المشرقة، وتصويره في صورة هابطة تخدم أغراض المخطط الشرير، إذ تحجب عن الإنسان مجالات رفعته وإشراقه، وتوحي إليه بالهبوط فيهبط، وتنطمس بصيرته فيصبح كما يريدون.
ولكن الحقيقة أن “داروين” نفسه -رغم نفيه الخلق المباشر للإنسان على صورته الإنسانية، وإلحاقه إياه بسلسلة التطور الحيواني- لم يهبط به إلى المستوى الذي وضعته فيه المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والتَّفْسِير المادي للتاريخ، وأنَّ هذا التَّفْسِير إنما هو خطوة “تَقَدُّمِيَّة” في المخطط الهادف إلى استحمار البشرية كلها للشعب المختار!
كان الإنسان عند “داروين” كائنا حيا تطور عن القردة العليا مع فاصل تَطَوُّرِي تَصَوَّرَهُ ولم يعثر عليه فسَمَّاه الحلقة المفقودة، وهي الحلقة الوسيطة بين القرد والإنسان، كما كان الإنسان عنده متأثرا بالبيئة المَادِّيَّة في تطوره من الحالة القردية إلى الحالة الإنسانية؛ لأنَّ ظروف البيئة المَادِّيَّة هي التي أحدثت سلسلة التطور من أول الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان.

لكنه لم يكن قط في التصور الدارويني مادة، ولا كانت قوانين المادة منطبقة عليه، فمنذ تحولت المادة الميتة إلى مادة حية -بصورة لم يشأ “داروين” أن يتعرض لها، بل تهرب منها لكيلا تلجئه إلى الاعتراف بالإرادة الإلهية في إخراج الحي من الميت- منذ ذلك الحين صارت لها قوانين خاصة تحكمها غير قوانين المادة الميتة، هي قوانين الحياة.
وكانت تلك بديهية عند “داروين” وعند الناس جميعًا، لا يخالجهم فيها شَكٌّ؛ لأنها أوضح من أن يثور فيها الشك، ولئن كان “داروين” قد رد الإنسان إلى المرتبة الحيوانية “على أساس جسده” مُغْفِلًا تَفَرُّد الإنسان(1) فإنَّه على أي حال قد ارتفع بالكائنات الحية جميعا بما فيها الإنسان -بل في قمتها- عن مجال المادة، وجعل مجال الحديث عنها هو علم “الحياة” الذي يختلف اختلافا بينا عن علم “المادة”.
أما التَّفْسِير المادي للتاريخ فلم يشأ أن يقف بالإنسان -في الهبوط- عند مرحلة الحيوانية التي أوقفه فيها داروين، إنما دفعه دفعات أخرى إلى أسفل، ليتردى في مهاوي المَادِّيَّة الحالكة حيث يعود إلى التراب، صرفا بغير روح؛ ويصبح قانونه هو قانون التراب.
حقيقة العالم تنحصر في ماديته، والإنسان نتاج المادة، فإذا قيل: وما الفكر؟ فالفكر نتاج الدِّماغ، والدِّماغ مادة!!
منطق “علمي” عجيب، غاية في العجب في الحقيقة!
فلتكن حقيقة العالم منحصرة في ماديته كما كان العلم النَّاقص يقول على أيام “ماركس وإنجلز ولينين” قبل تفجير الذَّرة واستخلاص “الطاقة” من داخلها … فما صلة ذلك بالإنسان؟!
الكون المادي مادة، والحياة حياة، والإنسان إنسان!
وليكن الدِّماغ مادة … فهل كل مادة تنتج الفكر؟!
وإذا كان الأصل في الفكر هو مادة الدِّماغ، فهل يختلف مخ الطفل الوليد عن مخ الإنسان النَّاضِج، من حيث تركيبه “المادي”؟! فلماذا لا يفكر الطفل بينما يفكر الإنسان النَّاضِج؟ ولماذا يفكر الطفل -حين يبدأ يفكر- على نحو مختلف عن تفكير الإنسان النَّاضِج من جميع الوجوه؟ هل هناك عناصر “مادية” تضاف إلى مخ الطفل فيصبح مخ إنسان نَاضِج؟ وما تلك العناصر على وجه التَّحديد؟!
وأمخاخ الناس جميعهم -من حيث التركيب المادي- متشابهة إن لم تكن متماثلة … فلماذا يختلف تفكير شخص عن شخص آخر اختلافا تاما مع عدم وجود اختلاف في “المادة” التي يصدر عنها هذا الفكر وذاك؟!
وحين يكون الإنسان متدينا ثم يصبح شيوعيا -مثلا- فهل تتغير “مادة” مخه، بحيث لو كشفنا على مخه لأبصرنا تغيرا معينا ملموسا طرأ عليه فاسْوَدَّ -مثلا- بعد ابيضاض، أو زادت فيه كمية النحاس ونقصت كمية الفوسفور؟!
أي سخف في هذا “العلم” يبعث الغثيان!
والشِّيُوْعِيَّة تقول: إنَّ الإنسان سيد هذا الكون(2)، فكيف يخلق الكون سيده؟! كما تساءلنا من قبل، ثم كيف يكون السيد من نفس مادة المسود بلا زيادة؟! ما الذي يجعله سيِّدَاً إذن إذا كان من نفس التركيب؟!
إنَّ المؤمنين بالله ورسله يؤمنون بأنَّ الإنسان من مادة هذا الكون:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} (3).
{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} (4).
ولكنهم يؤمنون بأنَّ هناك شيئًا آخر غير الطين هو الذي جعل الإنسان إنسانا وميزه على بقية الخلق. ذلك هو النَّفْخَةُ العلوية فيه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (5).
فإذا جَرَّدَهُ الشِّيوُعِيِّون من نفخة الروح وجعلوه طينا فحسب، فكيف يفسرون سيادة الطين على الطين، أو سيادة جزء من المادة على بقية المادة المماثلة لها تماما في التركيب؟!
وكيف يكون هذا منطقا “علميا” تبنى عليه نظرية علمية وتفسير علمي للحياة البشرية؟!
وهل حدث خلاف ألوف الملايين من السنين أن خرجت قطعة من المادة فَسَوَّدَتْ نفسها أو زعمت لنفسها سيادة على بقية المادة المتفقة معها في جوهرها وأعراضها؟
أم لا بد بداهة أن تكون قطعة المادة التي سودت نفسها أو منحت السيادة على بقية المادة، متميزة في تركيبها عن بقية المادة وزائدة عنها بنوع من الزيادة أيا كان؟
فإذا كان ذلك كذلك فكيف تكون قوانين المادة العادية منطبقة بحذافيرها على قطعة المادة التي تميزت عنها في تركيبها وزادت عليها زيادات؟
أليست الزيادة التي اقتضت التَّمَيُّز والسِّيادة -أيا كان نوعها- تقتضي أن يكون لها معاييرها الخاصة وقوانينها الخاصة؟
وهل يكفي أن يقول الإنسان بلسانه -كما يقول التَّفْسِير المادي للتاريخ- إنَّ الإنسان هو أعلى “تطور” حدث في عالم المادة، إذا كان سيعود فيلغي هذا “التطور” ويعامل الإنسان بقانون المادة البحت بلا تغيير؟
ما قيمة التطور إذن -إذا سلمنا جدلا بأنَّ الإنسان مادة متطورة- بل ما قيمة “أعلى درجات التطور” إذا كنا سنعود فنعامل المادة المتطورة بقوانين المادة غير المتطورة؟
وما هذه الحيرة والبلبلة: مرة نعامل الإنسان على أنَّه أعلى درجات التَّطور في عالم المادة، ومرة نعامله بقوانين الطين مجردة عن كل زيادة. أم هذا هو “الإنسان الطيني” الذي يصفه ويتكلم عنه التَّفْسِير المادي للتاريخ!
انطباق قوانين المادة الجامدة على الإنسان أسطورة “علمية” غير مسبوقة في تاريخ الفكر البشري، تسجل “براءة” اختراعها والحَقُّ يقال للماديين الشيوعيين، وإن كانت لا تحمل “براءة” على الإطلاق!
إنَّها مجرد هراء يتلبس بزي علمي مزيف، لا يمكن تفسيره إلا إذا أخرجناه تماما من دائرة العلم، ونظرنا إليه من زاوية الهدف المقصود منه كما أسلفنا من قبل ونحن نتحدث عن التَّفْسِير المادي للخالق.
والمقصود -من ناحية- هو مسخ الإنسان وتشويهه والهبوط به إلى الدَّرْكِ الأسفل -أسفل درك يمكن أن يصل إليه- ليتحقق المخطط الكبير، مخطط استحمار الأمميين لحساب الشعب المختار.

والمقصود -من ناحية أخرى- هو القول بأنَّ هناك متناقضات متصارعة في حياة البشر على الأرض، وأن صراع المتناقضات سيؤدي في النهاية -عن طريق التطور الحتمي- إلى الشِّيُوْعِيَّة “وهي آخر مخترعات المخطط اليهودي بعد الديمقراطية الليبرالية الرَّأْسِمَالِيَّة لاستحمار الأمميين ووضعهم بصورة نهائية في قبضة الشعب المختار”.
فإذا كان هذا هو المقصود، فلنقل إذن إنَّ الإنسان مادة، وإنَّ التَّنَاقضَ والتَّطور من قوانين المادة، وإنَّ قوانين المادة تنطبق على الإنسان، وإنَّ التَّنَاقضَ وصراع المتناقضات حادث في عالم الإنسان، ومؤد في النهاية -عن طريق التطور الحتمي- إلى الشِّيُوْعِيَّة!
وهي كما ترى لفة طويلة ما كان الشِّيوُعِيِّون أنفسهم في حاجة إليها -حتى وهم يريدون أن يسوقوا الناس سَوْقَاً إلى الشِّيُوْعِيَّة- فقد كان يكفيهم لهدفهم الأخير أن يقولوا إنَّ الحياة البشرية مليئة بالمتناقضات التي يصارع بعضها بعضا، وإن هذا الصِّرَاع لا بد أن يؤدي في نهاية المطاف إلى غلبة الشِّيُوْعِيَّة وتَحَوُّل البشرية كلها إليها.
كان هذا يكفي … لولا أنَّ الهدف الأوَّلِ -كما قلنا- هو مسخ الإنسان والهبوط به إلى الدرك الأسفل، فلزم أن يلحق الإنسان بالمادة ويرتبط بقوانين المادة خشية أن ينفلت ذات يوم من القبضة الشِّرِّيرة إذا بقيت له صفة الآدمية، ومن صفات الآدمية حرية الاختيار، ولا حتى لا يرتفع رأس واحد من بين الأمميين يقول “أنا إنسان”!
وهذا هو المنطق الحقيقي الذي يفسر التَّفْسِير المادي للتاريخ، حيث يعجز أي تفسير علمي عن تفسير هذا التَّفْسِير!
إذا فهمنا ذلك “السِّر” لم يعد يَكْرِثُنا كثيرا أن نناقش قضية التَّفْسِير المادي “للإنسان” مناقشة موضوعية

مطولة. لكنَّا نقول فقط إنَّ “إنسانية” الإنسان لا ماديته ولا حيوانيته، أظهر من أن يجادل فيها المجادلون … ولكنه الهوى الذي يتخذ الزِّي العلمي المزيف: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} (6).
ولقد كان داروين هو الذي وجه اللطمة الكبرى لإنسانية الإنسان حين زعم إنَّه حيوان، وأنَّه نهاية سلسلة التطور الحيواني بلا زيادة، فاليوم ينقض العلم الدارويني ذاته مقالة داروين، ويؤكد على إنسانية الإنسان.
__________
1 أثبتت الداروينية الحديثة Neo-Darwinism “كما سيجيء في أثناء المناقشة تفرد الإنسان حتى من الناحية البيولوجية البحتة التي خدعت داروين فجعلته يلحق الإنسان بعالم الحيوان.

2 يقول الشِّيوُعِيِّون ذلك لا إيمانا حقيقيا بتلك الحقيقة، ولكن لينفوا فقط ألوهية الله لهذا الكون وكل ما فيه بما في ذلك الإنسان، فإذا أخرجوا الإنسان -بزعمهم- من مجال العبودية الله بقولهم إن الإنسان سيد هذا الكون، عادوا فردوه أسفل سافلين، تحكمه “الحتميات” وتمرغه المادة في الوحل! ولكننا نأخذهم بكلامهم على أي حال!
3 سورة الحجر: 26.
4 سورة ص: 71.
5 سورة ص: 71، 72.

6 سورة المؤمنون: 71.

يقول “جوليان هكسلي”(1): “وبعد نظرية داروين لم يعد الإنسان مستطيعا تجنب اعتبار نفسه حيوانًا، ولكنه بدأ يرى نفسه حيوانًا غريباً جدَّاً. وفي حالات كثيرة لا مثيل له، ولا يزال تحليل تفَرُّد الإنسان من الناحية البيولوجية غير تام”.
“وأولى خواص الإنسان الفَذَّةِ وأعظمها وضوحا، قدرته على التفكير التصويري، وإذا كنت تفضل استخدام عبارات موضوعية، فقل: استخدامه الكلام الواضح..
“ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة، وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة”.
“ومن أهم نتائج تزايد التقاليد -أو إذا شئت- من أهم مظاهره الحقيقية ما يقوم به الإنسان من تحسين فيما لديه من عِدد وآلات..”.
“وإنَّ التَّقاليد والعدد لهي الخواص التي هيأت للإنسان مركز السِّيادة بين الكائنات الحية … وهذه السِّيَادَة البيولوجية في الوقت الحاضر خاصية أخرى من خواص الإنسان الفَذَّة.. ولم يتكاثر الإنسان فحسب، بل تطور، ومد نفوذه، وزاد من تنوع سبله في الحياة”.
“وهكذا يضع علم الحياة الإنسان في مركز مماثل لما أنعم به عليه كسيد المخلوقات، كما تقول الأديان. ومع ذلك هناك فروق، وفروق هامة الشَّيْءِ، بالنسبة لنظريتنا العامة، فمن وجهة النظر البيولوجية لم تخلق الحيوانات الأخرى لخدمة الإنسان، ولكن الإنسان تطور بصورة مكنته من التَّخلص من بعض الأنواع المنافسة، ومن استعباد أنواع أخرى بالاستئناس، ومن تعديل الأحوال الطبيعية والبيولوجية في معظم أجزاء اليابس من الكرة الأرضية، ولم تكن وجهة النظر الدينية صحيحة في تفاصيلها أو في كثير مما تضمنته ولكن كان لها أساس جيولوجي متين”.
“ولقد أدى الكلام والتقاليد والعدد إلى كثير من خواص الإنسان الأخرى، التي لا مثيل لها بين المخلوقات الأخرى … ومعظمها واضح معروف. ولذلك أرى عدم التعرض لها حتى أنتهي من التحدث عن الخواص غير المعروفة كثيرًا؛ لأنَّ الجنس البشري -كنوع- فريد في صفاته البيولوجية الخالصة، ولم تلق تلك الصِّفات من العناية ما تستحق سواء من وجهة نظر علم الحيوان. أو من وجهة نظر علم الاجتماع”.
” … وأخيرًا فإنَّ الإنسان لا مثيل له بين الحيوانات الرَّاقية في طريقة تطوره”.
” … وإن خاصية الإنسان الجوهرية ككائن حَيٍّ مسيطر لهي التفكير المعنوي”.
” … يجب ألا يعزب عن بالنا أنَّ الفرق بين الإنسان والحيوان في العقل أعظم بكثير مما يظن عادة”.
” … ولهذه الزيادة في المرونة نتائج أخرى -سيكولوجية- يتناساها رجال الفلسفة العقلية … والإنسان فريد أيضًا في بعضها، وقد أدَّت هذه المرونة مثلًا إلى حقيقة إَّن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي لا بد أن يتعرض للصِّراع النفسي”.
” … وفي الحقيقة إنَّ منع النِّزاع بين طرق العمل المتعارضة لظاهرة عامة جدَّاً، وذات منفعة بيولوجية، وهي ليست إلا خاصية العقل البشري الذي مَكَّن الإنسان من التَّخلص من هذا النزاع”.
” … وعندما نصل إلى المستوى الإنساني نجد تعقيدات جديدة؛ لأن من خصائص الإنسان كما رأينا التَّغلب على شِدَّةِ الغريزة..”.
” … وهذه الخواص التي امتاز بها الإنسان -والتي يمكن تسميتها نفسية أكثر منها بيولوجية- تنشأ من خاصة أو أكثر من الخواص الثلاث الآتية:
الأولى: قدرته على التفكير الخاص والعام.
الثانية: التوحيد النسبي لعملياته العقلية بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان.
الثالثة: وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأُمَّة والحزب والكنيسة “الجماعة الدينية” وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها”.
” … ولكن لا يكفي هنا أن نحصي بعض أوجه النشاط … ففي الحقيقة أن معظم أوجه نشاط الإنسان وخواصه نتائج ثانوية لخواصه الأصلية، ولذلك فهي مثلها فذَّة من النَّاحية البيولوجية”.
“ثُمَّ إنَّ التَّخَاطُب والألعاب المنظمة والتعليم والعمل بأجر وفلاحة البساتين والمسرح والضمير والواجب والخطيئة والذِّلَّة والرَّذِيلَة والنَّدَم. كلها نتائج ثانوية “لخصائصه الأصلية” والصُّعوبة في الواقع هي إيجاد نشاط للإنسان لا يكون فريدًا. بل إنَّ الصِّفات الأساسية البيولوجية مثل الأكل والنَّوْم والاختلاط الجنسي زَيَّنَها الإنسان بكل المُحَسِّنَات الفريدة”.
“وقد يكون لتفرد الإنسان نتائج ثانوية أخرى لم تستغل بعد.. وبذلك قد يكون الإنسان فريدًا في أحواله أكثر مِمَّا نظن الآن” اهـ(2).
ويقول “رينيه دوبو”(3): “وأكثر السُّلوك في الحيوانات بما فيها العليا غريزي لا صلة له بالعقل والحِجَى، ومن النادر -إن لم يكن من المستحيل- أنْ تجد هذا السلوك متوجها نحو المستقبل البعيد الذي يحاول الحيوان التكهن به والسعي لإيجاده، وبالمقابل فإنَّ ردود فعل الإنسان لأكثر الإشارات المحيطية تتأثر بعمق بتكهناته عن المستقبل، سواء كانت هذه التكهنات مبنية على الخوف أو الحقائق المعلومة أو الرغبة في الإنجاز، أو فقط على الآمال الحالمة، والحقيقة أنَّ ميل الإنسان لتخيل الأشياء التي لم توجد بعد، أو التي لن تقع بدون إرادة وعمل حُرٍّ يقوم به، هي الناحية البارزة التي تميزه بوضوح تام عن الحيوان، وهي التي تسهم كثيرًا في تعقيد بنيته النَّفسية التي أَعْيَت الأطباء”.
“ومن أبرز النواحي المميزة للإنسان ميله للسمو على الدوافع البيولوجية البسيطة، فعنده الاستعداد لتحويل العمليات العادية في وجوده إلى أعمال وأعراض ومطامح ليس لها ضرورات بيولوجية وربما تكون متعارضة مع استمرار حياته، أكثر من ذلك أنَّ الإنسان يميل ليرمز لكل شيء يحدث له ثُمَّ يتفاعل مع هذه الرموز كما لو أنَّها إثارات محيطية حقيقية، فَرَدّ فعل شخص معين على عامل محيطي، مشروط فيزيولوجيا ونفسيَّاً بتجاربه الذَّاتية الماضية”.
ويقول في “ص140 من الترجمة العربية”: “ويتمتع الإنسان بقدر كبير من الحرية في الاختيار والتقرير، فهو المتميز في كونه قادرا على الاختيار والتمحيص والتنظيم … ومن هذه يأتي الإبداع”.
ويضيف في “ص164”: “ومن المعروف أن كل مظاهر الحياة مشروطة بالوراثة وتجارب الماضي عوامل البيئة، إلا أنَّه من المعروف أيضًا أنَّ الإرادة الحرة تمكن البشر من السمو على ضوابطه “التحديدية البيولوجية” فالقدرة على الاختيار بين الأفكار وأساليب الأفعال المختلفة يمكن أن تكون أهم صفات الإنسان، لقد كانت في الغالب -ولا تزال- محددا هاما في تطور الإنسان، وأكثر ما يستنكر في علوم الحياة كما تدرس الآن هو أنها تجاهلت متعمدة أهم ظاهرة في حياة الإنسان.. ألا وهي الحرية”.
ويقول في “ص169″:”حرية الإنسان تعني -من ضمن ما تعنيه- قدرته على التعبير عن إمكانياته الكامنة وقدرته على الاختيار واستعداده لقبول المسئوليات، كل هذه وأمثالها من النشاطات التي تضم الاختيار والتقرير لتسمو على التحديدية الجبرية التي تَسِم عمليات الآلة”.
ويقول في “ص262”: “ويدرك البشرُ العالمَ بحواسهم، ومن التناقض أن كثيرا مما يقدرونه في العالم من حولهم لا يعتمد على هذا الإدراك الحسي، والواقع أنَّ كثيرا من بني الإنسان ضحوا بوجودهم المادي على مذبح قيم غير مادية تدركها الروح ولا يحسها جسم اللحم والدَّم” اهـ.
فأي هاوية سحيقة تلك التي يهوي بالإنسان إليها ذلك التَّفْسِير المادي للإنسان، حين ينزع عنه مقومات إنسانيته الأصيلة، ويرده إلى المادة، ويجعل قوانينها هي قوانينه؟!
أي إلغاء لحرية الإنسان وكرامته … وأي تحقير له أشد من هذا التحقير؟!
فإذا علمنا أنَّ هذا هو المطلوب …
إلغاء الحرية لكي لا يختار الأمميون لأنفسهم طريقا غير الذي يرسمه لهم شعب الله المختار.. وإلغاء الكرامة لكي لا يستنكفوا من العبودية التي يريد أن يفرضها عليهم ذلك الشعب، والتحقير لكي لا يرفعوا رُءوسهم بالتَّمَرُّد على التسخير الذي يسخرهم إياه.
إذا علمنا أنَّ هذا هو المطلوب، أدركنا الهدف “الضخم” الذي يحققه التَّفْسِير المادي للإنسان!

__________
1 في كتابه “الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World”. وجوليان هكسلي عالم ملحد، لا يقر بوجود الله! وهو يرى الحق أمامه ويكاد يسلم به، ولكن تأخذه العزة بالإثم فيحاول النكوص عما يفرضه الحق الواضح المبين … ولكن يكفي على أي حال أن يقر بأن وجهة النظر الدينية لها أساس جيولوجي متين: فما ينتظر من رجل ملحد أن يذهب إلى أبعد من هذا المدى في الاعتراف بحقائق الدين!

2 ترجمة حسن خطاب ومراجعة الدكتور عبد الحليم منتصر – مقتطفات متفرقة من ص1، ص36.

3 في كتابه: “إنسانية الإنسان” “ترجمة نبيل صبحي الطويل ص138، 139 من الترجمة العربية”.

ثالثا: التَّفْسِير المادي للقيم الإنسانية
منذ جُعِلَ الإنسان مادة فقد ألغيت في الحقيقة كل القيم على الفور، ولم يعد لها مكان في حياة الإنسان، فأنَّى للمادة -مهما تطورت- أن يكون لها قيم: روحية أو نفسية أو خلقية؟! ولكن الشِّيُوْعِيَّة ما كانت تملك أن تتجاهل وجود القيم في التاريخ البشري، فكان لا بد من أن تعطيها تفسيرًا ما.. يفسدها ويشوهها ليقضي عليها في النهاية، والتَّفْسِير المادي للقيم هو الأداة التي اختارتها الشِّيُوْعِيَّة لأداء جريمتها الكبرى، فهي تتظاهر بإعطاء تفسير لتلك القيم، بينما ذلك التَّفْسِير في الحقيقة يلغي القيم إلغاءً باتَّاً ويقضي عليها من منبتها!
ومع ذلك فسنتجاهل هذه الحقيقة، ونأخذ الأمر كأنَّه جاد، ونستعرض التَّفْسِير المادي للقيم الإنسانية ونناقشه مناقشة موضوعية!
يتمثل التَّفْسِير المادي للقيم الإنسانية في مجموعة من الخطوات أو مجموعة من النقاط نجملها فيما يلي:
1- تضخيم العامل المادي والاقتصادي وجعله أساس كل شيء في حياة الإنسان.
2- اعتبار القيم المعنوية كلها مجرد انعكاس للوضع المادي والاقتصادي.
3- نفي وجود قيم ثابتة بحكم التطور الذي يغير القيم كلها كلما تغير الوضع المادي والاقتصادي.
4 السُّخْرِيَة بالدين وتسخيفه وتهوين شأنه ورده إلى أسباب مادية واقتصادية.
5 السُّخْرِيَة بالحق والعدل الأزليين، والقول بخضوع الناس للحتميات المَادِّيَّة والاقتصادية والتاريخية.
ولنأخذ في شيء من التفصيل لكل نقطة من هذه النقاط.

1- تضخيم العامل المادي والاقتصادي:
يتبين لنا من العرض الذي عرضناه من أقوال المفكرين الشيوعيين والمؤسسين للفكر المادي إلى أي مدى يعتبر أولئك المفكرون العامل المادي والاقتصادي أساسًا لكُلِّ شَيْءٍ في حياة الإنسان، ويكفينا أن نعود إلى قولتي ماركس وإنجلز في هذا الشَّأن:
“في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى لهم عنها. وهي مستقلة عن إرادتهم. فأسلوب الإنتاج في الحياة المَادِّيَّة هو الذي يحدد صورة العمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة … ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم، بل إنَّ وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم” “كارل ماركس”.
“تبدأ النظرية المَادِّيَّة من المبدأ الآتي وهو: “أنَّ الإنتاج وما يصاحبه من تبادل المنتجات هو الأساس الذي يقوم عليه كل نظام اجتماعي، فحسب هذه النظرية نجد أنَّ الأسباب النِّهائية لكافة التَّغَيُّرات أو التحولات الأساسية لا يجوز البحث عنها في عقول الناس، أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين، وإنما في التغييرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل”؛ كما يقول “فردريك إنجلز”.
وهما قولتان واضحتا الدلالة في أن الأصل في اعتبارهم ليس هو “إنسانية” الإنسان، ولا القيم المعنوية التي ينبغي أن تقوم عليها حياته، إنَّما هو الوضع المادي والاقتصادي الذي يكون الناس عليه؛ لأنَّ هذا الوضع هو الذي يُحَدِّد مشاعر الناس وأفكارهم وعقائدهم، كما يُحَدِّد نوع المؤسسات التي تقوم في حياتهم ووظيفة كل واحدة من هذه المؤسسات.
ومن خلال تفسيرهم للتاريخ البشري يتبدى مدى تعمق هذه الفكرة في تصورهم.
فالشِّيُوْعِيَّة الأُوْلَى -كما يصفونها(1)- حالة من الهدوء والاستقرار والسعادة والتعاون الأخوي، وهي كلها قيم معنوية سببها الوحيد هو عدم وجود ملكية فردية، وقيام الحياة على المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة أو المشاعية، وهو سبب اقتصادي بحت.
وتحول نظام الأسرة من التبعية للأم إلى التبعية للأب، ومن ثم سيطرة الأب على الأسرة بجميع أفرادها من زوجة وأطفال، يرجع إلى سبب اقتصادي مادي بحت هو ظهور المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة مع اكتشاف الزراعة واكتشاف الرجل أنَّه يمكن أن يوَرِّث أبناءه مِمَّا يملكه!
وتحول البشرية من حالة الشِّيُوْعِيَّة الأولى إلى الرِّقِّ يرجع إلى ذات السَّبب الاقتصادي المادي وهو اكتشاف الزِّراعة ونشأة المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، فعندئذ اسْتَرَقَّت القبائل القوية القبائل الضَّعيفة وأجبرتها على العمل في الأرض لحسابها.
وتحول الناس من الرِّقِّ إلى الإقطاع سببه هو اكتشاف المحراث -وهو سبب مادي ترتبت عليه نتائج اقتصادية- إذ اكتشف الإنسان أنَّه يستطيع باستخدام المحراث أن يزرع مساحة أكبر بكثير مما كان يزرعه بالأدوات البدائية السابقة، فنشأت المزارع الكبيرة التي يستخدم فيها رجل واحد مجموعة كبيرة من البشر عبيدا للأرض أو أُجَرَاء يعملون لحسابه ويكونون تحت سيطرته.
وتحول الناس من الإقطاع للرأسمالية سببه هو اختراع الآلة -وهو كذلك سبب مادي ترتبت عليه نتائج اقتصادية- فقد تحولت الملكية من ملكية زراعية إلى ملكية رأسمالية، وصار صاحب رأس المال يستخدم مجموعة كبيرة من البشر أُجَرَاء – بأجر ضئيل- يعملون لحسابه، وينتجون إنتاجا يستولي عليه هو ويربح من بيعه أرباحا طائلة يزيد بها رأس ماله وقدرته على استخدام الأُجَرَاء لحسابه.
وتحول الناس أخيرًا إلى الشِّيُوْعِيَّة سببه الصِّرَاع بين العمال وأصحاب رءوس الأموال على ملكية الإنتاج -وهو سبب اقتصادي بحت- وينتهي ذلك الصِّرَاع بالقضاء على طبقة الرأسماليين وحلول العمال محلهم في الملكية والسيطرة جميعا.
وبالإضافة إلى هذه الخطوط العريضة في حياة البشرية، التي ترجع كلها -في اعتبارهم- إلى أسباب مادية واقتصادية بحتة، فإنَّ الخطوط الأكثر دقة ترجع كلها كذلك إلى أسباب مادية واقتصادية.
فوجود الدِّين في المرحلة الإقطاعية وضعفه وتقلصه في المرحلة الرَّأْسِمَالِيَّة والشِّيُوْعِيَّة سببه أنَّ طبيعة الإنتاج في العهد الإقطاعي -أي: الإنتاج الزِّراعي- تجعل الإنسان متدينا؛ لأنَّ الإنسان لا يملك -في العملية الزراعية- إلا وضع البذور في الأرض وتغذيتها بالماء والأسمدة، ولكنه لا يملك إنبات البذرة ولا استعجال نموها ولا حماية المحاصيل من عوارض الجو والآفات، فيتوهم –أو يفترض- وجود قوة خفية “غيبية” ينسب إليها القدرة على كل العمليات التي لا يقدر هو عليها من إنبات وإنماء وحماية، ويروح يتعبدها ويتقرب إليها بالقرابين لكي ترضى عنه وتحفظ له محصوله الذي يعيش عليه، بينما لا تحتاج طبيعة الإنتاج في المرحلة الرَّأْسِمَالِيَّة والشِّيُوْعِيَّة إلى افتراض تلك القوة الخفية الغيبية؛ لأنَّه إنتاج صناعي، يسيطر العامل فيه على عملية الإنتاج من أولها إلى آخرها، وليس فيها جانب خفي كعملية الإنبات والإنماء، ولا جانب خارج عن قدرة العامل كالعوارض الجوية والآفات، ومن ثَمَّ لا يحتاج الإنسان إلى عبادة شيء خارج عن نطاق الإنسان. فيتضاءل وجود الدِّينِ حتى ينتهي تمامَاً في النهاية.
ووجود أخلاقيات الجنس في العهد الزِّراعي، والحفاظ الشَّديد على العرض. وإعطاء العِفَّة الجنسية أهمية بالغة، ووجود الغيرة في نفس الرَّجُلِ على زوجته، كل ذلك راجع إلى سبب اقتصادي بحت، هو أنَّ الرَّجُلَ في المجتمع الزراعي هو المنتج الأصلي وهو المتكسب وحده وهو الذي ينفق على زوجته وأسرته، ومن ثَمَّ تدعوه سيطرته -الاقتصادية الأصل والمظهر- إلى التَّحَكُّم في المرأة وفرض أخلاقيات الجنس عليها، فيفرض عليها العِفَّة قبل الزواج وبعده، ويفرض عليها أن تكون له وحده حين يتزوج، ومن ثَمَّ تصبح العِفَّة فضيلة خلقية واجتماعية يحرص المجتمع عليها ويُشَدِّد في شأنها ويعطيها تلك الأهمية البالغة، بينما تفقد العِفَّة وأخلاقيات الجنس قيمتها -ووجودها- في المجتمع الصناعي لسبب اقتصادي كذلك، وهو تحرر المرأة اقتصاديا ومشاركتها للرجل في العمل وتكسبها بنفسها، وذلك يحررها من كونها عالة على الرجل.. فيفقد الرجل سيطرته عليها، ولا يعود يحق له أن يطالبها بالعِفَّة قبل الزَّواج ولا بعده، ولا أن يطالبها بأن تكون له وحده بعد زواجها -تلك المطالبة التي كانت قائمة على أسباب اقتصادية بحتة- ومن ثَمَّ لا تعود العِفَّة تعتبر فضيلة في المجتمع الصناعي، ولا يهتم الناس بوجودها، وتصبح حرية المرأة في أن تتصرف في نفسها هي الأمر الشَّائع في المجتمع.
كذلك الأمر مع الأسرة.. فوجود الأسرة الكبيرة المترابطة في المجتمع الزِّراعي هو ظاهرة اقتصادية بحتة، سببها حاجة العمل الزِّراعي إلى تكاتف الأيدي العاملة وتعاونها، وتَرَتُّب زيادة الربح على زيادة الأيدي العاملة التي تعمل في وحدة متجانسة، بينما يرجع تفكك الأسرة في المجتمع الصناعي إلى فردية الإنتاج وفردية الإنفاق، فأسلوب العمل ذاته يجعل كل فرد يعمل مستقلا عن الآخرين، ثُمَّ إنَّ كل عامل يعمل يتناول أجره بمفرده مستقلا عن الآخرين … ومن ثَمَّ لا تؤدي الأسرة الكبيرة مهمة اقتصادية في حياة المجتمع الصناعي، فتتفتت وتحل محلها الأسرة الصغيرة المكونة من الأب والأم، والأطفال … ثُمَّ تتفتت هذه بدورها لأسباب اقتصادية كذلك، وهي عمل المرأة في المصانع والوظائف وغير ذلك، فيصبح رباط الزَّواج ذاته واهِيَاً يمكن أن يَنْحَل في أية لحظة، بل يمكن أن يلغى إلغاء كاملا في أي وقت، وتحل محله العلاقات الجنسية الحرية، وتصبح هي الأساس في المجتمع الجديد.

2- اعتبار القيم المعنوية كلها مجرد انعكاس للوضع المادي والاقتصادي:
هذه النقطة في الحقيقة تحصيل حاصل بالنسبة للنقطة السابقة، فحين نقول أنَّهُم يُضَخِّمون العامل المادي والاقتصادي ويجعلونه أساس كل شيء، فمعنى ذلك من جهة أنَّهُم يُصَغِّرون من القيم الأخرى -غير المَادِّيَّة- ولا يعطونها المكانة اللائقة، ومن جهة أخرى أنَّهُم يعتبرونها نابعة من القيم المَادِّيَّة ومترتبة عليها.
ولكنا نريد أن نلفت النَّظر في هذه النُّقْطَة إلى مزيد من تحقير القيم المعنوية ينشأ من القول بأنها مجرد انعكاس للوضع المادي والاقتصادي، فمعلوم أنَّ البشرية قد تَعَلَّقَت -منذ مولدها- بالقيم العليا من صدق وعدل وخير وفضيلة وأمانة ونظافة سلوك … إلخ..

وسواء مارس الناس هذه القيم والفضائل بالفعل أم بعدوا عنها في سلوكهم العملي كل البعد أو ناقضوها مناقضة صريحة، فإنَّهم يتغنون بها في فنونهم وآدابهم، ويعجبون بها إذا رأوها ممثلة في سلوك واقعي، ما لم يكونوا مرضى القلوب بصورة غير معتادة، ينفرون من الخير ويهشون للرذيلة والانتكاس؛ لأنَّ رؤية الخير تُذَكِّرهم بانتكاسهم فيكرهونه، ورؤية الرذيلة تغطي مواقفهم فيهشون لها، كالذين قال الله فيهم: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} (2).
وتعلق البشرية بالقيم العليا -ولو لم تمارسها بالفعل في سلوكها الشخصي- يعتبر في ذاته عقبة في سبيل استحمار الأمميين وتسخيرهم لما يراد تسخيرهم له.. ولم يكتف المخططون بإبعاد البشرية عن هذه القيم في عالم الواقع، ولهم الحق ألا يكتفوا! فمادام هذا التعلق باقيا في النفوس فهي عرضة أن تعتدل من انتكاستها في أية لحظة وتحوِّل هذا التعلق النظري -أو المتمنى- إلى تعلق واقعي يتخذ صورة سلوكية مطبقة في عالم الواقع، وعندئذ يفسد المخطط كله، ويضيع التَّعب الذي بُذِلَ فيه!
لذلك ينبغي أن يزال تعلق البشرية بتلك القِيَمِ بكل وسيلة ممكنة، ومن بين الوسائل المؤدية إلى ذلك أن يقال إنَّها ليست قِيَمَاً قائمة بذاتها، إنَّما هي مجرد انعكاس لقيم أخرى أو أوضاع أخرى هي وحدها صاحبة الأصالة وهي وحدها الجديرة بالاهتمام.
هنا يذكرنا “ماركس” بـ”فرويد”!
ففرويد -في اختصاصه- يهدف إلى ذات الهدف الذي يسعى إليه ماركس! ويريد -مثله- أن يصرف الناس عن التَّمَسُّك بالقيم العليا؛ لأنها عدو مشترك لكل من يسعى لإفساد البشرية واستعبادها لشعب الله المختار … ومن ثَمَّ ينفي أنَّها قيم قائمة بذاتها؛ ويقول إنها انعكاس لشيء آخر! فالدِّين ناشِئٌ عن عقدة جنسية هي عقدة أوديب، والتَّسامي ناشِئٌ عن الكبت، كما أنَّه لون من ألوان الشُّذوذ!
وإذا كان “فرويد” قد رد القِيَمِ كلها إلى الجنس ليحقرها ويذهب عنها ما لها في نفوس الناس من توقير وإعجاب وتطلع، فإنَّ “ماركس” وأصحابه قد ردوها إلى القيم المَادِّيَّة والأوضاع الاقتصادية لذات الغاية … فمعلومٌ أنَّ الناس تحتقر القِيَم المَادِّيَّة ولو شغلت بها في حياتها الواقعية مشغلة كاملة! فيجيء “ماركس” فيرد إليها القِيَم العليا كلها فيذهب التَّوْقِيرُ عنها في التَّوِّ ويذهب الإعجاب والتَّطَلُّع، وتفرغ من مضمونها الحقيقي وتصبح صورة شاحبة لا يتعلق بها قلب ولا ترتبط بها مشاعر! ويصبح التَّوْقِيرُ والتَّعَلُّق كله موجها إلى القيم المَادِّيَّة والأوضاع المَادِّيَّة، وما أضيق النفس حين تنحصر في هذا المحيط الضَّيِّقِ، وما أخسرها حين تغلق كل منافذ النور، وتفتح ذلك المنفذ الواحد الذي يتعامل مع الإنسان الطيني وحده، ولا يتعامل مع الإنسان المتكامل الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض، ثم سواه ونفخ فيه من روحه لتسجد له الملائكة الأطهار!

3- نفي وجود قيم ثابتة بحكم التطور الذي يغير القيم كلها كلما تغير الوضع المادي والاقتصادي:
لم يكتف الماديون في تحقير القيم الإنسانية بقولتهم السابقة، التي تنفي الأصالة عنها وتجعلها مجرد انعكاس لقيم أخرى -مادية- بل مضوا شوطا آخر في تحقيرها فقالوا: إنها ليست ثابتة، إنما هي دائمة التغير كلما تغير الوضع المادي والاقتصادي!
بمعنى آخر: يا أيها المثاليون المغفلون(3) إنكم تبحثون عن سراب لا وجود له في الحقيقة، حين تتكلمون عن الحق، والعدل، والخير، والفضيلة، والجمال، والصدق، والأمانة … إلخ. إنها كلمات جوفاء يملؤها كل جيل بما يحلو له، ولكنها هي في ذاتها ليست شيئا ثابتا مُحَدَّدَاً يمكن التَّعَرُّف عليه!
هنا يذكرنا “ماركس” بـ”دور كايم”!
العقل الجمعي هو الذي يضع القيم والنظم والتقاليد والأخلاق.. وهو لا يثبت على حال، يحل اليوم ما حرمه بالأمس، ويحرم غدا ما يحله اليوم! نفس الهدف ونفس الوسيلة … كل في اختصاص من اختصاصات “العلم”.
فالعلم “الماركسي” يقول: إنَّه كلما تغير الوضع المادي أو الاقتصادي تغيرت معه جميع القيم وجميع المعايير.
تغيرت صورة الملكية من ملكية جماعية في الشِّيُوْعِيَّة الأولى إلى ملكية فردية، فنشأ الرق ثم الإقطاع ثم الرَّأْسِمَالِيَّة، وكان كل منها -في حينه- صوابا! لأنَّه هو الاستجابة الطبيعية للوضع المادي والاقتصادي.. الاستجابة التي لا يمكن أن يوجد غيرها؛ لأنَّها انعكاس “حتمي” للأوضاع، ومن ثَمَّ فلا ينبغي أن توصف بالخير أو الشر، ولا ينبغي أن ينظر إليها أصلا من زاوية خلقية ولا بمعيار خلقي ثابت! إنما مقياس كل شيء هو ذاته.. ووجود الشَّيْءِ بالفعل هو مبرر وجوده! ثُمَّ يتغير كل شَيْءٍ حين يتغير الوضع المادي والاقتصادي فيصبح الوضع السابق خطأ بعد أن كان صوابا! وتصبح محاربته واجبة بعد أن كانت قبل ذلك غير ذات موضوع!
وأخلاقيات الإقطاع -مثلا- من التَّدَيُّنِ وسيطرة الأب على الأسرة، والمحافظة على العفة والغيرة على العرض، وترابط الأسرة، والتعاون الجماعي، كلها أخلاقيات نابعة من الوضع المادي والاقتصادي ومتناسبة معه، ولكنها ليست قيما قائمة بذاتها توصف بأنها خير ويوصف عكسها بأنه شر.. إنما هي فقط صواب في وقتها؛ لأنها هي الاستجابة الطبيعية للوضع المادي والاقتصادي … ثُمَّ إنها تصبح بعد ذلك خطأ، أو تصبح غير ذات موضوع حين تجيء الرَّأْسِمَالِيَّة ويتكون المجتمع الصناعي “المتطور”! بل تصبح رجعية وجمودا وتأخرا تنبغي محاربته والتحرر منه؛ لأنها لم تعد تستجيب للأوضاع الاقتصادية الجديدة، التي هي المعيار الوحيد الذي تقاس إليه الأمور.
ومحاولة القول بأنَّ الدين قيمة ذاتية فينبغي أن يوجد على الدَّوَامِ، أو أنَّ العِفَّةَ قيمة ذاتية ينبغي أن تظل قائمة في كل مجتمع هي سذاجة وغفلة ومثالية من جهة، ومن جهة أخرى هي مخالفة لما هو كائن ولما ينبغي أن يكون؛ لأنه لا وجود لمثل هذه القيم “في ذاتها” إنما تستمد وجودها من الباعث الذي ينشئها وهو الوجود المادي والاقتصادي … وهذا الباعث دائم التغير لم يثبت -ولا يمكن أن يثبت- على حال، فكيف يثبت ما ينشأ عنه من قيم وأخلاقيات ومعايير؟!

