ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة – العلمانية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

شارك هذا الموضوع:

ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة

العلمانية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

العلمانية

مدخل

“العلمانية” هي الترجمة العربية لكلمة “Secularism ,Secularite” في اللغات الأوروبية، وهي ترجمة مضللة؛ لأنها توحي بأن لها صلة بالعلم، بينما هي في لغاتها الأصلية لا صلة لها بالعلم. بل المقصود بها في تلك اللغات هو إقامة الحياة بعيدًا عن الدين، أو الفصل الكامل بين الدِّينِ والحياة.
تقول دائرة المعارف البريطانية في تعريف كلمة “Secularism”:
“هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدُّنْيا وحدها. ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر. ومن أجل مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ”Secularism” تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية البشرية، وبإمكانية تحقيق طموحاتهم في هذه الحياة القريبة، وظل الاتجاه إلى الـ”Secularism” يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية”(1).
وهكذا يتضح أنه لا علاقة للكلمة بالعلم، إنما علاقتها قائمة بالدِّينِ ولكن على أساس سلبي، أي: على أساس نفي الدِّينِ والقيم الدِّينية عن الحياة، وأولى الترجمات بها في العربية أن نسميها “اللادينية” بصرف النظر عن دعوى “العلمانيين” في الغرب بأن “العلمانية” لا تعادي الدين إنما تبعده فقط عن مجالات الحياة الواقعية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية.. إلخ، ولكنها تترك للناس حرية “التدين” بالمعنى الفردي الاعتقادي على أن يظل هذا التدين مزاجا شخصيا لا دخل له بأمور الحياة العلمية.
بصرف النظر عن هذا الاعتراض الذي سنناقش مدى حقيقته بالنسبة للحياة الأوروبية ذاتها، كما سنناقشه بالنسبة للإسلام لنتبين مدى تطابقه أو عدم تطابقه مع المفاهيم الإسلامية، فإن “اللادينية” هي أقرب ترجمة تؤدي المقصود من الكلمة عند أصحابها، ولكنها مع ذلك سنظل نستخدم المصطلح المعروف عند الناس -مع بيان بعده عن الدقة- حتى يتفق الكتاب على نبذ هذا المصطلح المضلل، واستخدام اللفظة الأدق.
نبذ الدين وإقصاؤه عن الحياة العلمية هو لب العلمانية.
وتبدو نشأة العلمانية في أوروبا أمرا منطقيا مع سير الأحداث هناك، إذا رجعنا إلى الظروف التي شرحناها من قبل في التمهيد الأول من هذا الكتاب. أي: إلى عبث الكنيسة بدين الله المنزل، وتحريفه وتشويهه، وتقديمه للناس في صورة منفرة، دون أن يكون عند الناس مرجع يرجعون إليه لتصحيح هذا العبث وإرجاعه إلى أصوله الصحيحة المنزلة، كما هو الحال مع القرآن، المحفوظ -بقدر الله ومشيئته- من كل عبث أو تحريف خلال القرون.
فمن المعلوم أن الإنجيل المنزل من عند الله لم يدون على عهد المسيح عليه السلام، إنما تلقاه عنه حواريوه بالسماع، ثم تشتتوا تحت تأثير الاضطهاد الذي وقع على أصحاب الرسالة الجديدة سواء من اليهود أو من الرومان، فلما بدأ تدوينه بعد فترة طويلة من نزوله كان قد اختلط في ذاكرة أصحابه، كما اختلطت النصوص فيه بالشروح، ثم غلبت الشروح على النصوص.. ووقع الاختلاف والتحريف والتصحيف الذي يشير إليه كتاب التاريخ الأوروبي ومؤرخو الكنيسة على السواء، واستبد رجال الدين بشرح ما سمي الأناجيل “مع أن المنزل من عند الله إنجيل واحد لا معنى للتعدد فيه” ثم استبدوا أكثر بالاحتفاظ بعلم “الأسرار” التي نشأت من التحريف والتصحيف والتي لا أصل لها في دين الله المنزل، ثم زاد استبدادهم -كما أسلفنا في ذلك التمهيد- فصار طغيانا شاملا يشمل كل مجالات الفكر والحياة: طغيانا روحيا وفكريا وعلميا وسياسيا وماليا واجتماعيا.. وفي كل اتجاه.