__________
1 سنتحدث عن الشِّيُوْعِيَّة الأولى فيما بعد.

2 سورة النساء: 89.

3 يستخدم الماديون كلمة المثالية في الذم لا في المديح، ويقصدون بها الأشياء التي لا يمكن تحقيقها في الواقع ومن ثم فهي سخف لا ينبغي أن يؤبه له!

4- السُّخْرِيَة بالدِّينِ:
من بين كل القيم يحظى الدِّينُ بالقِسْطِ الأكبر من سخرية الماديين الشيوعيين، ويبدو حنقهم منه واضحا وثورتهم عليه عظيمة، ورغبتهم في تحطيمه والقضاء عليه شديدة إلى أقصى حد.
فأما أسبابه وبواعثه فهي مادية واقتصادية بحتة: الجهل بطبيعة الكون المادي، والعجز عن السيطرة على البيئة، لذلك كان موجودًا طوال فترة الشِّيُوْعِيَّة الأولى والرِّقِّ والإقطاع، ثُمَّ خَفَّتْ حِدَّتُه في المجتمع الصناعي الرأسمالي لولا أنَّ الرأسماليين -بعد الإقطاعيين- يستخدمونه مُخَدِّرًا للجماهير الكادحة لكيلا تتيقظ إلى حقيقة الظلم والهوان الذي تعانيه وتتمرد عليه وتثور من أجل حقوقها المسلوبة.
ولقد كان “واجب الزوال” منذ بداية العهد الصناعي لزوال بواعثه المَادِّيَّة والاقتصادية، فمن جهة كان العلم قد بدأ يتقدم ويكشف كثيرا من مجاهيل الكون المادي التي كانت تلجئ الناس من قبل إلى افتراض وجود إله! فأمَّا بعد اكتشاف “قوانين الطبيعة” فلم يعد هناك مبرر للدِّينِ، فقد حَلَّ محله العلم. ومن جهة أخرى فإنَّ الوضع الاقتصادي الذي كان ينبعث منه سيطرة الأب في الأسرة وسيطرة السيد في المجتمع كان يتناسب كذلك مع سيطرة الرَّبِّ الإله في الكون والحياة، فإذا زال هذا الوضع فينبغي أن تزول كل آثاره ومن بينها الدين. وعلي أي حال فإذا كانت حاجة الرأسماليين إلى تخدير الجماهير الكادحة قد عوقت زوال الدين فترة من الوقت، فقد جاءت الشِّيُوْعِيَّة فألغت الرَّأْسِمَالِيَّة وألغت المهمة الأخيرة التي كانت باقية للدين -وهي مهمة التخدير- فأصبح -من جميع الوجوه- غير ذي موضوع! تَقَدَّمَ العلم، وزادت السيطرة على البيئة، ولم يعد الناس في حاجة إلى مخدر … فلماذا يبقى الدين؟!
يذكرنا هذا بقولة مماثلة لـ”جوليان هكسلي” في كتاب “الإنسان في العالم الحديث”: “كان الجهل والعجز هما السبب في وجود الدِّينِ. وقد تعلم الإنسان اليوم وسيطر على البيئة، فآن له أن يحمل على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل -في عصر الجهل والعجز- على عاتق الله، ومن ثَمَّ يصبح هو الله” اهـ.
والحَقَّ أنَّ الدِّينَ عدوٌ لَدُودٌ للمخططين، كما أنَّه عدوٌ لَدُودٌ للماديين الشيوعيين.
فأمَّا عداوة المخططين له فأمرها ظاهر. فالعقبة الكبرى في سبيل استحمار الأمميين هي أن يكونوا ذوي عقيدة وأخلاق مُسْتَمَّدة من الدين، ولقد عرف اليهود ذلك خلال القرون الطويلة من حربهم الدَّائمة للبشرية وتربصهم بها، وعرفوا -بالتجربة- أنه طالما كان للأمميين عقيدة وأخلاق فلا نتيجة لكل ما يبذلونه من جهد وكل ما يضعونه من تخطيط، وعرفوا أن نجاح مخططاتهم كلها مرهون بمدى نجاحهم في القضاء على هذا العدو المرهوب.
وأمَّا عداوة الماديين الشِّيوعيين “وهم جزء من المخطط الكبير” فقد نشأت -إلى جانب اشتراكهم في السبب السابق باعتبارهم جزءًا من المخطط الكبير- من تجربتهم الخاصة، أنَّ الدِّينَ -مع أنَّه في أوروبا بقايا دين محرف من كل زواياه- يعوق تكوين “الحقد الطبقي” الذي هو عمادهم الأول في تحويل الناس إلى الشِّيُوْعِيَّة! فقد عانوا في زحفهم على أوروبا من أنَّ الفلاحين بصفة خاصة لا يستجيبون لهم بالسُّرْعَة الكافية حين يحاولون تحريك “الحقد الطبقي” في نفوسهم؛ وذلك من آثار بقايا الدِّينِ في نفوسهم، وأنَّ الكنيسة -مُمَثِّلَةُ الدِّينِ- وقفت في صف الإقطاعيين والرأسماليين ضد الدعوة الشِّيُوْعِيَّة، ومستعينة بالدِّينِ في “تخدير” الجماهير عن الثَّوْرَة، وإزالة الحقد الطبقي أو تأخير تجمعه في النفوس ليكون وقودا للثورة.
من أجل ذلك “يتفننون” في محاربة الدين بكل وسائل الحرب، ومن بين وسائل الحرب التَّسْخِيف والتَّهْوِين والتَّحْقِير.

5- السُّخْرِيَة بالحَقِّ والعَدْلِ الأَزَلِيَيْن:
والقول بخضوع الناس للحتميات المَادِّيَّة والاقتصادية والتاريخية:
كما يسخر الماديون بالدين ويسعون إلى تحقيره بكل الوسائل، يسخرون كذلك “بالحق والعدل الأزليين” كما يسميهما “فردريك إنجلز”، ويقولون إنَّهما من المثاليات التي لا وجود لها ولا تأثير لها في عالم الواقع، وإنَّ البشرية لم تقم قط عليهما ولا يمكن أن تقوم عليهما في يوم من الأيام!
إنَّما الذي يسير حياة البشرية من مبدئها إلى منتهاها هو “الحتميات” المَادِّيَّة والاقتصادية والتاريخية، التي لا توصف بأنَّها حَقٌّ ولا عَدْلٌ -ولا خلاف ذلك- إنَّما توصف -كما أسلفنا- بأنَّها صواب ما دامت في موضعها التَّاريخي الصَّحيح.
ويكره الشِّيوُعِيِّون كراهية شديدة أن تنتقد مراحل الرق والإقطاع والرَّأْسِمَالِيَّة من جهة أنَّها “ظلم” مخالف للحق والعدل، أي: أن تنتقد من منطلق أخلاقي أو أي منطلق قائم على القيم المعنوية.. ويُصِرُّون على أن ينتقد الإقطاع والرَّأْسِمَالِيَّة من الزاوية الاقتصادية ومن زاوية الحتمية التاريخية.
ويعجب الإنسان أَشَدَّ العَجَبِ من هذا الموقف الغريب. فهم يشنون هجومًا حادًا على الإقطاع والرَّأْسِمَالِيَّة بصفة خاصة، فإذا أنت شاركتهم في شن الحملة عليهما من زاويتك الخاصة “الدينية والأخلاقية” رفضوا رفضا باتا وجاهروك بالإنكار!
ولكن العجب يزول إذا علمنا السر في رفضهم وإبائهم، فهم بادئ ذي بدء يريدون القضاء على القيم المعنوية من منبتها، وبخاصة القيم الدينية، فكيف يقبلون منك موقفا -ولو كان في صفهم- يرتكز على تلك القيم ويحييها في النفوس!! إنَّ مجرد قبوله معناه أنَّ لهذا المنطلق شرعية الوجود، ومعناه الاعتراف بأنَّه منطلق صحيح؛ لأنَّه يهاجم الظُّلم ويقف منه موقف المعاداة … وأيُّ شَيْءٍ يمكن أن يقبله المخططون إلا هذا! لأنَّ معناه أن يوافقوا على إحياء ذات الشَّيْءِ الذي يسعون إلى قتله جاهدين!
ثُمَّ إنَّ هناك أمرًا آخر لا يقل أهمية..
إذا أنت جعلت المحك الذي تقيس إليه الإقطاع والرَّأْسِمَالِيَّة هو الحق والعدل، فماذا يكون موقفك من الشِّيُوْعِيَّة؟ ألست قمينا أن تضعها على ذات المحك فترى أنها تخالف الحق والعدل كذلك؟ فتروح تبحث عن حَلٍّ آخر يقوم على الحق والعدل؟!
الأَوْلَى إذن أن يقفلوا عليك الطريق من أوله، وَيُسَخِّفوا لك الحق والعدل “الأزليين”، ويقولوا لك إنَّه لا وجود لهما ولا أثر لهما على الإطلاق في حياة البشرية.. إنَّما الذي يُسَيِّر حياة البشرية هو “الحتميات” وهذه تؤدي إلى الشِّيُوْعِيَّة المطلوبة في نهاية المطاف!
ليس الأمر إذن أمر حقائق علمية أو تاريخية تقول إنَّ الحق والعدل لا وجود لهما في حياة البشرية، وإنَّه ينبغي أن يُسَخَّفَا ويُسْخَر منهما! بدليل أنهم حين يتحدثون عن الشِّيُوْعِيَّة يقولون إنَّها هي الحق وهي العدل! وهي التي ينبغي أن تسود البشرية! فهم إذن يثبتونهما ولكن بشرط أن يكونا خاليين من الدِّينِ والأخلاق … أي: في الحقيقة خاليين من الحق والعدل!
أمَّا “الحتميات” فهي جوهر المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والتَّفْسِير المادي للتاريخ.
فالمراحل الخمسة التي تمر بها البشرية وهي الشِّيُوْعِيَّة الأولى، ثُمَّ الرق، ثُمَّ الإقطاع، ثُمَّ الرَّأْسِمَالِيَّة، ثُمَّ الشِّيُوْعِيَّة الثانية والأخيرة … هذه المراحل حتمية!
والانتقال من مرحلة إلى تاليتها هو انتقال حتمي كذلك، وعلى ذات التَّرتيب الذي رسمه التَّفْسِير المادي للتاريخ، لا تسبق أمة مرحلتها ولا تتأخر عنها؛ لأنَّها قدر حتمي!
وتغير القيم والمعايير والعقائد والأفكار والمشاعر مع تغير الطور الاقتصادي هو تغير حتمي، لا يمكن الوقوف في طريقه ولا تغيير مساره ولا تعديله، بحكم أنَّ القيم والمعايير والعقائد والأفكار والمشاعر هي مجرد انعكاس للوضع المادي والاقتصادي وليست شيئًا قائمًا بذَاتِهِ، والانعكاس لا بد أن يتغير حتما إذا تغير المعكوس!
ومن بين الحتميات كذلك قيام الصِّرَاع الطبقي ما دامت هناك ملكية فردية.

فحين كانت الشِّيُوْعِيَّة الأولى قائمة لم يكن هناك صراع بين البشر، ومنذ وجدت المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة نشب الصِّرَاع، وظل قائما في مرحلة الرق والإقطاع والرَّأْسِمَالِيَّة، حتى إذا جاءت الشِّيُوْعِيَّة الثانية والأخيرة وألغيت المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة زال الصِّرَاع إلى الأبد وحل محله الحب والوفاق والوئام وعاد البشر إلى الحالة الملائكية التي كانوا عليها أول مرة.
تلك خلاصة دعاواهم في التَّفْسِير المادي للقيم الإنسانية.
فإذا وضعنا هذه الدَّعَاوى على مائدة البحث وجدنا فيها قليلًا من الحق وكثيرًا من المغالطات.
فأما أهمية العامل الاقتصادي في حياة الناس فأمر لا ينبغي لعاقل أن ينكره، أمَّا إفراده بالأهمية، وجعله أساس كُلِّ شَيْءٍ، وجعل كل شيء مجرد انعكاس له، والقول بأنَّه هو المحرك الوحيد -أو حتى المحرك الأساسي- لحياة البشر، فأمر مبالغ فيه إلى حد الاعتساف الذي يجعل جانب الحق الضَّئيل يضيع في وسط الأضاليل.
يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} (1).
أيك تقوم حياتكم عليها..
والتَّشْرِيعات التي تنظم تداول المال في القرآن والأحاديث النبوية كثيرة بصورة ملحوظة، توحي بأهمية الحياة الاقتصادية وأهمية تنظيم العلاقات المتعلقة بالمال.
وحين دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة أمر ببناء المسجد ثُمَّ أمر ببناء السُّوق، وفي ذلك دلالة واضحة كذلك على أهمية الحياة الاقتصادية في حياة الأمة، وأنها أمر من أمور العبادة كبناء المسجد سواء.
ولكن المبالغة في تقدير أهميتها أمر لا يستند أوَّلًا إلى حقيقة علمية، ُثَّم هو مفسد للتصور وللسلوك على السواء.
فقد احتاج الماديون -من أجل إعطاء الجانب المادي والاقتصادي أهمية مبالغا فيها- إلى مجموعة من المغالطات والافتراءات لا تقوم على أي دليل علمي، أولها مادية الخالق وثانيها مادية الإنسان فإذا ثبت علميا -كما ثبت اليوم- أنَّ المادة حدثت ولم تكن موجودة من قبل، وأنَّها ليست أزلية أبدية كما زعم التَّفْسِير المادي للتاريخ، فقد انهار الأساس الأول الذي افترى افتراء من أجل إقامة التَّفْسِير المادي للقيم الإنسانية.
وإذا ثبت علميا -كما هو ثابت منذ قيام شَيْءٍ اسمه العلم في حياة الإنسان- أنَّ الكائن الحي -كل كائن حي بله الإنسان- يسير على نمط مخالف للمادة غير الحية، وإذا ثبت علميا كذلك -كما هو ثابت من أبحاث الداروينية الحديثة ذاتها- أنَّ الإنسان متفرد عن الحيوان حتى في كيانه الحيوي “البيولوجي” البحت، فضلا عن كيانه العقلي وكيانه النفسي وكيانه الرُّوحي وكل شيء فيه، فقد انهار الأساس الآخر الذي افترى افتراء من أجل الهدف ذاته.
وإذا علمنا أن قصة “تطور” المادة إن هي إلا مهرب -غير علمي- يهرب به الماديون من مواجهة قضية خلق الحياة من الموات، فضلا عما أثبته العلم من أن الموات ذاته مخلوق، وأنَّ الكون المادي قد أنشئ من غير وجود سابق، أي: أنشئ من العدم.
إذا علمنا ذلك فقد انهارت كل “مقومات” التَّفْسِير المادي للقيم الإنسانية القائمة على أساس أن المادة أزلية أبدية خالقة “أو متطورة ينتج من تطورها النبات والحيوان والإنسان” وأنَّ الإنسان هو نتاج المادة فحسب.
والتَّفْسِير الأصوب فيما يتعلق بالقيم الإنسانية والحياة الإنسانية بأسرها هو أن نرجع فيها إلى “الإنسان”. إلى النفس الإنسانية التي هي محور النشاط كله الذي يقوم به الإنسان.
فإذا رجعنا إلى الإنسان كما نراه في عالم الواقع لا في صورته المفتراة بغير دليل علمي، فسنجد للجانب الاقتصادي مكانا واسعا في حياته، ولكنا سنجد في ساحة نفسه مساحات أخرى واسعة لا يشغلها الاقتصاد، وإنما تشغلها قيم أخرى أصيلة أصالة المادة وأصالة الاقتصاد، وسنجد كذلك ظاهرة أخرى لا تقل عن ذلك أهمية، هي أنَّ الإنسان وحدة متكاملة، تتفاعل فيها كل العناصر والمكونات لتعطي في النهاية تعبيرًا شاملًا هو محصلة العناصر جميعا والمكونات جميعا. وأَّن أي محاولة لتفسير الإنسان بعنصر واحد من عناصره، أو على ضوء عنصر واحد من عناصره، هي محاولة ساذجة جدا لا تليق بأي “نظرية”

تتعرض لتفسير السلوك البشري، وأنَّ “العلماء” الذي يستحقون هذا الوصف ينبغي أن يكونوا أثقل وزنا وأكثر أمانة من أن يعطوا هذه التَّفْسِيرات السَّاذجة، مهما تكن الأغراض الخفية الكامنة وراء هذه التَّفْسِيرات.
وسواء كان العنصر الواحد هو الاقتصاد كما قال “ماركس”، أو هو الجنس كما قال “فرويد”، أو العقل الجمعي المسيطر على الأفراد من خارج كيانهم كما قال “دور كايم”، فكلها أضأل وأكذب من أن تفسر الحياة الإنسانية الواسعة الجوانب المتعددة ألوان النشاط.

ويكفي أن نجمع هذه التَّفْسِيرات الثلاثة بعضها إلى جانب بعض ليتضح لنا أنَّ دعوى كل واحد منهم أن تفسيره هو التَّفْسِير “العلمي” الصَّحيح هي دعوى كاذبة؛ وإن اشتملت على شَيْءٍ من الحَقِّ. فالاقتصاد جانب مهم، والجنس جانب مهم، وخضوع الفرد للتيارات الجماعية جانب مهم، ولكن أيا منها لا يستقل وحده بتوجيه “الإنسان” ووضع معاييره وقيمه كلها جميعا. وأنَّ التَّفْسِير الحق للإنسان ونشاطه وقيمه يشمل هذه الأمور الثلاثة كلها، ويشمل غيرها مِمَّا أغفله -عمدًا- كل واحد من “المفسرين” الثلاثة العظام! وأنَّنا -لكي ننشئ تفسيرًا حقيقيَّاً للحياة الإنسانية- لا ينبغي أن نغفل شيئا من مكونات الإنسان على الإطلاق، أو أن نفسر شيئا أصيلًا في حياة الإنسان من خلال شيء آخر.
ماذا لو فسرنا الجنس -مثلا- من خلال الاقتصاد، فعزونا المشاعر الجنسية إلى عوامل اقتصادية؟! أي تفسير مضحك يكون هذا التَّفْسِير؟! كذلك لو فسرنا الاقتصاد من خلال الجنس، فقلنا إن الدافع الجنسي هو السبب في جميع العمليات الاقتصادية التي يقوم بها الإنسان؟!
أي تفسير مضحك يكون هذا التَّفْسِير؟!
والسبب في كونه مُضْحِكَاً وسَاذَجَاً ومرفوضا بادئ ذي بدء هو أن كلا من الاقتصاد والجنس عنصر أصيل في كيان الإنسان على ذات الدرجة من الأصالة، فنفي أصالة أيهما وتفسيره من خلال الآخر هو الذي ينشئ تلك السذاجة المضحكة، مع أن هناك ترابطا وتشابكا لا شك فيه بين الاقتصاد والجنس في حياة الإنسان، ذلك أنهما -مع أصالة كل منهما- يصبان في المجرى الكبير الذي يشكل في النهاية حياة الإنسان، ولكن ترابطهما وتشابكهما في المجرى الكبير لا ينفي أن كلا منهما رافد مستقل ذو سمات قائمة بذاتها وذو دفعات قائمة بذاتها.

كذلك -على نفس المستوى -تكون محاولتنا تفسير الدين والقيم العليا كلها على أسس مادية اقتصادية كما يقول “ماركس”، أو أسس جنسية كما يقول “فرويد”، أو أسس من العقل الجمعي المستقل عن كيان الأفراد والمغاير لكيان الأفراد كما يقول “دوركايم”.
هي محاولةٌ سَاذَجَةٌ مُضْحِكَةٌ ولو أُلِّفَ فيها ألف كتاب. ولو قامت الأبواق اليهودية تروِّج لها من خلال ألوف الأفواه!
“النفس الإنسانية” هي الأصل الذي نرجع إليه في تفسير الوجود الإنساني والحياة الإنسانية.
وكون هذه “النفس” قابلة للتشكل في أشكال شتى لا يعني أنه ليس لها كيان محدد، ولا حدود تقف عندها في تشكلها، إنما هذه المرونة في قابليتها للتشكل هي ذاتها جزء من مقومات الخلافة التي خلق الله الإنسان ليقوم بها في الأرض.
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} .
فقد علم الخالق اللطيف الخبير الحكيم المدبر -لا ذلك الخالق الأصم الذي يدعيه الماديون، ولا ذلك الذي يخبط خبط عشواء الذي يدعيه داروين- أن تفاعل هذه النفس البشرية مع الكون المادي سينشئ أشكالا مختلفة من الحياة في الأرض، بحسب درجة علم الإنسان بهذا الكون المادي ودرجة سيطرته عليه وقدرته على استخراج طاقاته واستخدامها في عمارة الأرض، لذلك جعل -بحكمته- هذه النفس قابلة للتَّشَكُّلِ لتوائم تلك الأشكال المتغيرة، بينما الحيوان والنبات أقل قدرة بكثير على التَّشَكُّل؛ لأنه لا يحمل أمانة ولا يقوم بخلافة ولا عمارة.
أفينقلب هذا التكريم الرباني والتفضيل إلى نقيصة يوصم بها الإنسان في التَّفْسِير المادي للتاريخ فيقال إنَّه لا “كيان” لهذه النفس البشرية ولا سمات محددة، وإنَّها تأخذ سمتها وسماتها من الوضع المادي الذي تكون فيه؟
إنَّ الحِمَارَ لا يمكن إلا أن يكون حِمَارًا مهما أوقعت عليه من الضغوط لتغيير طبيعته! أفيكون الإنسان أقل أصالة من الحمار في عرف التَّفْسِير المادي للتاريخ، في الوقت الذي يزعمون فيه أنه “أعلى تطور في عالم المادة”؟!
إنَّ قضية أصالة “الإنسان”، ووجود سمات أصيلة فيه تحدد طبيعته “الإنسانية” هي قضية فوق الشَكِّ، أيا كان المدخل الذي ندخل إليها منه.

ولكنا نختار ثلاثة مداخل رئيسية مما يناسب هذا البحث:
أوَّلًا: هل التغير الذي يحدث في حياة الإنسان حين تتغير أوضاعه المَادِّيَّة والاقتصادية هو تغير في “القشرة” السياسية والاقتصادية والاجتماعية أم تغير في “جوهر” الإنسان؟.
ثانيا: لماذا يثور الإنسان بين الحين والحين؟ وعلى أي شيء يثور؟ وإلى أي شيء يهدف من ثورته؟
ثالثا: لماذا تظهر عليه أعراض المرض النفسي حين يتناول غذاءً “حضاريَّاً” لا يناسب طبيعته؟
فبالنسبة للقضية الأولى نجد بادئ ذي بدء أنَّ دواعي التغيير المادي ذاتها نابعة من “نفس” الإنسان وليست نابعة من المادة المحيطة بالإنسان، فهذه المادة -بمعنى الكون المادي على اتساعه وبمعنى البيئة القريبة المحيطة- موجودة بالنسبة للحيوان كوجودها بالنسبة للإنسان على السَّواء، فلماذا لا تثير بالنسبة للحيوان الرَّغبة في التَّعرف على خواص المادة والرَّغبة في استخدام حصيلة المعرفة في تغيير البيئة المحيطة، بينما تثير هاتين الرَّغْبتين بالنسبة للإنسان؟!
هل الفرق كائن في المادة أم إنه كائن في الإنسان؟! وإذا كان كائنا في الإنسان كما هو بدهي، أفليس هذا خطا ثابتا من خطوط النفس البشرية يحدد سمة من سماتها الأصيلة التي لا تتغير بتغير “القشرة” الخارجية ولا بتغير الظروف المَادِّيَّة والاقتصادية؟
صحيح أنَّ حصيلة التَّفاعل المستمر بين الإنسان والمادة المحيطة به تحدث تغييرا في البيئة وتغييرا في صورة الإنتاج فيصبح رعويا أو زراعيا أو صناعيا أو..؟ ولكن كم يغير هذا التغيير من طبيعة الإنسان الأصيلة؟.
نترك مؤقتا قضية المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة؛ لأنَّنا سنفردها بحديث خاص، نثبت فيه من واقع التطبيق الشيوعي ذاته أنَّ نزعة المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة لم تمت في نفوس الناس ولا أمكن إحلال المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة محلها.. ونشير إلى بقية الدَّوافع:
هل تغيرت دوافع الإنسان الأصيلة؟ حبه للحياة.. رغبته في المتاع.. رغبته في الجنس.. رغبته في البروز وإثبات الذَّات … رغبته في المعرفة.. رغبته في إطالة عمره على الأرض.. رغبته في السَّيْطرة على البيئة … رغبته في الاجتماع بالآخرين … رغبته في الانتماء … رغبته في التَّحْسين المستمر لأحواله … رغبته في الأمن.. رغبته في الاستقرار.. رغبته في الذُّرِّيَّةِ..
نعم، تغيرت الصورة التي يحقق بها هذه الدوافع، ولكن هل تغيرت طبيعة الدافع؟
إنَّه من السَّذَاجَةِ غير “العلمية” أن ينظر الإنسان إلى تغير الصورة فينسى ثابت الجوهر(2).
ونعود إلى النص الذي نقلناه عن “رينيه دوبو” في كتاب “إنسانية الإنسان” ص71 من الترجمة العربية:
“عاش رجل “كروماغنون Cro-Magnon” في أكثر أنحاء أوروبا قبل حوالي ثلاثين ألف سنة، قبل قيام الزراعة وحياة القرية بفترة طويلة، ومع أنه كان صيادا بصورة رئيسية كان -على ما يظهر- مشابها لنا جسما وعقلا، فأدواته وأسلحته تناسب حجم أيدينا الآن، وفنه في كهوفه يثير مشاعرنا، والعناية التي كان يوليها لدفن موتاه تكشف أنَّه شاركنا بشكل ما بالاهتمام بنهاية الإنسان وآخرته، وكل أثر مدون من آثار إنسان ما قبل التاريخ يوفر شواهد أخرى للفكرة القائلة أنَّ الخواص الأساسية للجنس البشري لم تتغير منذ العصر الحجري”(3).
__________
1 سورة النساء: 5.

2 انظر -إن شئت- حديثا مفصلا في هذا الموضوع في كتاب “التطور والثبات في حياة البشرية”.
3 ترجمة الدكتور نبيل صبحي الطويل طبع مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى سنة 1979.

فتغير “القشرة” السياسية والاقتصادية والاجتماعية للإنسان -حتى إن سلمنا جدلًا أَّنه يَنْبُع من التغير المادي وحده، ونحن لا نسلم بذلك- لا يعني أنَّه أصبح إنسانا آخر. ولا يعني أنَّ الإنسان الرَّعوي غير الإنسان الزِّراعي غير الإنسان الصِّناعي من حيث الجوهر.
وليس معنى ذلك -من جهة أخرى- أنَّ أي نظام مثل أي نظام آخر، وأنَّه لا يختلف حال الإنسان أيُّ اختلاف بتغير النظم عليه. كلا! ما نقصد ذلك. ولكنا نريد أن نؤكد أنَّه ليس الوضع المادي هو الذي يحدث التغيير الجوهري في حياة الإنسان، أو هو المعيار الذي تقوم به حياته.
إنَّما يحدث تغير جوهري في حياة الإنسان بحسب معيار آخر مختلف تمامًا، هو نوع العبادة التي يعبدها، ونوع التَّشْرِيع الذي ينظم حياته، هل يعبد الله الحق أم يعبد آلهة زائفة؟ وهل يتحاكم إلى شريعة الله أم إلى شرائع جاهلية من صنع البشر؟
ذلك هو الذي يحدث التغيير الجوهري في حياته، سواء كان في الحالة الرَّعوية أو الحالة الزراعية أو الحالة الصناعية أو الحالة الذرية – إن كانت هذه تعتبر تحولا في طريقة الإنتاج على المدى البعيد!- أو في أي حالة من الحالات المَادِّيَّة على الإطلاق، والسبب في ذلك أنَّ الإنسان -بخلقته- ذو طريقين مختلفين كل الاختلاف من حيث الأسباب والنتائج والوسائل والأهداف.
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (1).
{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (2).
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (3).
وهو في الوضع السَّوَيِّ حين يعبد الله وحده ويُحَكِّمُ شريعته، وفي الوضع المقلوب حين يعبد غير الله ويُحَكِّمُ شريعة غير شريعة الله، ولا يستوي الوضع السَّوَيِّ بطبيعة الحال مع الوضع المقلوب، والفارق بينهما فارق جذري وجوهري، أمَّا التَّغيرات المَادِّيَّة والاقتصادية فهي تغير الصُّورة نعم، ولكنها لا تغير الجوهر.
ومن هنا يكون للبشرية -في كل أوضاعها المَادِّيَّة والاقتصادية- حالتان اثنتان فحسب: إما سوية معتدلة وإما مقلوبة، بصرف النظر عن الوضع المادي والاقتصادي ذاته. أي: إنه يكون رعويا في حالة اعتدال أو رعويا على الوضع المقلوب، ويكون زراعيا في حالة اعتدال أو زراعيا على الوضع المقلوب، ويكون صناعيا في حالة اعتدال أو صناعيا على الوضع المقلوب، ويكون ما شاء الله له أن يكون من الأوضاع المَادِّيَّة والاقتصادية على حالتين اثنتين: مهتديا فتستقيم حياته، أو ضالا فتضطرب حياته وتختل.
والذي درسته المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والتَّفْسِير المادي للتاريخ هو خط الضَّلالِ البشري من الشِّيُوْعِيَّة الأولى إلى الرِّقِّ إلى الإقطاع إلى الرَّأْسِمَالِيَّة إلى الشِّيُوْعِيَّة الثانية -كما سنشير فيما بعد- ولم يدرس قط خط الإيمان التَّاريخي سواء عن عمد أو غير عمد(4)، لذلك التفت التَّفْسِير المادي للتاريخ إلى التغيرات الجزئية التي حدثت في الانتقال من كل طور اقتصادي إلى الطور الذي تلاه، وركز عليها، وضَخَّمَها، حتى بدت اختلافات جوهرية في حياة الإنسان! والسبب في ذلك أنَّه لم يقارن أبدًا بين الصورتين المتغايرتين تغايرا جوهريا: صورة الإيمان وصورة الضَّلال على جميع الأطوار المَادِّيَّة والاقتصادية، إذن لَتَبَيَّنَ له أنَّ الفوارق الحقيقية ليست قائمة بين الاقتصاد الرعوي والاقتصاد الزراعي والاقتصاد الصناعي، إنما هي بين الاقتصاد الرعوي -والحياة الرعوية بجملتها- على خط الإيمان وعلى خط الضَّلالِ، والاقتصاد الصناعي -والحياة الصناعية بجملتها- على خط الإيمان وعلى خط الضَّلالِ، وَلَتَبَيَّنَ له كذلك أنَّ الحياة بجملتها على خط الإيمان -في الحالة الرعوية والحالة الزراعية والحالة الصناعية- ذات سمات أساسية مشتركة هي قيامها على الحق والعدل والترابط الإنساني والأخوة وغلبة المحبة على الصِّرَاع “مهما يكن في داخلها من هزات واضطرابات ناشئة من إخفاق الناس في تطبيق المنهج الرباني بالصورة الواجبة”؛ وأنَّ الحياة بجملتها على خط الضَّلالِ -في الحالة الرعوية والحالة الزراعية والحالة الصناعية- ذات سمات أساسية مشتركة هي قيامها على الظلم والطغيان والصِّرَاع على متاع الأرض القريب.
القضية الثانية: أو المدخل الثاني لقضية أصالة الإنسان ووجود سمات جوهرية أصيلة فيه لا تتغير بتغير الوضع المادي والاقتصادي هو ظاهرة الثَّوْرات في التاريخ البشري.
لماذا يثور الإنسان إذا لم يكن له كيان أصيل ينبغي أن يكون عليه؟
بعبارة أخرى: إذا كان الإنسان قابلا للتَّشَكُّل الدَّائم بحسب الوضع المادي والاقتصادي دون أن يكون له شكل ثابت أو حدود ثابتة يرجع إليها فلماذا يثور على أي وضع من الأوضاع يكون قد تشكل به في أثناء رحلته التاريخية على الأرض؟
يقول التَّفْسِير المادي للتاريخ -ويَحْسَبُ أنَّه قد حل القضية بذلك- إنَّ الحتمية المَادِّيَّة والحتمية الاقتصادية والحتمية التَّاريخية هي الجواب! هي التي تُفَسِّر سبب الثَّوْرات. فإنَّه إذا انتهى الدَّوْرُ التاريخي لأي طور من الأطوار الاقتصادية ووصل الصِّرَاع الطبقي إلى درجة “النُّضُوج” حسب الحتمية التاريخية والحتمية المَادِّيَّة والاقتصادية، أي: بمقتضى الحركة التاريخية للمادية الجدلية … إذا حدث ذلك كله حدثت الثورة التي تهدم النظام المنهزم –ماديا واقتصاديا وتاريخيا- وتشيد النظام المنتصر -ماديا واقتصاديا وتاريخيا- وتمكن له في الأرض.
وببساطة نقول: إنَّ هذا لا يُفَسِّر كل الثورات التي حدثت في التاريخ. ودع جانبا الآن ظهور الإسلام وتمكنه في رقعة فسيحة من الأرض ورقعة فسيحة من التاريخ، فسنفرد له حديثا خاصا في الرَدِّ على التَّفْسِير المادي للتاريخ بجملته، ولكنَّا نستشهد عليهم من نظريتهم!
فهم يقولون إنَّ الثَّورات النَّاجحة هي التي توافق سير الحتمية التاريخية فتأتي في إبانها الصَّحيح، وتكون متوافقة مع الظروف -أو الحتميات- المَادِّيَّة والاقتصادية ويكون الصِّرَاع الطبقي فيها قد نضج إلى الحد الذي ينجح الثورة، أما الثورات التي لا توافق خط سير هذه الحتميات، ولا يكون الصِّرَاع الطبقي فيها قد نضج إلى الحدِّ المعقول، فإنَّها تفشل مهما بذل فيها من الضَّحَايا!
يا سبحان الله! إذن فليس السَّبب في قيام الثورات هو هذه الحتميات! إنَّما التَّوَافق مع هذه الحتميات -كما يقولون- هو الذي يؤدي إلى نجاح الثورة. أما قيامها فلا بد أن يكون له سبب آخر أغفله -عامدا- التَّفْسِير المادي للتاريخ!.
لا بد أن يكون السَّبب كامنًا في “الإنسان”! في كيانه الأصيل. في كراهيته للظلم، وتطلعه إلى الحق والعدل الأَزَلِيَّيْن، سواء تحقق العدل في عالم الواقع أم لم يتحقق لسبب من الأسباب!
القضية الثالثة أو المدخل الثالث هو ظهور الأعراض المرضية في حياة الإنسان حين تكون “الحضارة” التي يعيش فيها غير مناسبة لكيانه السَّوَيِّ.
والشَّاهِدُ الحَيُّ على ذلك هو المجتمع الأوروبي في الجاهلية المعاصرة.
لقد زعم التَّفْسِير المادي للتاريخ أنَّ أخلاقيات المجتمع الزراعي من شدة “التدين” إلى سيطرة الأب في الأسرة والحفاظ على العرض والاهتمام بالعِفَّةِ الجنسية والترابط التعاوني … إلخ كانت مجرد انعكاس للوضع الاقتصادي في الطور الزراعي، وليست قيما أصيلة قائمة بذاتها، وأنَّه حين تَغَيَّرَ الطور الاقتصادي ودخل الناس في العصر الصناعي فإنَّ من طبيعة الطور الاقتصادي الجديد أن يضعف التدين، وتزول سيطرة الرجل بسبب تحرر المرأة اقتصاديا، وتزول غيرته على عرضه، وتفقد قضية العفة أهميتها، وتتفكك الأسرة.. إلخ. ويكون هذا كله هو الانعكاس الطبيعي للوضع الاقتصادي الجديد … ومن ثَمَّ تكون “الأخلاقيات” الجديدة المضادة تماما للأخلاقيات الزراعية هي المناسبة للوضع الجديد، وينشئ الطور الجديد عقائده وأفكاره وأخلاقياته فتستجيب لها النفوس وتتكيف معها بصورة طبيعية!
ولكن هذا الذي يقوله التَّفْسِير المادي للتاريخ يُكَذِّبُهُ الواقع أشد التَّكْذِيب.
فأما ضعف المشاعر الدينية. وزوال سيطرة الأب، وفقدان قضية العفة أهميتها، وتفكك الأسرة، وممارسة الحرية الكاملة في علاقات الجنس فقد حدثت حقَّاً، سواء ٌكان سبب ذلك هو “التَّطور الحتمي” المصاحب لتغير الطور الاقتصادي كما يقول التَّفْسِير المادي للتاريخ، أم كان سببه التَّخطيط الشِّرير الهادف إلى إفساد البشرية لاستحمارها واستعبادها كما نزعم نحن..
أما الاستجابة “الطبيعية” فلم تحدث على الإطلاق!
إنَّ رد الفعل الذي حدث من ذلك كله هو انتشار القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والاضطرابات العصبية وإدمان الخمر والمخدرات واتساع نطاق الجريمة وجنوح الأحداث والشُّذُوذ الجنسي.
ومؤتمراتهم وإحصائياتهم هي الشَّاهد على ذلك.
ودِلالَةُ ذلك واضحة …
فلو أنَّ النفس البشرية ليس لها كيان محدد ولا صورة ينبغي لها أن تكون عليها، ما حدث رد الفعل المرضي الذي حدث بالفعل في حياة الناس؛ ولاستجابت استجابة “طبيعية” للشكل الذي شكلت به، سواء كان الذي حَدَّد الشَّكل هو التطور الحتمي أو التخطيط الشرير …
إنما هذه الاستجابة المرضية معناها أنَّ الحضارة التي قُدِّمَت للناس -تحت أي ظل وأي عنوان- هي حضارة لا تناسب الكيان البشري السوي، لا تناسب مقومات النفس البشرية الأصيلة، لا تناسب الوضع السليم الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان، لمفارقتها للقيم الإنسانية الصحيحة.
وإذن فهناك قيم معينة، أصيلة وثابتة، ينبغي أن تكون قائمة في حياة الناس أيا كان الطور الاقتصادي الذي يعيشون فيه، وحين تخالف هذه القيم فإنَّ الحياة تَضْطَرِبُ وتَخْتَلُ ولا يعود لها ميزان.
ويكفينا هذا لإثبات أنَّ القيم العليا هي أشياء قائمة بذاتها، ومطلوب وجودها في الحياة البشرية؛ لأنَّ هذه الحياة لا تستقيم بدونها، كما يكفينا هذا لنفي تلك الأسطورة القائلة بأنَّ الوضع الاقتصادي هو الأصل الوحيد الذي تنشأ منه كل القيم وكل الأخلاق! وإن ْكُنَّا نقرر من باب إحقاق الحقِّ أنَّ الوضع الاقتصادي يتخذ أهمية بالغة في كل جاهليات التاريخ، بحيث يبدو أنه هو المسيطر. وأنه هو الأساس، إذ تتوارى القيم الأخرى كلها وتحتجب، فتبرز القيم المَادِّيَّة وتصبح هي الأساس، ولو أنَّ التَّفْسِير المادي للتاريخ اكتفى بأن يقول إنَّه يفسر الجاهليات البشرية لكان أقرب إلى الصَّواب، أمَّا أن يزعم أنَّه يفسر “التاريخ” … كل التاريخ.. فَزَعْمٌ واسعٌ يُكَذِّبُه التاريخ! ومع ذلك فالجاهليات ذاتها -كما سنبين- لا يستوعبها استيعابا كاملا ذلك التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ!
إذا اكتفينا بهذا القدر في مناقشة القضايا الرئيسية في التَّفْسِير المادي للتاريخ، وهي: قضية مادية الخالق، وقضية مادية الإنسان، وقضية مادية القيم الإنسانية، فلا بأس أن نستعرض بعض القضايا المترتبة عليها، ونختار من بينها قضية “الدين” وقضية “الأسرة” وقضية “الشِّيُوْعِيَّة الأولى” وقضية “المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة” وقضية “التطور” وقضية “الحتميات” وكلها من القضايا ذات الأهمية الخاصة في التَّفْسِير المادي للتاريخ.

__________
1 سورة الشمس: 7-10.
2 سورة البلد: 10.
3 سورة الإنسان: 3.
4 نقول نحن إنه عن عمد. ولكن يستوي في النتائج أن يكون عن جهل أو عن عمد!

1- التَّفْسِير المادي للدين:

يقول التَّفْسِير المادي للتاريخ إنَّ الإنسان الأوَّل تَدَيَّنَ؛ لأنَّه كان جاهلا بقوانين الطبيعة من حوله، فصنع من قوى الطبيعة آلهة، فالبرق إِلَهٌ والرعد إِلَهٌ والريح إِلَهٌ والمطر إِلَهٌ… إلخ؛ ولأنَّه كان جاهلا بالبيئة وغير قادر على السيطرة عليها، فجعل من أشجارها وحيوانها آلهة معبودة يستمطر رضاها ويتوقى غضبها، ويقدم لها الصَّلَوَات والقرابين. ومصدرهم في كثير من هذه الأمور هو “جيمس جورج فريزر James George Frazer” في كتاب “الغُصْن الذَّهبي The Golden Bough” الذي استغلوه استغلالًا كاملًا كما استغلوا داروين من قبل، وإن كانوا هم يشيرون إلى أبحاث “مورجان”(1) ولا يشيرون إلى “فريزر”!
أمَّا في العهد الإقطاعي -أو الزِّراعي- فالناس متدينون؛ لأنَّ عملية الإنتاج تشتمل على جانب لا يملك الإنسان السيطرة عليه، وهو جانب الإنبات والإنماء والآفات والعوارض الجوية فيتخيل قوى غيبية يسند إليها إخراج الزرع من الأرض وإنضاجه وحمايته، فيتعبدها ويسترضيها لتحفظ له المحصول الذي تقوم حياته عليه.
ثُمَّ يزول الجهل والعجز بالتقدم العلمي والتكنولوجي فيتعرف الإنسان رويدا رويدا على قوانين الطبيعة، ويسيطر تدريجيا على البيئة، فتقل حاجته إلى “افتراض” القوى الغيبية، وحين تصبح عملية الإنتاج مادية بحتة في العصر الصناعي ويسيطر العامل على كل خطواتها من أوَّلِ استخراج المادة الخامة إلى تشكيلها في صورتها النِّهَائِيَّة … فعندَئِذٍ تزول الحاجة إلى التَّدَيُّنِ نهائيا وينتهي دور الدين في حياة البشرية.
ومن جانب آخر فإنَّ الطبقة الحاكمة سواء في الإقطاع أو في الرَّأْسِمَالِيَّة تستخدم الدين -الذي هو أسطورة لا حقيقة لها- في تخدير الجماهير الكادحة لترضى بالظلم في الأرض طمعا في الجنة في الآخرة.
ونقول بادئ ذي بدء إنه من التعسف تفسير ظاهرة وجدت في جميع العصور وجميع الأجيال بتفسير خاص في كل جيل من الأجيال! إنما ينبغي -من الوجهة العلمية البحتة- أن نبحث عن أسبابها في الأصول الثابتة لا في المتغيرات!
إنَّ دِلالة خمسين قرنا -على الأقل- من تاريخ البشرية المكتوب، فضلًا عن قرون أخرى غير مكتوبة لا يعلم عددها إلا الله، لا يمكن أن تُلْغَى بِجَرَّةِ قلم مهما يكن جبروت هذا القلم وطغيانه! ولا يمكن أن تُلْغَى لأنَّ جيلا واحدا أو جيلين قد تَنَكَّرا للدين لأسباب معروفة ومرئية وغير خافية على الذين يبحثون عن الحق ويحِبُّون أن يهتدوا إليه!
في كل تلك القرون التي لا يعلم عددها إلا الله كانت ظاهرة التَّدَيُّنِ قائمة، فلماذا نقول إنَّ سببها في الجيل الفلاني كان كذا وفي الجيل الفلاني كان كذا وفي الجيل الآخر كان أمرًا آخرَ؟!
أهذه هي طريقة “البحث العلمي الموضوعي” وتلك هي مناهجه؟!
هل يمكن مثلًا أن نَرُدَّ الدَّافع الجنسي إلى أسباب مادية أو إلى أسباب تختلف في جيل عنها في جيل آخر؟ أليس وجود هذا الدَّافع على مدى التاريخ البشري يجعلنا نقول إنَّه في أصْلِ الفطرة لا هو مكتسب ولا هو راجع إلى أسباب خارجية في البيئة المحيطة بالإنسان؟!

فلماذا نقول عن التَّدَيُّنِ -الذي وجد على مدى التاريخ البشري- إنَّه راجع إلى البيئة وإلى أسباب متغيرة، وليس أصلًا من أصول الفطرة؟
أَمِنْ أجْلِ أنَّ جيلًا من البشر أو جيلين قد تفشى فيهما الإلحاد؟!
لقدْ تَفَشَّت الرَّهْبَانِيَّة في المجتمع المسيحي عِدَّة قرون، وكان ينظر إلى التَّخلص من الدَّافع الجنسي أو كبته أو قهره على أنَّه قمة الارتفاع النَّفسي والرُّوحي، فهل يلغي هذا العارض الذي تفشى في مجتمع معين لفترة معينة كل دلالة التاريخ، ويجعلنا نقول إنَّ أسبابا معينة في البيئة هي التي توجد دافع الجنس وإنَّه يمكن أن يزول من الوجود في يوم من الأيام؟!
لماذا إذن نُفَرِّق بين ظاهرتين متشابهتين بل متماثلتين فنعطي إحداهما تفسيرًا ونأبى على الأخرى ذلك التَّفْسِير؟
كلا! إن الهدف واضح، وهو أنَّ الشِّيُوْعِيَّة -اليهودية المنشأ- تريد أن تقيم مجتمعا بشريا على الإلحاد الكامل والبعد الكامل عن الدِّينِ، فتروح تزعم أنَّ الدين ليس من الفطرة، وأنَّ أسبابا معينة في البيئة أو في موقف الإنسان من البيئة هي التي أنشأت ظاهرة التَّدَيُّنِ فيما مضى من التاريخ، وأن هذه الأسباب الآن قد زالت فينبغي للدين أن يزول!
إنَّ وجود عوامل خارجية في الكون المادي وفي البيئة المحيطة بالإنسان تبعث مشاعر التَّدَيُّنِ في الإنسان أمر نعلمه ونُقِرُّه..
إنَّها ذلك الكون ذاته بضخامته المعجزة ودقته المعجزة.
إنَّها ظاهرة الحياة والموت التي تبهر حس الإنسان وتثير عجبه وتطلعه.
إنَّها ظاهرة حدوث الأحداث وجريانها من ليل ونهار ونور وظلمة وولادة وموت وصحة ومرض وغنى وفقر واجتماع وافتراق … إلخ.
إنَّها ظاهرة عجز الإنسان عن السيطرة الكاملة على الكون مَهْمَا بلغ من سيطرة، وعن الإحاطة الكاملة بأسراره مَهْمَا بلغ من علمه، وعجزه الكامل عن الخلق والإنشاء من العدم(2).
إنَّها هي التي نبه إليها رب العالمين في كتابه الكريم ليوقظ وجدان البشر إلى تفرد الله بالألوهية والربوبية ووجوب إفراده بالعبادة والنسك وتحكيم شريعته في الأرض:
{وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (3).
{هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (4).
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (5).
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (6).
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (7).
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} ؟! (8).
نعم … هناك عوامل خارجية في الكون المادي وفي البيئة المحيطة بالإنسان تبعث مشاعر التَّدَيُّنِ وتوقظها، ولكنها لا تنشئها من العدم، إنما هي موجودة هناك في أعماق الفطرة، وهذه العوامل توقظها فقط؛ لأنَّ الله جعل الفطرة هكذا بحيث تستيقظ حين تتلقى إيقاعات الكون المادي وإيقاعات الأحداث الجارية في محيط الإنسان، فتمضي تبحث عن الخالق سواء اهتدت في بحثها أم ضلت عن السبيل.
ودليلنا على ذلك هو التاريخ البشري كله، لا ينقص من دلالته وجود جيل أو جيلين نافرين جاحدين شَذَّا عن الطريق.
ودليلنا من العالم الشيوعي ذاته هو “جاجارين” رائد الفضاء الأول، الذي ولد في الشِّيُوْعِيَّة وتربى فيها على الإلحاد الكامل وإنكار وجود الله، فلمَّا صَعَدَ إلى الفضاء هزته روعة الكون، فكان تصريحه الأول للصحفيين عند هبوطه إلى الأض: “عندما صَعَدْتُ إلى الفضاء أخذتني روعة الكون فمضيت أبحث عن الله”(9)!
ودلينا عليه من الجاهلية المعاصرة كذلك أولئك العلماء الذين تعمَّقُوا في دراسة أسرار الكون فهداهم علمهم إلى أنَّه لا يمكن تفسير عجائب الكون إلا بالتَّسْلِيم بوجود الله، مما نقلنا فقرات منه في هذا الفصل من قبل ونحن نتحدث عن التَّفْسِير المادي للخالق.
الدِّينُ إذن مركوز في الفطرة: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} (10).

والعوامل التي توقظ الفطرة فتبعثها تبحث عن الله باقية ما بقي الإنسان في الأرض، لا تتغير مهما بلغ من علم الإنسان أو سيطرته على البيئة.
ومن أجل ذلك بقيت ظاهرة التَّدَيُّنِ قائمة خلال التاريخ البشري كله، بصرف النظر عن هذا الجيل الممسوخ الذي دفعته عوامل معينة -معروفة- إلى مغالبة الفطرة والتَّبَجُّح بإنكار وجود الله.
والذي ألغاه تعلم الإنسان وسيطرته على البيئة لم يكن هو الدِّين الصَّحيح، إنَّما كان بعض انحرافات الجاهلية وتصوراتها السَّاذَجَة، فحين تَوَهَّم البشر -في بعض جاهليتهم- أنَّ المطر إِلَهٌ والريح إِلَهٌ والرعد إِلَهٌ والبرق إِلَهٌ. وأنَّ وجه الأرض مملوء بالأرواح الشريرة التي يؤثر فيها السِّحْر، أو حين تَوَهَّمُوا -في طور آخر- أن بعض الحيوانات آلهة تعبد -كبقرة الهند والعجل أبيس في مصر الفرعونية وغيرها- أو حين تَوَهَّمُوا في طور ثالث أنَّ بعض الأجرام السَّماوية آلهة كالشمس والقمر والنجوم … كانت هذه كلها أوهاما سَاذَجَة يمكن أن يمحوها العلم أو يمحوها زيادة سيطرة الإنسان على البيئة.
أمَّا الدِّينُ الصَّحيح -وهو عبادة الله الخالق وحده بلا شريك- فقد وجد منذ بدء البشرية وظَلَّ قائمًا إلى هذه السَّاعة لم يؤثر فيه العلم ولا سيطرة الإنسان على البيئة؛ لأنَّه لم ينشأ من الجهل العارض أو العجز العارض كما يزعم التَّفْسِير المادي للتاريخ ومن لف لفه من الملحدين، إنَّما نشأ من حقيقة أزلية هي وجود الله الخالق البارئ المصور، وكَوْنُ الإنسان مخلوقا خلقه الله، وأودع في فطرته أن يتوجه لعبادة الله، وإن كان قد أودع في فطرته في الوقت ذاته قدرة على الاختيار بين طريق الهدى وطريق الضلال.
وفي عهود البشرية السَّحِيقَة حين كانت أقوام تعبد الأب، أو تعبد الطوطم، أو تعبد قوى الطبيعة، أو تعبد الأفلاك، أو تعبد الأصنام كان هناك مؤمنون يعبدون الله وحده بلا شريك، فيتقدمون إليه وحده بالعبادة والنُّسُك، ويطبقون شريعته في واقع حياتهم.
فإذا كان نمو العلم ونمو سيطرة الإنسان على البيئة قمينًا بأنَّ يلغي أساطير الجاهليات المختلفة في أمر الدِّين، فليس من شأنه أن يلغي الدِّين ذاته، المركوز في الفطرة، الذي ينبثق حتى في الجاهلية المعاصرة الملحدة الكافرة، فيعلن صوت الفطرة رغم كل الحواجز التي تريد أن تخنق ذلك الصَّوْتَ.
وأما كون الإقطاع والرَّأْسِمَالِيَّة يستخدمان الدين مخدرا للجماهير لترضى بِذُلِّ العبودية في الأرض طمعا في جنة الله في الآخرة، فتلك كانت حقيقة واقعة في الجاهلية الأوروبية الحديثة، وقامت الكنيسة ذاتها بجزء من المؤامرة التي تهدف إلى تخدير الجماهير لكيلا يثوروا على الظالمين …
ولكن ما علاقة ذلك بحقيقة الدِّين؟
إنَّ الدِّينَ -كَكُلِّ شَيْءٍ آخر في عالم البشر- يمكن أن تُشَوَّهَ صُوْرَتُه وأن يُسَاء استغلاله. فهل نلغي الدِّين الصَّحيح من أجل الصُّوْرَة الزَّائفة، أو من أجل سوء الاستغلال؟ أم نحاول تصحيح الصُّوْرَة ومنع الاستغلال؟
ثُمَّ ما الحِيْلَةُ إذا كان الإنسان عابدا بطبعه، فإن لم يعبد الله عَبَدَ من هو دونه، وهبط نتيجة لذلك أسفل سافلين؟!
كلا! ليس التَّفْسِير المادي للدين حقيقة “علمية” ولا يمت بأية صلة للعلم أو النظر العلمي، إنما هو “شهوة” قائمة على غير دليل، شهوة بعض الناس في نشر الإلحاد في الأرض لغاية في نفوس الشياطين! (11).

__________
1 مورجان باحث أمريكي تخصص في دراسة أحوال القبائل الأمريكية البدائية وهو متأخر عن ماركس ولذلك يشيرون إليه على اعتبار أن أبحاثه أيدت أقوال ماركس التي قالها غير متأثر بأحد!!

2 سنعاود الحديث عن هذا الموضوع بتفصيل أكثر عند الحديث عن الإلحاد.

3 سورة البقرة: 163، 164.
4 سورة غافر: 68.
5 سورة آل عمران: 26، 27.
6 سورة النحل: 10-18.

7 سورة الواقعة: 58-74.
8 سورة الطور: 35-37.
9 زيفت الدَّوْلَة تصريحه فيما بعد ولكن العبرة بتصريحه الأول.
10 سورة الأعراف: 172.

11 سنتحدث عن هذه الغاية مرة أخرى في فصل “الإلحاد”.

2- قضية الأسرة:

كل الذين يتكلمون ضد الدِّينِ والأخلاق يتكلمون ضد الأسرة كذلك. والعلاقة واضحة، فالدِّينُ والأخلاق والأسرة كلها من “الضَّوَابِطِ” التي تقف في سبيل المخططات الرَّامِيَةِ إلى إفساد البشرية واستحمارها:
{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} (1).
إنَّ الأسرة هي الضَّابط الطبيعي ضد فوضى الجنس، والذين يريدون إفساد البشرية لا يريدون أن يكون هناك ضابط للفوضى الجنسية سواء كان هذا الضَّابط هو الدِّينُ والأخلاق، أو كان هو التَّنْظِيم الطبيعي الذي تنشئه الأسرة بنوع علاقاتها ونوع مسئولياتها.
والشِّيوُعِيِّون- بصفة خاصة- لهم حقد خاص على الأسرة لأكثر من سبب في وقت واحد.
فالأسرة -كما يقولون- تثير مشاعر الأثرة في الوالدين، وتقوي نزعة المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة من أجل توريث الأولاد ما يملكه الوالدان، وهم يريدون القضاء على المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، فيكرهون -بالتالي- كل نظام أو فكرة يقف في طريق القضاء عليها.
ثُمَّ إنَّ النِّظَام الشِّيوعي -كما سنرى ونحن نناقش المذهب الاقتصادي في صورته التَّطْبِيقِيَّة- يريد أن يجعل الولاء للدولة وحدها دون أحد آخر، ويريد من الأفراد أن يذوبوا ذَوَبَانَاً كاملًا في “النظام” و”الدَّوْلَة” و”الحزب” و”الزعيم” فلا يكون لهم ارتباط بشيء آخر خلاف هذه الولاءات الضَّرُوْرِيَّة للنظام، ومن ثَمَّ فإنَّهم يكرهون الأسرة؛ لأنَّها -بداهة- ارتباط قائم بذاته مستقل عن الدَّوْلَة ولو كان مواليا لها في ظاهر الأمر أو تحت الضَّغط البوليسي للدولة.
فإذا كان النظام الشيوعي -بالإضافة إلى ذلك- يصل إلى حد تجنيد الشعب كله في التَّجَسُّس بعضه على بعض ليأمن قيام أي تجمع مضاد، أدركنا أن حنقه على الأسرة لا بد أن يكون أشد؛ لأنَّ الولاء الفطري داخل الأسرة هو نوع من التَّجَمُّع، مهما يكن صغيرًا فإنَّه يمكن أن يكون نواة لتجمع أكبر، وهو في جميع الأحوال حائل دون الجَاسُوْسِيَّة  الدقيقة على كل فرد من أفراد الشعب.
وبالإضافة إلى ذلك كله فإنَّ من الضَّمانات التي يعتمد عليها النظام الشِّيوعي تربية الأولاد منذ نعومة أظفارهم على الولاء الكامل للنظام والدَّوْلَة والحزب والزعيم.. وهذا يقتضي الإشراف الكامل عليهم منذ ولادتهم حتى لا توجد “جرثومة” واحدة مفردة يمكن أن تنشر العدوى في نطاق أوسع، والأسرة -أو مشاعر الارتباط الأبوي- عائق من عوائق هذا الإشراف الدَّقيق الذي يعتمد عليه النِّظام؛ لأنَّها تجعل ولاء الأطفال -أو جزءًا منه على الأقل- مرتبطا بأعضاء الأسرة من الآباء والأخوة.
لذلك كله تكره الشِّيُوْعِيَّة الأسرة كراهية خاصة مُرَكَّزَة وسط الكراهية العامة التي يتوجه بها إلى الأسرة ذلك المخطط الشرير الذي يهدف إلى إفساد البشرية واستحمارها.
ولكن أصحاب المخطط يحبون -دائمًا- أن يُغَلِّفُوا مخططهم بالعلم والنَّظريات العلمية ليكون ذلك أدعى إلى تقبل الناس له وعدم اعتراضهم عليه، و”العلم” في الجاهلية المعاصرة يقوم مقام “السِّحْرِ” في الجاهليات البدائية التي كانت تؤمن وتتعامل معه، ويدخل النفوس بسهولة ويتمكن منها في لحظات … ولو كان قائمًا على غير أساس!

و”العلم” الذي يحارب الماديون به الأسرة يأخذ البشرية بطولها من أولها إلى آخرها!
ففي البدء كانت الشِّيُوْعِيَّة الجنسية فلم تكن هناك “أسرة” بالمعنى المتعارف عليه.
وفي بقية التاريخ كانت الأسرة قائمة لأسباب اقتصادية ومتوافقة مع تلك الأسباب الاقتصادية.
وفي نهاية التاريخ -التي يريدونها أو يتخيلونها أو يُخَيِّلُونَهَا للناس- تنتهي مهمة الأسرة وتزول من الوجود، على أسس “علمية”!
فأمَّا الشِّيُوْعِيَّة الجنسية فسنتحدث عنها في الفقرة القادمة، ولكنا نقول هنا إنَّ كل ما قالوه في وصفها لا يستند إلى دليل علمي حقيقي، إنَّما هو استنباطات مغرضة من أحوال القبائل المتأخرة التي عثر عليها في آسيا وأفريقيا وأستراليا في القرنين السابقين.
وأما قيامها لأسباب اقتصادية فيكفينا أن نشير فيه إلى ما شرحناه من قبل في مناقشة التَّفْسِير المادي للقيم الإنسانية من أنَّ الاقتصاد والأوضاع الاقتصادية جانب مهم في حياة الإنسان، ومؤثر من المؤثرات القوية فيها، ولكن هذه الحياة أوسع وأشمل من أن تُفَسَّر بجانب واحد أو عامل واحد مهما يكن من سعته وقوة تأثيره، إنَّما المؤثرات كلها -على اختلاف كل منها عن الآخر وأصالته الذَّاتية- رَوَافِد تصب في المجرى الكبير الذي يشكل حياة البشرية، والاقتصاد واحد من هذه المؤثرات ورَافِدٌ من الرَّوَافِد، ولكنَّه ليس وحده الذي يتحكم في حياة الناس، وليس هو الذي يًفَسِّرُهَا، إنَّما التَّفْسِير الأشمل والأصح أنَّ النفس البشرية بكاملها هي التَّفْسِير الصحيح للحياة البشرية بكاملها. والنفس تحوي -ولا شك- عناصر كثيرة غير العناصر المَادِّيَّة حتى في ضلالها وجاهليتها!
يقول خالق هذه النفس سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (2).
هذا السَّكَن وهذه السَّكِينَة عنصر عام في نشأة الأسرة واستمرارها مدى التاريخ البشري كله، وهو سبب نابع من “الفطرة” التي تحب هذا السَّكَن وهذه السَّكِينَة بصرف النظر عن الدَّافِع الجِنْسِيِّ الذي يمكن أن يتحقق بأية وسيلة.
ولا يتنافى هذا مع كون الأسرة تكوِّن ترابطا اقتصاديا من نوع ما، فليس هناك في النفس البشرية تناقض ولا تنافر بين عناصرها المختلفة، ولا يلزم من وجود أحدها نفي الآخر ولا نبذه كما تقول التَّفْسِيرات الضيقة المتعسفة، ولا يلزم من قوة أحدها أن يكون سائرها تابعا له أو نابعا منه كما تقول تلك التَّفْسِيرات، إنما توجد كلها -مع قوتها وأصالتها- جنبا إلى جنب، متفاعلا بعضها مع بعض في الكيان البشري الكبير، الذي كرَّمَه الله بعوامل شتى، وهذا التَّعدد وهذه السَّعة هي ذاتها من عوامل التَّكريم؛ لأنَّنا لا نجدها -بهذه الصًّوْرَة- في الكائنات الأَدْنَى من الإنسان.
والأسرة -كما ثبت من التجارب غير المتحيزة- ضرورة لتنشئة الأطفال الأصِّحَاءِ من الوجهة النفسية، ومهما حاولت المحاضن أن تَدَّعِي أنها تقوم مقام الأسرة الطبيعية في هذا الشأن فهي واهمة في ذلك أو مغالطة، فإنَّ في مقدور المحاضن أن تعطي رعاية صحية كاملة “للجسد” وتوجيها عقليا مبنيا على قواعد العلم “أيا كان مبلغ هذا العلم من الصِّحَّةِ” ولكنها لا تستطيع قط أن تعطي الرعاية النفسية المطلوبة للتنشئة الصحيحة للأطفال، بسبب غياب الأم المتخصصة التي يشعر الطفل بملكيتها -وحده- ملكية كاملة(3).
ولسنا نقول مع ذلك إنَّ الإنسان لجأ إلى تكوين الأسرة؛ لأنَّه وجد فيها نوعا من التنظيم الاقتصادي أو وجد أنها الطريقة المثلى لتنشئة الأطفال.
إنما نقول إن الله العليم الخبير الذي يعلم أن الأسرة هي التي تحقق التنشئة السليمة للأطفال حين تتخصص الأم فيها لهذه المهمة الخطيرة، قد جعل الحنين إلى تكوين الأسرة جزءًا من الفطرة، تشعر فيها بالسَّكَنِ والسَّكِينَةِ، وتشعر في خارجها بالقلق وفقدان السَّكِينَةِ ولو حققت كل مطالب الجنس وكل الاكتفاء الاقتصادي، ثُمَّ نظم سبحانه وتعالى العلاقات الاقتصادية داخل الأسرة بحيث تكون المرأة مكفولة كفالة كاملة دون أن تحتاج إلى العمل خارج البيت لكي تستطيع التفرغ لمهمتها الأصلية، فكلف الرجل بإعالتها -لا تفضلًا ولكن تكليفًا- وكلفها هي رعاية شئون البيت والأطفال، ثُمَّ جعل في فطرة كل منهما وتركيبه العصبي والنفسي ميلا لهذا التكليف وقدرة عليه، وشعورًا بتحقيق الذَّات عن طريقه.
ذلك هو الوضع السليم للأسرة كما أنشأها الله.
فأما الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق فيكرهون أن يستمعوا لهذا القول ويشمئزون منه بدعوى أنَّه كلام غير علمي!
{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (4).
فيقول “دوركايم”: “ومن هذا القبيل أن بعض هؤلاء العلماء يقول بوجود عاطفة دينية فطرية لدى الإنسان، وبأنَّ هذا الأخير مُزَوَّد بحَدٍّ أدْنَى من الغيرة الجنسية والبر بالوالدين ومحبة الأبناء، وغير ذلك من العواطف، وقد أراد بعضهم تفسير نشأة كل من الدِّينِ والزواج والأسرة على هذا النحو، ولكن التاريخ يوقفنا على أنَّ هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان”(5).
متى أوقفنا التاريخ على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان، وكيف أوقفنا على ذلك؟! أم لهم تاريخ سري غير التاريخ العلني الذي يعرفه جميع الناس، ويعرفون فيه أنَّ هذه الأشياء كلها مركوزة في الفطرة؟!
ويقول التَّفْسِير المادي للتاريخ إنَّ الأسرة بحجمها وتبعاتها ووظائفها وعلاقاتها هي مجرد انعكاس للوضع الاقتصادي، ومن ثَمَّ فهي “تتطور” تطورًا حتميَّاً يمكن أن يفضي بها إلى الزَّوَال!
والتجربة الواقعية تغنينا عن الخوض في النظريات، فالنظريات تظل نظريات حتى يُصَدِّقُها الواقع أو يكذبها. وما يقوله “دوركايم” أو التَّفْسِير المادي للتاريخ أقل في الحقيقة من أن يسمى نظرية؛ لأنَّه فرض معتسف لا دليل عليه من الواقع، ولكن حتى لو كان يرتقي إلى حد أن يكون نظرية فهذا هو واقع الجاهلية المعاصر يُكَذِّبُهُ.
فالرجل والمرأة كلاهما في الجاهلية المعاصرة يحققان كل ما يخطر على بالهما من متاع الجنس بلا قيود، لا قيود خلقية ولا قيود اجتماعية ولا قيود قانونية ولا قيود فكرية، ثُمَّ إنهما يحققان وجودهما الاقتصادي كل على حِدَتِه، فالرجل يتكسب والمرأة تتكسب، ويتولى كل منهما الإنفاق على نفسه وعلى بهيمية الجنس التي يمارسها من كسبه الخاص دون حاجة إلى المعونة الاقتصادية من الآخر، ومن ثَمَّ يتأخران كثيرًا جِدَّاً في الزواج وتكوين الأسرة، أو يلغيان ذلك من حسابهما إلغاءً كاملًا، ويعيشان في حالة “صداقة” مستمرة، أي: في حالة مخادنة غير مقيدة بالرباط المقدس، أو في حالة فوضى جنسية لا ترتبط حتى برباط المخادنة غير المقدس.
فلماذا لا يستريح الرجل ولا المرأة إلى هذه الأوضاع التي تحقق كل مطالب الجنس وكل مطالب الاقتصاد؟! بل لماذا يَشْقَى الرجل والمرأة كلاهما ويبدو الشَّقَاءُ في صورة الاضطرابات العصبية والنفسية والقلق والجنون والانتحار وإدمان الخمر وإدمان المخدرات؟
الجواب عندنا هو أنَّ الرجل والمرأة كليهما قد فقدا السَّكَنَ والسَّكِينَةَ اللذين جعلهما الله في الأسرة ولم يجعلهما في أية علاقة خارج الأسرة ولو حققت كل مطالب الجنس وكل مطالب الاقتصاد.
فمن لم يعجبه هذا الجواب واشمأزت نفسه منه؛ لأنَّهُ يذكر الله وحده وفطرة الله وحدها ومنهج الله وحده، فليأت من عنده بالجواب الذي يريد، ولكن عليه بالبرهان، لا أن يطلق الدَّعْوَى بلا دليل، على طريقة “دور كايم” أو على طريقة التَّفْسِير المادي للتاريخ!
{قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} (6).
{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (7).
فهذا -وحده- هو المنهج العلمي الصَّحيح.

__________

1 سورة النساء: 27.

2 سورة الروم: 21.

3 انظر كتاب “أطفال بلا أسر” لأنا فرويد، وانظر نتائج المؤتمرات التي تعقد في أمريكا وغرب أوروبا لدراسة ظاهرة جنوح الأحداث.
4 سورة الزمر: 45.
5 كتاب “قواعد المنهج في علم الاجتماع” ترجمة الدكتور محمود قاسم ومراجعة الدكتور السيد محمد بدوي الطبعة الثانية ص173.

6 سورة الأنعام: 148.
7 سورة البقرة: 111.

3- الشِّيُوْعِيَّة الأولى:

يزعم التَّفْسِير المادي للتاريخ أنَّ الشِّيُوْعِيَّة كانت هي الطَّوْر الأوَّل للبشرية، وأنَّها كانت شيوعية شاملة، تشمل كل نواحي الحياة البشرية بما في ذلك الجنس، فكانت القبائل البشرية الأولى تعيش في حالة من المشاعية الجنسية الكاملة، مع مشاعية الأرض ومشاعية الطَّعَام … إلخ.
ودليلهم على وجود الشِّيُوْعِيَّة الأولى -بهذه الصورة- هو ما اكتشف في القرنين الماضيين من أحوال القبائل البدائية التي كانت تعيش في إفريقيا وآسيا وأستراليا منعزلة تماما عن تيار المدينة لا يعرفون شيئا عن العالم من حولهم، ولا يعرف العالم شيئا عنهم. فقد وجدوا تلك القبائل تعيش عيشة جماعية..أرض القبيلة ملك مشترك لها جميعًا لا ينفرد فيها أحد بملكية خاصة، والطعام مشترك بينهم سواء كان صَيْدًا بَرِيَّاً أو بحريا أو غير ذلك، يطهى للقبيلة كلها وتأكل منه القبيلة كلها دفعة واحدة. وأسلحة الصيد والحرب ملك للقبيلة كلها كذلك. وقال “فريزر” -وهو مرجعهم الأكبر فيما زعموا من أحوال البشرية الأولى- إنَّه اكتشفت بعض القبائل تمارس ألوانا من الشِّيُوْعِيَّة الجنسية، إمَّا كل النساء لِكُلِّ الرِّجَالِ على المشاع، وإما مجموعة معينة من النساء لمجموعة معينة من الرِّجَالِ داخل القبيلة الواحدة.
ونستطيع أن نتصور بالفعل -على ضوء أحوال هذه القبائل التي اكتشفت في القرنين الأخيرين- أنَّ حياة القبائل الأولى كان فيها قدر كبير من المشاركة الجماعية في المسكن والمطعم وأدوات الصيد وأدوات الحرب.
ففي النظام القبلي تكون القبيلة هي “الوحدة” التي يعيش الأفراد في داخلها، ويمارسون الحياة من خلالها، وفي وقت متأخر جِدَّاً من بداوة البشرية -وقت كانت قد قامت فيه “حضارات” كثيرة في بقاع مختلفة من الأرض- كان الشَّاعر العربي يقول:

وهَلْ أَنَا إلاّ مِنْ غَزِيّةِ إنْ غَوَتْ … غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيّةُ أَرْشُدِ!

فيعبر بذلك عن انسياحه الكامل في القبيلة وعدم استقلاله بذاتيته حتى مع علمه أنَّ قبيلته تكون أحيانًا على الرَّشَدِ وأحيانًا على الغَيِّ، وليست راشدة في جميع أحوالها.
فإذا كان هذا في حياة العرب قبيل الإسلام، فلنا أن نتصور أنَّ القبائل التي وجدت في تاريخ سابق على ذلك كثيرًا كانت على ذات الصُّوْرةِ من التَّمَرْكُز في القبيلة، وانسياج كيان الأفراد في كيان القبيلة الكلي في السِّلْمِ والحرب والرَّشَدِ والغي على السَّواء!
فإذا أضفنا إلى ذلك أنَّه في بداوة البشرية الأولى لم يكن هناك شيء يمتلك -إلا القليل النادر- أمكننا أن نتصور كذلك أنَّ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة لم تكن قائمة في ذلك العهد السَّحِيق على صورتها التي قامت فيما بعد.
فالخيام -إن كانوا من ساكني الخيام- يسكنها مجموعة أفراد القبيلة ويتعارفون فيما بينهم على أنَّ فلانا يسكن في هذه الخيمة وفلانا الآخر يسكن في تلك، ولكن شعور كل فرد من أفراد القبيلة لا يتجه إلى ملكيته الخاصة للخيمة، إنَّما يتجه إلى اعتبار مجموع الخيام كلها مِلْكَاً للقبيلة بأجمعها، فيقول في نفسه: هذه خيام قبيلتي؛ لأنَّ الوحدة يومئذ ليست هي الفرد إنَّما هي القبيلة، والفرد لا يمارس حياته فرًدا إنَّما يمارسها من خلال القبيلة، فيتحدث -حين يتحدث- بضمير الجمع، فيقول: ذهبنا وجئنا وصنعنا كذا وكذا.. لأَّن هذه الأعمال كلها تتم بالفعل بصورة جماعية.
كذلك الطعام لا تتصور فيه المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة في ذلك العهد السحيق.
فالطعام في غالبيته صيد، سواء كان صيد بر أو بحر، والصيد يحتاج إلى مجموعة من الأفراد تقوم به -من الشَّبَابِ بصفة خاصة- ولا يقدر عليه فرد واحد، فإذا جاء الصَّيْدُ وتَمَّ طهيه على يد المختصين -أو المختصات- في القبيلة، فعندئذ تتجمع الوحدة التي يمارس الأفراد من خلالها وجودهم فتتناول وجبة الطعام الجماعية، ثُمَّ يُلْقَى الباقي -إن بقيَ منه شَيْءٌ- لأنَّه إن بقي ينتن ولا يصلح للطعام، فلم تكن وسائل الحفظ قد اكتشفت في ذلك العهد السَّحِيق من بداوة البشرية.
ومن أجل كون الوحدة هي القبيلة وليست الفرد -وهو أصل نفسي واجتماعي وليس اقتصاديا بحتا- فإنَّ القبيلة كلها تدخل في السِّلْمِ أو تدخل في الحرب، فلا يتصور كذلك أن تكون هناك ملكية خاصة للسلاح داخل القبيلة؛ لأنَّه لا يستخدم إلَّا بصورة جماعية من خلال تلك الوحدة التي يمارس الأفراد من خلالها نشاطهم كله، فإذا تصورنا أنَّ السِّلاح كله -رماحا أو سهاما أو عصيا أو ما أشبه- يوضع في مخزن واحد مشترك، وأنَّه حين ينادى على الحرب وتدق طبولها يهرع المقاتلون من أفراد القبيلة إلى ذلك المخزن المشترك فيتناول كل منهم نصيبه من السِّلاح، حتى إذا عادوا أعادوا السِّلاح إلى موضعه المشترك.. إذا تصورنا ذلك فلا نكون بعيدين عن الصَّواب. وحتى لو تصورنا أنَّ شخصية الفرد قَدْ نَمَتْ في داخل القبيلة شيئا من النمو في عهد متأخر فصار له سلاحه المستقل، فإنَّه لن يستخدمه إلا بإذن من القبيلة، وفي المواضع التي توجهه إليها القبيلة فحسب.

أما الشِّيُوْعِيَّة الجنسية والمساواة الكاملة والحالة الملائكية المزعومة التي توصف بها الشِّيُوْعِيَّة الأولى فمسألة لا يقوم عليها الدليل!
كل دليلهم بالنسبة للشيوعية الجنسية هو ما رواه الرَّحَّالَةُ المكتشفون من وجود أنواع منها في تلك القبائل التي اكتشفت في إفريقيا وآسيا وأستراليا على حالة بدائية بعيدة عن كل صور المدنية.
ولنسلم جدلًا بصحة كل ما رواه أولئك الرَّحَّالَة، وأنَّهم وصفوا الحقيقة كاملة بغير تهويل وتزييف.. فما دِلالة روايتهم؟
بعض القبائل لا كلها، وجدت فيها أنواع مختلفة من الشِّيُوْعِيَّة الجنسية لا نوع واحد محدد. فهل يصلح هذا دليلًا على أنَّ كل القبائل التي عاشت في بداوة البشرية مارست الشِّيُوْعِيَّة الجنسية الكاملة؟!
إنَّنا نؤمن بادئ ذي بدء بأنَّ الله أرسل هداة من البشر ينظمون لأقوامهم طرائق معيشتهم بمقتضى الوَحْيِّ الرباني الذي أخبر عنه آدم وحواء يوم سكنا هذه الأرض، وأنَّ بعض الناس آمنوا واهتدوا وبعضهم تنكب الطريق:
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (1).
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} (2).
{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} (3).
فليس البشر كلهم أمة واحدة على الهدى ولا على الضَّلالِ.
ولكن الشيوعيين لا يؤمنون بالله ولا برسله ولا بوحيه. فلننظر في أدلتهم “العلمية الموضوعية”!
لو وجدنا كل القبائل المتأخرة المنعزلة عن العمران تمارس لونًا واحدًا من المشاعية الجنسية لقلنا إنَّه رُبَّمَا كان هذا هو الحال الذي كانت عليه البشرية في أوَّلِ عهدها، ولم نقطع مع ذلك بأنَّ هذا أمر يقيني؛ لأنَّ الشُّذُوذ والانحراف يطرأ دائمًا على الناس في أثناء مسيرتهم التاريخية، ولا يدل وجوده في أي جيل على أنَّه كان موجودًا في أجيال سابقة.
ألم تقع الفاحشة الشَّاذة من قوم لوط غير مسبوقة؟ فهل نقول إنَّ وجودها وتَفَشِّيهَا في قوم لوط دَلِيلٌ على أنَّها وجدت منذ أول البشرية ووجدت على سبيل الشُّمُول؟!
وهبْ أنَّ إنسانًا بعد مائة عام أو ألف عام قَلَّبَ في صُحُفِ القرن العشرين فوجد صور النِّساء العاريات في الشواطئ وفي الشوارع وفي البيوت. وقرأ عن التمثيليات التي تمارس فيها العملية الجنسية كاملة على المسرح وتنقلها شاشة التلفزيون، فَحَكَمَ بناء على ذلك بأنَّ العري أصل من أصول البشرية، وأنَّ الممارسة العلنية للجنس هي الأصل الذي مارسته البشرية في تاريخها كله … أيكون هذا اسْتِدْلالًا، “علميا” موضوعيا تبنى عليه نظريات علمية لتفسير السُّلُوك البشري؟!
كذلك قصة القبائل المتأخرة التي عثر عليها في مختلف بقاع الأرض، لا تدل ممارستها للشيوعية الجنسية على أنَّ هذا هو الأصل الذي كانت عليه البشرية في بداوتها، ولو كانت كلها تمارس تلك الشِّيُوْعِيَّة، فما بال إذا كان الواقع أنَّ بعضها فقط هو الذي يمارس الشِّيُوْعِيَّة وبعضها لا يمارسها؟ وما بال إذا كانت القبائل التي تمارسها لا تمارسها على صورة واحدة؟!
إنَّما لجأ الشِّيوُعِيِّون إلى اعتساف الدَّليل، والزَّعْم بأن الشِّيُوْعِيَّة الجنسية كانت قائمة في البشرية الأولى؛ لأنَّهم كانوا في مبدأ أمرهم يُرَوِّجون لهذه الشِّيُوْعِيَّة في نظرياتهم وتطبيقاتهم، ويريدون أن يجعلوها قاعدة الحياة عندهم، ترغيبا “للزَّبَائِن” من الشباب الذي يعاني الحرمان الجنسي لأي سبب من الأسباب! فلما رأوا فيما بعد أنَّ هذ الأمر يستغل في الدِّعَاية ضِدَّهُم والتَّنْفِير منهم عادوا فعدَّلُوا النظرية وإن كانوا لم يُعَدِّلُوا تعديلا جوهريا في التَّطبيق، واحتجوا -كأنَّما ذلك يعطيهم الحجة- بأنَّ الشِّيُوْعِيَّة الجنسية قائمة على نطاق واسع في المجتمع الرأسمالي! يقول البيان الشيوعي الذي أصدره “ماركس وإنجلز”:
“ليست بالشيوعيين حاجة إلى إدخال إشاعة النِّسَاء فهي تقريباً كانت دائمًا موجودة. ولا يكتفي البرجوازيين بأن تكون تحت تَصَرُّفِهم نساء البروليتاريين وبناتهم -هذا عدا البغاء الرَّسمي- بل يجدون لذة خاصة في إغواء بعضهم لنساء بعض.

“ليس الزواج البرجوازي في الحقيقة والواقع سوى إشاعة النساء المتزوجات” اهـ.
وهو حَقٌّ يراد به باطل! فوجود الشِّيُوْعِيَّة الجنسية في المجتمع الرأسمالي الذي أشرف اليهود على توجيهه حقيقة واقعة. ولكن وجودها ليس فيه حُجَّة لمن يريد لها أن تستمر، وخاصة إذا كان من “الثائرين” على النِّظام الرأسمالي، الذين يريدون -بالثورة الدموية- أن يعدلوا ما ينطوي عليه من الفساد! إلا أن يكون هذا اللون من الفساد مطلوبا بالذَّات، يراد الإبقاء عليه وترويجه -وتلك هي الحقيقة- فعندئذ تعتسف له الأَدِّلَة وتقام له الأسانيد! ولكنها أسانيد باطلة لا تثبت للتمحيص العلمي.
وأما المساواة الكاملة والحياة الملائكية التي يصفون بها الشِّيُوْعِيَّة الأولى فأمر كذلك يعوزه الدليل.
فالمعروف أنَّ شيخ القبيلة -على الأقل- شخص متميز في كل أموره وأوضاعه، بما في ذلك ملبسه الذي يميزه عن أفراد قبيلته للوهلة الأولى إذ لا بد أن يتميز ولو بريشة زائدة يضعها على رأسه يعرف منها القريب والبعيد أنّه هو الرَّئيس الذي تقدم له فروض التَّوقير والاحترام، والريشة مجرد رمز، ولكنها ترمز إلى تمييز حقيقي واسع المدى بين شيخ القبيلة وبقية أفرادها. وسواء كان التَّمْييز قائمًا على القوة الجسدية أو الخبرة والحنكة وبُعْدِ النَّظَرِ، أو السِّنِّ، أو الشَّجاعة وحسن البلاء في الحرب، فإنَّ شيخ القبيلة يتمتع دائمًا بمكانة متفردة، وغالبا ما يتمتع كذلك بعدد أكبر من النِّساء!
ثُمَّ إنَّ الشَّبَّانَ الأقوياء من القبيلة، أو الماهرين في الصيد أو الشجعان في الحرب لا بد أن يتميزوا بحكم الأمر الواقع، أي: بحكم مواهبهم، وتكون لهم عند شيخ القبيلة منزلة خاصة، ومن حَقِّه أن يمنحهم من الامتيازات ما يشاء، فإرادته أمْرٌ، وأمره مطاع!
والزَّعم بأنه لا توجد امتيازات ولا فوارق في تلك الحياة البدائية لمجرد عدم وجود ملكية فردية زَعْمٌ يُكَذِّبُه الواقع المشهود من أحوال القبائل ذاتها التي يستمدون منها أدلتهم! فلماذا يأخذون الدَّليل التَّعَسُّفِي حين يريدون، ويتركون الدليل الواضح حين يكون مخالفا لأهوائهم ومزاعمهم؟ إنما نستدل من أحوال هذه القبائل -إذا أردنا استمداد الأدلة منها- على أنَّ المساواة ليست أصلًا من أصول الحياة البشرية وأنَّ الأصل هو التمايز بين الناس باختلاف مواهبهم، سواء كان تمايزا عادلا- أي: قائما على مسببات صحيحة- كما يحدث في المجتمعات المستقيمة -أي: المهتدية بالهدي الرَّبَّاني- أو كان تمايزا ظالما كما يحدث في المجتمعات الجاهلية كلها بلا استثناء.
إنَّما يتعسفون في إنكار الَّدليل الواضح في هذه القضية؛ لأنَّهم يريدون تحقيق هَدَفَيْنِ على الأقل بإعلان مبدأ المساواة: الأوَّل هو ترغيب “الزَّبَائِن” من المقهورين المغلوبين على أمرهم في مجتمعاتهم -وهم الكثرة الكاثرة من أفراد الشعب- لِيُقْبِلُوا على الشِّيُوْعِيَّة ويعتنقوها، فزعموا لهم أنَّهم سيطبقون المساواة الكاملة في مجتمعهم الشِّيوعي، وسندوا هذا الزَّعم بأنَّ المساواة هي الشَّأن الطبيعي في الشِّيُوْعِيَّة، سواء الشِّيُوْعِيَّة الأولى أو الآخرة!
والهدف الثاني أنَّهم -لأمر في مخططهم- كانوا يَسْعَوْن إلى نزع المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة جميعًا فزعموا للناس أنَّ الأصل في البشرية هو المساواة المطلقة في كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّ الذي أفسد المساواة هو المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، وأنَّهم سيلغون المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة لتحقيق المساواة في مجتمعهم الملائكي الجديد”(4).
وأيا كانت أهدافهم الظاهرة أو الخفية فليس هناك سند علمي لوجود المساواة المطلقة في الشِّيُوْعِيَّة الأولى على فرض وجود تلك الشِّيُوْعِيَّة بالصُّوْرَةِ التي يصفونها!
وأمَّا الصُّوْرَة الملائكية في تلك الشِّيُوْعِيَّة الأولى فلم يأتوا لها بسند على الإطلاق.
وما بنا من حاجة إلى مناقشة دعوى لا يقوم عليها الدَّليل!
إنَّما عليهم أن يثبتوا -إن استطاعوا- أنَّه لم تقع منافسات بين شباب القبيلة الواحدة على الحظوة بالمنزلة

الخاصة عند شيخ القبيلة، وما يترتب على ذلك من امتيازات، وأنَّه لم تقع منافسات ومشاجرات تؤدي إلى القتال أحيانا بين شباب القبيلة على “امتلاك” امرأة معينة؛ لأنَّها في نظر المتقاتلين عليه أجمل من غيرها من النِّسَاء.
ثُمَّ عليهم أن يثبتوا أخيرًا أنَّ الحروب لم تكن تقع بين بعض القبائل وبعض، وأنَّها كانت تعيش في حالة من الإخاء والسلام والمحبة كما يعيش الملائكة الأطهار!