فحين يحدث نفور من الدين في مثل هذا الجو فهذا أمر منطقي مع سير الأحداث وإن لم يكن منطقيا مع “الإنسان” في وضعه السوي، فإذا كان الإنسان عابدا بفطرته، وكان الدين جزءا من الفطرة أو هو طبيعة الفطرة، فإن الإنسان الراشد في مثل الوضع الذي وجدت فيه أوروبا كان ينبغي عليه أن ينبذ ذلك الدين الذي تحوطه كل تلك التحريفات في نصوصه وشروحه، وكل تلك الانحرافات في سلوك رجاله، ثم يبحث عن الدين الصحيح فيعتنقه، وقد فعلت أوروبا الأمر الأول فنبذت دين الكنيسة بالفعل، ولكنها لم تفعل الأمر الثاني حتى هذه اللحظة إلا أفرادا متناثرين لم يصبحوا بعد “ظاهرة” ملموسة. ومن هنا نقول إن الظروف التي أحاطت بالدين في أوروبا تفسر ولا تبرر. تفسر شرود الناس في أوروبا عن الدين ولكنها لا تبرره … فإنه لا شيء على الإطلاق يبرر بعد الإنسان عن خالقه، ونبذه لعبادته على النحو الذي افترضه على عباده، سواء بالاعتقاد بوحدانيته سبحانه، أو بتوجيه الشعائر التعبدية إليه وحده أو بتنفيذ شريعته، فهذا هو الذي قال الله فيه: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} (2).
على أن الذي يعنينا الآن ليس هو محاسبة أوروبا على انحرافاتها في مجال الدين والعقيدة، فالخلق صائرون إلى ربهم وهو الذي يحاسبهم:
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} (3).
ولكن الذي يعنينا هو شرح هذه الانحرافات وبيان الصورة التي حدثت عليها، والظروف التي أحاطت بها منذ مبدئها حتى صارت إلى ما صارت إليه.
ونخطئ -من وجهة نظرنا الإسلامية- إن قلنا إن “العلمانية” حدثت فقط بعد النهضة، فالحقيقة -من وجهة النظر الإسلامية- إن الفصل بين الدين والحياة وقع مبكرا جدا في الحياة الأوروبية، أو أنه -إن شئت الدقة- قد وقع منذ بدء اعتناق أوروبا للمسيحية؛ لأن أوروبا -كما أسلفنا في التمهيد- قد تلقت المسيحية عقيدة منفصلة عن الشريعة “بصرف النظر عما حدث في العقيدة ذاتها من تحريف على أيدي الكنيسة” ولم تحكم الشريعة شيئا من حياة الناس في أوروبا إلا “الأحوال الشخصية” فحسب، أي: إنها لم تحكم الأحوال السياسية ولا الأحوال الاقتصادية ولا الأحوال الاجتماعية في جملتها.
وهذا الوضع هو علمانية كاملة من وجهة النظر الإسلامية(4) ولكن الذي تقصده أوروبا بالعلمانية “Secularism” ليس هذا؛ لأنها لم تألف الصورة الحقيقية للدين أبدا في يوم من الأيام! إنما الذي تقصده أوروبا حين تطلق هذه الكلمة هو إبعاد ما فهمته هي من معنى الدين عن واقع الحياة، متمثلا في “بعض” المفاهيم الدينية وفي تدخل “رجال الدين” باسم الدين في السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والعلم والأدب والفن.. وكل مجالات الحياة: ثم إقامة هذا كله بعيدا عن نفوذ الكنيسة من جهة. وبعيدا عن مفاهيم الدين كلها من جهة أخرى بصرف النظر عن وجود الكنيسة أو عدم وجودها.
بعبارة أخرى نقول إن ما نبذته أوروبا حين أقامت علمانيتها لم يكن هو حقيقة الدِّينِ -فهذه كانت منبوذة من أوَّلِ لحظة! – إنما كان بقايا الدين المتناثرة في بعض مجالات الحياة الأوروبية أو في أفكار الناس ووجداناتهم. فجاءت العلمانية فأقصت هذه البقايا إقصاء كاملا من الحياة، ولم تترك منها إلا حرية من أراد أن يعتقد بوجود إله يؤدي له شعائر التعبد في أن يصنع ذلك على مسئوليته الخاصة، وفي مقابلها حرية من أراد الإلحاد والدعوة إليه أن يصنع ذلك بسند الدولة وضمانتها!.