فإذا لم يثبتوا ذلك- ولن يثبتوه- فنحن نقول إنَّ أحوال القبائل كما رواها التاريخ، وكما ظهرت في القبائل المكتشفة في القَرْنَيْنِ الماضيين هي حياة التَّنَافس الدَّائم والتَّنازع الدَّائم والصِّرَاع.. فلماذا نترك دلالة الواقع ونرسم صورة من الخيال؟!
إنَّما أرادوا -كما أسلفنا- أن ينزعوا المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة جميعا ويركزوا الملكية في يد الدَّوْلَة التي يسيطرون هم عليها في واقع الأمر، فزعموا للناس أنَّ المصائب كلها نشأت من المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة بعد زوال الشِّيُوْعِيَّة الأُوْلى ذات الطابع الملائكي، وأنَّهم عائدون بالبشرية إلى ملائكيتها المفقودة بنزع المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة جميًعا في الشِّيُوْعِيَّة الثانية! وذلك ترغيبا “للزَّبَائِنِ” المحرومين من الملك، الحاقدين على الملاك -وهم أكثرية الناس في المجتمعات الإقطاعية والرَّأْسِمَالِيَّة- حتى يعتنقوا الشِّيُوْعِيَّة ويؤازروها، ويكونوا مددا لها وسندا في كل مكان في الأرض!
__________
1 سورة البقرة: 38، 39.
2 سورة النحل: 36.
3 سورة فاطر: 24.
4 سنرى عند مناقشة التطبيق الواقعي للشيوعية أنهم عجزوا عن تحقيق المساواة الكاملة فتراجعوا عنها وعللوا تراجعهم بأنهم ما زالوا في مرحلة الاشتراكية ولم يصلوا إلى التطبيق الشيوعي بعد!

4- المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة:
أشرنا فيما سلف أكثر من إشارة إلى قضية المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ووضعها في التَّفْسِير المادي للتاريخ، ومع ذلك أفردنا لها حديثا خاصا لِشِدَّةِ أهميتها سواء في التصور المادي أو في التطبيق الشيوعي.
يرى أصحاب التَّفْسِير المادي للتاريخ أن المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة هي سبب كل الشُّرُورِ التي حلت بالبشرية منذ خروجها من مرحلة الشِّيُوْعِيَّة الأولى إلى أن تعود الشِّيُوْعِيَّة الثانية فتلغيها وتلغي معها الشرور الناشئة عنها.
وينشأ الشَّرُّ من أنَّ الذي يملك هو الذي يحكم، وحين يحكم فإنَّه يضع التَّشْرِيعات التي تخدم مصالحه ومصالح طبقته على حساب بقية الطبقات.
ويرى الماديون كذلك أنَّ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ليست نزعة فطرية في النَّفس البشرية بدليل فترة الشِّيُوْعِيَّة الأولى التي لم تكن فيها ملكية فردية. إنَّما هي أمر مكتسب، اكتسبته البشرية بعد أن اكتشفت “أو تعلمت” الزراعة، حيث أدى ذلك إلى انتهاء فترة الشِّيُوْعِيَّة الأولى ودخول البشرية في مرحلتي الرق والإقطاع، ثُمَّ لما تحولت الملكية من ملكية زراعية إلى ملكية صناعية رأسمالية دخلت البشرية مرحلة الرَّأْسِمَالِيَّة.
ويرون أن الصِّرَاع الطبقي الذي يدور عليه تاريخ البشرية كله فيما بين الشِّيُوْعِيَّة الأولى والشِّيُوْعِيَّة الأخيرة قائم كله على المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ومتعلق بها، وأن هذا الصِّرَاع لا يزول من الأرض إلا بإزالة السبب المتعلق به، أي: إزالة المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة في جميع صورها.
بعض هذا الذي يراه أصحاب التَّفْسِير المادي للتاريخ صحيح ولا شك، ولكن صحته قائمة في نطاق محدد لا تتعداه إلى التعميم المطلق، وفضلا عن ذلك فإن المغالطات والأوهام حول المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة أكثر بكثير من الحقائق الواردة حولها مع كون هذه الأخيرة محددة في نطاق معين وليست مطلقة الصحة في جميع الحالات.
فكون الذي يملك هو الذي يحكم، وكونه حين يحكم يشرع لصالحه وصالح طبقته على حساب بقية الطبقات.. هذا صحيح صحة كاملة، ولكن في نطاق الجاهليات وحدها التي تحكم بشرائع البشر ولا تحكم بشريعة الله.
وحقيقة أن الجاهليات تحتل القسم الأكبر من التاريخ البشري! ولكن وجود نظام إيماني تحكم فيه شريعة الله بدلا من شرائع البشر حقيقة موضوعية. والأمانة العلمية تقتضي استثناءه من القاعدة العامة التي يضعها التَّفْسِير المادي للتاريخ، ولو أنَّ التَّفْسِير المادي للتاريخ وضع هذا الاستثناء وأشار إليه ما كان لنا عليه اعتراض في هذه النقطة بالذَّات – وإن كانت لنا عليه اعتراضات في مواضع أخرى أشرنا إلى بعضها في حينها ونشير إلى بعضها الآخر فيما بعد -؛ فتاريخ الجاهليات بالفعل تاريخ ظالم شديد الظلم ينقسم فيه الناس دائما إلى سادة وعبيد. سادة يملكون ويحكمون ويُشَرِّعُون، وعبيد لا يملكون شيئا ولا يحكمون ولا يُشَرِّعُون، إنَّما تقع على عاتقهم الأعباء التي يلقيها عليهم الحاكمون.
وانقسام المجتمع إلى سادة وعبيد – أو إلى الذين استكبروا والذين استضعفوا كما جاء في القرآن الكريم -؛ يتصل بالفعل بقضية المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، ولكن حصره في هذه القضية، أو في النِّطَاق المادي والاقتصادي بصفة عامة هو حجب للحقيقة الأصلية التي تنشأ عنها تلك الحقيقة الفرعية التي يركز عليها التَّفْسِير المادي للتاريخ.
الحقيقة الأصلية التي لا يحب الماديون ذكرها على الإطلاق ولا يؤمنون بها كذلك، هي قضية الألوهية وقضية العبودية، قضية الإله وما ينبغي له على عباده، والعباد وما ينبغي عليهم تجاه إِلَهِهِم وخالقهم، ثُمَّ ما يترتب على مخالفة هذه المقتضيات من خلل في حياة البشرية.
إنَّ من حق الله على عباده أنْ يعبدوه – بالمعنى الشامل للعبادة التي يشمل الاعتقاد بوحدانيته وتوجيه الشعائر التعبدية إليه وحده، وطاعته فيما أمر به ونهى عنه، وعدم الاحتكام في أي أمر من أمور حياتهم إلى شريعة غير شريعته -؛ وذلك بمقتضى أنَّه إِلَهَهِم وخالقهم: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} (1).
فَبِمَا أنَّه هو الخالق فهو صاحب الأمر؛ ولا يحق لأحد أن يكون صاحب الأمر إلا أن يكون هو الخالق، أو يكون خالقا مع الله، ولذلك يدور الجدل والحوار كله مع الكفار في القرآن بشأن قضية عبادة غير الله على محور واحد: هل أولئك الذين تطيعون تشريعهم من دون الله هم الخالقون؟ أم لهم شرك في الخلق؟ فإنْ لم يكونوا خالقين ولا لهم شِرْكٌ في الخلق فليس لهم أن يُحِلُّوا أو يُحَرِّمُوا مع الله أو من دون الله.
{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (2).
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا} (3).
ولم يكن ذلك في أمر العبادة بمعنى الاعتقاد فقط، أو بمعنى التوجه إلى الله بشعائر التعبد فقط، إنما كان كذلك في أمر العبادة بمعنى اتباع ما أنزل الله:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (4).
{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} (5).
وحين دخل عدي بن حاتم رضي الله عنه “وكان نصرانيا” على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُم وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (6) فاحتج عدي بن حاتم على الشِّقِّ الخاص بعبادة الأحبار والرُّهْبَان قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: “{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ}”، قَالَ: قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ قَالَ: “أَجَلْ، وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ، فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ، فَيُحَرِّمُونَهُ, فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ!”.
وحين يخرج الناس على عبادة الله فإنَّهم يخرجون على مقتضى عبوديتهم فيصيبهم جزاء ذلك الخروج خبالا في الدُّنْيَا وجحيما في الآخرة.
وخبال الدُّنْيَا هو انقسام المجتمع إلى فريقي السَّادَة والعبيد: السَّادَةُ يملكون ويحكمون ويُشَرِّعُون من عند أنفسهم فتكون تشريعاتهم لصالح أنفسهم على حساب العبيد، والعبيد -الذين رضوا بالعبودية لغير الله فأصبحوا عبيدا لبشر مثلهم- تقع عليهم التكاليف ويقع عليهم الظلم ويقع عليهم الحرمان.
ومن ثَمَّ تكون المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة وبالًا في الجاهلية..لا لأنَّها بطبيعتها كذلك. ولَكِنْ لأنَّها تصبح عندئذ أداة الظلم التي تُمَكِّن للسَّادَةِ في جعل أنفسهم أربابا للعبيد.
والسَّادَةُ والعبيد كلاهما في الجاهلية قد رفضوا العبودية لله فتلقفتهم الشَّياطين: وجزاؤهم في الآخرة جهنم وبئس القرار. أمَّا في الدُّنْيَا فيستمتع السَّادَةُ متاع الحيوان:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} (7).
أما العبيد -أي: الذين لا يملكون- فلهم ذات الجزاء في الآخرة؛ لأنَّهم نكلوا عن عبادة الله ورضوا بعبادة العبيد، وفي الوقت ذاته لهم في الدُّنْيَا البؤس والشَّقاء والظلم يتجرعونه جزاء رضاهم باستعباد أنفسهم لأولئك الأرباب من دون الله.
أما حين يستقيم الناس على أمر الله، فيعبدونه وحده بلا شريك، ويرفضون العبودية لأحد مع الله أو من دون الله، أي: يرفضون التوجه بشعائر التعبد لغير الله، ويرفضون أن يتلقوا التَّشْرِيع من عند أحد غير الله، فعندئذ يكونون قائمين بمقتضى عبوديتهم لله الحق، فيصيبهم جزاء ذلك بركة في حياتهم في الدُّنْيَا ورِضْوَانا من الله في الآخرة.
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (8).
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} (9).
ومن البركات التي تصيبهم في الدُّنْيَا نجاتهم من أن يكونوا عبيدًا للأرباب الزَّائِفَةِ في الأرض، وشعورهم بالعِزَّةِ الحقيقية التي يستمدونها من الاستعلاء بالإيمان. فلا تذل نفوسهم لطغاة الأرض ولا يسمحون لأحد أن يجعل من نفسه رَبَّاً يشرع بغير ما أنزل الله؛ لأنَّهم يستمدون العزة والقوة ممن هو أكبر منهم وأعلى.. الله أكبر.
ومن البركات كذلك الرَّخَاء الذي يسبغه الله على الأرض المؤمنة من خيرات السَّماء التي يفيضها عليهم، ومن تكافل الأمة المؤمنة فيما بينها، فلا يستمتع فريق بالخيرات وحده ويظل فريق في الحرمان.
وعندئذ توجد المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ولا يوجد معها الظلم والشر الذي يصاحبها في الجاهلية؛ لأنَّ الذي يملك هنا لا يحكم! أي: لا يضع تشريعات من عنده يصوغها لمصلحته على حساب الآخرين … إنَّما تكون الحاكمية لله، هو الذي يُحِلُّ ويُحَرِّم وهو الذي يضع التَّشْرِيعات التي يخضع لها الحاكم والمحكوم سواء، والتي يتوفر فيها العدل الحقيقي؛ لأنَّها مُنَزَّلَة من عند رب الجميع الذي لا يحابي أحدًا من البشر على حساب أحد.
وقد تقع المظالم في ظل المنهج الرَّبَّاِنِّي من سوء التطبيق لما أنزل الله، ومن جور الحكام الذي يحدث من عصيانهم لله، وحكمهم في بعض القضايا بغير ما أنزل الله، وإن كانوا لا يضعون تشريعات من عند أنفسهم تخالف ما أنزل الله، ولا يجعلون مخالفاتهم تَشْرِيعَاً يُلْزِمُون به الناس وإلا لكفروا بذلك كفرًا صريحًا وخرجوا من ملة الإسلام، وعندئذ نلحظ أمرين هامين:

الأوَّلُ: أنَّ حجم الظلم الذي يقع على مجموع الأمة أقل بكثير من الظلم الذي يقع في الجاهليات التي لا تحكم بما أنزل الله.

والثاني: أنَّ الأمة مطالبة بكف هذا الظلم ومنعه من الاستمرار وإلا فهم آثمون في حَقِّ الله، كما أنَّهم آثمون في حَقِّ أنفسهم، “مَا كَانَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ يُهْدُونَ بِهَدْيِهِ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِمْ أَقْوَامٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُنْكِرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ” (10).
__________
1 سورة الأعراف: 54.
2 سورة الرعد: 16.
3 سورة فاطر: 40.
4 سورة الشورى: 21.
5 سورة الأعراف: 3.

6 سورة التوبة: 31.
7 سورة محمد: 12.

8 سورة الأعراف: 69.
9 سورة المائدة: 65، 66.

10 أخرجه الطبراني وابن ماجه.

وهكذا يَتَبَدَّى لنا أنَّ الشَّرَّ لا ينجم من المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة في ذاتها، فيكون العلاج هو بترها من منبتها، إنَّما ينجم من طبيعة الجاهلية التي لا تحكم بما أنزل الله، فيكون العلاج هو القضاء على الجاهلية وإدخال الناس في دين الله، وعندئذ تبقى المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة التي شرعها الله لتستجيب للفطرة التي خلقها الله، تبقى على النحو الذي شَرَعَهُ الله، وبالحُدُودِ والضَّوابط التي أنزلها الله.. ولا ينشأ الظلم الذي حرمه الله!
وقد أقفل الماديون كل باب للإصلاح وقالوا: لا إصلاح على الإطلاق إلا بإلغاء المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة إلغاءً باتَّاً لا هوادة فيه. فلما قيل لهم إنَّ ذلك مضاد للفطرة ردوا -“علميا” كعهدهم في كل شَيْءٍ- فقالوا: أوَّلًا إن المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ليست نزعة فطرية، وإنَّما هي مكتسبة، وقالوا ثانيًا: إنَّه لا توجد “فطرة” على الإطلاق، إنَّما تنشأ المشاعر والأفكار والمواقف انعكاسًا من الوضع المادي وتبعا له، ولا شَيْءَ منه ثابت على الإطلاق!
وبصرف النظر عن التناقض الضمني بين القول الأول والثاني؛ لأنَّ الأَوَّل يتضمن الاعتراف بوجود نزعات فطرية في النفس البشرية، وإنَّ نفى المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة من بينها، والثاني ينفي وجود نزعات فطرية على الإطلاق.. بصرف النظر عن هذا التناقض نقول إنَّ ادِّعَاءهم بأنَّ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ليست نزعة فطرية هو مجرد ادِّعَاء ليس عليه دَلِيلٌ علمي واحد … إلا ذلك الدَّليل “غير العلمي” وهو وجود الشِّيُوْعِيَّة الأولى، التي افترضوها كأنَّها حقيقة مؤكدة ثُمَّ راحوا يستنبطون منها كل ما يراود مزاجهم من التَّصَوُّرات والتطبيقات سواء في نزع المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة أو في إباحة الفوضى الجنسية وتفتيت الأسرة أو في غير ذلك من المجالات.
ولقد ناقشنا تلك الشِّيُوْعِيَّة من قبل؛ ورأينا أوَّلًا أنَّه لا يوجد دَلِيلٌ يقيني عليها، ورأينا ثانيا أنَّ أوصافها المزعومة ليست كلها منطبقة على المصدر الذي استمدوا منه كل افتراضاتهم وهو القبائل المنعزلة التي عثر عليها في العهود الأخيرة، ولا على ما هو معلوم من أحوال القبائل القديمة من سجلات التاريخ.
ولكنا نفترض أن ما يقولونه صَحِيح كل الصِّحَّة فيما يتعلق بعدم وجود ملكية فردية في المأكل والمسكن لدى القبائل الأولى التي كانت في بداوة البشرية، فما الدِّلالة “اليقينية” التي يمكن استنباطها من هذا الوضع؟
إننا لا نستطيع أن نستنبط من ذلك يقينا أنَّ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ليست نزعة فطرية! وذلك من أقوالهم ذاتها! فهم أنفسهم يقولون إنَّه بمجرد اكتشاف الزِّراعة ظهرت المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة! فكيف ظهرت؟!
إنَّ القول بأنَّ الزراعة هي التي أنشأت المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة بذاتها -من عند نفسها لا بدافع من النفس البشرية- هو قول سَاذَجٌ غبي لا يثبت للبحث العلمي ولو رددوه في كل كتبهم بلا استثناء.
إنَّما الذي يناسب البحث العلمي أن نقول إنَّ الأرض كانت موجودة من قبل ولكنها لم تستثر حاسة الملك عند الناس؛ لأنَّه لم تكن هناك فائدة تتحقق من امتلاكها، وبمجرد ظهور الفائدة تحركت الحاسة التي كانت موجودة من قبل في حالة كمون، فنشطت وتحركت للعمل.
وقد تكرر هذا في التاريخ أكثر من مرة.
فالحيوانات قبل استئناسها كانت موجودة ولكنها لم تستثر حاسة الملك؛ لأنَّه لا فائدة تتحقق من امتلاكها وهي على هذه الصُّوْرَة، ولكن بمجرد أن أمكن استئناسها، وظهرت الفائدة منها، سعى الناس إلى امتلاكها ملكية قبلية أوَّلًا ثُمَّ ملكية فردية بعد ذلك حين نمت شخصية الفرد واستقل بوجوده الَّذاتي عن القبيلة، ولم يكن للزراعة دخل في هذا الأمر على الإطلاق! إنما يرجع الأمر إلى أصلين كبيرين:

الأصل الأول: هو وجود الفائدة من التملك أو عدم وجودها.

والأصل الثاني: هو درجة النمو الاجتماعي الذي يكون عليه الفرد، وهل هو فرد في قبيلة أم فرد في تجمع أكبر من القبيلة؟

فحين يكون فردًا في قبيلة تكون القبيلة هي “الوحدة” النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمارس الفرد من خلالها وجوده فلا تكون الملكية للفرد ولكن تكون للقبيلة في مجموعها، ثُمَّ تتناحر القبائل فيما بينها على الملكية إذا كانت الجاهلية هي التي تحكمها، وحين يكون فردًا في تجمع أكبر من القبيلة يكون وجوده الفردي أكثر بروزا إلى أن يصبح فردًا في أمة فتكون ذاتيته الفردية في أبرز أوضاعها، ثُمَّ يتناحر الأفراد -من خلال وجودهم الفردي أو وجودهم الطبقي- إذا كانت الجاهلية هي التي تحكمهم.
وعلى ذلك نقول إنَّ الشِّيُوْعِيَّة الأُوْلَى -على فرض وجودها- ليست دَلِيلًا يقينيا على عدم وجود نزعة فطرية للتملك، إنَّما هي دَلِيلٌ فقط على عدم وجود نشاط ظاهر لهذه النَّزْعَة في تلك الفترة؛ لأنَّها نشطت بالفعل بمجرد وجود حوافز تستثيرها.
ونقول ثانيا: إنَّ هذه النزعة يمكن أن تهذب إلى درجة عالية جدا توشك أن تحولها إلى نزعة جماعية كما صنع التهذيب الإسلامي بالأنصار حتى جعلهم يؤثرون المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ويقتسمون معهم كل ما يملكون من متاع الحياة الدُّنْيَا، حتى قال الله فيهم.
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1).
ولكن هذا التهذيب لا يلغي النزعة الفطرية من أساسها إنما يرفعها إلى أنبل صورها مع الإبقاء على أصلها، ولو كان الله منزل هذا الدِّين الذي هَذَّبَ النفوس إلى هذا الحد الرفيع يعلم -سبحانه وتعالى- أن إلغاءها بدلا من إبقائها وتهذيبها أنفع للإنسان أو أنسب لطبيعته لشرع سبحانه إلغاءها، ولكنا نجد التَّشْرِيعات كلها والنصوص كلها تؤكد وجودها في فطرة الإنسان، ولكنها فقط تعمل على تهذيبها إلى أقصى ما يملك البشر من آفاق التهذيب، وهذا نموذج من النصوص التي تحوي الإثبات والدعوة في ذات الوقت إلى التسامي:
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} (2).
فإذا كان الماديون لا يؤمنون بهذا الحديث كله ويشمئزون من ذكره، فإنَّنا نقول لهم أخيرًا إنَّ نزعة المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة يمكن أن تقهر قهرا كاملا كما حدث في ظل الشِّيُوْعِيَّة، ولكن هذا أيضا لا يزيلها من منبتها! والدَّليل على ذلك شيئان حدثا في التَّطْبِيق الشِّيُوعِي ذاته يهدمان النظرية من أساسها، ويؤكدان أن المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة نزعة فطرية أصيلة في النفس البشرية.
الشَّيْءُ الأَوَّل هو تراجع الشيوعيين -في التطبيق- عن مبدأ الإلغاء الصَّارِم البات لكل نوع من أنواع المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، الذي بدءوا به حياتهم التطبيقية، ولجوءهم إلى تمليك الأشياء الشخصية وسماحهم بالعمل الإضافي -بعد أداء وحدة العمل الإجبارية- لمن أراد أن يعمل، في مقابل أجر إضافي يمكن أن تشترى به أشياء شخصية يمتلكونها مدى حياتهم.
ولَوْلا أنَّ الشِّيوُعيين وجدوا نزعة المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ذات وجود قاهر -رغم كل القهر البوليسي الذي تمارسه الدَّوْلَة -ما تراجعوا هذا التراجع تحت أي ضغط من الضغوط؛ لأنه تراجع عن أصل جذري من أصول النظرية، يمكن أن يؤثر في النظرية ذاتها على المدى الطويل!
والشَّيْءُ الثاني: هو تناقص الإنتاج الزراعي المتواصل في ظل المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة نتيجة لضعف الحافز إلى العمل!
وقد يسأل سائل: ولماذا حدث ذلك في الإنتاج الزراعي وحده ولم يحدث في الإنتاج الصناعي الذي تقدم تقدما كبيرا في ظل “النظام”؟ ونجيب السائل بأنَّ الإنتاج الصناعي -وخاصة في ظل التكنولوجيا الحديثة- يمكن أن يخضع للرِّقابة الصَّارِمة، ويمكن أن يحدد فيه العامل المهمل بدقة متناهية؛ لأنَّ عملية الإنتاج ذاتها توزع العمل توزيعا دقيقا على مجموعة العمال الذين يقومون به، بحيث يقوم كل منهم بعملية واحدة محدودة تتكرر بذاتها مع كل قطعة من قطع الإنتاج.. فيمكن -بسهولة- عند مراجعة الإنتاج أن يعرف العامل المقصر حين يقع تقصير. وعندئذ يقدم لمحاكمة عاجلة، بتهمة التخريب والخيانة … إلخ، وقد يحكم عليه بالإعدام، وينفذ فيه الحكم فورًا على رءوس الأشهاد، نكالا لما بين يديها وما خلفها، وإرهابا لمن تحدثه نفسه بالتقاعس والإهمال!

أما الإنتاج الزراعي فلا يمكن مراقبته وضبطه بهذه الصُّوْرَة مهما كانت شدة الرقابة وصرامتها … ولذلك تناقصت الغلة عاما بعد عام، حتى صارت روسيا -التي كانت من قبل من الدول المصدرة للقمح، والتي أضيف إليها أوكرانيا، حقل القمح الخصب في أوروبا- صارت روسيا هذه تستورد القمح من أمريكا بكميات متزايدة.
ولقد زعموا أن هذا ناشئ من الآفات الزراعية!!
ولكن العلاج الذي وضعه “خروشوف” يكشف عن أنَّ الآفات الزراعية لا علاقة لها بالموضوع إطلاقا! فإنَّ “خروشوف” لم يأمر بزيادة الأبحاث الخاصة بوقاية الزُّروع من الآفات، ولكنَّهُ أمر بإتاحة المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة لقسم من المحصول، وللدَّار التي يقيم فيها الفلاح! فظهر جليَّاً أن نقص المحاصيل كان راجعا إلى ضعف الحافز على الإنتاج نتيجة مقاومة الحافز الفردي وقهره، وأنَّ العلاج هو الاعتراف -ولو جزئيا- لهذا الدَّافع بحق الوجود!
ويغنينا هذا عن مزيد من الجدل النظري الذي لا يصل- مع الماديين- إلى نتيجة!
{وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (3).
يقيم الماديون تفسيرهم للحياة البشرية على أساس أنَّ الصِّرَاع الطبقي هو قوام هذه الحياة منذ خرج الناس من الشِّيُوْعِيَّة الأولى حتى يعودوا إلى الشِّيُوْعِيَّة الثانية، وأن هذا الصِّرَاع الطبقي متعلق بالمِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة فلا يزول من الأرض حتى تزال المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، وبمجرد أن تزول المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة يرجع الناس إلى الحياة الملائكية التي كانوا عليها أيام الشِّيُوْعِيَّة الأولى وتستريح البشرية من الصِّرَاع …
وكما قلنا مع الملائكية الفردية نقول مع الصِّرَاع الطبقي …
صحيح ما يقولون.. ولكنها صحة محددة بنطاق معين، وليست صحة مطلقة …
صحيح بالنسبة للجاهليات.. ففي الجاهليات يصدق القول بأنَّ الذي يملك هو الذي يحكم، وحين يحكم يُشَرِّع لصالح نفسه وصالح طبقته على حساب بقية الطبقات … ومن ثَمَّ ينشأ صراع بين الطبقات، ويدور الصِّرَاع حول متاع الأرض؛ لأنَّ الجاهلية مفتونة أبدًا بمتاع الأرض؛ ولأنَّه في غياب القيم العليا لا يبقى للناس إلا متاع الأرض يتصارعون حوله ويتقاتلون عليه.
أما في النظام الرباني فليست هناك -بادئ ذي بدء- طبقات! ومن ثم فلا يوجد صراع طبقي!
ومن كان في شك من هذه الحقيقة فليرجع إلى تعريف “الطبقة” وتعريف “الصِّرَاع الطبقي” عند الماديين أو عند غيرهم سواء.
الطبقة مجموعة من الناس يجمع بينهم وضع اقتصادي معين ومن ثم تجمع بينهم مصالح اقتصادية معينة، ويشملهم وضع تشريعي معين، فهم إما الطبقة التي تملك، ومن ثم فهي التي تحكم، وإما الطبقة التي لا تملك ومن ثم فهي لا تحكم، وإنما يقع الحكم عليها.
وبيان ذلك من عهود الرق والإقطاع والرَّأْسِمَالِيَّة كالآتي:
في عهد الرق كان الناس طبقتين رئيسيتين: طبقة السادة وطبقة العبيد. السادة يملكون كل شيء، ويملكون جميع الامتيازات والعبيد من بين “الأشياء” التي يملكها السادة، لا حقوق لهم على الإطلاق، والسيد يتصرف فيهم كما يشاء.
وفي عهد الإقطاع في أوروبا كان الناس ثلاث طبقات رئيسية: طبقة الأشراف “أمراء الإقطاع” وطبقة رجال الدين وطبقة الشعب، وكان الأشراف ورجال الدين متحالفين كأنهما طبقة واحدة، وكانا يملكان ويحكمان كل في دائرته واختصاصه، والشعب لا يملك ولا يحكم وإنما يقع عليه عبء الطبقتين السالفتين جميعا.
وفي عهد الرَّأْسِمَالِيَّة انقسم الناس إلى طبقتين رئيسيتين: طبقة أصحاب رءوس الأموال وطبقة العمال. وفي ظاهر الأمر -من خلال مسرحية الديمقراطية والتمثيل النيابي- يبدو أن الشعب -الذي لا يملك- صاحب سلطان ولكن الحقيقة المستترة وراء المسرحية أن الحاكم الحقيقي هو المالك الحقيقي، أي: إن الطبقة الرَّأْسِمَالِيَّة هي التي تحكم وطبقة العمال هي التي يقع عليها الحكم.
وفي كل مرة من المرات الثلاث كان يثور صراع طبقي بين الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة يؤدي إلى تغير مستمر في الأوضاع، فالصِّرَاع الأول حرر عبيد السيد وحولهم إلى عبيد للأرض أو أقنان، والصِّرَاع الثاني حرر عبيد الأرض وحولهم إلى عمال صناعيين، وأما الصِّرَاع الثالث فقد أدى إلى الشِّيُوْعِيَّة، وفي الشِّيُوْعِيَّة تقول النظرية إن طبقة “البروليتاريا” أي: الطبقة الكادحة هي التي تملك وتحكم، وتبيد الطبقات الأخرى جميعا فينتهي الصِّرَاع الطبقي بإبادة الأطراف التي يمكن أن تصارع البروليتاريا في أي وقت من الأوقات.
في النظام الرباني لا يوجد شيء من هذا كله!
حقيقة إنه توجد ملكية فردية ويوجد في المجتمع أغنياء وفقراء.. ولكن لا الأغنياء طبقة ولا الفقراء طبقة، ولا هؤلاء ولا هؤلاء يحكمون!
فالثروة في المجتمع الإسلامي دائمة التنقل من جيل إلى جيل بحيث لا تكون “طبقة” دائمة من أفراد معينين أو أسر معينة تتوارث وضعا اجتماعيا معينا. فأي فقير يمكن أن يتحول إلى غني، وأي غني يمكن أن يتحول إلى فقير، فلا يحجزه شَيْءٌ عن أن يكون هذا أو ذاك، بحسب تصرفه الشَّخصي من ناحية، وبسبب حركة المواريث الدَّائمة التي تُفَتِّت الثروة من مكان وتجمعها في مكان آخر.
ثم إن أي إنسان قد يتسلم السلطة، ولكنه حين يتسلمها لا يحكم بهواه، إنما يحكم بشريعة الله، وهذه تقوم على أن إنسانية الإنسان مستمدة من كونه إنسانا، لا من كونه غنيا أو فقيرا أو مالكا أو غير مالك، ثم إنها تطبق على الجميع بصورة واحدة.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحَذِّرَاً الأمة الإسلامية: “أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا” (4).
وقد يقع الظلم كما قلنا من قبل من سوء التطبيق لشريعة الله، ومن جور الحكام الذين يحكمون في بعض الأمور بغير ما أنزل الله، ولكن يظل الظلم الواقع على مجموع الأمة أقل بكثير مما يقع على الأمم التي لا تحكم بما أنزل الله، ثم يظل من واجب الأمة المسلمة أن تقاوم الظلم وترد الظالم إلى الصواب، وإلا فهي آثمة في حق الله كما أنها آثمة في حق نفسها.
وحين يشتد الظلم فيثور المسلمون -وقد حدث هذا أكثر من مرة في التاريخ الإسلامي- فهو ليس صراعا “طبقيا” بالمعنى الذي يشير إليه التَّفْسِير المادي للتاريخ؛ لأنه لا يوجد طبقة تريد الإطاحة بطبقة أخرى لتأخذ مكانها في السلطة والتَّشْرِيع، إنما يطالب الثائرون بالعدل، أي: بتطبيق شريعة الله في المواضع التي خولفت فيها شريعة الله، وما أبعد هذا عن الصِّرَاع الطبقي كما يفهمه التَّفْسِير المادي للتاريخ!
إنما يوجد الصِّرَاع في النظام الرباني على أسس مختلفة تماما عن الصِّرَاع الطبقي الذي هو محور الحياة في الجاهلية – إنْ صَدَّقْنَا التَّفْسِير المادي للتاريخ في إرجاعه كل الصِّرَاعات في الأرض إلى الصِّرَاع الطبقي، وسنرى الآن أن هذا غير صحيح”.
الصِّرَاع الذي أمر الله المؤمنين بخوضه هو هذا الصِّرَاع:
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (5).
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (6).
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} (7).
صراع لا علاقة له على الإطلاق “بالطبقات” ولا بالمِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة! إنه صراع الحق والباطل، الذي يقول الله فيه: {الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (8).
وهو صراع لا يتوقف أبدا ما دام هناك حق وباطل.
ونعود إلى التَّفْسِير المادي للتاريخ فنجده يحصر الصِّرَاع كله في الصِّرَاع الطبقي، ويحصر أسباب الصِّرَاع في المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، ثُمَّ يزعم أن الصِّرَاع سيتوقف حين تزول المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة …
وبصرف النظر عن أنَّ دلالة التاريخ تقول إنَّه قامت في الأرض -سواء في الجاهليات أو في الإسلام- صراعات كثيرة غير قائمة على الصِّرَاع الطبقي وغير منبعثة من المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، فإنَّه يهمنا في ختام هذه الفقرة أن نكشف عن زيف الدَّعْوَى القائلة بأنَّ إلغاء الفردية سيقضي على الصِّرَاع …
فالشِّيُوْعِيَّة قد ألغت المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة..
فيم إذن قام الصِّرَاع بين لينين وتروتسكي، وبين ستالين وبيريا، وفيم المؤامرات الدَّائمة التي يعلن عن تصفيتها والتغلب عليها، أو تكون نتيجتها الإتيان بزعيم مقدس جديد بدلًا من الزعيم المقدس الهالك أو المدحور؟!
وفيم الصِّرَاع بين شِقَّيْ المعسكر الشيوعي: روسيا والصين؟!
أَوَلَمْ تلغ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة؟! فلماذا إذن بقي الصِّرَاع؟!
أَوَّلًا يدلنا ذلك -على أقل تقدير- على أن إلصاق الشرور كلها بالمِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة تعسف غير “علمي” أقرب إلى الدِّعاية الغوغائية منه إلى حقائق الواقع وحقائق العلم؟!
__________

1 سورة الحشر: 9.

2 سورة آل عمران: 14- 17.

3 سورة الأعراف: 146.

4 رواه البخاري.

5 سورة البقرة: 251.
6 سورة الحج: 40، 41.
7 سورة الأنفال: 39.

8 سورة النساء: 76.

5- التطور:
يزعم التَّفْسِير المادي للتاريخ أن الحياة الإنسانية في تطور مستمر إلى الإمام، وأن كل مرحلة من مراحل التاريخ الخمس كانت أرقى من سابقتها، أي: إنها تعتبر مرحلة “تقدمية” بالنسبة لما سبقها، فمرحلة الرق أرقى من مرحلة الشِّيُوْعِيَّة الأولى، ومرحلة الإقطاع أرقى من مرحلة الرق، والرَّأْسِمَالِيَّة أرقى من الإقطاع، والشِّيُوْعِيَّة أرقى من الرَّأْسِمَالِيَّة..
وهذه القضية حين تطلق على هذا النحو تكون محل مآخذ كثيرة.
فلو أن التَّفْسِير المادي للتاريخ حدد التقدم بميدان العلم والتكنولوجيا لكان هذا معقولا وصحيحا بصفة عامة.. وإن كان اعتبارنا لصحته قائما على أساس آخر غير الذي يقيم عليه التَّفْسِير المادي تصوراته.
فالتَّفْسِير المادي كما شاهدناه يجعل المادة هي الأساس.. ونحن نقول إنَّ النفس البشرية هي الأساس في كل ما يتعلق بالإنسان، وإن تعامل الإنسان مع المادة، وكل ما ينشأ عنه من نتائج هو جانب -واحد- من جوانب النفس الإنسانية والحياة الإنسانية.
والتقدم العلمي والتكنولوجي المستمر في حياة الإنسان ليس قائما على المادة، إنَّما هو قائم على تفاعل الإنسان مع الكون المادي من حوله، فلولا أنَّ في الإنسان نزعة فطرية إلى المعرفة، ونزعة فطرية إلى استخدام ثمار المعرفة في تحسين أحواله المعيشية، ما حدث التقدم العلمي ولا التكنولوجي رغم وجود المادة الدَّائم من حول الإنسان.
وإذا كانت المادة موجودة حول كل الكائنات الحية ومع ذلك لا تثير فيها الرغبة في المعرفة العلمية المنظمة ولا الرغبة في استخدام ثمار المعرفة في تحسين أحوالها المعيشية..إلا الإنسان … فهل يكمن الفرق في المادة أم في الإنسان؟! تلك بديهية يعمى عنها التَّفْسِير المادي للتاريخ. لا لأنَّه عَمِيٌّ عنها في الحقيقة! لكن لأنها تفتح الباب الذي لا يحبون له أن ينفتح أبدًا، وهو “إنسانية” الإنسان؛ لأنَّ هذا الباب يمكن أن يؤدي إلى تثبيت “القيم” التي يريدون تحطيمها: الدين والأخلاق والتقاليد المستمدة من الدين بوصفها صادرة عن الفطرة الإنسانية أو متمشية معها!
سدًّا لهذا الباب يقولون إنَّ المادة هي الأصل -لا الإنسان- لأنَّك لا تستطيع أن تحاسب المادة على شَيْءٍ من القيم أو تطالبها بِشَيْءٍ منها! وهو قول -كما أسلفنا- لا يمكن فهمه على أساس “العلم” إنما يفهم فقط حين تخرجه من الدائرة العلمية وتنظر إليه من زاوية الهدف المطلوب تحقيقه!
فحين نسلم بالتقدم المستمر في ميدان العلم النظري والتطبيقي – مع التغاضي عن وجود ذبذبات في خط التقدم – فإنَّنا نسلم به على أساس أنَّه نابعٌ من عوامل موجودة في فطرة الإنسان وتكوينه، أودعها فيه الخالق ليعينه في مهمة الخلافة في الأرض: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (1).
{عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (2).
{وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (3).
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (4).
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (5).
{وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} (6).
أما افتراض التقدم في كل جوانب الحياة فَتَقَوُّل ينقضه الواقع.
والقضية كلها راجعة إلى أصل المقياس، فإذا أخذنا الحياة المَادِّيَّة -أو بالأحرى التَّفْسِير المادي للإنسان- جاز أن نقول ذلك، فالسيارة لا شك أسرع وأرقى من ركوب الجمل والحمار، وناطحة السحاب أرقى من الخيمة والكوخ، و”الفستان” الأنيق المطرز أرقى من قطعة الجلد التي كانت تلبسها امرأة الغابة، والمكتب الفاخر أرقى من جلسة الكاتب القديم، الذي كان يجلس القرفصاء ويسند الورق على ركبتيه!
أمَّا إذا جعلنا مقياسنا “إنسانية” الإنسان، أي: القيم والاعتبارات التي ميزت بين الإنسان والمادة وبين الإنسان والحيوان، فالأمر يختلف اختلافا بينا، والصُّوْرَة لن تكون تَقَدُّمَاً مستمرا، ولكن تذبذبا مستمرا بين الصعود والهبوط، وأسوأ ذبذباتها الهابطة هو الجاهلية المعاصرة في كل أرجاء الأرض.
إنَّ فكرة التطور المستمر إلى أعلى هي فكرة “داروينية” ولا شك، وقد تأثر الماديون تأثرًا بالغًا بالداروينية في أكثر من موضع من تصوراتهم ونظرياتهم. ولكن داروين كان يتحدث عن أجسام الكائنات الحية ووظائفها الحيوية، ولم يتحدث عن شَيْءٍ غير ذلك، أمَّا الماديون فَقَدْ أمسكوا بخطوط الداروينية فمدوها مدا واسعا لتخدم أغراضهم الخاصة، وزعموا أنَّها صحيحة لمجرد كون الأساس الذي بنوا عليه -وهو التطور- صحيح!
وبصرف النَّظَر عن صِحَّةِ الدَّاروينية أو عدم صحتها فالإنسان –منذ نشأته- له مقاييسه الخاصة التي يختلف فيها عن كل الكائنات من حوله، ولقد مرت بنا شهادة الداروينية الحديثة بشأن تفرد الإنسان في كل جوانب تكوينه وجوانب حياته، ومن بين جوانب تفرده أنه متفرد كذلك في معاييره فلا تنطبق عليه معايير المادة الجامدة ولا معايير النبات ولا معايير الحيوان.
ومعيار الإنسان -الذي تفرد به بين المخلوقات- أن له طريقين: طريق الهدى وطريق الضَّلال، وأنه صاعد إذا سار في طريق الهدى وهابط إذا سار في طريق الضَّلال؛ لأن طريق الهدى هو الذي يؤكد على “القيم الإنسانية” التي جعلت الإنسان إنسانا من مبدأ حياته، وطريق الضلال هو الذي يجانب تلك القيم ويضيعها.
وخط التاريخ البشري -كما هو معلوم من التاريخ- خط متذبذب على الدَّوام بين طريق الهدى وطريق الضَّلال. ولذلك فهو متذبذب على الدَّوام بين الصُّعُود والهبوط، بين الرِّفْعَة والانتكاس، وليس خطا صاعدا على الدوام متقدما على الدوام كخط التقدم العلمي والتكنولوجي، وليست المسألة أن هذه وجهة نظر وتلك وجهة نظر أخرى على مستوى واحد من احتمال الصحة والخطأ، فإنَّ مادية الإنسان لا يوجد عليها دَلِيلٌ علمي واحد، بينما توجد عشرات الأدلة ومئاتها على إنسانية الإنسان، ومن ثَمَّ يتضح طريق الخطأ وطريق الصَّواب!
إنَّما أراد الماديون أن يثبتوا التَّطَوُّر المستمر “التقدمي” في حياة الإنسان لسببين رئيسيين:
الأول: أن يقولوا إنَّ الفساد الخلقي والتحلل الديني الذي وجد في المجتمع الصناعي كان خطوة “تقدمية”.
والثاني: أن يقولوا إنَّ الشِّيُوْعِيَّة خطوة تقدمية؛ فمن أراد أن يكون “تقدميا” فلينبذ بادئ ذي بدء دينه وأخلاقه، ثُمَّ ليكن شيوعيا في نهاية المطاف!
ولا هذا ولا ذاك حقيقة علمية، إنَّما هي الأهواء والشَّهَوَات:
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} (7).
__________
1 سورة هود: 61.

2 سورة العلق: 4، 5.
3 سورة البقرة: 31.
4 سورة النحل: 78.
5 سورة الجاثية: 13.
6 سورة إبراهيم: 34.

7 سورة المؤمنون: 71.

6- الحتميات:
يقوم التَّفْسِير المادي على الحتميات المَادِّيَّة أي: المستمدة من قوانين المادة الحتمية، والاقتصادية المستمدة من الوضع الاقتصادي، والتاريخية المستمدة من المرحلة التاريخية التي يوجد فيها الإنسان من المراحل الخمس الكبرى: الشِّيُوْعِيَّة الأولى أو الرق أو الإقطاع أو الرَّأْسِمَالِيَّة أو الشِّيُوْعِيَّة الثانية.
والحتميات الثلاث على أي حال مؤد بعضا إلى بعض بحيث نستطيع أن نتعامل معها كأنَّها حتمية واحدة، مادية اقتصادية تاريخية، فإنَّها كلها أوجه لشَيْءٍ واحد، وكل حدث من أحداث التاريخ واقع -لا محالة- تحت ظل الحتميات الثلاث.
ولسنا هنا بصدد مناقشة علمية لهذه الحتميات، فسنرى فيما يلي من الحديث أنَّها ليست حتميات بحال من الأحوال! وما يكذبه الواقع لا يحتاج أن ندخل معه في نقاش؛ لأنَّ صوت الواقع أصدق من النظريات والفروض.
ولكنَّا نلفت النظر إلى قضية معينة فيما يتعلق بالحتميات، هي قضية “الإنسان” … أين مكانه في هذه الحتميات؟ موجود هو أم غير موجود؟ وإذا كان موجودًا فما دوره إذا كان كل شيء يتم بمقتضى الحتميات المَادِّيَّة والاقتصادية والتاريخية؟
يقول “ماركس”: “في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى لهم عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم” اهـ. فإذا كانت مستقلة عن إرادة جميع الناس فمن إذن واضعها؟ وأي مقياس تقاس به لنقول إنَّها خطأ أو صواب؟ وما مسئولية الإنسان الأخلاقية فيها لنقول إنَّ هذا الإنسان خَيِّرٌ وذاك شِرِّيرٌ؟ أم لا خير ولا شرير وكلهم سواء؟!
إنَّ قضية الحتميات خطيرة في الواقع أخطر مِمَّا تبدو للوهلة الأولى؛ لأنَّها تعني الإلغاء الكامل لكيان الإنسان الإيجابي ذي الإرادة وذي الفاعلية، وإلغاء القيم الأخلاقية كلها، وإلغاء المسئولية أو “الأمانة” التي يحملها الإنسان.
ما دَامَ كل شَيْءٍ مرصودًا مكانه على خط سير التاريخ البشري فما قيمة العمل الإنساني؟ ما الفرق بين أن يعمل أو لا يعمل؟ وما الفرق بين عمل وعمل؟ وما قيمة الوجود الإنساني في التاريخ البشري إذا كان الإنسان بهذه السلبية، يصنع الأشياء بينما هي مستقلة عن إرادته، كلعبة “خيال الظل” التي تتحرك فيها الدُّمَى أمام عين الناظر بينما هي في الحقيقة غير متحركة بذاتها، إنَّما تحركها اليد التي تختفي وراء الستار!
وليس بنا أن نلغي أثر الضغوط التي تقع على الإنسان من خارج كيانه وتؤثر في حركته، سواء كانت ضغوط المادة بمعنى الكون المادي على اتساعه، وبمعنى البيئة المحيطة بالإنسان؛ أو ضغوط الأوضاع الاقتصادية، أو ضغوط المجتمع.. أو أي نوع من الضغوط يقع خارج كيان الإنسان الفرد ويؤثر فيه على غير رغبته …
ليس بنا أن ننكر شيئا من ذلك كله.. ولكن هذا ليس ما يقوله التَّفْسِير المادي للتاريخ في قضية الحتميات..إنَّما يقول ذلك التَّفْسِير إنَّ كل حياة الإنسان مرسومة له من خارج كيانه، ومستقلة عن إرادته، لا يملك أن يقف فيها موقفا يخالف ما تفرضه الحتميات. حتى مشاعره لا يملكها! إنَّما يكونها له الوضع الاقتصادي على غير إرادة منه يقول “ماركس”: “ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم ولكن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم”. بينما يقول “إنجلز”: “إن الأسباب النهائية لكافة التغيرات أو التحولات الأساسية لا يجوز البحث عنها في عقول الناس أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين، إنما في التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل”.
وحتى التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل لا تنسب إلى “الإنسان”! كأنَّما تَحْدُث تلقائيا بغير فاعل!! وكأنَّما عقل الإنسان ومشاعره ليست -على الأقل- جزءًا من عوامل التغيير!
ما الإنسان إذن؟
إنَّه مجرد “أداة” في يد جبارة ماردة هي الحتميات!
ليس الإنسان هو الذي يصنع التاريخ، ولكن التاريخ “بحتمياته” هو الذي يصنع الإنسان!
ألا ما أبأس الإنسان في ظل التَّفْسِير المادي للتاريخ! وما أهون شأنه، وما أهون دوره كذلك! دور الاستسلام الكامل للحتميات التي تصنع له حياته وتصنع له تاريخه “مستقلة عن إرادته”!
وماذا يساوي -مع الجبروت القاهر لهذه الحتميات التي لا تستجيب لشفاعة ولا تحفل ضراعة- أن يكتب في سطر من سطور هذا التَّفْسِير أنَّ الإنسان هو سيد هذا الكون، إذا كان كل سطر من سطور هذا التَّفْسِير يجعله عبدًا ذَلِيلًا خاضعا لذلك الجبار الذي لا يلتفت مرة واحدة لهذا الإنسان، ولا يعيره اهتمامه ولا يرحم ضعفه ولا يقيله من عثرته؟!
ثُمَّ … “من” الذي يصنع التغيير في حياة الإنسان؟! و”ما” الذي يصنعه؟! وكيف صار للإنسان تاريخ؟!
يقولون: هي المادة وقوانين المادة …
وما بنا من حاجة أن نعود إلى السؤال الذي سألناه من قبل: ما بال المادة وقوانينها لا تصنع هذا التغيير في حياة الحيوان؟! إنَّما نقول إنَّ خصائص “الإنسان” التي تفرد بها هي التي تصنع تاريخه، وتصنع التغيرات في هذا التاريخ، فلولا رغبة الإنسان في المعرفة -تلك الرغبة المركوزة في أعماق كيانه- ولولا رغبته في استخدام ثمار المعرفة في تحسين أحواله المعيشية في شتى جوانبها، المادي منها وغير المادي، ولولا قدرته على تخيل صورة معينة لأشياء لم توجد بعد في عالم الواقع، وبذل الجهد في محاولة إيجادها في الواقع..
لولا هذه “الخصائص” التي تفرد بها الإنسان، هل كان يمكن أن يكون للإنسان تاريخ؟!
إن الحيوان ليس له تاريخ.. ولن يكون له …
فالحمار الذي عاش قبل عشرة آلاف سنة هو الحمار الذي يعيش اليوم.. لم يغير شيئا في واقع حياته، ولا يملك أن يغير.. ليس له ماض يرجع إلى تجاربه، ولا مستقبل يسعى إلى تحقيقه. ليس له “ذكريات”، ولا “آمال”، ولا “تطلعات” تتجاوز شخصه إلى أشخاص غيره من الحمير، أو تتجاوز لحظته الحاضرة إلى الغد القريب أو البعيد.
ولكن الإنسان -بخصائصه المتفردة- لم يكن كذلك منذ مولده، إنَّما كانت له دائما “تجربة” واعية يختزنها في كيانه فردا وجماعة ويجعلها نقطة ارتكاز ينطلق منها إلى التجربة التالية، وكانت له دائما ذكريات فردية واجتماعية، وآمال وتطلعات، فردية واجتماعية كذلك، ترسم له -إلى جانب الشَّهَوَات والضَّرُورَات المركوزة في كيانه- خط رحلته في هذه الأرض.
ومجمل تاريخه هو مجمل ذلك كله.
وحين يخترع آلة جديدة فهذا الاختراع نابع من صميم نفسه … من تجاربه الواعية، ومن ذكرياته وآماله وتطلعاته.. إنَّه لا ينشئها عبثا، ولا تنشأ هي في حياته بطريقة ذاتية، إنَّما يخترعها لتلبي رغبة من رغباته الكامنة، لأداء ضرورة من ضرورات حياته، أو لتحسين وضع من أوضاعه، أو لتحقيق أمر من “الكماليات” بالنسبة له في تلك اللحظة، يتحول إلى ضرورة بعد فترة من الوقت، فيسعى من جديد إلى تحسينه أو البحث عن كماليات جديدة.
وصحيح أنَّ الآلة الجديدة تحدث تغيرا في حياته، قد لا يكون منظورا كله وقت التفكير في اختراعها، أو لا يكن شيء منه منظورا على الإطلاق.. ولكن هنا ينبغي أن نتذكر أمرين مهمين:
الأوَّل: أن الآلة قد اخترعت في الأصل تلبية لحاجة في نفس الإنسان يسعى إلى تحقيقها، ولم تظهر إلى الوجود من تلقاء نفسها، ولا اخترعها الإنسان عبثًا بغير غاية، ولا فُرِضَتْ عليه فرضا من خارج كيانه.
الثاني: أن التغيير الذي تُحْدِثُه الآلة لا يجري على مزاج الآلة ذاتها، فهي في ذاتها لا إرادة لها ولا وعي ولا توجيه؛ لأنها “مادة” والمادة هكذا … لا إرادة لها ولا وعي ولا توجيه! إنما يجري التغيير -جزئيا على الأقل- على مزاج “الإنسان” وحسب الوضع الذي يعيش فيه، ولا نقصد الوضع الاقتصادي وحده -كما يقول التَّفْسِير المادي للتاريخ- إنَّما الوضع كله: الروحي والفكري والمادي على السَّواء. فاختراع المحراث الحديدي أدى إلى الإقطاع في أوروبا، لا لأنَّ المحراث الحديدي يؤدي -بطبيعته- إلى الإقطاع؛ ولكن لأنَّ ظهوره في الجاهلية القائمة يومئذ يمكن أن يؤدي إلى ذلك، بمعنى أنَّ أطماع ذوي السُّلْطَان من الجاهليين يومئذ تجد في المحراث أداة تمكنها من السيطرة على الصورة التي وقعت في الإقطاع الأوروبي، ولم يكن ذلك ليحدث -بهذه الآلة ذاتها- لو أنَّ القوم هناك كانوا يحتكمون إلى شريعة الله، إنما كان الوضع الفكري والروحي الناشئ من اعتناق العقيدة الصحيحة والتحاكم إلى الشريعة الصحيحة يحدث -بهذه الآلة ذاتها- وضعا ماديا واقتصاديا مختلفا عمَّا وقع في جاهلية القرون الوسطى المظلمة في أوروبا، والآلة التي تدار بالطاقة أدت إلى ظهور الرَّأْسِمَالِيَّة في أوروبا لا لأنَّ تلك الآلة -بطبيعتها- تؤدي إلى الرَّأْسِمَالِيَّة! فهي في روسيا لم تؤد إلى الرَّأْسِمَالِيَّة، ومعلوم أنَّ التَّصنيع الحقيقي لم يتم في روسيا إلا بعد دخولها في الشِّيُوْعِيَّة! ولكن لأنَّ ظهورها في ذلك الوقت -في الجاهلية القائمة وقتئذ- يمكن أن يؤدي إلى ذلك، بمعنى أن ذوي السُّلْطَان في تلك الجاهلية يمكن أن يجدوا فيها أداة إلى السيطرة على النحو الذي تم في الرَّأْسِمَالِيَّة الغربية اليهودية، ولم يكن ذلك ليحدث -بهذه الآلة ذاتها- لو أن شريعة الله كانت هي الحاكمة في حياة الناس، إنما كان الوضع الفكري والروحي الناشئ من اعتناق الناس للعقيدة الصحيحة وتحاكمهم إلى الشريعة الصحيحة يُحْدِثُ -بتلك الآلة ذاتها- وضعا ماديا واقتصاديا مختلفا عن الوضع الرأسمالي، على الأقل بالقدر الذي استطاعت به العقيدة الشِّيُوْعِيَّة والفكر الشيوعي أن يُحْدِث -بالآلة نفسها- وضعا ماديا واقتصاديا مغايرا للوضع الرأسمالي!!

ولا عبرة بالقول إن الشِّيُوْعِيَّة لم تنشأ إلا من تناقضات الرَّأْسِمَالِيَّة، فإنَّ الذي حدث بالفعل هو أنَّ تطبيق الشِّيُوْعِيَّة في روسيا لم ينشأ من تناقضات الرَّأْسِمَالِيَّة هناك، إنَّما نشأ -بصرف النظر عن التخطيط اليهودي- من “اعتناق” الناس للعقيدة الشِّيُوْعِيَّة، ذلك أنَّ روسيا قد قفزت رأسا من الإقطاع إلى الشِّيُوْعِيَّة!
كلا! ليست هي الحتمية المَادِّيَّة وإنَّما هو “الإنسان”! الإنسان بكامله..
وصحيح كما أسلفنا أنَّ الإنسان يواجه دائما ضغوطا من الكون المادي ومن الأوضاع المحيطة به، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية.. إلخ، ولكنه في النهاية هو الذي يُقَرِّر … يُقَرِّر أن يخضع للضغوط ويستنيم لها أو يتمرد عليها ويسعى إلى تغييرها، وهو يُقَرِّر ذلك دائما على هدى “العقيدة” التي يعتقدها، وسواء كانت عقيدة صحيحة أو فاسدة.
وقد لا يستطيع في كل حالة أن يغير كل الأوضاع بالعقيدة التي يعتقدها. ولكن ذلك لا يرجع إلى كون العقيدة لا وزن لها ولا اعتبار، ولا إلى كونها هي نابعة من الوضع المادي والاقتصادي القائم، متأثرة به غير مؤثرة فيه، لاحقة له غير سابقة عليه كما يزعم التَّفْسِير المادي للتاريخ، إنَّما الأسباب ترجع في مجموعها إلى “الإنسان” ذاته: هل هو صادق في اعتناق هذه العقيدة؟ وإلى أي مدى من الصِّدْقِ؟ وهل عنده العزيمة

اللازمة لتحقيق متطلبات تلك العقيدة، أم إنَّ شَهَوَاتِ الأرض وثقلة الأرض أثقل في حسه من متطلبات العقيدة؟.. ومن الشَّهَوَاتِ شهوة الحرص على الحياة وعدم تعريض النفس للأخطار، وشهوة حب السَّلامة والأمن والاستقرار، وهي الشَّهَوَات الغالبة على أكثر الناس في الأرض، وهي التي تؤدي بهم إلى الوقوع في الجاهلية، والخضوع -من ثّمَّ- لطغيان الطواغيت.

فخضوع الأكثرية السَّاحِقَة من الناس لطغيان الطواغيت خلال التاريخ البشري ليس حتمية مادية ولا اقتصادية ولا تاريخية خارجة عن إرادة الناس.. إنَّما هو من عند أنفسهم. إَّنه واقعٌ عاشته البشرية بالفعل في جاهليتها كلها، لا بسبب حتمي، ولكن نتيجة حتمية لعدم استقامتها على الطريق.
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (1).
على أن الحتميات المزعومة -بصورتها الديالكتيكية- ليست حقيقة حتى بالنسبة للجاهلية!
فقد تنبأ “ماركس” بحسب حتمياته أنَّ بريطانيا ستكون أوَّل دولة تقع في الشِّيُوْعِيَّة لأنَّها -على عهده- كانت أكثر الدول الرَّأْسِمَالِيَّة تقدُّمَاً، فتنبأ بأنَّ الصِّرَاع الطبقي “سينضج” فيها قبل غيرها فيحولها إلى الشِّيُوْعِيَّة.
ويعلم الناس في كل الأرض أنَّ بريطانيا ما زالت حتى هذه اللحظة – في عام 1983م – دولة رأسمالية، كما أنَّ وريثتها التي ورثتها في التقدم الصناعي الرأسمالي -وهي أمريكا- دولة رأسمالية كذلك.
وقال “ماركس” وحواريوه إنَّ المراحل التاريخية حتمية، وترتيبها كذلك حتمي؛ وإنه لا يمكن لأي مجموعة من البشر أن تسبق طورها التاريخي؛ لأنَّ كل طور له أداة مادية أو اقتصادية يتم التحول عن طريقها، فلا يمكن التحول دون وجود هذه الأداة، فلا بد أن يمر البشر بالمراحل التاريخية الخمس بصورة حتمية: من الشِّيُوْعِيَّة الأولى إلى الرق إلى الإقطاع إلى الرَّأْسِمَالِيَّة إلى الشِّيُوْعِيَّة الثانية.
ويعلم الناس في كل الأرض أنَّ أكبر دولتين شيوعيتين وهما روسيا والصين قد قفزتا مباشرة من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الشِّيُوْعِيَّة دون وجود أداة التحول التاريخية وهي الصِّرَاع الطبقي بين العمال وأصحاب رءوس الأموال، وأنَّ كلتا الدولتين لم تدخل المرحلة الصناعية إلا بعد دخولها في الشِّيُوْعِيَّة!
أين الحتميات إذن؟!
إنَّما هي من أولها لآخرها قصة مُدَّعَاة، للإيحاء للناس بأنَّ الشِّيُوْعِيَّة هي النهاية الحتمية لكل البشرية، فخير لهم أن يدخلوها طائعين بدلًا من أن يدخلوها كارهين!
ومن أجل هذا الهدف الدِّعائي البحت تُخْتَلَق التَّفْسِيرات “العلمية” وتُلَفَّق النَّظَرِيَّات!
__________
1 سورة الأعراف: 97.

التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ:

كنا إلى هذه اللحظة نناقش التَّفْسِير المادي للتاريخ، فنجد في كل مرة ثغرة تؤدي إلى ضلالة من ضلالات هذا التَّفْسِير، وقد آن لنا أن ندعوه باسمه اللائق به، فنسميه “التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ”!
والسبب في هذه التَّسمية أنه لا يتعامل إلا مع جاهليات التاريخ، مسقطا إسقاطا تاما فترات الهدى في التاريخ البشري، وأهمها بطبيعة الحال فترة الإسلام.
ولكن هناك سببا أهم من ذلك في الحقيقة، هو أنه يفسر التاريخ من زاوية جاهلية بحتة، أي: على أساس القيم الجاهلية وهي القيم المَادِّيَّة الخالصة، فهذا شأن معظم الجاهليات التاريخية، أنها تبرز القيم المَادِّيَّة والاقتصادية وتهمل ما عداها من القيم الإنسانية العليا، لا لأنها غير موجودة في الحقيقة ولكن لأنها هي تفتقدها بسبب كونها جاهلية.
ولأن هذه القيم المَادِّيَّة الجاهلية ليست هي كل ما في الحياة البشرية، فإن التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ يعجز عجزا تاما عن تفسير أي فترة من حياة البشرية تقوم على قيم أخرى غير القيم الجاهلية.
وأشد ما يعجز التفسر الجاهلي عن تفسيره هو الإسلام!
ولقد شغل الإسلام رقعة فسيحة من الأرض، ورقعة فسيحة من التاريخ.
وأي تفسير يتجاهله فهو تفسير غير علمي، وأي تفسير يعجز عن تفسيره فهو غير صالح لتفسير التاريخ البشري.
ونحن نتحدى التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ أن يفسر لنا هذه الظاهرة التي شغلت هذه الرقعة الفسيحة من الأرض، وهذه الرقعة الفسيحة من التاريخ، وكانت واقعا مشهودا استمر وجوده عاملا في الأرض أكثر من عشرة قرون، وما زال قائما حتى اليوم، وما زال قادرا على أن ينبعث من جديد بعد أن اعترضته فترة الخمود.
لماذا ظهر الإسلام في تلك الفترة من التاريخ البشري، وكيف ظهر على هذه الصورة المخالفة للبيئة في أكثر سماتها، والمخالفة لكل حتميات التاريخ المزعومة؟!
أما نحن فنؤمن أنه من عند الله وأنه نزل بقدر من الله، في الوقت الذي اختاره الله.
وأما هم فإنهم لا يؤمنون بالله؛ فليفسروا لنا إذن هذه الظاهرة العجيبة في التاريخ!
فليفسروا لنا كيف ظهر رجل في تلك الصحراء في تلك الحقبة السحيقة من الزمن قبل أربعة عشر قرنا يدعو إلى عبادة الله الواحد بلا شريك، ونبذ الأرباب الزائفة كلها سواء كانت أصناما محسوسة، أو بشرا تضفى عليهم القداسة الزائفة فتسجد لهم الناس كالملوك والأباطرة، أو بشرا يُشَرِّعُون للناس من عند أنفسهم بغير سلطان منزل من عند الله، أو عرفا جاهليا، أو وَهْمَاً تبتدعه رءوس الناس وتتعبده بالوَهْمِ، ويحرر البشرية بذلك -في نصاعة وحسم- من حكم الطواغيت، ومن كل عبودية مذلة لكرامة الإنسان، برد العبودية إلى المعبود الحق الذي يكرم البشر بعبادته، وتتحرر عقولهم ووجدانهم ومشاعرهم كما يتحرر كيانهم كله، فينطلقون أحرارًا في الأرض ينشرون الحق والعدل، ويحطمون الطواغيت المستبدة بالبشر في صورة نظم ودول وجيوش، ويقيمون مجتمعًا إنسانيَّاً يتمتع المؤمنون فيه بالأخوة الإنسانية على قدم المساواة، ويتمتع غير المؤمنين بهذا الدين بالعدل الرباني دون إكراه على اعتناق العقيدة.
وفي الوقت الذي كانت الديانات كلها -سواء كانت سماوية محرفة أو وثنيات من صنع البشر- تقيم بين البشر وربهم وسطاء من الكهنة و”رجال الدين” أو من الأصنام والأوثان، أو من الأرواح الخيرة أو الشريرة … يجيء هذا الدَّاعِيَة فيلغي كل وساطة بين العبد والرَّبِّ، ويربط القلب البشري بالله مباشرة بلا وسيط:
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (1).
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (2).
وفي الوقت الذي يتجبر فيه الأغنياء على الفقراء في كل الأرض يجيء هذا الدَّاعِيَة فيلغي سلطان الأغنياء المتجبرين، لا على أساس الحق الطبقي، ولكن على أساس الحق والعدل الأزليين، فلا يزيل “طبقة” ويحل محلها “طبقة”، ولا يعطي السُّلْطَان للفقراء بوصفهم فقراء، بل ينزع السُّلْطَان من البشر جميعًا، أغنيائهم وفقرائهم على السَّوَاءِ ويرده إلى الله، ويقدم شريعة يخضع لها الناس جميعًا حُكَّامًا ومحكومين، ليست من صوغ هؤلاء ولا هؤلاء، شريعة تتعامل مع “الإنسان” من حيث هو إنسان، فتلبي جميع احتياجاته الروحية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية، وترسم له المنهج المتكامل الذي تستقيم به الحياة وتتوازن وتترابط، على نحو غير مسبوق من قبل ولا ملحوق من بعد في كل ما كان من دساتير البشرية إلى اليوم.
وفي الوقت الذي كان “الدين” في كثير من بقاع الأرض أو في كل بقاع الأرض يرتبط في نفوس الناس بالخضوع والاستكانة -لا لله وحده المعبود الحق- بل لأوضاع ظالمة في المجتمع ما أنزل الله بها من سلطان، ويرعى الكهنة ورجال الدين هذا الذُّلِّ ويُنَمُّونَهُ في نفوس الناس باسم الدِّينِ فيخضعونهم للمتجبرين من ذوي السُّلْطَان، يجيء هذا الدَّاعِيَة فيقول للناس إنَّ من رضيَ بالظلم في الدُّنْيَا وهو قادرٌ على إزالته أو الخروج من سلطانه فلا مكان له عند الله في الآخرة وله عذابٌ عظيمٌ، ويصبح اسمهم “ظالمي أنفسهم”: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (3).
وفي الوقت الذي تهان فيه المرأة وتحتقر، يدعو إلى تكريمها ورعايتها ويبرز إنسانيتها.
وفي الوقت الذي يسام فيه الرَّقيق أقسى أنواع المهانة والخَسْفِ يدعو لتحرير الرقيق وحسن معاملته على أساس إنساني.
وفي الوقت … وفي الوقت.. وفي الوقت..
ثُمَّ ليفسروا لنا كيف استطاع هذا الرَّجُل أن يُرَبِّي على هذه المبادئ أُمَّة …
أمة كانت مجموعة من القبائل المتناثرة المتناحرة تأبى أن تتحد وتتآلف مع وجود كل العناصر التي تدعو إلى التآلف.. وحدة الأرض، ووحدة اللغة، ووحدة العقائد، ووحدة الثقافة، ووحدة التاريخ، ووحدة الجنس، ومع ذلك تحول بين تَوَحُّدهم ثارات الجاهلية ونزاعاتها التَّافهة التي لا تساوي لحظة واحدة من الصِّرَاع! ومن هذا الشَّتيت المتناثر لا يبني هذا الرجل أمة -أي أمة- وإنَّما أُمَّة فريدة في التاريخ، أُمَّة عقيدة … أُمَّة لا تقوم على رابطة الأرض، ولا رابطة الدَّم، ولا رابطة اللغة، ولا رابطة المصالح القريبة، إنَّما تقوم على رابطة العقيدة، فيجتمع فيها العربي القرشي والحبشي والرُّومي والفارسي، على قاعدة واحدة من المساواة في الإنسانية والمساواة في العقيدة، ويكون التمايز بينهم على قاعدة جديدة كل الجِدَةِ على تلك البيئة بل على البشرية كلها يومئذٍ: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (4).
أُمَّةٌ تقوم على الأخوة في الله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (5).
أُمَّةٌ تقوم على التكافل: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (6).
أُمَّةٌ تقوم على العدل الرباني: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (7).
باختصار … أُمَّةٌ فريدة في التاريخ.
وليفسروا لنا كذلك كيف انساحت هذه الأُمَّة في أرجاء الأرض بهذه السُّرْعَة المذهلة، لا غازية للأرض، ولا مستعبدة للناس، ولكن ناشرة لتلك العقيدة التي تزيل القداسة عن البشر وتوجه العبادة لله وحده، وتدعو إلى الأخوة والتكافل، وتدعو إلى تحرير المرأة وتحرير الرقيق.. فتنتشر هذه المبادئ كلها بالسرعة المذهلة التي تفتح بها الأرض!
فليفسروا لنا هذا كله بمقتضى تفسيرهم الجاهلي للتاريخ!
أي تغير مادي حدث في الجزيرة العربية -بل في العالم أجمع- أدَّى إلى ظهور هذا الرجل (صلى الله عليه وسلم) بهذه الدَّعوة ونشرها هو وأتباعه من بعده في أرجاء الأرض.

أي تغير اقتصادي حدث في الجزيرة العربية -بل في العالم أجمع- أدَّى إلى ظهوره؟
أي حتمية تاريخية يمكن أن ينشأ عنها هذا الحَدَث الضَّخْم، الذي ما تزال ضخامته قائمة حتى اللحظة؟!
البيئة هي البيئة … ما تغيرت قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعد بعثته لعِدَّةِ قرون.
الوضع الاقتصادي هو الوضع الاقتصادي: البيئة الرعوية في الجزيرة العربية برمتها، والبيئة التجارية في مكة والمدينة.
__________
1 سورة غافر: 60.
2 سورة البقرة: 186.

3 سورة النساء: 97-99.

4 سورة الحجرات: 13.
5 سورة الحجرات: 10.
6 سورة الحشر: 9.
7 سورة النساء: 58.

أما التاريخ.. فلننظر حتميات التاريخ …
بعد سبعة قرون من مولد هذه الدعوة قامت في أوروبا حركة تحرير العبيد … وحين قامت فإنها لم تحرر العبيد تماما وإنما حررتهم من قبضة السيد ليكونوا عبيدا للأرض.. وبعد عشرة قرون كاملة – بل أكثر – حرَّرَتُهم الثورة الفرنسية من جحيم الإقطاع! والإسلام حررهم قبل ذلك بعشرة قرون!
بعد اثني عشر قرنا من مولد هذه الدعوة أو أكثر قامت في أوروبا حركة تحرير المرأة، التي أعطت المرأة بعض الحقوق التي كفلها لها الإسلام، وما زالت بعض الحقوق لم تحصل عليها إلى هذه اللحظة.
بعد اثني عشر قرنا من مولد هذه الدعوة بدأت الدعوة إلى “الديمقراطية” القائمة على الشُّوْرَى ونزع السلطة الطاغية من الحكام، وهي الدعوة التي أعطت الناس حقوقا وضمانات لم تكن لهم في عهود الإقطاع، وإن كانت “الطبقة” المالكة ما تزال هي الحاكمة من وراء الستار … بينما أعطى الإسلام كل الضمانات وكل الحقوق قبل ذلك باثني عشر قرنا مع رَدِّ السُّلطة إلى الله لا إلى المالكين من عباد الله!
بعد أربعة عشر قرنا من مولد هذه الدعوة ما تزال العنصرية البغيضة قائمة في الأرض، تقوم على أساسها دول وتقوم من أجلها حروب، ويعامل “الملونون” فيها على أيدي البيض كل المعاملة الرزية التي يعرفها الناس في أمريكا وجنوب إفريقيا وفي كل مكان؛ بينما الإسلام -قبل أربعة عشر قرنا- قد صهر الأجناس والألوان واللغات والشعوب في أمة واحدة على قدم المساواة حين ربطهم بالعقيدة الواحدة في الله.

بعد أربعة عشر قرنا من مولد هذه الدعوة ما يزال مبدأ كفالة الدَّوْلَة لجميع أفراد شعبها غير تام التطبيق في الديمقراطية الليبرالية الرَّأْسِمَالِيَّة، والدَّوْلَة الشِّيُوْعِيَّة التي تطبقه على حساب كرامة الإنسان، وتستذل الناس بلقمة العيش لكي يخضعوا للسُّلطان، بينما قرر الإسلام هذا المبدأ منذ أربعة عشر قرنا مع المحافظة التامة على إنسانية الإنسان وكرامته.
ويطول بنا المقام إذا مضينا نعدد المواضع التي سبق بها الإسلام كل حتميات التاريخ المزعومة، أو التي تفرد بها في التاريخ!
فكيف يفسر لنا التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ ظهور الإسلام وانتشار الإسلام والمبادئ والقيم التي أقرها الإسلام؟!
هل الوضع المادي والاقتصادي هو الذي غيّر الناس في الجزيرة العربية والأرض التي فتحها الإسلام، أم إّنَّها العقيدة وإيمان الناس بالله، وبالحق والعدل الأزليين؟! وهي أشياء ليست في المادة، ولا هي من صنع المادة، إنَّما هي في عقول الناس وقلوبهم ومشاعرهم!
وكيف تغير “أسلوب التبادل” فلم يعد رِقَّاً ولم يعد إقطاعًا إنَّما صار تكافلا وأخوة في المجتمع؟ أَلأَسبابٍ مادية أم لعقيدة ملأت النفوس فبعثت الناس يغيرون أسلوب التبادل ليخضعوه لشريعة الله التي تمنع الظلم وتحكم بالعدل؟!
هل كان وجود الناس هو الذي حدَّد شعورهم أم إن شعورهم هو الذي حدَّد أسلوب وجودهم؟!
ماذا يا دعاة التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ؟!
لقد كان الإسلام وسيظل أمرا ربانيا لا ينطبق عليه أي تفسير يفسر التاريخ البشري بالقيم الجاهلية الأرضية، مادية كانت أو اقتصادية، ولكنا نأخذ من الإسلام عبرا لدعاة التَّفْسِير المادي ودعاة كل تفسير غير التَّفْسِير “الإنساني” للإنسان.
الإسلام أمر رباني … نعم.
ولكن الذين قاموا بالإِسلام بشر …
ولقد زعم التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ أنَّ البشر لا يتحركون ولا يتغيرون ولا يغيرون إلا بسبب تغيرات مادية أو اقتصادية، وأنَّهم لا يمكن أن يتحركوا بِشَيْءٍ معنوي: فكرة أو عقيدة أو قيم أو مبادئ؛، لأنَّ هذه كلها تأتي لاحقة للتغير المادي والاقتصادي ومنبثقة عنه … فوجود الإسلام في الأرض بالصورة التي تم بها يعلمنا غير ذلك تماما..
يعلمنا أن العقيدة: إيمان الناس بالله، وإيمانهم بالحق والعدل الأزليين، يمكن أن يحدث تغييرًا في الأرض أضخم بكثير جِدَّاً من أي تغيير حديث نتيجة التغير المادي أو الاقتصادي.
ويعلمنا أكثر من ذلك أن نوع التغيير الذي تُحْدِثُه العقيدة يختلف اختلافا جذريا عن التغير الذي يحدث -لأسباب مادية واقتصادية- بلا عقيدة … الإسلام نشأة جديدة للإنسان، على أسس من القيم العليا والمبادئ الرفيعة، بينما التغيرات الأخرى مجرد تغير جزئي من حالة إلى حالة، لا يغير شيئا جذريا في الإنسان، وقد يؤدي به إلى الانتكاس والدمار.
ويعلمنا قبل ذلك وبعد ذلك أن الإنسان ليس مادة..ولكنه “إنسان”! وأن النظام الذي يتعامل معه على أنه إنسان أفضل بكثير وأعلى بكثير، وأكثر فاعلية بكثير من النظام الذي يتعامل معه على أنه مادة، أو على أنه حيوان!

التَّفْسِير الإسلامي للتاريخ:
ليس هنا في الحقيقة مجال الحديث المفصل عن التَّفْسِير الإسلامي للتاريخ فذلك موضوع يحتاج إلى بحث مستقل تبسط فيه الفكرة، وتؤخذ لها النماذج من التاريخ البشري في شتى عهوده وشتى أحوال البشر فيه.
ولكنه يحسن بنا ونحن بصدد الحديث عن التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ عرضا ومناقشة أن نلم على الأقل بالخطوط العريضة للتفسير الإسلامي؛ لأنَّه يكاد يكون الوجه المقابل لذلك التَّفْسِير في كثير من الأسس التي يقوم عليها.
وأحسب أنَّنا ألمحنا إلى بعض هذه الخطوط في أثناء مناقشة التَّفْسِير المادي، فالآن نحاول تجميع هذه الخطوط في عرض سريع، وحسبنا في هذا المقام أن نشير إلى الأسس العامة دون تفصيل.
من البديهيات أن التَّفْسِير الإسلامي للتاريخ يتعامل مع الإنسان ابتداء على أنَّه إنسان، لا مادة ولا حيوان، وأنَّ التاريخ هو تاريخ الإنسان. أي: إنَّ العنصر الفعال فيه هو الإنسان … الإنسان بمجموعه لا جانب واحد منه، فقد كتب الإنسان هذا التاريخ بكل جوانبه مجتمعة -سواء في حالات الهدى أو حالات الضَّلال.كتبه بروحه وجسمه وعقله. كتبه باقتصادياته واجتماعياته وسياسياته. كتبه بالتعامل مع الكون المادي، ومع الأفكار والقيم، ومع الأحلام والرؤى، ومع الواقع والخيال. كتبه بدوافعه الداخلية وتطلعاته وطموحاته؛ كما كتبه بالضغوط الواقعة عليه من خارج كيانه! ضغوط الكون المادي والضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية. كتبه بكل ذرة من كيانه، وكل سطر من سطور هذا التاريخ أو إنجاز من إنجازاته فهو صادر من كيان الإنْسَان كله، وهو أصيل في صدوره عن مجموع هذا الكيان لا عن جانب واحد من هذا الكيان.
يتعامل التَّفْسِير الإسلامي مع الإنْسَان على أنَّه قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، مترابطين متماسكين متفاعلين، يتكون منهما معا كيان موحد: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (1).
هذا هو تكوين الإنسان: قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله، امتزجتا امتزاجا كاملا وترابطتا وتفاعل كل منهما مع الآخر فأصبح من حصيلتهما ذلك الإنسان الذي نعرفه ونتعامل معه في واقع الحياة.
إنَّه ليس قبضة طين خالصة كما كان قبل النفخة العلوية فيه، وليس روحا خالصة طليقة من قبضة الطين، إنما هو الأمران معا في وحدة مترابطة تختلف في خصائصها اختلافا جذريا عن قبضة الطين الخالصة ونفخة الروح الخالصة، وإن كانت تحمل بين الحين والحين بعض المشابه من هذه وتلك، حين تجنح جنوحا شديدًا نحو عالم الجسد أو عالم الروح، ولكنها حتى في تلك الحالات لا تكون مماثلة أبدا لأي من العنصرين منفصلين.
في لحظة الشَّهْوَةِ الجامحة غير المنضبطة يكون أقرب إلى قبضة الطين؛ لأنَّه يتعامل بجسده أكثر من أي جانب من جوانبه، ومع ذلك لا يكون أبدًا جسدًا خالصًا كالحيوان؛ لأنَّ فيه -على الأقل- قدرًا من الوعي والإرادة والاختيار حتى في هذا العمل اللاصق بالطين، بينما الحيوان لا يعمل بوعي ولا إرادة حرة ولا اختيار.
وفي لحظة الرفرفة الشَّفِيفَةِ المشرقة المهومة يكون أقرب إلى نفخة الروح؛ لأنه ينطلق بروحه من إطار الحس المحدود، ومع ذلك لا يكون أبدا روحا خالصة كالملائكة؛ لأن له جسدا لا يستطيع أن يتخلص من وجوده، وعقلا لا يكف تماما عن التفكير. انظر إلى أعلى لحظة وجود عرفها بشر في تاريخ الأرض، لحظة الوحي المتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كان صلى الله عليه وسلم روحا خالصة وهو يصافح جبريل عليه السلام ويتلقى منه؟ استمع إلى قوله تعالى:
{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (2).
فقد تَحَرَّكَ العقل وَتَحَرَّكَ اللسان، خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفوته حفظ شَيْءٍ من التنزيل الرباني، فطمأنه الله أنه لن يضيع منه شَيْءٌ؛ لأنَّه سبحانه وتعالى هو المتكفل بحفظه وجمعه وقرآنه “أي: قراءته” وبيانه.
هذا هو الإنسان بعنصريه المكونين له: قبضة الطين ونفخة الروح.
وكل محاولة لتفسيره بواحد من عنصريه دون الآخر هي محاولة مضللة لا تؤدي إلى حقيقة، سواء فسر من جانب قبضة الطين أو من جانب نفخة الروح.
والجاهليات في التاريخ كله تجنح دائمًا إلى تفسير الإنسان -سواء نظريا أو عمليا أو هما معا- بجانب واحد

من جوانبه، أو بجانبٍ غالبٍ بحيث يسحق الجانب الآخر ويقهره ويكاد يلغيه.
الجاهليات المَادِّيَّة تبرز جانب الجسد، وجانب الحس، وجانب المادة، فإذا أخذت شيئا من النفخة العلوية أخذت جانب العقل وأبت جانب الروح، وسخرت العقل -من ثَمَّ- في شهوات الجسد ومطالب الحس وعالم المادة ففقد علويته ورفعته، وأسف مع قبضة الطين، وأنشأ عمارة مادية للأرض خالية من إشراقة الروح.
والجاهليات الرُّوحية تبرز جانب الرُّوْحِ، وتهمل الجسد وتكبته وتقهره وتحتقره وتقوم بتعذيبه من أجل رفعة الرُّوْحِ، كما تفعل الهندوكية والرهبانية، كما أنها تهمل عالم الحس وعالم المادة، فلا يقوم الإنسان بعمارة الأرض، ولا يقاتل الشر والطغيان، ولا يجاهد لإقامة الحق والعدل، اكتفاء بلذة “الفناء” في عالم الرُّوْحِ، التي يتم من خلالها “الوجود”!.
والجاهلية المعاصرة -كما هو واضح- جاهلية مادية مغرقة في المَادِّيَّة، سواء في المعسكر الشيوعي أو المعسكر الرأسمالي، قاعدة الحياة مادية بحتة، وقيم الحياة مادية بحتة، وعمارة الأرض على أساس مادي بحت، والتَّفْسِير المادي للتاريخ هو واقع الحياة هنا وهناك. وإن كانت النظرية -في الحقيقة- ملكا للشيوعيين، والنظرية أسوأ بكثير حتى من التطبيق، ففي التطبيق يتعامل كلا المعسكرين مع الإنسان على أساس أنه حيوان، أو على أساس أنَّه آلة في بعض الأحيان وحيوان في سائر الأحيان.. أمَّا في النظرية فينفرد المعسكر الشيوعي بالتعامل مع الإنسان على أنَّه مادة تنطبق عليه قوانين المادة؛ لأنَّ الشِّيُوْعِيَّة خطوة “تقدمية” في المخطط الكبير الهادف إلى تسخير الأمميين لشعب الله المختار.
من قبضة الطين ونفخة الروح أنشأ الله الإنسان وقال للملائكة إنَّه سيجعله خليفة في الأرض:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (3).
والخِلافَةُ تتضمن الهيمنة والسيطرة والقدرة على الإنشاء والتعمير والقدرة على التمييز والاختيار، فأمده الله بالأدوات الصالحة للخلافة:
{وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا..} (4).
{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (5).
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (6).
{أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (7).
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (8).
{هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (9).
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (10).
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} (11).
وجعل الله للإنسان هدفا شاملا يشمل هذا كله هو عبادة الله، على المعنى الشامل للعبادة.
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (12).
{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ} (13).
العبادة هي حق الله على جميع مخلوقاته، حق الخالق على المخلوق، ولكن الله فرض على كل نوع من مخلوقاته عبادة تناسب تكوينه، فـ”المادة” لها عبادة، والملائكة لها عبادة، والإنسان له عبادة.. تشترك جميعا في أنَّها عبادة وأنها “سجود” وأنها “تسبيح” ولكن تختلف في الطريقة.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} (14).
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (15).

__________
1 سورة ص: 71، 72.

2 سورة القيامة: 16-19.

3 سورة البقرة: 30.
4 سورة البقرة: 31.
5 سورة العلق: 3-5.
6 سورة النحل: 78.
7 سورة البلد: 8-10.
8 سورة الشمس: 7-10.
9 سورة هود: 61.

10 سورة الجاثية: 13.
11 سورة الملك: 15.
12 سورة الذاريات: 56.
13 سورة الأنعام: 162، 163.
14 سورة الحج: 18.
15 سورة الإسراء: 44.