__________
1 Encyc. Britannica V.IX.p.19.

2 سورة القيامة: 14، 15.
3 سورة الغاشية: 21-26.
4 سنتحدث في هذه النقطة تفصيلا في نهاية الفصل.

كيف نشأت هذه العلمانية في أوروبا؟
أي: كيف أقصيت بقايا الدين من الحياة الأوروبية وصارت الحياة “لا دينية” تماما في كل مجالاتها العملية؟
نحتاج أن نتذكر أوَّلًا أنه في الوقت الذي لم يكن للدين الحقيقي وجود في أوروبا -سواء في صورة عقيدة صحيحة أو صورة شريعة حاكمة- كان هناك نفوذ ضخم جِدَّاً يمارس باسم الدين في مجال العقيدة وفي مجالات الحياة العملية كلها من قبل رجال الدين، ويتمثل في حس الناس هناك على أنه هو “الدين”!
أي: إن الصورة الواقعية للدين في أوروبا كانت تتمثل أولا في عقيدة مأخوذة من “الأناجيل” وشروحها تقول: إن الله ثالث ثلاثة؛ وإن الله هو المسيح ابن مريم. وتتمثل ثانيا في صلوات وقداسات ومواعظ واحتفالات تقام في الكنائس يوم الأحد بصفة خاصة. وتتمثل أخيرًا -وليس آخِرَاً- في نفوذ لرجال الدين على الملوك وعلى عامة الناس.

فأما نفوذهم على الملوك فيتضمن أنهم لا يجلسون على عروشهم إلا بإذن البابا ومباركته، ولا يتولون سلطانهم على شعوبهم إلا بتولية البابا لهم، وإذا غضب عليهم البابا -غضبا شخصيا لا علاقة له البتة بتحكيم شريعة الله- نبذتهم شعوبهم ولم تذعن لأوامرهم.