واختص الإنسان بلون من العبادة يناسب اختصاصه بالخلافة، ويناسب تكوينه من جسد وعقل وروح.
فهو يعبد الله بالسجود والتسبيح على نحو معين علمه الله إياه على يد رسله وخاتمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعبدوه بعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني المنزل من عند الله لتنظيم حياة الناس في الأرض وإقامتها بالقسط:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (1).
ففي صلاته وتسبيحه ونسكه هو عابد لله. وفي مشيه في مناكب الأرض وأكله من رزق الله بالضوابط التي أقامها الله من حلال وحرام وهو عابد لله، وفي زواجه وإقامة أسرته ورعايتها في حدود الضوابط والتوجيهات الربانية هو عابد لله، وفي طلبه العلم سواء للتعرف على أوامر ربه ونواهيه، أو للقيام بعمارة الأرض على المنهج الرباني هو عابد لله، وفي إقامته شريعة الله في الأرض هو عابد لله، وفي قتاله لتكون كلمة الله هي العليا هو عابد لله.. وذلك معنى قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ} (2).
فإذا تبين ذلك تبينت مهمة الإنسان في الأرض وطبيعة عمله فيها.
ليست مهمة الإنسان أن يأكل ويشرب ويمارس الجنس على طريقة الحيوان. وإن كان هذا جزءا من نشاطه وعمله في الأرض، ولكن على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان، أي: ملتزما بما أنزل الله من توجيهات وضوابط ومتقيدا بالحلال والحرام.
وليست مهمته هي الإنتاج المادي وحده، وإن كان هذا جزءا من نشاطه وعمله في الأرض لكن على طريقة الإنسان لا على طريقة الآلة، أي: واعيا مدركا لأهدافه العليا، ملتزما في الإنتاج بالضَّوَابِطِ الربانية التي تحدد الحلال والحرام والحسن والقبيح والمباح والمكروه والمندوب.
مهمته هي “العبادة” بمعناها الشامل الذي يشمل العقيدة الصحيحة، وشعائر التعبد، والنشاط الحيوي في شتى مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفنية … إلخ ملتزما في ذلك كله بمنهج الله.
وفي جميع الأحوال فعمله ذو طبيعة أخلاقية لاصقة به لا يمكن فصلها عنه فهو إما خَيِّرٌ وإما شِرِّيرٌ، ولا يوجد عمل واحد من أعماله خارج عن نطاق الأخلاق، سواء كان سياسة أو اقتصادا أو اجتماعا أو فكرا أو فنا، إلا أن يكون عملا من أعمال الطبيعة غير الإرادية لا يحاسب عليه الإنسان.
وتنشأ القيمة الأخلاقية من كَوْنِ الإنسان ثنائي الوجهة لا مفرد الاتجاه، ومن كَوْنِهِ قادرا على التمييز بين الوجهتين واختيار إحداهما.
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (3).
والأخلاق، سواء في الطعام أو الشراب والملبس والمسكن والجنس، أو في السياسة، أو في الاقتصاد، أو في الفكر، أو في الفن.. إلخ، هي “القيم العليا” التي يَتَقَيَّدُ بها “الإنسان” في تصرفاته، والتي يسعى لإقامة الحياة البشرية على أساسها، والتي يكون إنسانا بقدر ما يحرص على أدائها وإقامتها. ويفقد من إنسانيته بقدر ما ينفلت منها ويتهاون فيها.
وعلى هذا النحو تكون “إنسانية” الإنسان وتكون كذلك “كرامته” فالتكريم الرباني للإنسان لم يكن عبثا.
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (4).
إنما يشمل التكريم والتفضيل -فيما يشمل- هذا العنصر الأخلاقي الذي تقوم عليه حياة الإنسان، وتقوم به أعماله كذلك، لتفترق عن حياة الحيوان، وتفترق من باب أولى عن تصرفات المادة التي لا وعي لها ولا إرادة ولا إدراك، إنما تتصرف بالقهر الكامل المفروض عليها من إرادة الخالق، الذي أنشأها وأجرى أمورها على النحو الذي تجري عليه، لا تملك فكاكا منه ولا تعديلا عليه، وشتان بين ذلك وبين الوضع الكريم الذي وضع الخالق فيه الإنسان، إذ أعطاه القدرة على التمييز والاختيار، وجعله مقابل ذلك مسئولا عن تصرفاته بمقتضى تلك “الأمانة” التي حملها، بينما أشفقت “المادة” من حملها: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ …} (5).
وتختلف أحوال البشر اختلافا جذريا بحسب الطريق الذي يختارونه لأنفسهم، ولا يقتصر الاختلاف على مصير الإنسان يوم القيامة إمَّا إلى الجَنَّةِ وإمَّا إلى النَّارِ، بل يختلف الأمر في الحياة الدُّنْيَا كذلك.
أول اختلاف أنَّهم إذا اختاروا طريق الله، طريق الخير، فعبدوا الله وحده بلا شريك، وساروا في حياتهم بمقتضى المنهج الرباني فقد نجوا بادئ ذي بدئ من عبودية بعضهم لبعض، وتَحَقَّقَت لهم العزَّة والكرامة والمساواة التي لا تتحقق أبدًا إلا حين ينزع من البشر حق التَّشْرِيع ويصبحون كلهم عبيدا لله على
قدم المساواة، خاضعين كلهم لشريعة الله.. ونجوا من الظلم الذي يسم الجاهليات جميعًا حين يحكم البشر بشرائع من صنع أنفسهم، فإنَّه يحدث دائمًا في تلك الجاهليات أنَّ طبقة معينة هي التي تحكم، وحين تحكم فإنَّها تدير الأمور بالطريقة التي تحقق مصالحها على حساب مصالح الآخرين.
ثُمَّ إنَّ حياتهم تتسم بالنظافة والاستقرار والطمأنينة والبركة.
النظافة المستمدة من أخلاقيات لا إله إلا الله. من الالتزام بالحلال والحرام. من ضبط الدَّوافع لترتفع عن حيوانية الجسد إلى إنسانية الإنسان، الذي يمارس الحياة بجسمه وروحه في آن.
والاستقرار المستمد من تطبيق الشريعة الربانية الحكيمة المحكمة التي لا تَخَبُّط فيها ولا انحراف، وليس معنى الاستقرار الجمود عن الحركة، ولا معناه كذلك الخلو الكامل من المشكلات. إنَّما معناه استقرار الأسس التي تقوم عليها الحياة، أمَّا الحياة ذاتها فلا تكف عن الحركة الفاعلة، ولا تخلو من أمور تَجِدّ في حياة الناس تحتاج إلى جهد يبذل لحل مشكلاتها وتقويمها بمقتضى منهج الله، أما الكدح ذاته فهو من سمات الحياة الدُّنْيَا: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} (6).
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (7).
ولكن هناك كَدْحَاً يتم في إطار أسس مستقرة وراشدة، فيكون كَدْحَاً مثمرا متمشيا مع الغاية التي خلق من أجلها الإنسان وهي “العبادة” بمعناها الشَّامل الواسع، التي تتضمن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني.
وهناك كَدْحٌ يتم في غير هذا الإطار الرَّاشد المستقر، فيكون كَدْحَاً مؤديا إلى البوار وإن حقق منافع على المدى القصير.
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (8).
__________

1 سورة الحديد: 25.

2 سورة الأنعام: 162، 163.
3 سورة الشمس: 7-10.
4 سورة الإسراء: 70.
5 سورة الأحزاب: 72.

6 سورة الانشقاق: 6.
7 سورة البلد: 4.
8 سورة هود: 15، 16.

أما الطمأنينة فمصدرها ذكر الله: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (1).
والاطمئنان إلى قدر الله.
{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (2).
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (3).
وإحساس الإنسان أنَّه يصارع ما يصارع من القوى في الأرض وهو مستند إلى الله الذي هو أكبر من القوى جميعًا وأعلى:
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (4).
وحتى حين يمسهم السُّوء بِقَدَرٍ من الله فهم مستعلون بالإيمان:
{قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى، قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (5).
وأمَّا البركة فمصدرها رعاية الله وإغْدَاقِه على المتبعين لمنهجه بعد أن تنتهي فترة الابتلاء والتَّمحيص:
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} (6).
ومصدرها ارتفاع مشاعر الناس عن التَّكَالُبِ على متاع الأرض، الذي يحدث الجَوْعَةَ الدَّائمة التي لا تشبع، واللهفة الدَّائمة التي لا تستقر، وحين ترتفع المشاعر -بغير رهبانية ولا حرمان- يحدث الرِّضا النفسي الذي هو عنصر البركة الأصيل.
ومصدرها كذلك الأخوة والتَّكافل في المجتمع المسلم الذي يجعل الناس شركاء في الخير لا يختص به فريق دون فريق..
أمَّا إذا اختار النَّاس طريق الشَّرِّ، فأشركوا بالله في العبادة أو كفروا به جهرة ونبذوا عبادته وأعرضوا عن شريعته، فأول ما يقعون فيه هو عبودية بعضهم لبعض، وانقسام المجتمع إلى سادة وعبيد، سادة يملكون ويحكمون ويُشَرِّعُون، وعبيد يُنَفِّذُون وهم أذلاء مهينون.
ثم إن حياتهم تتسم بالاضطراب والقلق، وفقدان النظافة، والعبودية للشَّهَوَات.
والاضطراب ينشأ عن الرؤية البشرية القاصرة، العاجزة عن الإحاطة، المحجوبة عن الغيب، التي تتصرف في كل لحظة بمقتضى تلك اللحظة، دون أن تدرك الآثار الكاملة التي تنشأ عن تصرفها حتى تقع تلك الآثار بالفعل في نفس الجيل أو في جيل لاحق، فيكتشف الناس الخلل الذي أصابهم، فيروحون يعالجونه بعلاج جديد يثير مشاكل جديدة!
والقلق ينشا من الدُّخُولِ في حَوْمَةِ الكَدْحِ – حَوْمَةِ الصِّرَاع – دون سند من قوة أعلى يطمئن الإنسان إلى نصرتها أو تعويضها له عمَّا يفقده في أثناء الصِّرَاع.
وفقدان النظافة ينشأ من عدم الالتزام بمنهج الله، عدم الالتزام بالحلال والحرام.. الذي ينتج عنه اندفاع الناس مع شَهَوَاتِهِم وعدم الارتفاع بها، فتهبط هي بهم إلى المستنقع المنتن الذي تعيش فيه كل الجاهليات … وتلك هي العبودية للشَّهَوَاتِ، التي لم تنج منها جاهلية من جاهليات التاريخ، حتى التي جنحت إلى الروحانية والرهبانية … ففي الجاهلية الهندية الجانحة نحو الروحانية كانت ظاهرة “بغايا المعبد!” ظاهرة معروفة، وفي الرهبانية حدث ما أسلفنا ذكره من الموبقات!
أما التقدم المادي والعلمي فخط قائم بذاته خلال التاريخ البشري غير متعلق بالهدى ولا بالضَّلالِ:
{كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (7).
منشؤه تلك الرغبة الفطرية التي أودعها الله قلب الإنسان، التي تدفعه إلى التعرف على خواص المادة وخواص الكائنات الحية من حوله، ومحاولة استخدام هذه المعرفة في التحسين المستمر لأحواله المعيشية، وهي رغبة كما قلنا لا تتعلق بالهدى ولا بالضَّلال، ومن ثَمَّ فجعلها هي المقياس لتقدم الإنسان يؤدي إلى نتائج باطلة.
فقد يحدث -كما حدث في وقت نشأة الأمة الإسلامية- أن يكون الحاملون للهدي الرباني، المتبعون لمنهج الله، متأخرين في مبدأ أمرهم من الناحية العلمية والتكنولوجية، قليلي الحظ من العمارة المَادِّيَّة للأرض، ويكونون مع ذلك في أعلى درجات الرفعة الإنسانية، كما كان جيل الصحابة رضوان الله عليهم، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ” (8) فلا يمنعهم هذا التأخر المؤقت في ميدان العلم النظري والتطبيقي أن يكونوا أروع نماذج للبشرية في أوج ارتفاعها، ولكنهم -بحكم الانطلاقة الهائلة التي تحدثها النشأة الجديدة في كيانهم- لا بد أن يتجهوا بعد فترة من الزَّمَن إلى العمارة المَادِّيَّة وتظهر إنجازاتهم فيها كما حدث للمسلمين في العهد الأموي والعباسي.
بينما يحدث كثيرًا أن يكون قوم في قمة العمارة المَادِّيَّة للأرض ولكنهم فارغون من القيم العليا، فتزداد حياتهم خللًا وانحدارًا كلما أوغلوا في العمارة المَادِّيَّة، كما هو حادث في الجاهلية المعاصرة.
ومن ثَمَّ لا يصلح التَّقَدُّم المادي -وحده- معيارا من معايير التاريخ.
حقيقة إنَّه جزء من مهمة “الخلافة” التي خلق الله الإنسان ليقوم بها في الأرض، بحيث يكون الإنسان المتقاعس في هذا الجانب -مع القدرة عليه- مًقَصِّرَاً في أداء جزء من مهمته، ولكن العبرة ليست في مجرد أداء هذه المهمة، إنَّما في الطريقة التي تُؤَدَّى بها: هل هي متفقة مع المنهج الرباني؟ أي: متقيدة بالحلال والحرام، ونظافة المشاعر ونظافة السُّلوك، والأمانة والعدل، وسائر القيم العليا التي تكون الجوهر الحقيقي لإنسانية الإنسان، أم غير متفقة مع ذلك المنهج؟ أي: غير متقيدة بالحلال والحرام والنظافة الحسية والمعنوية والأمانة والعدل … أي: غير محققة لإنسانية الإنسان.
__________
1 سورة الرعد: 28.
2 سورة الطلاق: 3.
3 سورة التغابي: 11.
4 سورة آل عمرن: 173، 174.
5 سورة طه: 71-73.
6 سورة نوح: 10-12.

7 سورة الإسراء: 20.

8 رواه مسلم.

فالتقدم العلمي والتكنولوجي ضروري لعمارة الأرض، ومن ثَمَّ فهو واجبٌ على أي مجموعة من البشر يضمها تجمع معين. ولكن لا بد له من شروط يقوم عليها وإلَّا فقد كثيرًا من اعتباره وتحول إلى أداة سلبية تدفع الإنسان إلى الدَّمار!
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ(1) وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (2).
وليس من الضَّروري أن يتم التَّدْمير بمجرد ظهور الفساد واستشرائه … فإنَّ من سنن الله أن يمد للقوم الظالمين -مع ظلمهم- ويُمَكِّنَ لهم، ويفتح عليهم أبواب القوة في كل اتجاه.. ليزدادوا فسادًا وانحرافًا، ويزدادوا استحقاقا للتدمير..
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (3).
بينما من سنن الله مع المسلمين ألا يُمَكِّن لهم في الأرض إلا وهم مستقيمون على طريقه، فإذا انحرفوا زال عنهم التمكين حتى يعودوا إليه.
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (4).
ويقيم الناس في حياتهم علاقات سياسية واجتماعية واقتصادية ليس بعضها نابعًا من بعض ولا بعضها تابعًا لبعض..إنَّما الأصح أن نقول إنها -كلها- أوجه متعددة “لموقف” معين، في اتجاهات مختلفة ولكنها مترابطة..
فالموقف الواحد: على طريق الله أو على غير طريقه، يتجسم في كيان سياسي اجتماعي اقتصادي معين، وفكري وروحي وخلقي وفني كذلك … أي: في جميع الاتجاهات، وتكون كلها -في المعتاد- متناسقة بعضها مع بعض، إلا أن يكون هناك اختلال في الشخصية -شخصية الجماعة- فيكون بعض نشاطها من منبع معين وبعضه من منبع مخالف، كما هو حاضر “المسلمين” اليوم في كل الأرض، يعيشون بعض جوانب حياتهم على تراثهم الذي “ورثوه” وبعض جوانبها الأخرى من الجاهلية المعاصرة، في القيم والأفكار والمشاعر وأنماط السُّلوك … وهو وَضْعٌ شاذٌّ في حياة المسلمين وفي حياة البشرية كذلك.
وتختلف صورة الكيان الاقتصادي باختلاف مدى التقدم العلمي والمادي للجماعة البشرية، فينتقل من اقتصاد رعوي إلى زراعي إلى صناعي … إلخ.. ولكن العبرة لا تكون بمقدار التغير في “الصورة” إنما العبرة “بالموقف” الذي تنبثق منه الصور جميعا وتجسده.. وهو لا يخرج من أحد موقفين: إما موقف إيماني قائم على المنهج الرباني، وإما موقف جاهلي مجاف للمنهج الرباني؛ أي: إنَّ العبرة ليست بكون المجتمع رعويا أم زراعيا أم صناعيا، إنَّما العبرة في كونه رعويا مؤمنا، أم رعويا جاهليا، وزراعيا مؤمنا أم زراعيا جاهليا، وصناعيا مؤمنا أم صناعيا جاهليا.. وهذا هو الذي يحدد مركزه في التاريخ الأرضي، فضلا عن مركز أفراده في اليوم الآخر(5).
وعلى ذلك فإنَّ القيم في المنهج الرباني لا تتغير مع تغير الصورة. فيظل المجتمع المسلم -في جميع أطواره الاقتصادية- عابدًا لله، بمعنى الاعتقاد الصَّحيح في الله، وأداء الشَّعَائِرِ التعبدية لله، وتحكيم شريعة الله. ويظل متمسكا بأخلاقيات “لا إله إلا الله” سواء في علاقات الجنس، أو علاقات المال، أو علاقات الولاء والسلم والحرب … إلخ، أي: ملتزما بالحلال والحرام وبسائر ما أنزل الله.
أما في “الموقف” الآخر غير الإيماني فلا معيار لشَيْءٍ؛ لأنَّ القيم ذاتها غير قائمة على أساس واضح … ولهذا يعبث بها من أراد أن يعبث كما عبث اليهود بكل القيم في المجتمع الغربي مع الثورة الصناعية وزعموا أن عبثهم ذلك حتمية وقانون!
__________
1 أي: بالتدمير عليهم لما كذبوا الرسل ولم يستجيبوا لهم.
2 سورة الروم: 9.
3 سورة الأنعام: 44، 45.
4 سورة النور: 55.

5 في اليوم الآخر يحمل كل إنسان مسئوليته الخاصة: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [سورة النجم: 38-41] {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا، وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [سورة مريم: 94، 95] {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [سورة الانفطار: 19] ولكن مسئولية كل إنسان الاجتماعية داخلة في مسئوليته الخاصة التي يحاسب عنها يوم القيامة: هل سعى إلى إقامة المنهج الرباني وأمر بالمعروف وجاهد المنكر بيده أو بلسانه أو بقلبه أم نكل عن ذلك جميعًا …؟

وصَحِيحٌ أنَّ هناك سمات مشتركة تصنعها “البيئة” في المجتمع الرعوي أو الزراعي أو الصناعي قد يتشابه فيها المؤمنون وغير المؤمنين، ولكن هذا الشَّبَه العارض لا يجوز أن ينسينا أنَّ الذي يحدِّد المركز الحقيقي للإنسان في الدُّنْيَا أو الآخرة هو “الموقف” الذي يتخذه، وليست المظاهر الثانوية التي قد تتوافق أو تتعارض بغير تأثير حاسم في حياة الناس.
وتقوم في حياة الناس على الأرض صراعات متعددة …
فأمَّا في المجتمع الإيماني فالصِّرَاعُ هو دائمًا الصِّرَاعُ بين الحق والباطل يأخذ صورًا شتى.
صورة منه هي القتال ضد النظم والحكومات والجيوش الكافرة لإزالتها من طريق الدَّعوة باعتبار أنَّ وجودها ذاته عائق واقعي يمنع الناس من الاستجابة إلى دعوة الحق … فأمَّا إذا أزيلت فلا إكراه على اعتناق العقيدة الإسلامية. ولكن تحكم شريعة الله ليستظل بعدالتها الناس جميعا ولو لم يدخلوا في العقيدة الصحيحة.
وصورة منه هي مجاهدة عوامل الانحراف في المجتمع الإسلامي ذاته، عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وصورة منه هي مجاهدة النفس الأمَّارَةِ بالسُّوءِ، اللاصقة بالشَّهَوَاتِ، حتى تصير إلى النفس اللوامة التي أقسم بها الخالق جل جلاله؛ لأنها تنهى النفس عن الهوى:
{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (1).
{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (2).
وأما في المجتمع الجاهلي فالصِّرَاع لا يدور أساسا بين الحق والباطل، وإن كانت تدور بين الحين والحين صراعات بين جوانب جزئية من الحق وجوانب جزئية من الباطل، إنَّما يدور الصِّرَاع أساسا بين قوى الباطل المختلفة، ويتخذ صورا شتى:
صورة منه هي عدوان أمة على أمة بدافع شهوة الغلبة والتَّوَسُّع والعدوان والاستزادة من متاع الأرض عن طريق العدوان. إما بتأسيس إمبراطوريات أو “دول عظمى” تبتلع الدول الصغرى وتستذلها لصالحها، وإما بحروب دائمة بين الجيران وغير الجيران.
وصورة منه هي الصِّرَاع داخل المجتمع بدافع شَهْوَة السُّلطة أو شَهْوَة الملك أو شَهْوَة الجنس أو شَهْوَة البروز، أو غيرها من الشَّهَوَاتِ، على هيئة صراع طبقي وصراع فردي.
ويتلخص الفارق بين نوعي الصِّرَاعَيْنِ في الآية الكريمة:
{الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} (3).
والطاغوت هو كل ما يستعبد الناس له من دون الله.
والتَّفْسِير الإسلامي للتاريخ واقعي واقعية الإسلام.
فمن ناحية يُقَدِّر أن الصورة المثالية للتطبيق الإسلامي ليست هي الصورة الدَّائمة، وأنَّ الضغوط المَادِّيَّة والاقتصادية وضغوط الشَّهَوَاتِ البشرية يمكن أن تؤثر في التطبيق الواقعي فتنزله من صورته المثالية إلى صورة أدنى. ومن ناحية أخرى يُقَدِّر أن الحكام يمكن أن يطغوا بسلطان الحكم وسلطان المال الذي في أيديهم فيجوروا ويظلموا رغم قيامهم بتطبيق شريعة الله في المواضع التي لا تخص سلطانهم وامتيازاتهم التي يصنعونها لأنفسهم.
ولكن التَّفْسِير الإسلامي -الذي يفسر التاريخ بحسب السًّنن الربانية- يقول إنَّ هذه الأمور كلها هي انحرافات عن المنهج الرباني الصَّحيح، ليس لها إلا إحدى صورتين، وإحدى نتيجتين:
إما أن تكون في حَيِّزٍ محدودٍ، فلا يصيب الظلم أو الفساد رقعة كبيرة من الأمة بسبب تأثير العقيدة في النفوس من ناحية، وتأثير تطبيق الشريعة في حصر الظلم في الحيز المحيط بالحكام من ناحية أخرى، وعندئذ تستطيع المحدود الأمة أن تعيش فترة طويلة حتى والفساد في داخلها، وتكون برغم هذا الفساد الجزئي أفضل وأنظف وأعلى من الجاهلية..

 وإما أن تزيد رقعة الفساد عن الحد المعقول، وعندئذ تدركها سنة الله التي لا تتخلف ولا تحابي أحدًا، فتنهار الأمة حتى وهي تحمل اللافتات الإيمانية؛ لأنَّها تكون عندَئِذٍ لافتات مزيفة لا رصيد لها من الواقع. والسنة الربانية -الحتمية التي لا تتبدل ولا تتحول- لا تتعامل مع اللافتات المرفوعة إنما تتعامل مع الواقع الحقيقي.
وفي جميع الحالات لا يغفل التَّفْسِير الإسلامي للتَّاريخ ضغوط “الواقع” المادي والاقتصادي التي يعني بها التَّفْسِير المادي للتاريخ، وتأثيرها في نفوس الناس ومشاعرهم. ولكن يختلف الأمر كثيرا ما بين وجود العقيدة وعدم وجودها.
الضغوط المَادِّيَّة والاقتصادية دائما موجودة ودائما ذات ثقل … ولكن العقيدة ترفع الإنسان بمقدار تمكنها من نفسه وفاعليتها في حياته، فأمَّا إن كانت على درجة عالية من التَّمَكُّن والعمق والفاعلية فإنَّها ترفع الإنسان فوق الضُّغُوطِ المَادِّيَّة والاقتصادية. فينجو من ثقلها كله، ويصوغ حياته بمقتضى القيم التي يؤمن بها ولا يحيد عنها.. وهؤلاء هم أفذاذ التاريخ.. وأمَّا إن كانت موجودة ولكنها على درجة من التَّمَكُّن والفاعلية أقل، فإنَّها على الأقل ترفع الإنسان فتضعه إزاء الضُّغُوطِ، فيصارعها وتصارعه، ويغلبها مرة وتغلبه مرة، ويكون ضغطها عليه محسوسًا ولكنه ليس قاهرًا. وهذه هي الحالة العادية للمؤمنين سَوَاءٌ في صورة مجتمع أو في صورة أفراد.
أما في غياب العقيدة فالإنسان في معظم حالاته واقع تحت الضغوط المَادِّيَّة والاقتصادية لا يملك أن يرفع رأسه إزاءها ولا أن يرتفع عليها، فتكون هي القاهرة وهو المقهور تحتها … وتلك هي الحالة التي ركز على شرحها التَّفْسِير المادي للتاريخ، وأجاد في شرح كثير من تفصيلاتها “بصرف النظر عن مغالطاته المكشوفة في تفسير الدين والأسرة وأخلاقيات الجنس، وفي تصوير المخطط اليهودي لإفساد أوروبا في الثورة الصناعية على أنه تقدم وتطور، وأنه حتمي!”.
ولكن هذا التَّفْسِير أخفق في أمرين:
أخفق أوَّلًا في إعطاء التَّفْسِير الصَّحيح لتلك الحالة التي ركز عليها، إذ قَدَّمَهَا على أنَّها هي الوضع الدَّائم والطبيعي للبشرية ولم يعطها تفسيرها الحقيقي، وهي أنَّها وضع منتكس للإنسان بسبب جاهليته، لا بسبب أنَّ المادة بطبيعتها رب قاهر والإنسان بطبيعته عبد للمادة!
أما إخفاقه الأكبر فهو -كما أسلفنا- إخفاقه في تفسير الإسلام، وهو الوضع الصَّحيح للإنسان: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (4).
ويقول التَّفْسِير الإسلامي للتاريخ إنَّ هناك سُنَنَاً ربانية تحكم حياة البشر على الأرض، وإنَّها سُنَنٌّ دائمة غير قابلة للتبديل ولا التحويل:
{فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (5).

__________
1 سورة القيامة: 1، 2.
2 سورة النازعات: 40، 41.

3 سورة النساء: 76.

4 سورة الروم: 30.
5 سورة فاطر: 43.

وسنة الله هي الحتمية الوحيدة في هذا الكون، والكون كله خاضع لهذه الحتمية بما في ذلك الإنسان.
ولكن هناك فارقًا أساسيَّاً -بالنسبة للإنسان- بين حتمية السُّنَن الربانية وبين الحتميات المَادِّيَّة والاقتصادية والتاريخية التي يزعمها التَّفْسِير المادي للتاريخ.
إنَّ حتمية السنن الربانية لا تفرض سلوكا قهريا مُعَيَّناً على الإنسان، ولا تقع بمعزل عن إرادته، إنَّما هي تفرض نتائج حتمية على السُّلوك الذي يتخذه الإنسان باختياره:
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} (1).
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (2).
{وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} (3).
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (4).
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (5).

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (6).
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (7).
نِبْرَاسٌ واضِحٌ: يختار الإنسان سلوكه ثُمَّ تَتَرَتَّب على اختياره نتائج حتمية الوقوع، ويغير الإنسان ما هو عليه فيغير الله له، إن كان في نعمة فكفرها يغير الله حاله إلى سُوء، وإن كان في سُوء فغيره يغير الله حاله إلى الخير.
وتُفْسِحُ السُّنَنُ الرَّبَّانِيَّة الرُّقْعَة فلا تحصرها في الحياة الدُّنْيَا وأحداثها، إنما تمدها إلى اليوم الآخر، الذي يتحقق فيه الجزاء الكامل، وتكتمل صورة الحق التي لم تكتمل في الحياة الدُّنْيَا:
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (8).
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} (9).
فقد يقع الظلم من إنسان، ويظل ظالما حتى الموت دون أن يأخذ جزاءه في الحياة الدُّنْيَا، وقد يقع الظلم على إنسان فيظل مظلوما حتى الموت دون أن ينتقم الله له من ظالمه في الحياة الدُّنْيَا. ولكن هذا ليس آخر المطاف.. إنَّما آخر المطاف يوم {يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} (10) فينال الإنسان جزاءه الكامل على الموقف الذي اتخذه والطريق الذي اختاره، سواء كان قد عُجِّلَ له بِشَيْءٍ من الجزاء في الحياة الدُّنْيَا أو أُجِّلَ له كله إلى يوم الحساب.
وفرق كبير بين وضع “الإنسان” في التصور الإسلامي والتصور الذي يقدمه التَّفْسِير المادي للتاريخ، وبين حجم الإنسان وحجم فاعليته في كلا التصورين. ففي التصور الإسلامي هو حقيقة “إنسان” يمارس مسئوليته في الأرض، يمارس حمل الأمانة التي اختصه الله بها من بين المخلوقات، وهو في التصور الآخر شبح غير محدد الكيان أو أداة لا حرية لها ولا اختيار.
وأخيرًا فإنَّ الإنسان في تطوره التاريخي له كيان ثابت وصور متغيرة على الدَّوام.
فأمَّا الكيان الثابت فمصدره الفطرة. وأمَّا الصور المتغيرة فمصدرها التفاعل الدَّائم بين هذه الفطرة وبين الكون المادي، ومحاولة الإنسان الدَّائبة تحقيق التَّسْخِير الرباني لما في السَّموات والأرض من أجل الإنسان:
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (11).
والفطرة البشرية ذات مرونة تسمح لها بالتَّشَكُّل المستمر، بما يناسب القدر الذي يتم تسخيره من طاقات السموات والأرض، ولكن هذه المرونة -وهي مزية ميز الله بها الإنسان ليعينه على دور الخلافة في الأرض- ليس معناها انعدام الشخصية الإنسانية، أو السلبية الكاملة، أو عدم وجود كيان محدد للإنسان، إنما معناه فقط عمق هذه الشخصية وسعتها وتعدد جوانبها، بحيث تستطيع أن تستوعب أشكالا متعددة من الحياة، وتبذل ألوانا متعددة من النشاط.
وحقيقة إنَّ هذه المرونة تجعل الإنسان يحتمل كثيرًا من الضُّغُوطِ، ويتشكل تحتها بصور تخالف ما هو مفروض أن يكون عليه في حالته السَّوِيَّة، مما يغري الطغاة على طول التاريخ البشري أن يضغطوا على شعوبهم ويستعبدوهم، ولكن هذا ليس معناه عدم وجود حدود حاسمة للكيان البشري يقف عندها في تَشَكُّلِهِ أو في خضوعه للضغوط الواقعة عليه، فإنَّه في النهاية يثور …
ومعنى ثورته أنَّ احتماله للتشكل الخاطئ الذي فرض عليه بالضغط قد انتهى، وأنَّه يريد أن يصحح وضعه بما يناسب كيانه الطبيعي … وسواء نجحت الثورة أو فشلت فدلالتها ثابتة في الحالين.. والنَّجاح والفشل مسألة ظروف مواتية أو غير مواتية، ومسألة إعداد وتنظيم أو فوضى وارتجال، أمَّا الثورة فمعناها أنَّ شَيْئَاً مخالفًا لطبيعة الإنسان قد فُرِضَ عليه بالقوة وهو يريد أن يرده عنه ليعود إلى وضعه الطبيعي.
وفي التاريخ البشري ثورات كثيرة فاشلة وناجحة، هي محاولات دائمة لدفع ضغوط مفروضة وتصحيح أوضاع خاطئة.. وكل ثورة تحدث “شيئا ما” في حياة البشرية يغير خطاها إلى خط جديد … ولكن تظل البشرية تتخبط ما دامت بعيدة عن المنهج الرَّبَّانِي، فتحل مشكلة بمشكلة جديدة، وتتخلص من ضغط لتقع في ضغط من نوع آخر، كما خرجت من الرِّقِّ إلى الإقطاع، ومن الإقطاع إلى الرَّأْسِمَالِيَّة، ومن الرَّأْسِمَالِيَّة إلى الشِّيُوْعِيَّة، ولا سبيل لها إلا التَّصحيح الحقيقي لأوضاعها إلا بالدُّخُولِ في المنهج الرَّبَّانِي، الملائم للفطرة السَّوِيَّةِ، المنزل من عند خالق هذه الفطرة، العليم بما يصلحها وما يصلح لها، وهو منهج ثابت القيم والأركان كثبوت هذه الفطرة، ويسمح في الوقت ذاته بتغير الصورة على الدَّوام بما يلائم النمو الدائم للحياة البشرية، ولكنه لا يسمح بالصورة المنحرفة؛ لأنها تُمْرِض الفطرة، وتؤدي إلى الفساد في الأرض، ومن أجل ذلك يجعل القواعد الثَّابتة هي التي تحكم المتغيرات، ولا يسمح للمتغيرات بتغيير القواعد الثابتة.
ولا تزال البشرية تهتدي فتستقيم حياتها، وتضل فتصيبها السُّنَّة الربانية التي تَتَرَتَّب على الضَّلال. ولكن لا توجد حتمية واحدة للهدى ولا حتمية واحدة للضَّلال، إنَّما الإنسان هو الذي يقرر لنفسه:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (12).
{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (13).
تلك لمحة سريعة عن التَّفْسِير الإسلامي للتاريخ في مواجهة التَّفْسِير الجاهلي، قد لا تكون كافية لإبراز ملامحه.. ولكنها تكفي على أي حال لرؤية الهُوَّةِ العميقة التي يضع التَّفْسِير المادي فيها الإنسان.

__________
1 سورة الروم: 41.
2 سورة الأعراف: 96.
3 سورة الجن: 16.
4 سورة الأنعام: 44.
5 سورة هود: 15، 16.

6 سورة الرعد: 11.
7 سورة النحل: 112.
8 سورة ص: 27.
9 سورة المؤمنون: 115.
10 سورة النور: 25.

11 سورة الجاثية: 13.

12 سورة الشمس: 7-10.
13 سورة العصر: 1-3.

ثالثا: المذهب الاقتصادي بين النظرية والتطبيق

مدخل

أشرنا في التمهيد إلى أن الشِّيُوْعِيَّة ليست مذهبا اقتصاديا بحتا كما يجري الحديث عنها أحيانا، ولكنها تصور شامل للكون والحياة والإنسان ولقضية الألوهية كذلك، وتفسير شامل لذلك كله على أساس مادي.
بعبارة أخرى فإنَّ المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والتَّفْسِير المادي للتاريخ جزء من “النظرية” الشِّيُوْعِيَّة لا ينفصل عنها. ولذلك لم يكتف “ماركس” أو “إنجلز” أو غيرهما من الكُتَّابِ الشِّيُوعِييِّن بأن يتحدثوا عن الشِّيُوْعِيَّة كمذهب اقتصادي إنَّما جعلوا حولها هذه الفلسفة الشَّاملة لتفسرها -أو لتبررها- سيان.
وهذا الذي صنعه “ماركس” و”إنجلز” والمفسرون الشِّيوُعِيِّون هو الأمر الطبيعي، الذي يتجافاه أو يتجاهله الذين يتحدثون عن الشِّيُوْعِيَّة كمذهب اقتصادي بحت. ذلك أنَّه لا يوجد مذهب اقتصادي مجرد، ليس له ارتباط بتصور شامل عن الكون والحياة والإنسان وقضية الألوهية!
ورغم أنَّنا لا نوافقهم في زَعْمِهِم أنَّ الأوضاع الاقتصادية والمَادِّيَّة هي الأصل الدَّائم الذي تنبثق منه الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية، والفنية.. إلخ، فإنَّنا نرى -كما أشرنا من قبل- أنَّ هناك ارتباطا بين هذه الأمور كلها؛ لأنَّها أوجه مختلفة لقضية واحدة أو لموقف معين من قضايا الألوهية والكون والحياة والإنسان.
وسواء أخذنا بوجهة النَّظَرِ هذه أو تلك فإن النظرية الاقتصادية لا يمكن أن تقف وحدها مجردة عن فلسفة شاملة تربطها بالقضايا الأخرى كلها، سواء كانت هذه النظرية شيوعية أو رأسمالية أو إسلامية.
وقد نجد في التحليل الأخير أن الفلسفة المحيطة بالنظرية الشِّيُوْعِيَّة لا تختلف كثيرًا -في جوهرها- عن الفلسفة المحيطة بالنظرية الرَّأْسِمَالِيَّة..
فكلتاهما فلسفة مادية حيوانية لا ترتفع بالإنسان عن مستوى المادة أو مستوى الحيوان، وتعتبر الوضع المادي والاقتصادي هو الأصل الذي يشكل الحياة … وكلتاهما تبعد المنهج الرباني كلية عن أن يحكم الحياة أو يسيطر عليها، وكلتاهما تبيح الفساد الخلقي وتسمح له أن يستشري في الأرض! ولكنا سنجد -على الأقل- فَرْقَاً في الدَّرَجَةِ بين هذه وتلك!
فالشِّيُوْعِيَّة أشد إمعانا في إبعاد المنهج الرَّبَّانِي إلى حَدِّ النَّصِّ الرَّسمي على الإلحاد في صلب الدُّستور: “لا إله. والكون مادة” وأشد إبعادا للإنسان عن إنسانيته، باعتبارها إياه مادة خالصة لا خليطا من المَادِّيَّة والحيوانية كما تصنع الرَّأْسِمَالِيَّة.
إنَّ الفارق الوحيد -الذي يرونه جوهريا ولا نراه كذلك- هو في “من يملك”؟ وهو فارق في “القشرة” الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية أكثر مِمَّا هو فارق في الأصل الذي تغطيه هذه القشرة؛ لأَنَّ النزاع انحصر كما هو ظاهر في “من يملك” ولم يتجاوزه إلى النظر في المالكين أنفسهم، ونظرتهم إلى الكون والحياة والإنسان وقضية الألوهية، وهل هي نظرة صحيحة أم خاطئة، وهل هم -بمعيار القيم الإنسانية- مرتفعون أم هابطون.
فإذا وجدنا -بالمعايير الربانية- أنَّ المالكين كلهم سواء في الجاهلية المعاصرة، كلهم جاهليون، كلهم نابذون للمنهج الرباني معادون له مُصِرُّون على إبعاده عن حياتهم، فإنَّ الفوارق الجزئية بينهم بعد ذلك تظل فوارق ثانوية وليست جوهرية كما قد ينظرون إليها فيما بين بعضهم وبعض، وخاصة في لحظات التنازع والخصام.
وصحيح أن “مظهر” الحياة يختلف كثيرا فيما بين الرَّأْسِمَالِيَّة والشِّيُوْعِيَّة، على الأقل من الناحية الاقتصادية والناحية السياسية، ولكنا نضرب مثلا لتقريب الصورة فحسب.. إذا دخلت مكانا تحسب أن فيه “آدميين” فوجدت أنَّه عبارة عن حظيرتين كبيرتين، الدَّواب في إحداهما طليقة “سائبة” وفي الأخرى مربوطة مُقَيَّدَة، فليس الذي يُبْدِهُكَ للوهلة الأولى هو أن هذه سائبة وهذه مقيدة، إنَّما الذي يُبْدِهُكَ أنَّك وجدت الدَّواب حيث كنت تتوقع وجود الآدميين، ولا بد -بطبيعة الحال- أنَّك ستلحظ الفارق بين مجموعة الدَّواب هذه وتلك، وقد تلحظه لأَوَّلِ وهلة، ولكنك لا تعيره اهتماما كبيرا طالما أنت ناظر إلى قضية وجود الدَّواب في مكان الآدميين، أمَّا إذا ألقيت هذه القضية جانبا فسيتضخم في حِسِّكَ ولا شَكَّ ذلك الفارق الشَّكْلي، وستروح تبحث، أيهما الأَوْلَى: أن تكون جميعها سائبة أم جميعها مقيدة!
تشبيه تمثيلي لتقريب الصورة فحسب.
فمن وجهة النظر الإسلامية لا يفترق الوضع الرَّأْسِمَالِيِّ كثيرا عن الوضع الشيوعي، كلاهما وضع جاهلي يحكم بغير ما أنزل الله. كلاهما ينفر نُفُورَاً تامَّاً من إدارة شئون الحياة بمقتضى المنهج الرباني. كلاهما لا يعترف على الإطلاق بأنَّ حق التَّشْرِيع، – أي حق تقرير الحلال والحرام والحسن والقبيح والطيب والخبيث -؛ هو حق الله وحده، إنما يقوم كلاهما على أنَّ هذا الحق هو حق البشر وحدهم من دون الله.. ثُمَّ يختلف هؤلاء البشر فيما بينهم بعضهم يذهب إلى اليمين، وبعضهم يذهب إلى اليسار، وكلاهما يتنكب الطريق.
بعد هذه المقدمة الضرورية، التي نخلص منها بنتيجتين رئيسيتين:

الأُوْلَى: أنَّ الشِّيُوْعِيَّة ليست مذهبا اقتصاديا بحتا يمكن تجريده بمفرده. إنَّما هي تصور شامل للكون والحياة والإنسان وقضية الألوهية؛ ثُمَّ مذهب اقتصادي مبني على هذا التصور ومرتبط به بحيث لا يمكن فصله عنه.

والثَّانية أنَّ الفارق بين الفلسفة الشِّيُوْعِيَّة الخاصة بقضايا الألوهية والكون والحياة والإنسان والفلسفة الرَّأْسِمَالِيَّة المتعلقة بهذه القضايا ذاتها فارق ثانوي من وجهة النظر الإسلامية؛ لأنَّه فارق في “القشرة” وليس في الجوهر الحقيقي.
بعد هذه المقدمة نأخذ في الحديث عن المذهب الاقتصادي في الشِّيُوْعِيَّة، مبتدئين بالنظرية ثُمَّ معقبين بالتطبيق.

النظرية الشِّيُوْعِيَّة
إلغاء المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة


تقوم النظرية الشِّيُوْعِيَّة على مجموعة من الأسس والمبادئ يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
1- إلغاء المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة إلغَاءً باتَّاً وإحلال المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة بدلًا منها.
2- إلغاء الطبقات بإقامة ديكتاتورية البروليتاريا وإبادة الطبقات الأخرى.
3- كفالة الدَّوْلَة لجميع “المواطنين” في مقابل تكليف القادرين منهم بالعمل رجالا ونساء.
4- المساواة في الأجور.
5 إلغاء الدِّين.
6- تطبيق مبدأ “مِنْ كُلٍّ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ، ولكل بحَسَبِ حَاجَتِهِ”.
7- إلغاء الصِّرَاع من المجتمع البشري بإلغاء الباعث عليه وهو المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة.
8- إلغاء الحكومة في المستقبل، وإقامة مجتمع متعاون متعاطف بغير حكومة.
ونحاول فيما يلي بسط كل واحد من هذه المبادئ في إيجاز دون تفصيل:

1- إلغاء المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة:
أسلفنا القول في مناقشة المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والتَّفْسِير المادي للتاريخ أنَّ الشيوعيين يعتبرون المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة هي المسئولة عن كُلِّ الشُّرُورِ التي خاضتها البشرية منذ تركت مرحلة الشِّيُوْعِيَّة الأولى حتى دخلت مرحلة الرَّأْسِمَالِيَّة، وأنها كانت خلال ذلك التاريخ كله مثار “الصِّرَاع الطبقي” الذي يبعث الأحقاد والاضطرابات في المجتمع البشري، وأنَّه لا بد من إزالتها والرُّجُوع بالناس إلى المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة التي كانوا عليها في الشِّيُوْعِيَّة الأولى لكي تستريح البشرية من الصِّرَاعات والأحقاد وتعيش في طمأنينة وسلام.
ويرى الشِّيوُعِيِّون أن الشِّيُوْعِيَّة الثانية والأخيرة التي يدعون إليها هي الحل، وهي طريق الخلاص؛ لأنَّها ستلغي المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة إلغَاءً باتَّاً وتحل المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة محلها، فلا يملك أحد شيئًا من وسائل الإنتاج وأدواته ملكية فردية، سواء كان الإنتاج زراعيا أو صناعيا، إنَّما تكون الملكية جماعية.