وأما نفوذهم على عامة الناس فيتضمن أنهم لا يصبحون مسيحيين إلا بتعميد الكاهن لهم، وليس لهم صلاة إلا بحضور الكاهن، أمامهم في مكان محدد هو الكنيسة، ولا يموتون موتا صحيحا إلا بإقامة قداس الجنازة لهم على يد الكاهن! ولا يعتقدون إلا ما يلقنهم إياه رجال الدين من شئون العقيدة، ولا يفكرون إلا فيما يسمح لهم رجال الدين بالتفكير فيه، وعلى النحو الذي يسمحون لهم به. ولا يتعلمون إلا ما يسمح لهم رجال الدين بتعلمه؛ ولرجال الدين فوق ذلك نفوذ على أموالهم وعلى أجسادهم وعلى أرواحهم أشرنا إلى جوانب منه من قبل.
هذا الدين -بهذه الصورة- مخالف للدين المنزل من عند الله في أكثريته.. ولكنه ليس خلوا بالمرة من حقائق الدين، وهذه شهادة الله فيهم:
{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} (1).
ففيه من حقائق الدين أن الله هو الذي خلق الكون كله، وهو الذي خلق الإنسان على هذه الصورة الإنسانية وجعله عاقلا مفكرا مريدا. وكلفه الأمانة، وكلفه عمارة الأرض والهيمنة عليها، وعرفه أن هناك بعثا ونشورا وحسابا وثوابا وعقابا يوم القيامة، وأن هناك جنة ونارا أبديتين يصير الناس إليهما كل بحسب عمله. وفيه من حقائق الدين كذلك أن الله حرَّم القتل والسَّرقة والزِّنا والرِّبا والكذب والغش والخيانة.. وأوجب على الناس في حياتهم أخلاقيات معينة يتقيدون بها في تعاملهم بعضهم مع بعض. وأنَّ الله شرع الزَّواج وحرم علاقات الجنس خارجه، وشرع الأسرة وأوجب صيانتها وجعل للرجل القوامة عليها.. إلى آخر ما يجري هذا المجرى من حقائق الدين.
ولكن الدين المنزل من عند الله ليس فيه أن الله هو المسيح ابن مريم وأن الله ثالث ثلاثة، وليس فيه أن يُشَرِّع رجال الدين “الأحبار والرهبان” من عند أنفسهم فيحلوا ويحرموا بغير ما أنزل الله؛ “كما أحلوا الخمر والخنزير وأبطلوا الختان”! وليس فيه أن يطلب رجال الدين لأنفسهم سلطانا يُرْهِبون به الناس ويفرضون عليهم ما أحلوا هم وما حرموا من دون الله، كما يفرضون عليهم الخضوع الكامل لأهوائهم في الوقت الذي لا يستخدمون فيه سلطانهم الرَّهيب في فرض شريعة الله على الأباطرة والملوك ليحكموا بها بدلًا من القانون الروماني، ويكتفون بجعل هذه الشريعة مجرد مواعظ خلقية وروحية؛ من شاء أن يتقيد بها تقيد ومن شاء أن يتفلت منها فلا سلطان لأحد عليه في الأرض! بينما القانون الروماني يعاقب المخالفون له بالقتل أو الحبس أو ما سوى ذلك من العقوبات!

وليس في الدين المنزل أن الأرض منبسطة وليست كروية، وأن من قال بكرويتها يُحْرَق حيَّاً في النار!
وليس فيه أن يفرض رجال الدين لأنفسهم -لا للفقراء والمساكين- عشور أموال الناس، ولا السُّخْرَة المجانية في أرض الكنيسة.
وليس فيه كل ما فعله رجال الدين من فضائح ومخاز ودناءات … كصكوك الغفران والفساد الخلقي بكل أنواعه؛ ومناصرة الكنيسة للمظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الواقعة على الشعوب!
ولكن أوروبا حين أنشأت علمانيتها نبذت الدِّينَ كله، لم تفرق بين أباطيل الكنيسة وبين حقائق الدِّينِ!
وصحيح أنَّ الدِّينَ الكنسي -بحقائقه وأباطيله- لم يكن صالحا للحياة، ولم يكن مقبولا عند الله:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} (2).
ولكن أوروبا -كما أشرنا من قبل- حين نبذت دين الكنيسة الفاسد لم تبحث عن الدين الصحيح، الذي يصدق الحقائق ويبطل الأباطيل.
كان الدين الكنسي ذا سطوة عنيفة على كل مرافق الحياة في أوروبا في قرونها الوسطى المظلمة، وكان ذلك أمرًا سيئًا شديد السُّوء، لا بسبب سيطرة “الدين” على الحياة كما خُيِّل لأوروبا بغباءٍ في جاهليتها المعاصرة، ولكن بسبب سيطرة الفساد الكامن في ذلك الدين الكنسي على كل مرافق الحياة!
ولكي نستيقن من الحقيقة في هذا الأمر ما علينا إلا أن نراجع فترة مقابلة “وموازية” من التاريخ، كان فيها الدين الصحيح ذا سيطرة عظيمة على كل مرافق الحياة.. تلك هي الفترة الأولى من حياة المسلمين التي امتدت حوالي سبعة قرون من الزمان … فكيف كانت؟! كان الهدى، وكان النور، وكان العلم. وكانت الحضارة التي عرفت أوروبا طرفا منها في الأندلس والشمال الإفريقي، وكان كل جميل من الأفكار والمشاعر وأنماط السُّلوك برغم كل الانحراف الذي طرأ على حياة المسلمين في تلك القرون، سواء من جانب الحكام أو من جانب المحكومين!
__________
1 سورة المائدة: 14.