وليس معنى المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة أنَّ أي مجموعة من الناس يملكون أو يمكن أن يملكوا ما تحت أيديهم من وسائل الإنتاج وأدواته ملكية مشتركة، كأن يملك العمال المصنع الذي يعملون فيه، أو يملك الفلاحون المزرعة التي يفلحونها “كما يتبادر أحيانًا إلى أَذْهَانِ السُّذَّجِ الذين يستمعون إلى الدِّعَايَةِ الشِّيُوْعِيَّة فيتصورونها على غير حقيقتها” إنَّما معناها أنَّ “الدَّوْلَة” هي المالك الوحيد للإنتاج كله، بوسائله وأدواته وناتجه، فهي التي تملك المصانع وإنتاجها كما تملك المزارع ومحاصيلها، وتقول النظرية إنَّ الدَّوْلَة تقوم بذلك نيابة عن الشعب، أو عن طبقة “البروليتاريا Proletariat” التي يفترض فيها حسب النظرية أنَّها هي المالك الحقيقي! ذلك أنَّ النظرية الشِّيُوْعِيَّة تقول إنَّ المنتج الحقيقي لأي سلعة هو العامل الذي يبذل الجهد لإنتاجها، ولكنه في ظل الإقطاع والرَّأْسِمَالِيَّة لا يملك الناتج الذي أنتجه بجهده، إنما هو يبيع جهده للإقطاعي أو الرأسمالي الذي يشتري هذا الجهد بأبخس الأثمان ويستمتع وحده بفائض القيمة “وهو الفرق بين ثمن المادة الخامة مضافًا إليه أجر العامل وبين سعر السِّلْعَةِ في السُّوق” وعلى هذا يعتبر الإقطاعي والرأسمالي مستغل لجهد العامل وظالما له، ويعتبر العامل في وضع غير إنساني؛ لأنه مستغل لحساب إنسان آخر. وهذا في شرعة الشِّيُوْعِيَّة غير جائز؛ لأن الجريمة الكبرى في حق الإنسان هي أن يكون مُسْتَغَلَّاً من قبل إنسان آخر. أمَّا في الشِّيُوْعِيَّة فليس هناك استغلال من إنسان لإنسان؛ لأنَّ الكل مالكون. وإن كانت الدَّوْلَة من الوجهة العملية هي التي تدير هذه الملكية، وهي التي توزع الناتج على “المالكين الحقيقيين”!
وسنتحدث عن طريقة التوزيع فيما بعد؛ إنَّما نكتفي هنا بالقول بأنَّ الدَّوْلَة هي المتصرف الحقيقي في جميع الأمور.
ويقول الشِّيوُعِيِّون كما أسلفنا إنَّ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ليست نزعة فطرية “بل إنَّه لا توجد نزعات فطرية على الإطلاق” وإن المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة هي الأصل في حياة الإنسان بدليل الشِّيُوْعِيَّة الأولى. إنَّما اكتسب الإنسان تلك النزعة الشريرة فيما بعد اكتشاف الزراعة، وإنَّه ينبغي تطهير الناس من هذا الشر الذي اكتسبوه، وإعادتهم إلى الحالة التي كانوا عليها أوَّل مَرَّة بجعل الملكية ملكية جماعية.

2- إلغاء الطبقات:
منذ خرج الناس من الشِّيُوْعِيَّة الأولى التي لا ملكية فردية فيها، أو بعبارة أخرى منذ بدأت المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة بدأ ظهور الطبقات في المجتمع، إذ انقسم الناس إلى مالكين وغير مالكين. واستغل المالكون ما في أيديهم من الملك لاستغلال الآخرين الذين لا يملكون. فأصبحت الملكية سلطة استغلالية، وأصبحت الطبقة المالكة هي التي تحكم، وبما أنَّ السُّلْطَة في يدها فقد صارت تحكم بما يناسب مصالحها على حساب الطبقة التي لا تملك “ومن ثم لا تحكم” واستمر هذا الوضع بصورة سافرة في عهدي الرق والإقطاع، وبصورة مقنعة في ظل الرَّأْسِمَالِيَّة، وتقرر الشِّيُوْعِيَّة أنَّ هذا كان ظلما فاحشا بالنسبة لطبقة الكادحين الذين هم المنتجون الحقيقيون، إذ بَدَلًا من أن يملكوا نتيجة جهدهم فإنَّ طبقة السَّادة التي تستغلهم هي التي تستمتع وحدها بثمرة هذا الجهد، بينما يظلون هم في الحرمان والذُّلِّ والهوان، وليس أقل الذُّلِّ أن يضطروا إلى بيع جهدهم للمستغل الذي يعملون عنده أو يعملون لحسابه.
ثُمَّ تقرر النظرية أنَّ هذا الظلم الفاحش لا سبيل إلى إزالته إلا بإزالة النظام كله، نظام الطبقات القائم على المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة. فطالما كان هناك ملكية فردية فهناك طبقات، وطالما كان هناك طبقات فهناك ظلم، والسبيل هو إلغاء الطبقات المستغلة “أي: المالكة” والإبقاء على الطبقة الوحيدة المنتجة، وهي طبقة الكادحين “البروليتاريا” لأنَّ الطبقات الأخرى طبقات طفيلية لا تستحق البقاء، كل عملها أن تمتص دماء الكادحين وهي لا تتعب ولا تبذل جَهْدًا، إنَّما تسرق الجَهْدَ لتعيش به حياة ترف وكسل وخمول بينما المنتجون الحقيقيون في شقاء وكدح وعناء.
والطريق المؤدي إلى ذلك هو الثورة، وهي ثورة حمراء تراق فيها دماء غزيرة حتى يستتب الأمر لطبقة البروليتاريا فتصل إلى السلطة وتبيد الطبقات الأخرى إبادة، ثم تلغي المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة حتى لا تظهر من جديد طبقة مالكة تستغل الكادحين.
ويسمى نظام الحكم الذي ينشأ من هذه الثورة “ديكتاتورية البروليتاريا” لأنَّ البروليتاريا لا بد أن تحكم بالديكتاتورية ما دامت المعركة ما تزال قائمة بين الشِّيُوْعِيَّة وأعدائها.

وحكمة الديكتاتورية أنَّ أعداء الشعب لا ينبغي أن تُتْرَكْ لهم أي ثغرة ينفذون منها للقضاء على النظام الصحيح “وهو الشِّيُوْعِيَّة” لأنهم -بطبيعة الحال- لن يرضوا عن النظام الذي يحرمهم من امتيازاتهم الطبقية، فهم أعداء ألداء له.
وما دام هناك دول رأسمالية وإقطاعية ما تزال قائمة في الأرض فإنَّ أعداء الشعب سيتعاونون معها، أو أن هذه الدول ستستغلهم ضد النظام، ولا ينبغي التهاون في هذا الأمر لحظة واحدة. ولا التراخي مع أعداء النظام -أعداء الشعب- سيتعاونون معها، أو أن هذه الدول ستستغلهم ضد النظام، ولا ينبغي التهاون في هذا الأمر لحظة واحدة، ولا التراخي مع أعداء النظام -أعداء الشعب- بل لا بد من مقاتلتهم بكل شدة، والسبيل إلى ذلك هو أن تتولى الدَّوْلَة كل السلطات في يدها، وتقبض على الأمر بيد من حديد.. إلى أن يأتي الوقت الذي ينتهي فيه الأعداء من الوجود، وعندئذ لا تزول الديكتاتورية فقط بل تزول الحكومة كذلك لانتهاء الحاجة إليها.

3- كفالة الدَّوْلَة لجميع المواطنين:
تقوم الشِّيُوْعِيَّة على مبدأ كفالة الدَّوْلَة لجميع المواطنين على أساس أن هذا واجب الدَّوْلَة تجاه المواطنين، وحق المواطنين على الدَّوْلَة، ويندد الشِّيوُعِيِّون بالرَّأْسِمَالِيَّة خاصة التي تحتفظ دائما بجيش من العاطلين لتضرب به حركات العمال الذين يتمردون على الظلم ويطالبون بحقوقهم، وبالإقطاع الذي يترك الناس يموتون جوعًا ليكتنز الإقطاعي ويسمن من دماء الكادحين.
وفي “المنيفيستو” أي: الإعلان الشيوعي الذي أعلنه “ماركس” أوجب على الدَّوْلَة أن تكفل لكل فرد من أفراد المجتمع ضروراته الأساسية وهي الطعام والملبس والمسكن والجنس، باعتبارها حقوقا طبيعية، وضرورات ينبغي إشباعها، وتعتبر الدَّوْلَة مقصرة إذا قَصَّرَت في تحقيق شَيْءٍ من ذلك لأي فرد من المواطنين.
وفي مقابل كفالة الدَّوْلَة لجميع المواطنين فإنَّه ينبغي على كل قادر على العمل أن يعمل -رجالًا ونساء- ومن لا يعمل لا يأكل، فكما أنَّ الكفالة واجبة على الدَّوْلَة فالعمل واجب على الفرد ما دام قادرًا عليه، ولا يعفى من ذلك أحد على الإطلاق إلا الأطفال حتى يبلغوا السن التي تؤهلهم للعمل، والعجزة من الرجال والنِّساء الذين لا يقدرون على أي نوع من أنواع العمل فأولئك تكفلهم الدَّوْلَة بلا مقابل.
وبما أنَّ الدَّوْلَة هي -من الوجهة العملية- المالك الوحيد والمسيطر الوحيد على الإنتاج فهي التي تحدد لكل فرد في المجتمع نوع العمل الذي يقوم به ومكانه كذلك؛ مقابل كفالة الدَّوْلَة له.

وتحدد الدَّوْلَة صلاحية أي إنسان لنوع معين من العمل بحسب اختبارات تجريها على الأفراد لتحديد مواهبهم وقدراتهم أما مكان العمل فتحدده الدَّوْلَة حسب احتياجاتها بوصفها المشرفة على الإنتاج كله.
والمرأة -كالرجل- لا بد أن تعمل في أماكن العمل خارج البيت؛ وكونها زوجة وأُمَّاً لا يتعارض مع هذا المبدأ، فهي تأخذ الإجازة المقررة في حالات الحمل والوضع، أمَّا الأطفال فتتولاهم المحاضن لا الأمهات.
ومن ثَمَّ فإنَّ أي أُمٍّ -بعد تمضية الإجازة المقررة للوضع- تأخذ وليدها إلى المحضن وتذهب هي إلى العمل، حتى تتسلمه مرة أخرى بعد العودة خارج العمل.
وتقوم المحاضن بتقديم الرعاية المطلوبة للأطفال، حتى تنتهي أمهاتهم من العمل. حتى إذا كبروا تولت المدرسة ما كانت تتولاه المحاضن من قبل.
وبذلك لا تشغل المرأة بشئون الأطفال عن واجب العمل خارج البيت.
وتتولى الدَّوْلَة كفالة الأفراد بتقديم الطعام لهم مقابل بطاقات تموينية موحدة، وتقديم الملابس مرة في الشتاء ومرة في الصيف على المنوال ذاته، كما تعد سكنا لكل فرد، أما الجنس فتطلق فيه الحرية للأفراد ينشئون علاقاتهم الجنسية على النحو الذي يحلو لهم، وكانت النظرية قائمة في الأصل على أساس الشِّيُوْعِيَّة الجنسية الكاملة باعتباره أن هذه هي الصورة التي كانت عليها الشِّيُوْعِيَّة الأولى، وأن هذا هو الأصل في العلاقات الجنسية، ثم قام لينين بتعديل النظرية فاستبدل بالشِّيُوْعِيَّة الجنسية الكاملة نظرية “الكوب” التي تقول إن الكوب الذي يشرب به كل إنسان يصبح ملوثا، وكذلك الجنس لا بد أن تنظم علاقاته لكي لا يصبح ملوثا كالكوب الذي يشرب به الجميع! “وكان هذا بعد الدعاية المضادة التي قامت ضد الشِّيُوْعِيَّة الجنسية من المعسكرات المعادية” فصارت هناك مكاتب للزواج والطلاق تقوم فقط بتسجيل ما يحدث من الزيجات والانفصالات، وفي إمكان أي زوج من البشر: رجل وامرأة، أن يذهبا في أي وقت إلى مكتب الزَّواج ليسجلا زواجهما، كما أنَّ في إمكانهما في أي وقت أن يذهبا إلى مكتب الطلاق ليثبتا انفصالهما، ولا يترتب على ذلك أي أُجَرَاءات تُقَيِّد حرية العلاقات الجنسية.

4- المساواة في الأجور:
تقوم النظرية الشِّيُوْعِيَّة على أساس مبدأ المساواة بين جميع الأفراد في المجتمع؛ لأن هذه هي الصورة التي كانت عليها البشرية في الشِّيُوْعِيَّة الأولى، وهي -عندهم- الأصل الذي تستمد منه كل المبادئ التي ينبغي أن تعود إليها البشرية.
تقول النظرية إن أول صورة للوجود البشري هي التعبير الطبيعي عن هذا الوجود، وإنَّ أي انحراف طرأ بعد ذلك لا ينبغي أن يعتد به، بل ينبغي أن تعود البشرية فتصحح أوضاعها بالرجوع إلى الصورة الطبيعية التي كانت عليها أول مرة.
وفي الشِّيُوْعِيَّة الأولى كان جميع الأفراد متساوين في الحقوق والواجبات، وفي المأكل والملبس والمسكن والجنس، فينبغي أن تكون هذه هي الصُّوْرَةُ الدَّائمة للبشرية، ولكن التطور الذي حدث بعد اكتشاف الزراعة غيَّرَ هذا المبدأ الجميل، وأخَلَّ بالمساواة التي كانت قائمة في المجتمع الشيوعي الأول، فأصبح بعض الناس مالكين وبعضهم غير مالكين، فاختلفت الحقوق والواجبات بين المالكين وغير المالكين، وأصبحت للمالكين امتيازات اقتصادية “ومن ثم سياسية واجتماعية” تميزهم عن غير المالكين.
ولكن عدم المساواة ليس أصلًا من أصول الوجود البشري، ومن ثَمَّ فهو ظلم ينبغي إزالته، وطريقة إزالته -بعد إلغاء المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة وأيلولة الإشراف على الإنتاج إلى الدَّوْلَة- أن تسوي الدَّوْلَة بين أجور جميع العاملين، لكي تتحقق المساواة التَّامَّة في كُلِّ شَيْءٍ، ويزول الظلم الذي عاشت فيه البشرية عدة قرون.
ومن أجل تقرير هذه المُسَاوَاة قررت وحدة عمل إجبارية ينبغي على كل قادر أن يقوم بها، وتصرف للعامل بمقتضاها كل حاجاته الأساسية من مسكن وملبس ومطعم على قدم المساواة.
وعلى هذا النحو تحقق الشِّيُوْعِيَّة الثانية ما كان قائما من المساواة في الشِّيُوْعِيَّة الأولى، وتلغي الفوارق والامتيازات الطبقية التي أحدثتها فترات الظلم في الحياة البشرية، وهي فترات الرق والإقطاع والرَّأْسِمَالِيَّة.

5- إلغاء الدين:
تعتبر الشِّيُوْعِيَّة الدِّينَ أمرًا واجِبَ الإِلْغَاءٍ من اعتبارات عِدَّةٍ:
أحد الاعتبارات: أنَّه خرافة.. ونحن الآن في عصر العلم. فقد كان الباعث الأول على الدين هو جهل الإنسان بالطبيعة من حوله، وعجزه عن السيطرة عليها. فتخيل وجود قوى خفية تسيطر على هذا الكون وتجري الأحداث فيه، وراح يسترضي هذه القوى ليدفع أذاها عنه فتَقَرَّبَ إليها بالشعائر التَّعَبُّدِيَّةِ وتقديم القرابين.
ولما كانت البشرية اليوم قد شبت عن الطَّوْقِ، وتعلمت من العلم ما تعرف به قوانين الطبيعة وتسيطر به على البيئة فقد آن أن تتخلص من هذه الخرافة غير اللائقة بالإنسان المتعلم.
الاعتبار الثاني: أنه كان ناشئا من طبيعة الوضع المادي والاقتصادي في العهد الزراعي، حيث كان جزءا من عملية الإنتاج خارجا عن سيطرة الإنسان، فتخيل وجود قوة غيبية نسب إليها الهيمنة على ذلك الجزء الخارج عن سيطرته وراح يتعبدها لاجتلاب رضاها وصرف أذاها وغضبها عنه، وسماها الله.
والآن تغير الوضع المادي والاقتصادي وأصبحت عملية الإنتاج كلها منظورة وكلها تحت سيطرة العامل الذي يقوم بالإنتاج، فلم تعد هناك حاجة لافتراض تلك القوة الغيبية التي أصبحت الآن غير ذات موضوع.
الاعتبار الثالث: أن الدِّينَ يخالف المعتقد الشيوعي القائم -في نظرهم- على أسس علمية، وهو أن المادة هي الأصل، وهي سابقة في الوجود على الفكر، إذ يقوم الدِّينُ على أساس أنَّ المادة مخلوقة، وبالتالي فليست هي الأصل، وليست سابقة على الفكر، ومن ثم وجب إلغاء الدين؛ لأنَّهُ يصادم التصور الشيوعي، الذي ينبغي أن يبقى وحده ويلغي كل ما سواه.
الاعتبار الرابع: أن “الدِّينَ أفيون الشعب” فقد كان المستغلون من الإقطاعيين والرأسماليين يستخدمونه لتخدير الجماهير لكي ترضى بالظلم الواقع عليها ولا تتمرد عليه، مقابل الحصول على نعيم الجنة في الآخرة، وبصفة خاصة فقد كان الدِّينُ يستخدم ضد الشِّيُوْعِيَّة بالذَّات، فحين يقوم الشِّيوُعِيِّون بالدَّعوة إلى الشِّيُوْعِيَّة يُسْتَخْدَم الدِّينَ لوقف هذه الدَّعوة ومحاربتها.
فالآن بعد قيام المجتمع الشيوعي الذي ليس فيه مستغلون، ينبغي إلغاء ذلك المخدر الذي كانوا يستخدمونه إذ لم تعد هناك حاجة لاستخدام المخدر.
ومن جهة أخرى فقد وجب القضاء على ذلك العدو اللَّدُود الذي يستخدم ضد “العقيدة” الجديدة ومحوه من الوجود.

6- مِنْ كُلٍّ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ؛ وكُلٌّ بحَسَبِ حَاجَتِهِ:
كان هذا المبدأ من ضمن المبادئ النظرية التي وضعت في أوَّلِ الأمر لتقوم الشِّيُوْعِيَّةُ عليها.. ومقتضى هذا المبدأ أن الناس في ظل التطبيق الشيوعي سيرتفعون بمشاعرهم وسلوكهم إلى صورة مثالية تجعل كل إنسان يبذل أقصى ما في طاقته من جهد من تلقاء نفسه دون ضغط عليه ولا إلزام، ولكن من جَرَّاء حبه للنظام وللمزايا التي يحققها له، وشعوره بالاستقرار والطمأنينة والسعادة في ظله! وفي الوقت ذاته لا يأخذ من الإنتاج -الذي يشارك فيه الجميع، كل بحسب طاقته- إلا بمقدار ما يحتاج إليه فحسب، فلا يزيد عن الحاجة بدافع الجشع والطمع النَّاشِئَيْنِ أساسا من الحياة في مجتمع طبقي يمارس المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة والصِّرَاع الطبقي، فإذا زالت الأسباب زالت الأعراض، أي: إنه إذا ألغيت المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة وألغيت الامتيازات الطبقية بإزالة الطبقات كلها إلا الطبقة الكادحة فإنَّ الجشع والطمع يزولان من نفوس الناس بزوال الأسباب الدافعة إليهما، وعندئذ يأخذ كل إنسان من الإنتاج العام بقدر ما يحتاج إليه فحسب، ويترك الباقي للمحتاجين غيره من الناس!
ولكن عند التطبيق تَعَدَّلَتْ النظرية شيئا من التعديل، فلم يلغ هذا المبدأ إلغاء كاملا ولكنه أُجِّلَ إلى أَجَلٍ غير محدد بزمن معين، ولكنه مرهون بزيادة الإنتاج -بوسائل التقدم العلمي- إلى الحد الذي يمكن معه تطبيق المبدأ.
وقيل في تفسير ذلك إننا بعد لم نصل إلى مرحلة الشِّيُوْعِيَّة إنما نحن في مرحلة التطبيق الاشتراكي، ومن أسباب ذلك أننا مشغولون بالمعركة الدَّائرة ضد أعداء الشِّيُوْعِيَّة، وهذا يستوجب توجيه جُزْءٍ من الإنتاج إلى إنتاج حربي لمنع الأعداء من التغلب علينا أو عرقلة خطواتنا، وهذا يعوق زيادة الإنتاج إلى الحد الذي يكفي كل احتياجات الناس ويفيض عليها بحيث لا يؤثر على عدالة التوزيع أن يأخذ كل إنسان منه بقدر ما يريد، ومن ثَمَّ فإنه في مرحلة التطبيق الاشتراكي لا بد أن تظل الدَّوْلَة قائمة على التوزيع، لتعطي كل إنسان نصيبه من الإنتاج بحسب كمية الإنتاج الموجودة بالفعل، كما تشرف الدَّوْلَة على الإنتاج لتضمن قيام كل إنسان بالجهد المطلوب منه.
ولكن حين تتحقق الشِّيُوْعِيَّة يتحقق ذلك المبدأ فيبذل كل إنسان ما في طاقته من الجهد من تلقاء نفسه، ويأخذ ما يحتاج إليه من الإنتاج، مُكْتفِيَاً من تلقاء نفسه بلا رقيب.

7- إلغاء الصِّرَاع:
حين تُلْغَى المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ينتهي الصِّرَاع، تلك من مقررات المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة والتَّفْسِير المادي للتاريخ، وقد أشرنا إلى ذلك مرارًا، وما كان بنا من حاجة إلى إفراد هذه النقطة بالحديث بعد أن أشرنا إليها عند الكلام على المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة وموقعها من النظرية الشِّيُوْعِيَّة، ولكنَّا نريد أن نزيد هنا في هذه العجالة أن النظرية الشِّيُوْعِيَّة تتنبأ بحلول هذا العهد السعيد الذي يزول فيه “الصِّرَاع نهائيا من حياة البشرية ويصبح المجتمع البشري مجتمعا ملائكيا يسوده الوئام والسلام، وذلك حين تنتشر الشِّيُوْعِيَّة في أرجاء الأرض كلها، وعندئذ يتحقق الفردوس المفقود في واقع الأرض وتستقر الأمور في الأرض إلى آخر الزمان.

8- إلغاء الحكومة:
من تنبؤات الشِّيُوْعِيَّة كذلك إلغاء الحكومة في مستقبل البشرية.
ونظريتهم في ذلك أنَّ الحكومة موجودة الآن؛ لأنَّها تؤدي مهام معينة لا بد من أدائها في المجتمعات الحالية حتى المجتمعات الشِّيُوْعِيَّة ذاتها “أي: الاشتراكية باعتبار أنَّنَا لم نصل بعد إلى مرحلة الشِّيُوْعِيَّة الكاملة” ولكن الحكومة ليست أصلا من أصول المجتمع البشري بحيث تلازمه في جميع أطواره، وسيأتي اليوم الذي تلغى فيه الحكومة إلغاء تاما يوم تنتهي المهام التي تؤديها.
فحين تعم الشِّيُوْعِيَّة الأرض كلها وتصبح هناك حكومة عالمية واحدة، يأتي وقت لا تعود هذه الحكومة ذاتها لازمة؛ لأن مهمة الدفاع عن الشِّيُوْعِيَّة ستنتهي، وهي إحدى المهام التي تضطلع بها الحكومة.
ثُمَّ إنَّه لن يكون هناك صراع يحتاج إلى تدخل الحكومة بالقوة لحسمه، فتسقط مهمة أخرى من مهام الحكومة الحالية.
ثُمَّ إنَّ الإنتاج سيزيد فيصل إلى الحد الذي يجد فيه كل إنسان طلبته دون أن يؤثر ذلك على احتياجات الآخرين، فلا يعود هناك موجب لتدخل الحكومة في التوزيع.
وتكون مشاعر الناس قد ارتفعت بتأثير الحياة في ظل التطبيق الشيوعي، فيبذلون غاية جهدهم دون حاجة إلى رقابة مفروضة عليهم من خارج ضمائرهم!!
وكذلك لا يتنازعون فيما بينهم -بعد إلغاء السبب الوحيد في النزاع والصِّرَاع، وهو المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة- فيستتب الأمن تلقائيا نتيجة سيطرة مشاعر المحبة والإخاء والتعاون بين الناس.
وهكذا تسقط كل مهام الحكومة الحاضرة … فتسقط إلى غير رجعة!

ذلك عرض موجز لأهم المبادئ والأسس التطبيقية التي تقوم عليها الشِّيُوْعِيَّة، لم نر داعيا إلى التوسع فيه بعد ما توسعنا في مناقشة الأسس الفكرية التي تقوم عليها النظرية، ويتبين من هذا العرض أن الشِّيُوْعِيَّة ليست مذهبا اقتصاديا مجردا يمكن نزعه بمفرده وتركيبه في أي نظام آخر لا يشترك معه في قاعدة التصور، فقد تبين من هذه النقاط أنها لا تقتصر على المجال الاقتصادي، بل تمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي والديني والفكري.. إلخ.
وبصرف النظر عن قولهم إنَّ هذه المجالات كلها إن هي إلا انعكاس -حتمي- للوضع الاقتصادي، وقولنا إنَّ هذه المجالات كلها أوجه مختلفة -ولكنها متلازمة- لموقف معين من قضايا الألوهية والكون والحياة والإنسان، فإنَّ الشِّيُوْعِيَّة -على القولين- لم تكن ولن تكون نظاما اقتصاديا بحتا مقطوع الصلة ببقية المجالات، إنما هي نظام شامل للاقتصاد والسياسة والاجتماع والدين والفكر والفن.. مترابط كله على أساس تصور معين.. مادي بحت.

بين النظرية والتطبيق:

نضرب الذِّكْرَ صفْحَاً عن التناقض بين سخرية الشيوعيين بالحق والعدل الأزليين، وبين قولهم في النظرية الشِّيُوْعِيَّة إنَّ استغلال إنسان لإنسان ظلم ينبغي إزالته.. وبين نفيهم أنَّ هناك أصلًا ثابتًا للكيان البشري ينبغي أن يُرَدَّ إليه ويُقَاسَ به، وقولهم إنَّ صورة الحياة في الشِّيُوْعِيَّة الأولى -بكل ما تحويه من ملكية جماعية ومساواة ولا طبقية وتعاون..إلخ- هي الأصل الذي ينبغي أن تعود البشرية إليه، والذي تسعى الشِّيُوْعِيَّة الثانية إلى الرجوع إليه لتعيش البشرية في سلام!
نضرب صَفْحَاً عن ذلك التناقض؛ لأنَّنا قلنا في مناقشتنا للتفسير المادي للتاريخ إنه ليس مبادئ حقيقية يؤمنون بها عن اقتناع “علمي” إنما هي مجرد وسائل لغايات، والغايات هي المطلوبة، والأدلة تساق سوقا وتحشر إلى جانب بعضها البعض حشرا سواء كانت متناسقة مع الغايات أو غير متناسقة … ولا حرج عليهم أن تتناقض الأدلة! فإذا كانت الغاية هي القول بأن الأوضاع الاقتصادية هي الفاعلة وليس الحق والعدل قيل ذلك، وإذا كانت الغاية هي نفي المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة بوصفها نزعة فطرية قيل: إنه لا فطرة، ولا أصل ثابت للإنسان، وإذا كانت الغاية تبرير مجيء الشِّيُوْعِيَّة الثانية قيل: إن الشِّيُوْعِيَّة الأولى تمثل الأصل الذي ينبغي أن تعود إليه البشرية.
ندع هذا جانبا؛ لأنه لن يزيد الصفحة سوءا. إنما نشير بادئ ذي بدء إلى أن النظرية الشِّيُوْعِيَّة -والتطبيق كذلك- قد نقضا كل “القشرة” السياسية والاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية، وأنشأ قشرة مختلفة عنها(1) فيما عدا أمرين اثنين: إقصاء الدين عن الحياة والفوضى الجنسية، فقد رضيت عنهما الشِّيُوْعِيَّة رضاءً تامَّاً وزادت في جرعتهما حتى نصت على الإلحاد نَصَّاَ في الدستور السوفيتي، فقالت: “لا إله. والكون مادة” ونصت على الفوضى الجنسية نصا ودافعت عنها … وحين اضطرت إلى تعديلها في النظرية على عهد لينين فإنها لم تغير شيئا حقيقيا في التطبيق.
من هنا نفهم كيف أن الشِّيُوْعِيَّة خطوة “تقدمية” إلى الإمام!
ونأخذ الآن في الحديث عن التطبيق الشيوعي، ومدى التزامه بالنظرية من جهة، ومدى “عدالة” هذا التطبيق من جهة أخرى.
فأما من حيث إلغاء المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة فقد تم ذلك بصورة حادة في المرحلة الأولى من التطبيق على عهد “لينين” وجزء من عهد “ستالين”، أما إحلال المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة محلها فقد تكشف عن أسطورة ضخمة ليس لها وجود حقيقي! فلا أحد من طبقة البروليتاريا يملك شيئا في الحقيقة أو يحس بملكية شَيْءٍ. إنما الدَّوْلَة -كما نصت النظرية- هي المالك الحقيقي لكل شَيْءٍ. والدَّوْلَة -عند التطبيق- شَيْءٌّ والشعب شَيْءٌّ آخر. ومهما قيل من “نيابة” الدَّوْلَة عن البروليتاريا في الملكية والإشراف عليها فهو مجرد كلام للاستهلاك النظري، أمَّا الواقع فهو أنَّ الدَّوْلَة أصبحت كابوسا ثقيلا بديكتاتوريتها البشعة التي لا تدع للناس فرصة للإحساس بوجودهم فضلا عن أن يحسوا بأنهم يملكون شيئا على الإطلاق!
فجو الإرهاب الدائم الذي تمارسه الدَّوْلَة على الشعب بحجة المحافظة على النظام من أعدائه، وجو الجَاسُوْسِيَّة  الذي يعيش فيه الشعب إلى حد أنَّ الوالد لا يأمن ولده، ولا الزوج يأمن زوجته، ولا الأخ يأمن أخاه -ضمانا ألا يجتمع اثنان على سر خشية أن يكون السر مؤامرة على “النظام”- هذا الجو الذي يمكن أن يؤخذ فيه الإنسان بالظَّنَّة فيحاكم ويحكم عليه بالإعدام أو الاعتقال في ثلوج سيبيريا أو بأي عقوبة أخرى “رادعة”.. هو جو لا يسمح بوجود “التعاطف” بين الشعب والدَّوْلَة، ذلك التعاطف الذي يحس فيه أنَّ الدَّوْلَة نائبة عنه في الملكية والإشراف عليها.. فالنيابة لا تكون بالحديد والنار والتجسس … إنما يخضع الشعب للدولة بعامل الإرهاب المُسْلَطِ عليه، ويفقد في النهاية أي شعور بملكية شَيْءٍ على الإطلاق! ولا يبقى له إلا شعوره بالحرمان!
ولا ينسى المصريون ما شاهدوه في أسوان أيام كان “الخبراء الروس” يعملون في السَّدِّ العالي، فقد كانوا يعيشون بطبيعة الحال في جو مختلف عن النظام الذي ألفوه في روسيا، فكان أشد ما عجبت له زوجات أولئك “الخبراء” أنَّ الشراء حر في الأسواق، وأنَّ الإنسان يستطيع أن يشتري بقدر ما يريد، أو بقدر ما تتسع نقوده.. فكن يذهبن إلى بائعي الخضر والفواكه فيسألن في عجب: هل نستطيع أن نأخذ بقدر ما نريد؟! فإذا قيل لهن: نعم! لم يصدقن! حتى وجدن بالممارسة الفعلية أنَّ ذلك ممكن بالفعل!
وليست المسألة هي العجب من اختلاف النظام، فهذا أمر طبيعي، وكل إنسان يفاجأ بنظام يختلف عمَّا ألفه وتعود عليه سيعجب في بادئ الأمر حتى يألف، ولكن المسألة هي اللهفة على الشراء، ودلالتها على مدى الإحساس بالحرمان، والفرحة الغامرة بالتخلص من هذا الحرمان ولو إلى أمد محدود! وتكفي هذه التجربة الواقعية للكشف عن حقائق كثيرة في آن واحد، عن المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة والمِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة … وعن النظام!
على أن الذي يعنينا هنا ليس هو البحث في مدى تحقق تلك الأسطورة التي يطلق عليها اسم “المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة” حين تكون الدَّوْلَة هي المالك الحقيقي ويكون الشعب كله محروما من الملكية! إنما الذي يعنينا أكثر هو الأسطورة التي تقول إن تلك المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة المزعومة يمكن أن تحل محل المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة. لقد زعمت النظرية الشِّيُوْعِيَّة أن الأصل في الإنسان هو المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة، وأن المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة هي انحراف شرير وقعت فيه البشرية بعد اكتشاف الزراعة، وأن الشِّيُوْعِيَّة الثانية سترد الإنسان إلى أصله “فيستمتع” بالمِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة ويشفى من هذا الانحراف الخطير الذي أفسد إنسانيته وأشاع الظلم في المجتمع البشري لقرون عديدة من الزمان!
ثُمَّ فرضت “الدَّوْلَة” الأمر فرضا بالحديد والنار..
فهل شفيت النفوس من الدَّاء وسلمت من الانحراف، وارتدت إلى أصلها الملائكي المزعوم؟!
إنَّ الذي حدث بالفعل -وأشرنا إليه من قبل- أن “النظام” تراجع في عهد “ستالين” ثُمَّ في عهد “خروشوف” عِدَّة تراجعات.
ففي المرحلة الثانية من عهد “ستالين” كان “النظام” في حاجة إلى زيادة الإنتاج، ومن ثَمَّ أعلن “ستالين” أنه من أراد من العمال -بعد وحدة العمل الإجبارية الأولى- أن يقوم بوحدة ثانية إضافية فسيكون له عليها أجر إضافي يستطيع به أن يُحَسِّن أحواله المعيشية فيشتري أنواعا من الطعام أفخر، أو كميات أكبر، وأنواعا من الملابس أرقى مما توفره وحدة العمل الإجبارية.
وموضع الدِّلالة أن الدَّوْلَة حين احتاجت إلى زيادة الإنتاج لم تجد وسيلة إليه إلا إثارة الحافز الفردي والالتجاء إليه. ولو كانت ترى -أو تعتقد في دخيلة نفسها- أنَّه يمكن زيادة الإنتاج دون الالتجاء للحافز الفردي لفعلت، خاصة وهي تملك الحديد والنار وتستخدمهما -بإسراف- في جميع المجالات، ذلك أنَّ الالتجاء للحافز الفردي -أيا تكن مبرراته التي تلقى أمام الناس- هو تراجع عن أصل من أصول النظرية، وهو الأصل القائل بأنَّ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة ليست شيئا فطريا، وأن الأصل في الناس هو المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة!
موضع الدِّلالة إذن أنَّ كل بطش الدَّوْلَة لم يستطع أن “يشفي” الناس من الحافز الفردي ويضع الحافز الجماعي مكانه، ومعنى ذلك أن الحافظ الفردي -الوثيق الصِّلَةِ بالمِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة- عميق عميق في الفطرة إلى حد لا يمكن انتزاعه، ولو استخدمت في انتزاعه كل وسائل البطش والإرهاب.
ثُمَّ حدث في فترة حكم “خروشوف” أن تزايد نقصان المحاصيل الزراعية “وكان هذا التناقص قد بدأ في عهد “ستالين” ذاته ولكنه لم يكن محسوسا بالصورة التي ظهر عليها أيام “خروشوف” حتى إنَّ روسيا بدأت تستورد القمح من أمريكا بكميات متزايدة، وكان علاج “خروشوف” للأمر هو تمليك الفلاحين جزءًا من المحصول لأنفسهم. وتمليكهم الدَّار التي يسكنونها وما تحويه من الأثاث والأدَوَاتِ وما يمكن أن يشتروه لأنفسهم من هذه الأشياء.
وهو تراجع صريح عن مبادئ الشِّيُوْعِيَّة، دلالته واضحة، وهي أن المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة لم تستطع -بكل وسائل القهر- أن تحل محل المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة.. وأنَّ العلاج الوحيد الذي يضطرون إليه جولة بعد جولة هو الإذعان لهذا الدَّافع الفطري الذي نفوا -في النظرية- وجوده، وجادلوا بكل أنواع الجدل ليثبتوا أنه غير أصيل في النفس البشرية، وأنه “مرض” يمكن “الشفاء” منه!
والتجربة التي تمت -في العالم الشيوعي ذاته وعلى يد الدَّوْلَة الشِّيُوْعِيَّة ذاتها- تغنينا عن الالتفات إلى كل الجدل الفارغ الذي يجادل به الشِّيوُعِيِّون في أمر المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة والحافز الفردي.
أمَّا إنشاء مجتمع غير طبقي، وإلغاء جميع الطبقات ما عدا طبقة البروليتاريا وإقامة ديكتاتورية البروليتاريا، فقد اختلف التطبيق فيها اختلافا واسعا عن النظرية!
ولسنا نتحدث هنا عن “محاسن” إنشاء مجتمع غير طبقي، ولا كون هذا الأمر واجبا أو غير واجب، ممكنا أو غير ممكن(2)؛ إنما نتحدث عن الواقع التطبيقي لنرى مقدار قربه أو بعده عن الشَّيْءِ الذي قالوا إنه واجب أن يكون.
لقد زالت طبقة الإقطاعيين نعم، وحال تطبيق الشِّيُوْعِيَّة في الدولتين الشيوعيتين الكبيرتين دون ظهور الطبقة الرَّأْسِمَالِيَّة، وما كان منها موجودا في الدول الأخرى التي اعتنقت الشِّيُوْعِيَّة فقد أزيل إما بنزع المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة وإمَّا بالإبادة الثَّوْرية.
__________
1 قلنا من قبل إن الاختلاف بين الرَّأْسِمَالِيَّة والشِّيُوْعِيَّة هو اختلاف في القشرة وليس في الجوهر.
2 نقول نحن إنه ممكن في حالة فقط، حين ينزع حق التَّشْرِيع من البشر ويتحاكمون كلهم إلى شريعة الله، فعندئذ لا يكون لأحد من البشر سلطة تشريعية يتمكن بها من رعاية مصالحه ومصالح طبقته على حساب بقية الطبقات، ولا يهم في هذه الحالة تفاوت الناس في ثرواتهم؛ لأنَّ هذا التفاوت يظل أمرا فرديا لا طبقيا، ولا يتجاوز حظ كل إنسان من “المتاع” في الحياة الدُّنْيَا … ولنا عود إلى الموضوع عند الحديث عن نظرة الإسلام.

ولكن ما الذي حدث بعد ذلك؟!
الذي حدث بالفعل أن “طبقة” جديدة بكل تعريف الطبقة ومواصفاتها قد برزت في المجتمع الشيوعي تحت اسم جديد بالمرة هو “الحزب”!
والفارق بين أفراد الحزب -بدرجاته المختلفة- وبين أفراد الشعب هو ذات الفارق بين أية طبقة كانت مالكة وحاكمة من قبل وبين الشعب! فأدنى درجات الحزب -وهي العضوية العادية- تنشئ لتوها فارقا ضخما في كل شئون الحياة، وليست العبرة بوجود المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة أو عدم وجودها فلم يكن منشأ الطبقية في المجتمعات الطبقية هو مجرد وجود المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة كما زعم التَّفْسِير الجاهلي للتاريخ، إنَّما كان ما يترتب على الملكية من سلطان ونفوذ، انطلاقا من مبدأ أن الذي يملك هو الذي يحكم، أي: إنَّ الطبقية في الواقع -وإن نبعت في المجتمعات الجاهلية من المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة كما يقول التَّفْسِير المادي- إنَّما هي طبقية السُّلْطَان والنفوذ، التي تنبع من قدرة هذه الطبقة على التَّشْرِيع لحساب نفسها وإلزام الآخرين بالخضوع لهذا التَّشْرِيع.
وقد ألغيت المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة من المجتمع الشيوعي، ولكن السُّلْطَان والنفوذ الذي تركز في “الحزب” قد جعل منه طبقة متميزة، لها كل سمات الطبقة ومميزاتها سواء في نوع المعيشة -أي: المتاع- أو في النفوذ وَالسُّلْطَان.
فمع أن العنوان العام في الشِّيُوْعِيَّة أنه لا أحد يملك شيئا ملكية فردية فإنَّ هناك فارقا -لا شك- بين أن تكون أنت وأفراد أسرتك جميعا تسكنون في غرفة واحدة في مسكن شعبي بدورات مياه مشتركة “وغالبا ما تكون بلا أبواب!” وبين أن تكون ساكنا في “فيلا” خاصة أو في شقة كاملة في عمارة، حتى ولو كنت غير مالك للشقة أو ما في داخلها من الأثاث ملكية فردية! الزَّوْجِيَّة
هناك فارق في نوع المتاع ودرجته، وفارق في مشاعرك حين تكون هنا وحين تكون هناك.
ولست أناقش هنا شرعية هذا المتاع أو عدم شرعيته، إنما أقول فقط إنه في النظرية الشِّيُوْعِيَّة غير جائز وغير شرعي؛ أما في التطبيق فهو موجود. ويتسع الفارق كلما صعد الإنسان الدَّرَجَات في “الحزب” حتى يصبح عضوا في اللجنة التنفيذية العليا أو من الأعضاء البارزين في الحزب، فينقلب نعيمه ترفا ما كان يحلم به بعض القياصرة في زمانهم! والشعب في “أكواخه” العصرية، الأسرة كلها في غرفة واحدة تجمع الأم والأب والأطفال بنين وبنات ما دون سن التكليف، وتجري فيها العلاقات الزَّوْجِيَّة بين الأم والأب -بحكم الأمر الواقع- في حضرة البنين والبنات، البالغين وغير البالغين!

وليس فارق المتاع على أي حال هو الفارق الأهم أو الفارق الوحيد، إنما المهم فارق السُّلْطَان.
إن مجرد انتقال الإنسان من كونه فردا من أفراد الشعب إلى كونه عضوا في الحزب، ينقله من “شيء” لا وجود له إلى شيء آخر له وجود ملموس، سواء في نظر نفسه أو في نظر المجتمع من حوله؛ لأنه ينقله من طبقة المحكومين إلى طبقة الحكام الذين يسيطرون على كل شيء في المجتمع الشيوعي.. حتى لو كان هو في أسفل طبقة أولئك الحكام.
إن تركيز النفوذ في “الحزب” و”الدَّوْلَة” و”الزعيم” هو الذي ينشئ ذلك الفارق الضخم بين “اللاشيئية” و”الشيئية” في المجتمع الشيوعي … ولذلك يصبح أكبر مطمح للفرد العادي في المجتمع الشيوعي أن يضع قدمه -مجرد وضع- ولو على أدنى درجة من درجات ذلك البناء الشاهق الذي يمثل السُّلْطَان، فيتغير وجوده كله، بل يصبح في الحقيقة موجودا بعد أن لم يكن له وجود.
وسبيله إلى هذه النقلة الضخمة التي يَتَشَهَّاهَا كل طامح إلى الوجود لا يخرج عن أمر من ثلاثة أمور، أشرفها جميعا- وأندرها- القيام بعمل غير عادي في خدمة “الوطن”. أمَّا السَّبيل الميسرة والمعتادة فهي الملق للحزب وللدولة وللزعيم، والظهور بمظهر التفاني في حبهم جميعًا! أو التَّطَوُّع بالجَاسُوْسِيَّة  وإلقاء الشُّبَه على الأبرياء تقربا للسلطان وإظهارا للولاء!
أما ديكتاتورية البروليتاريا فهي شيء بشع إلى أقصى درجات البشاعة التي يتخيلها الخيال، وبالرغم من كل المبررات التي تساق لتبرير النظام البوليسي القائم على الحديد والنار والتجسس فستبقى حقيقة واحدة لا سبيل إلى محوها ولا إنكارها، أن الديكتاتورية القائمة ليست -كما زعموا- ديكتاتورية البروليتاريا، إنما هي الديكتاتورية الواقعة على البروليتاريا.
إن حجم الشعب الروسي -على وجه التقريب- هو مائتان وخمسون مليونا من البشر، والحزب الشيوعي يُكَوِّن منه ستة ملايين، ستة ملايين من المحظوظين -على درجات مختلفة من الحظ- في وسط هذا الخضم الهائل من القطع الآدمية التي لا وزن لها ولا كيان. عملها أن تنتج كالآلة ثم تغرق في حمأة الجنس كالحيوان، وليس لها بين هذا وذاك قلوب ولا مشاعر ولا وجود.

في الوضع السياسي هم أولئك الأصفار الذين لا يقدمون ولا يؤخرون ولا يقام لهم وزن، ولا عبرة بمسرحية الانتخابات ولا بقول الشيوعيين عن أنفسهم إنهم هم “الديمقراطية” الحقيقية!
ولسنا ندافع عن المسرحية الأخرى القائمة في الديمقراطية الليبرالية الرَّأْسِمَالِيَّة. فقد سبق أن عرضناها على حقيقتها، ولكنها تحمل على أقل تقدير “مظهر” الحرية “و”مظهر” الاختيار. وإن كانت الغالبية العظمى ممن يصلون إلى المجالس النيابية هم -كما بينَّا- أدوات الرَّأْسِمَالِيَّة الحاكمة، ولا تستطيع هذه المجالس، مهما قيل فيها من “كلام” أن تتخذ قرارًا ضد المصالح الحقيقية للرأسمالية الحاكمة.
أما حين يكون الناس كلهم حزبا واحدا -بأمر الدَّوْلَة- هو حزب الدَّوْلَة، فإنَّ المسرحية تفقد حتى ذلك المظهر المزيف، وتصبح سخرية ضخمة لا متعة فيها على الإطلاق!
ما الفرق بين أن تنتخب هذا الصفر أو هذا الصفر أو ذاك الصفر، إذا كانوا كلهم أصفارا من جهة، وكلهم يمثلون وجهة نظر واحدة من جهة أخرى، وكلهم لا يملكون الكلام إلا بإذن الدَّوْلَة وبالقدر الذي تأذن به الدَّوْلَة من جهة ثالثة؟!
إن المسرحية كلها واحدة … نعم! ولكنك ربما تكون على استعداد لمشاهدة المسرحية والتَّلَهِّي بها حين يكون الممثلون يؤدون دورهم المرسوم لهم وكأنهم يؤدونه من عند أنفسهم، أما حين تسمع صوت المُلَقِّنِ واضحا يملي على الممثل أقواله وأفعاله فلا شك أن المسرحية تكون في حسك سمجة وغير مستساغة، وإن كتب عنها في لوحة الإعلان أنها “مسرحية الديمقراطية الحقيقية”!
وفي الوضع الاقتصادي هم أولئك الكادحون … كانوا وما زالوا.. الذين يقومون بأشق الجهد وينالون أقل الجزاء، ويستمتع غيرهم “بفائض القيمة” لأنهم أصحاب نفوذ وأصحاب سلطان! وليس من الضروري أن يكون “فائض القيمة” نقودا توضع في الجيوب، فغياب المظهر لا ينبغي أن يخدعنا عن حقيقة الجوهر، ففائض القيمة هنا هو المتاع الموفر -بصرف النظر عن الملكية- وهو السُّلْطَان والنفوذ!
حين يمرض الفرد من البروليتاريا يعالج بالأدوية المحلية، وحين يمرض الفرد من الحزب الحاكم يعالج بالدواء الأجنبي! وحين يتنقل الفرد من البروليتاريا يتنقل في المركبة العامة التي لا تراعى فيها أسباب الراحة، بينما عضو الحزب يتنقل في السيارة الخاصة -ولو لم يملكها! – فإن كان عضوا “كبيرا” في الحزب فله السيارات الأجنبية المريحة المكيفة.. وهذا غير المسكن الذي أشرنا إليه من قبل وغير صنوف الطعام.
ما الفرق بين هذا وبين التمتع بفائض القيمة في المجتمع الطبقي الذي كانوا -وما زالوا- يُنَدِّدون به؟!
وفي الوضع الاجتماعي هم أولئك الأحجار المتراصة التي يبنى بها البناء ليسكنه السُّكَّان! السُّكَّان هم الحزب بدرجاته المختلفة من أول العضو العادي إلى “الزعيم” والبروليتاريا مجرد بناء مقام ليسكن فيه هؤلاء! هل يحس الحجر مَنِ السَّاكِن؟ أو يهمه أن يعرف؟ أو يتغير وضعه بتغير السُّكَّان؟!
كلا! إنهم أحجار!
على أن أبشع ما في الوضع كله هو الإرهاب البوليسي الذي يقع الشعب كله تحت وطأته.
من ذا الذي يجرؤ أن يقول كلمة واحدة في نقد الحاكم؟ سواء في سِرِّهِ أو في العلانية؟ أما في العلانية
فلا يلومن إلا نفسه إذا وجد رأسه طائرا عن عنقه، ولا يوجد شخص “عاقل” يصنع ذلك الصَّنيع!
وأما في سِرِّهِ فالجَاسُوْسِيَّة  تكشف النقاب عنه، ومجرد الخوف من الجَاسُوْسِيَّة  يرهب القلوب ويكمم الأفواه.
ومع ذلك كله تظهر بين الحين والحين في كل نظام شيوعي حركات التَّطْهِير التي يذهب ضحيتها المئات والألوف.
وهذه “النكتة” من عهد “خروشوف” كافية لإعطاء صورة الإرهاب.. في المؤتمر الخمسين للحزب الشيوعي وقف “خروشوف” يندد بـ”ستالين” ويقول عنه إنه كان ديكتاتور سفاح مجرم سافل دنيء! وإنَّه غلطة لا ينبغي أن تتكرر … وإنَّه ارتكب من الجرائم البشعة ما تقشعر له الأبدان …
وهنا تقدم “مجهول” بسؤال مكتوب إلى “خروشوف” يقول له فيه: إنك كنت عضوا بارزا في الحزب الشيوعي ورأيت هذه الجرائم كلها وكنت عالما بوقوعها، فلماذا سَكَتَّ على ارتكابها؟
وقرأ “خروشوف” الورقة -وكان حاضر البديهة حاضر النكتة- فقال: من الذي أرسل إليَّ هذه الورقة؟! وبالطبع لم يجب أحد! فقال “خروشوف”: الآن قد عرفت السبب! لقد كنت خائفا مثلك فلم أنبس ببنت شفة!

وكون هذه نكتة لا يغير شيئا من الحقيقة، ولا يخفف شيئا من بشاعة الإرهاب.. فهي نكتة ذات دلالة على الواقع المرهوب.
والمهم على أي حال أنها ليست “ديكتاتورية البروليتاريا” كما كانوا يزعمون في النظرية، إنما هي الديكتاتورية التي تعاني غصتها البروليتاريا المسحوقة تحت الأقدام، إنما كانت أسطورة تمليك المصانع للعمال، وأسطورة منح السلطة للعمال مجرد إغراءات دعائية ليُقْبِل الناس على الفَخِّ المنصوب!
أما كفالة الدَّوْلَة لكل فرد من أفراد المجتمع فهي الشَّيْءُ الوحيد الذي برزت به الشِّيُوْعِيَّة في عالم الواقع على كل جاهليات التاريخ.
لا يوجد فرد لا يأكل ولا يلبس ولا يسكن من كل أفراد الشعب. وهذا هو الواجب الذي نكلت عنه الدَّوْلَة الإقطاعية والدَّوْلَة الرَّأْسِمَالِيَّة على السواء، وإذا كانت الدَّوْلَة الرَّأْسِمَالِيَّة الحديثة قد اقتربت من أداء هذا الواجب شيئا من الاقتراب بالضمانات الاجتماعية والإعانات التي تصرف للمتعطلين من نقاباتهم أو من الدَّوْلَة، وبالرعاية الصحية المجانية، وبالخدمات المجانية العامة … إلخ، فإنها لم تبلغ بعد الحد الذي التزمت به الدَّوْلَة الشِّيُوْعِيَّة، فضلا عن كونها قد فعلت ما فعلت لا بدافع إنساني ولكن خوفا من الشِّيُوْعِيَّة من جهة، وخوفا من الضرر الذي يلحقها إذا لم تستجب لطلبات العمال المطالبين بهذه الحقوق.
ولكن لنا على هذه الكفالة مجموعة من الملاحظات، إذا قسناها على الكفالة التي قررها الإسلام لكل فرد من أفراد الأمة قبل ذلك بثلاثة عشر قرنا من الزمان.
تكفل الدَّوْلَة الشِّيُوْعِيَّة أفرادها على الحد الأدنى الذي وصفناه من قبل، ومع ذلك لا تكفلهم وهم كرماء على أنفسهم ولا على دولتهم! ولا نتحدث الآن عن تكليفهم بالعمل -رجالا ونساء- مقابل كفالتهم، أي: إن الدَّوْلَة لا تتفضل عليهم بالكفالة إنما هي تجندهم لحسابها وتستصفي جهدهم كله قبل أن تعطيهم ضرورات حياتهم، وتهددهم تهديدا صريحا بقولها: من لا يعمل لا يأكل؛ لا نتحدث الآن عن هذا.

فالعمل على أي حال هو الأصل في حياة الإنسان وليست البطالة هي الأصل.. ولكنا نقول إن الدَّوْلَة الشِّيُوْعِيَّة بإلغائها المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة والعمل الحر، وتحويل كل الناس إلى أُجَرَاء للدولة، إنما تستذلهم في الواقع بلقمة الخبز، فلا يملكون أن يتوجهوا بكلمة نقد واحدة للقائمين بالأمر خوفا على لقمة الخبز أن تضيع.. وذلك بخلاف الإرهاب بالحديد والنار والتجسس، الذي يزيد من مذلة الناس وانكماشهم وخضوعهم للظلم الواقع عليهم دون التفوه بكلمة أو إشارة تدل على عدم الارتياح فضلا عن الاحتجاج الصريح.
ولقد زعمت الشِّيُوْعِيَّة أن الذل الوحيد في الأرض هو عمل الإنسان أجيرا لإنسان آخر، وزعمت أنها هي التي ستخلص الناس من الظلم وتمنع الاستغلال حين تمنع تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر.
نعم … ولكن ما الفرق بين تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر وتأجيره “للدولة” التي هي شخص معنوي في الكلام فقط، ولكنها في الواقع مجموعة من البشر يحملون من السُّلْطَان ما يجبرون به الناس على أداء العمل الذي يطلبونه منهم، وما يعاقبونهم به إذا قَصَّرُوا في أدائه؟ وأيهما أذل -في عالم الواقع- الأجير الذي يملك ولو ذرة واحدة من الحرية في اختيار نوع العمل ومكانه، واختيار شخص “السيد” الذي يبيع له جهده، والمساومة على زيادة هذا الأجر، والاحتجاج على انخفاضه إذا رآه كذلك، أم الأجير الذي لا يملك ذرة من الحرية في تلك الأمور كلها، لا اختيار نوع العمل ولا مكانه، ولا اختيار “السيد” الذي يخدمه -فهو مفروض عليه بالحديد والنار- ولا حق الاحتجاج على الأجر المنخفض ولا طلب زيادته … وإن فتح فمه بكلمة يموت جوعا، إن لم يمت بوسيلة أخرى غير الجوع؟!
وأية سفسطة تلك التي تقول إن الذل لا يكون قائما حين تكون “الدَّوْلَة” هي التي تسخر الناس للعمل وهي التي تمنح الأجور؟! ما تعريف الذل؟! وما اسم ذلك الإحساس الذي يحسه الإنسان حين يجد أنه لا يملك حريته في أي أمر من الأمور، وأن عليه أوامر ينبغي أن يطيعها، وواجبات ينبغي أن يؤديها، دون أن يكون له حق الاعتراض على شَيْءٍ من الأشياء؟!
أم يحلونه عاما ويحرمونه عاما؟!
يحلونه إذا كان صادرا منهم ومحققا لمصلحتهم، ويحرمونه إذا صدر من غيرهم أو لم يكن في صالحهم؟

قضية المساواة في الأجور لا تزيد على أن تكون واحدة من الأساطير الكثيرة التي بَدَّدَها التطبيق.
في عهد “لينين” والجزء الأول من عهد “ستالين” طبقت روسيا بصرامة مبدأ المساواة في الأجور لجميع العمال في الاتحاد السوفيتي، ولكن هل كانت هناك مساواة عامة في الأجور بالنسبة لكل العاملين؟
هل كان أجر المهندس كأجر العامل؟ وأجر الطبيب كأجر المُمَرِّضِ؟ وأجر الجندي كأجر الضَّابط؟
إنَّ هذا بداهة مستحيل!
ومع استحالته فقد ظلت النظرية الشِّيُوْعِيَّة تنافح عن قضية المساواة وتندد بقضية التَّفَاوُتِ في الأرزاق!
ثُمَّ جاء اليوم الذي انهارت فيه المساواة حتى في صفوف العمال أنفسهم، بعد أن كانت منهارة ما بين العمال وغيرهم من العاملين، فقد لجأ “ستالين” -كما أسلفنا- إلى إباحة العمل بعد الوحدة الإجبارية الأولى لقاء أجر إضافي ينفق في “الكماليات”.. وهكذا ضاعت المساواة تماما ولم يعد لها وجود!
ويقولون إنَّ هناك أجور عالية جدًا في الاتحاد السوفيتي.
وقد تحسب لأول وهلة أنها أجور المهندسين. أو علماء الذَّرة … أو علماء الصَّواريخ، أو الأطباء “وكلهم من ذوي الأجور العالية في الاتحاد السوفيتي” ولكنك تسمع الحقيقة المُذْهِلَة في النهاية! إنَّها أجور المطربين والمطربات والرَّاقِصِين والرَّاقِصَات والملهين عامة والملهيات!
الأجر على قدر الخدمة!
هل تعلم الخدمة الجليلة التي يقوم بها المطربون والمطربات والراقصون والراقصات والممثلون والممثلات في اتحاد السوفييتات؟!
نعم!! إنها “تلهية” الشعب عن الإحساس بالضغط البشع الواقع عليه … لكي ينسى … لكي لا ينفجر!
إن الضغط على الكائن البشري من جميع منافذه أمر غاية في الخطورة؛ لأنه يولد الانفجار …
وديكتاتورية البروليتاريا لا تستغني عن الضغط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري الذي تمارسه على البروليتاريا “التي تحكم باسمها!” وإلا أفلت الزِّمَام؛ وتزلزلت الدَّوْلَة وتزلزل “النظام”!

فلا بد إذن من التنفيس عن الناس في جانب من الجوانب ليتسرب الغضب المكظوم قبل أن يكون التَّجَمُّع الذي يولد الانفجار.
والمتنفس هو الشَّهَوَات.. والملهيات..
فأما الجنس فيمارسه الناس لأنفسهم أنَّى شاءوا وكيفما شاءوا لا حجر عليهم ولا تدخل في “إرادتهم”!
وأما التلهية فيقوم بها الملهون من المطربين والراقصين والممثلين من الرجال والنساء.. فينالون “تقدير” الدَّوْلَة على خدمتهم الهائلة، وينالون أعلى الأجور!
المهم في الأمر على أي حال أن المساواة أسطورة غير قابلة للتطبيق في دنيا الواقع.. ومع ذلك فما زالوا يتحدثون عن المساواة في النظرية، وما زالوا يُنَدِّدُون بالتَّفَاوُتِ في كل نظام يجدونه فيه!
لو قالوا منذ البدء نريد أن نقرب الفوارق بين الفئات المختلفة من الناس ونضمن حَدَّاً أدنى معقولا لكل الناس … !
لو قالوا لقلنا نعم.. للنظرية على الأقل بصرف النظر عن واقع التطبيق!
يقول الشِّيوُعِيِّون في نظريتهم إنَّ الحياة في الشِّيُوْعِيَّة الأولى “كما يتخيلونها” هي الأصل الذي ينبغي أن تعود البشرية إليه، وإن الشِّيُوْعِيَّة الثانية هي التي ستردهم إلى هذا الأصل الجميل …
فيما عدا استثناء واحدا في أمر لم يرق لهم الشِّيُوْعِيَّة الأولى فحذفوه! ذلك هو الدِّين!
ففي الشِّيُوْعِيَّة الأولى “كما يتخيلونها” كان عند البشرية دِينٌ. وهنا -فقط- قالوا إن هذا كان بسبب بداوة البشرية وقلة معلوماتها عن الكون المادي وعدم سيطرتها على البيئة! أما فيما عدا ذلك فلا دخل للبداوة في شيء على الإطلاق!
ولما كانت الشِّيُوْعِيَّة الثانية تأتي من غير بداوة، فقد وجب القضاء على العنصر الوحيد الذي سببته البداوة وهو الدين!
وفي التطبيق اشتد الشِّيوُعِيِّون في محاربة الدين. فلم يكتفوا بتحريم الحديث فيه، ومعاقبة من يضبط “متلبسا” بالحديث في الدين مع شاب أو فتاة دون الثامنة عشرة، بل بالغوا في الاحتياط فوضعوا في مناهجهم الدراسية درسا للإلحاد في مكان درس الدين! فحيث يضع البشر كلهم درسا للدين في مدارسهم -مؤمنين وغير مؤمنين- يتحدثون فيه عن الله، يضع الشِّيوُعِيِّون في مدارسهم درسا يقال للتلاميذ فيه إنه لا إله. والكون مادة “أي: بلا خالق”.
ولا مكان للمتدينين في الدَّوْلَة الشِّيُوْعِيَّة، وقد قتل “ستالين” وحده ثلاثة ملايين ونصف مليون من المسلمين في عهده؛ لأن الشِّيُوْعِيَّة كانت قد طلبت معونة المسلمين في الثورة ضد قيصر، ووعدتهم بأن تجعل لهم مكانة خاصة إذا نجحت الشِّيُوْعِيَّة، وتترك لهم حرية ممارسة حياتهم الإسلامية، فلما طالبوا بتحقيق الوعد، حققه “ستالين” لهم على هذا النحو بالقتل والتعذيب والتشريد الجماعي.
ولقد اضطرت الشِّيُوْعِيَّة إلى “التراجع” عن قرار الإبادة الجماعية الذي كان مقررا من قبل، حين سنحت لهم فرصة الانتشار والتَّوَغُّلِ في العالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الثانية، فوجدوا أن قرار الإبادة سيعوق انتشارهم ويُفَوِّت عليهم فرصة قد لا تسنح من بعد، فأعلنوا أنهم “متسامحون” وأنهم لا يتعرضون لأصحاب العقائد الدينية بالإيذاء، ولعلهم كانوا قد ظنوا أنه لم يعد هناك خطر من “التسامح” بعد إبادة من أبادوه، ونفي من نفوه، وتشريد من شَرَّدُوه! ولكن دخولهم أفغانستان لإبادة المسلمين هناك يدل على أن تقديراتهم في هذا الأمر لم تكن على صواب! فهم اليوم يضربون المسلمين الأفغان حتى لا يتجمع غدا المسلمون الروس!
وبصرف النظر عن وضع المسلمين في الدَّوْلَة الشِّيُوْعِيَّة، فإن الشِّيُوْعِيَّة تكره الدين كراهية شديدة كما أسلفنا، وتحاربه بكل وسائل الحرب، وتتمنى اليوم الذي يزول فيه من الوجود.
وفي إمكاننا أن نستدل من هذه الحرب ذاتها على عمق الدين في الفطرة! فلولا أنه عميق في الفطرة كل هذا العمق ما خافت الشِّيُوْعِيَّة من عودته كل هذا الخوف ولا حاربته كل هذه الحرب.
ولكنا لسنا في حاجة إلى الاستدلال عن طريق غير مباشر، فقد أغنانا حديث “جاجارين” عن ذلك، وشهدت الفطرة على لسانه أنه “لا إله إلا الله” … وهو الذي ولد وتربى في ظل الإلحاد الرسمي والشعبي على السَّوَاء!
إلى هنا كنا نتحدث عن “الواقع” التطبيقي للشيوعية بالقياس إلى النظرية.. ورأينا أن مبادئ كثيرة من التي تقوم عليها النظرية أثبتت عدم جديتها أو عدم واقعيتها عند التطبيق، كقضية المِلْكِيَّةِ الجَمَاعِيَّة، وإحلالها محل المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، وقضية البروليتاريا ووضعها في مكان السلطة، وقضية الطبقات وإلغائها، وقضية المساواة التامة بين الجميع.
ولكن بقيت في النظرية “وعود” لم تتحقق بعد، ويتذرعون -لعدم تحقيقها- بشتى المعاذير …
بقي المبدأ القائل بأنه: يؤخذ مِنْ كُلٍّ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ ويعطى كُلٌّ بحَسَبِ حَاجَتِهِ. وإلغاء الحكومة، وإلغاء الصِّرَاع.
وهم يستخدمون بشأنها أسلوب الشاعر العربي:
مُنىً إِنْ تَكُنْ حقّاً تَكُنْ أحسَنَ المنى … وَإِلَّا فَقَدْ عِشْنَا بهَا زَمَنَاً رَغْدَا! أي: في الخيال والتمني!
وقد كان من حقنا أن ننفض أيدينا من هذه الأماني، ونقول: دعونا حتى تقع بالفعل! أو نقول إنَّ ما مَرَّ من التجربة الشِّيُوْعِيَّة في الأمور السَّابقة لا يبشر بتحقيق شَيْءٍ من هذه الوعود، فإن أمورا أكثر واقعية من هذه بكثير أثبتت التجربة عدم واقعيتها أو عدم جدية الشيوعيين في الحديث عنها إلا للدعاية والترغيب فَحَسْبٌ! حَسَبَ حَاجَتِهِ

ولكننا ننظر في طبيعة هذه الأمور فنجدها -بطبيعتها- غير قابلة للتحقيق! مِنْ كُلٍّ حَسَبَ طَاقَتِهِ، ولِكُلٍّ حَسَبَ حَاجَتِهِ بلا حكومة ولا صراع!
متى كان الناس بهذه الملائكية حتى نفترض أنَّهم يمكن أن يعودوا إليها في يوم من الأيام؟!
أَوَلَيْسُوا هم الذين يقولون إنه بمجرد اكتشاف الزراعة جنح الناس إلى المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، وظهر الطمع والجشع واختلف وضع الناس في المجتمع، وانتهت المساواة والتعاون والود والإخاء وحل محلها الصِّرَاع؟!
أي: بمجرد ظهور شيء يمكن امتلاكه!
فما الذي تغير في طبائع البشر حتى يجيء عليهم يوم لا حكومة فيه ولا رقابة، ثم يبذل كل منهم طاقته -حبَّاً في الحق والعدل فقط، أو حبا في الإنسانية، أو حبا في أي قيمة من القيم العليا “التي لا وجود لها في ذاتها كما يقولون!”- ثم يأخذ فقط بقدر حاجته، ويقدر هذه الحاجة بلا طمع ولا جشع ولا إسراف؟!
إن المثاليين الذين ينعي الشِّيوُعِيِّون عليهم عدم واقعيتهم لم يبلغوا هذا الحد من الإِسْرَافِ في الخيال!

ولقد وصل أفراد من البشر إلى هذا المستوى بالفعل مَرَّةً وَاحِدَةً في التاريخ على عهد رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، فكان كل إنسان منهم يبذل أقصى ما في طاقته من الجهد ابتغاء مرضاة الله فحسب، ثُمَّ لا يجد في نفسه حاجة مما أوتي ويؤثر أخاه على نفسه:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} (1).
{وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (2).
ولسنا نقول إنَّ هذه الصورة حدثت مَرَّةً وَاحِدَةً وهي غير قابلة للتكرار في أي جيل قادم من أجيال البشرية، ولكنا نقول:

أوَّلًا: إن هذا -بالتجربة- لم يحدث إلا ابتغاء مرضاة الله، ولا يمكن لأي قيمة أخرى من القيم -غير الإيمان الصَّادِق بالله- أن ترفع الإنسان إلى هذه الصورة الرفيعة الشفيفة العالية.
ونقول ثانياً: إنه ليس كل الناس يرتفعون إلى هذا المستوى السَّامِقِ الرَّفِيعِ، فقد كان إلى جوار هؤلاء -في نفس الجيل ومستمدين من نفس المنبع- من قال فيهم رب العالمين:
{هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ} (3).
والإسلام في واقعيته لا يفترض أن كل الناس يصلون إلى القمة، وإن كان يدعو كل الناس أن يحاولوا الصعود إليها، ثم يرضى منهم بما يصلون إليه في محاولتهم ما داموا لا يهبطون عن المستوى الذي حرم الله الهبوط عنه، أو ما داموا لا يُصِّرُون على الهبوط إذا غلبتهم مرة دوافع الشر رغم المجاهدة والتطلع إلى الخير: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} (4).
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (5).
أما حلم الملائكية العامة الشَّاملة التي ستعم البشرية كلها ذات يوم، ودون أي احتياط لإمكان الهبوط من أحد الناس أو كل الناس “بإلغاء الحكومة التي يمكن أن تردع الهابطين” فحلم أقل ما يقال فيه إنه ما وضع إلا للتخدير! ليرضى الناس بالحرمان والشَّقاء الحالي، والضغط الإرهابي الذي لم تشهده حتى قساوة القرون المظلمة، على أمل تحقق تلك الجنة الموعودة في الأرض في يوم من أيام التاريخ!
كانوا يقولون إنَّ الدِّينَ أفيون الشعوب؛ لأنه يخدرهم عن عذاباتهم الحاضرة بحلم الجنة في الآخرة! فما القول في هذا الأفيون العجيب الذي تقدمه الشِّيُوْعِيَّة للكادحين؟!
إنَّ الدِّينَ -في صورته الكنسية التي استخدمت بالفعل لتخدير الشعوب- كان يحوي بعض الحقائق وبعض الأباطيل، فوجود الله حق، ووجود الآخرة حق، ووجود الجنة حق. أمَّا رضاء الله بالظلم، ودعوة الناس إلى الرضا بالظلم في الدُّنْيَا ليمنحهم الله الجنة في الآخرة فباطلٌ؛ لأنَّ الله أمر الناس أن يرفضوا الظلم النَّاشِئ من تحكيم شرائع غير شريعة الله، وأمرهم أن يجاهدوا لتغيير المنكر. وأمَّا الذين يحتجون بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض وأنهم رضوا من أجل ذلك بالظلم فيسميهم الله {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ويقول فيهم:
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (6).
نعم كان الدِّينُ الكنسي يحوي بعض الحقائق وبعض الأباطيل … فما القول في هذا المخدر الشيوعي الذي لا يحمل شيئا من الحق وكله أباطيل؟! أي الفريقين -وكلاهما على باطل- أشد استخداما “للأفيون” في تخدير الجماهير؟!
__________
1 سورة البقرة: 207.
2 سورة الحشر: 9.
3 سورة محمد: 38.
4 سورة الأنعام: 132.

5 سورة آل عمران: 135-136.

6 سورة النساء: 97.

بين الشِّيُوْعِيَّة والإسلام:

آن لنا أن ننتهي من الحديث عن الشِّيُوْعِيَّة في كل مجالاتها، سواء في المَادِّيَّة الجَدَلِيَّة أو المَادِّيَّة التَّارِيخِيَّة أو المذهب الاقتصادي.. لولا أن بعض المسلمين -بل بعض الدُّعَاة من المسلمين- يتحدثون عن “اشتراكية الإسلام” وعن إمكانية اللقاء بين الشِّيُوْعِيَّة -أو الاشتراكية- وبين الإسلام.
فنعود إلى ذات المقاييس التي استخدمناها فيما بين الديمقراطية والإسلام:
1- قضية المعبود.
2- قضية إنسانية الإنسان.
إنَّ الشَّبَهَ العَارِضَ الذي يمكن أن يكون قائما بين الاشتراكية والإسلام في مبدأ كفالة الدَّوْلَة لكل أفرادها، وتقريب فوارق الفئات المختلفة من الناس، لا يجوز أن ينسينا الاختلاف الجوهري في القاعدة التي يقوم عليها كل من النظامين، فضلًا عن الاختلاف حتى في هذا الشَّبَهِ العَارِضِ في تلك الجزئيات.
إن القضيتين الرئيسيتين في حياة الإنسان كما أشرنا إليهما وشرحناهما من قبل هما هاتان القضيتان: قضية الألوهية وقضية الإنسانية، وكل ما بقي من الأمور فهي أمور ثانوية بالنسبة لهاتين القضيتين، أو هي أمور تتفرع -تلقائيا- من هاتين القضيتين.
فأما المعبود في الشِّيُوْعِيَّة أو الاشتراكية فهو ليس الله قطعا بتصريحهم هم بأفواههم “لا إله. والكون مادة” “أي: بلا خالق” وقد يكون الإله عندهم هو المادة. أو هو الدَّوْلَة. أو هو الحزب. أو هو النظام. أو هو الزعيم. ولكنه على أي حال ليس الله. ومن هنا يستحيل اللقاء بين النظامين مهما كانت الأشباه العارضة هنا أو هناك.
وأما الإنسان فهذا وضعه في التصور الشيوعي وفي التطبيق!
في التصور هو نتاج المادة، وهو تلك الأداة السلبية التي تحركها الحتميات “مستقلة عن إرادتهم”! وفي التطبيق هو تلك الآلة المنتجة في قسم من الوقت، وهو ذلك الحيوان الغليظ الحس في بقية الوقت، وهو ذلك الصِّفْرِ اللاشَيْءِ في كل الوقت.. إلا أن يكون من الآلهة المحظوظين، عضوا في الحزب على أقل تقدير، أو زعيما مقدسا على أعلى تقدير!

أما ذلك الشَّبَهِ العَارِضِ في مبدأ الكفالة الشاملة وتقريب الفوارق بين الناس فهو أولا لا يبرر اللقاء بين النظامين مع وجود ذلك الاختلاف الجوهري في قضية الألوهية وقضية إنسانية الإنسان. وهو ثانيا شَبَهٌ غير كامل حتى في الجزئيات.
فالكفالة في الإسلام ليست مقابلا لتكليف الناس بالعمل على طريقة من لا يعمل لا يأكل، إنَّما هي حَقٌّ إنسانِيٌّ بحت لكل من يحتاج إليه بسبب من الأسباب، وكفالة المرأة بالذَّات واجب مفروض في الإسلام على الرَّجُل لكي لا تنشغل أعصابها ولا يذهب جهدها في العمل خارج البيت على حساب مهمتها العظمى في تنشئة الأجيال، كما أنَّ الكفالة تتم في الإسلام بغير إذلال الناس بلقمة الخبز، ودون ديكتاتورية الدَّوْلَة التي ترهق القلوب وتخنق الأنفاس.
إن الإسلام -دين الله الحق- قد فرض على الدَّوْلَة المسلمة كفالة كل فرد فيها يحتاج إلى كفالة.. وجعل مهمة بيت المال هي هذه الكفالة لمن يعجز عن كفالة نفسه بنفسه. أو عجزت أسرته القريبة عن كفالته. وجعل المجتمع كله مكلفا بألا يكون فيه مُحْتَاج(1). وقد أشرنا من قبل إلى قولة عمر رضي الله عنه، التي عبر فيها عن مسئوليته لا عن الآدميين فحسب، بل عن كل كائنٍ حيٍّ يحتاج إلى الكفالة حيث قال: “لَوْ عَثَرَتْ شَاةٌ بِشَاطِئِ الفُرَاتِ لَظَنَنْتُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ سَائِلِي عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ”؛ أو “لو عثرت بغلة في العراق لحسبت عمر مسؤولا عنها: لم لم يسوّ لها الطريق؟!”.
ولكن الإسلام في كفالته للناس لا يستذلهم بلقمة الخبز كما تصنع الشِّيُوْعِيَّة بل يكفلهم وهم كرماء على أنفسهم وعلى الناس، فهو يكلف الدَّوْلَة المسلمة بهذه الكفالة دون مقابل على الإطلاق، لا العمل، ولا الخضوع المذل للحزب ولا الدَّوْلَة ولا الزعيم!
إن المطلوب من المسلم -سواء كفلته الدَّوْلَة أو كفل نفسه بنفسه أو كفلته أسرته أو كفله القادرون في المجتمع- أن يعبد الله وحده بلا شريك، وأن يقيم دين الله في نفسه وفي مجتمعه بإقامة شريعة الله والحكم بما أنزل الله. والمطلوب منه -من بين المطلوبات- أن يكون رقيبا على ولي الأمر لينظر هل قام بواجبه في إقامة الشريعة على الوجه الصَّحيح أم انحرف في التَّطْبيق!
ولقد كان سلمان الفارسي رضي الله عنه ممن تجري عليهم الدَّوْلَة الإسلامية نصيبا من بيت المال.. وهو الذي قال لعمر رضي الله عنه: “لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به”! وهو كذلك الذي قال له: “والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف”!
والإسلام يَحْضُّ على العمل بكل وسائل الحض، ويوضح للناس أن الإنسان خُلِقَ ليقوم بعمارة الأرض، وليمشي في مناكبها ويبتغي من رزق الله، وأن العاطلين المتبطلين لا يحبهم الله ولا يحبهم رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ومع ذلك فلا يجعل كفالة الجدولة لأفرادها مقابل قيامهم بالعمل.. إنما مقابل إنسانيتهم فقط ومقابل حاجتهم! فكون الإنسان إنسانا وكونه محتاجا إلى الكفالة هما كل مقومات كفالة الدَّوْلَة للفرد في الإسلام، وهذا هو الفرق بين فضل الله وكرمه وبين كَزَازَةِ البَشَرِ حين يكون بأيديهم المال والسُّلْطَان!
{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} (2).
ثُمَّ إنَّ الإسلام في كرمه وتفضله قد حَضَّ على العمل نعم، ولكنه لم يُحْوِج المرأة إلى العمل خارج البيت من أجل أن تحصل على لقمة الخبز! بل قرَّر لها الكفالة الكاملة وهي مستقرة في بيتها، عاملة فيه، قائمة بأنبل مهمة يقوم بها البشر في الأرض، وهي تنشئة الجيل النَّاشِئ ليخرج إلى الحياة سَوِيَّاً مستقيما على أمر الله.
فأين هذا من إكراه المرأة على العمل خارج البيت في كنس الشَّوَارع وحمل الأمتعة في المطارات ومحطات السِّكَكِ الحَدِيْدِيَّة تحت هذا التَّهديد المرعب: من لا يعمل لا يأكل! الشيوعي
وهذا فضلًا عمَّا في إخراجها من مهمتها الفطرية من إفساد الفطرة وإفساد للنشء وإفساد للأخلاق!
وأمر آخر يأتي بهذه المناسبة تتضح لنا حكمته في الإسلام على ضَوْءِ ما وقع في التَّطبيق الشِّيُوْعِيّ.
لقد قرر الإسلام مبدأ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة تقريرا واضحا لا شبهة فيه، وإن كان قد وضع للملكية حدودا كثيرة تحقق الخير وتمنع الشر. وللإسلام حكمته -بل حكمه- في إقرار المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة على هذا النحو. ولكن حكمة معينة تبدو لنا الآن من خلال التطبيق الشيوعي ربما لم تكن واضحة للناس من قبل، هي حرص الإسلام على أن تكون أرزاق الناس بأيديهم -على قدر الإمكان- لا بيد الدَّوْلَة! وذلك حتى لا يُسْتَذَلُّ الناس بلقمة الخبز! فحين يكون العمل حُرَّاً، والاسترزاق حُرَّاً لا يحس الناس بسطوة الدَّوْلَة كما يحسون بها لو كانوا كلهم أُجَرَاء للدولة كما هو حالهم في الشِّيُوْعِيَّة.
وصَحِيحٌ أن أولي العزم من البشر لن يحسوا بالمذلة للدولة ولو كانت لقمة الخبز في أيديها، ولكن الإسلام في واقعيته لا يفترض في كل الناس أنهم من أولي العزم. إنما يتعامل معهم بحسب واقعهم ويعلم أنَّهم عُرْضَة للضَّعْفِ أمام الضغوط الواقعة عليهم. لذلك جعل التكافل في الأسرة والمجتمع هو الأصل الكبير الذي تقوم عليه الحياة في المجتمع الإسلامي، وجعل كفالة الدَّوْلَة المباشرة هي الاحتياط الأخير الذي يسد الثغرات التي لم تستطع سَدَّها الأسرة ولا المجتمع؛ ويظل الناس بعيدين عن سطوة الدَّوْلَة بقدر الإمكان ليقوم التوازن السياسي في المجتمع الإسلامي. ولي الأمر له على الناس السمع والطاعة. والناس لهم على ولي الأمر النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي الرقابة على تنفيذ شريعة الله.
وعلى ضوء الخط المستقيم المتمثل في دين الله يتبين لنا مدى الانحراف في الجاهليات، وفي الجاهلية الشِّيُوْعِيَّة بالذَّات.
أمَّا تقريب الفوارق بين الناس فلا يتم في الإسلام بِمُصَادَمَةِ الفطرة وقتل الحافز الفردي.
إنَّما الإسلام دين الفطرة يتمشى معها ويرفعها إلى أقصى ما تطيق من درجات الرفعة ولكن دون مصادمة لاتجاهاتها الأصيلة. ومن ثم لا يلغي الإسلام المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّة إنما ينظمها على الوجه الذي تستجيب فيه للفطرة دون أن يترتب عليها الشر، ثُمَّ يضع في يد ولي الأمر الصَّلاحية الدَّائمة لتصحيح الأوضاع إذا اختلت رغم كل التنظيمات والترتيبات.
وتنظيمات الإسلام وترتيباته تتضمن أَوَّلًا: نظافة الوسائل التي يحصل بها الإنسان على المال، فلا غصب ولا نهب ولا سرقة ولا غش ولا ربا ولا احتكار ولا أكل حق الأجير.
وتتضمن ثانيًا: تزكية المال بإخراج زكاته التي توضع في بيت المال لتقوم الدَّوْلَة منها -ومن الموارد الأخرى المشروعة- بكفالة من يحتاج إلى الكفالة من الناس.

وتتضمن ثالثًا: ضرورة إنفاق المال وعدم حبسه عن التَّداول. فإمَّا أن يُوَظِّفَ المال في عمل نافع فيستفيد منه المجتمع ويستفيد منه الأفراد الذين يعملون فيه، وإمَّا أن يُنْفِقَ إنفاقا مباشرا في أبواب الإنفاق التي شرعها الله، بما يحقق كفالة القادرين لغير القادرين في المجتمع.
وتتضمن رابعًا: تحريم الإنفاق في المعصية، وكراهة الإنفاق في التَّرَفِ والسَّرَفِ كراهة تشبه التحريم.
وتتضمن خامساً: تنظيما دقيقا للمواريث يفتت الثَّرْوَة على الدَّوام ويعيد توزيعها في كل جيل.
وأخيرًا تُقَرِّر الشَّريعة مبدأ “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ” فتضع في يد ولي الأمر سلطة التَّصْحِيحِ كلما وقع ما يوجب التَّصْحِيحُ دون مصادمة للفطرة ولا إعنات للناس.
وليس هنا مجال التفصيل، إنما يطلب ذلك في الكتب المتخصصة في هذه الأمور، ولكن تكفينا هذه الخطوط العريضة لبيان الفارق بين الإسلام والشِّيُوْعِيَّة أو الاشتراكية حتى في المواطن التي يبدو فيها وجود شَبَهٍ عَارِضٍ في بعض الجزئيات.
إنَّ الإسلام نظامٌ متكاملٌ، وأجهزته كلها تعمل من داخله، وتعمل بوسائله الذَّاتِيَّة، وليس في حاجة أن يستعير أجهزة أجنبية عنه، ولا في الإمكان تركيب هذه الأجهزة الأجنبية لتدور معه في دائرته؛ لأنها من مقاس غير مقاسه، وتعمل على قاعدة غير قاعدته..
ليس الإسلام نظاما اشتراكيا كما أنَّه ليس رأسماليا ولا ديمقراطيا …
الإسلام هو الإسلام … وهو هو كما أنزله الله.
وإذا كنا نعتقد -بِصِدْقِ- أنَّ الاشتراكية تحمل مشابه من الإسلام في بعض النقاط، فلماذا نأخذها من الاشتراكية ولا نأخذها من الإسلام؟!
فلنكن صُرَحَاءُ مع أنفسنا، ولننف الهزيمة الدَّاخلية من أرواحنا -أيا كانت أسبابها- ولنطلب الإسلام باسم الإسلام، فهذا هو الاسم الذي قرَّره الله من فوق سبع سموات: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (3).
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (4).
__________
1 راجع الحديث عن مسئولية الدَّوْلَة المسلمة في كفالة جميع أفراد المجتمع في الفصل السابق.

2 سورة الإسراء: 100.

3 سورة آل عمران: 19.

4 سورة آل عمران: 85.

التحميل