2 سورة المائدة: 68.

فلم يكن “الدين” في ذاته إذن هو مصدر السوء في الحياة الأوروبية في تلك الفترة “ولنذكر أن أسبانيا -وهي جزء من أوروبا- كانت مزدهرة في نفس الوقت بتأثير الدِّينِ الصحيح، كما كانت صقلية وغيرها من الأَصْقاع الأوروبية التي دخل فيها الإسلام” إنما كان “فساد الدين” هو السبب في ذلك الظلام الذي اكتنف أوروبا في قرونها الوسطى المظلمة الحالكة السواد.
وأوروبا لا تحب أن تصدق هذه الحقيقة في جاهليتها المعاصرة -مع أنها حقيقة موضوعية بحتة يشهد بصحتها كل ما كتبه مؤرخوهم المنصفون عن الحضارة الإسلامية- لأنَّ مجرد تصديقها معناه أنهم كانوا مخطئين في نبذهم “الدين” كله بحجة فساد الدين الذي قدمته الكنيسة لهم، وأنهم ما زالوا مخطئين إلى هذه اللحظة للسبب ذاته … وهم لا يريدون أن يرجعوا إلى الدين بأي وسيلة من وسائل الرجوع!
مرة أخرى لا نريد أن نحاسب أوروبا على انحرافاتها في مجال الدين والعقيدة، إنما نشرح فقط خطوات ذلك الانحراف.
كانت سيطرة الدِّينِ الكنسي على الحياة الأوروبية في قرونها المظلمة أمرا سيئا كما قلنا -برغم سيطرة بعض الفضائل الدِّينية على الحياة وخاصة في الريف الأوروبي- لأنَّ ذلك الدِّين -بما حواه من انحرافات جذرية في العقيدة من ناحية، وفي فصل العقيدة عن الشريعة من ناحية أخرى، وفي فساد ممثليه من رجال الدين وجهالتهم من ناحية ثالثة! كان مفسدا للحياة ومعطلا لدفعتها الحية كما كان مفسدًا للعقول ومعطلا لها عن التفكير السليم.
لذلك كان نبذ ذلك الدين والانسلاخ منه أمرا ضروريا لأوروبا إذا أرادت أن تتقدم وتتحضر وتعيش …
ولكن البديل الذي اتخذته أوروبا بدلا عن دينها لم يكن أقل سوءا إن لم يكن أشد، وإن كان قد أتاح لها كل العلم والتمكن المادي الذي يطمح إليه البشر على الأرض، تحقيقا لسنة من سنن الله التي تجهلها أوروبا وتجهل حكمتها؛ لأنها لا تؤمن بالله وما نزل من الوحي:

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (1).
نعم! لم تكن العبودية للأحبار والرهبان من البابوات ورجال الدين أمرا صالحا للحياة ولو كانوا هم أنفسهم من الصالحين. لأنَّ العبودية لا تصح إلا لله وحده، ولا تصلح الحياة إلا إذا كانت لله وحده.. فكيف وهؤلاء الأحبار والرهبان على ما كانوا عليه من الفساد والجهالة والبعد عن حقيقة الدين؟!
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (2).
ولم يكن الدين الذي يحوي كل ذلك القدر من الأساطير، ويحارب العلم ويحجر على الفكر، ويفصل بين الدنيا والآخرة فيهمل الدنيا وينبذها من أجل الخلاص في الآخرة، ويحتقر الجسد ويعذبه من أجل خلاص الروح، ويبيح في الوقت نفسه للإقطاعيين أن يمتصوا دماء الفلاحين ويكتنزوا بها ويترفوا ويفسدوا، ويخذل الفلاحين عن الثورة على هذا الظلم بحجة الحصول على رضوان الله وجنته في الآخرة إن رضوا بالمذلة والظلم في الحياة الدنيا.. لم يكن ذلك الدين ليسمح للحياة بالتقدم وهو يلفها بأغلفة سميكة من الظلام.
ويقول التاريخ -الذي تكره أوروبا الاعتراف به إلا القلة المنصفة -إن أوروبا بدأت تخرج من ظلمات قرونها الوسطى المظلمة حين احتكت بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها! سواء في الحروب الصليبية أو البعوث التي بعثتها للتعلم في مدارس المسلمين في الأندلس بصفة خاصة، وفي صقلية وغيرها من البلاد التي نورها الإسلام.
بل تقول الروايات التاريخية إن رجال الدين المسيحي أنفسهم كانوا يتعاطون الثقافة الإسلامية في تلك المدارس أو فيما ينقل منها إلى اللغات الأوروبية، وإنهم كانوا يترقون في مناصب الأكليروس بقدر ما يحصلون عليه من تلك الثقافة”! (3).
ويقول “روجر بيكون” في القرن الثالث عشر الميلادي: “من أراد أن يتعلم فليتعلم العربية؛ لأنَّها هي لغة العلم”.
__________
1 سورة الأنعام: 44.
2 سورة التوبة: 31.
3 انظر كتاب “المستشرقون” لنجيب العقيقي، ج1، ص113-120.

ولقد وجدت أوروبا حين احتكت بالمسلمين عالما عجيبا بالنسبة إليها، ليس فيه بابوات ولا رجال دين! وليست فيه أسرار عقيدية يختص بعلمها فريق من الناس دون فريق.. وليس فيه “نبلاء! ” يستعبدون الناس في إقطاعياتهم.. وليس فيه حجر على العقول أن تفكر، ولا حجر على العلم أن يبحث ويجرب وينشر أبحاثه على الناس.
يقول “راندال”(1):

“وبنوا – يقصد المسلمين – وإن كان يستخدم لفظة “العرب” تحاشيا لذكر المسلمين!” في القرن العاشر في أسبانيا حضارة لم يكن العلم فيها مجرد براعة فحسب، بل كان علما طبق على الفنون والصناعات الضرورية للحياة العلمية، وعلى الإجمال كان العرب يمثلون في القرون الوسطى التفكير العلمي والحياة الصناعية العلمية اللذين تمثلهما في أذهاننا اليوم ألمانيا الحديثة”.
ويقول “ليوبولد فايس” “محمد أسد”(2):

“إن العصور الوسطى قد أتلفت القوى المنتجة في أوروبا.. كانت العلوم في ركود، وكانت الخرافة سائدة، والحياة الاجتماعية فطرية خشنة إلى حد من الصَّعب علينا أن نتخيله اليوم، في ذلك الحين أخذ النفوذ الإسلامي في العالم -في بادئ الأمر بمغادرة الصليبيين إلى الشرق، وبالجامعات الإسلامية الزاهرة في أسبانيا المسلمة في الغرب، ثُمَّ بالصِّلات التجارية المتزايدة التي أنشأتها جمهوريتا جنوة والبندقية- أخذ هذا النفوذ يقرع الأبواب الموصدة دون المدنية العربية”.
“وأمام تلك الأبصار المشدوهة، أبصار العلماء والمفكرين الأوروبيين، ظهرت مدنية جديدة، مدنية مهذبة راقية خفاقة بالحياة، ذات كنوز ثقافية كانت قد ضاعت ثم أصبحت في أوروبا من قبل نسيا منسيا، ولكن الذي صنعه العرب كان أكثر من بعث لعلوم اليونان القديمة.. لقد خلقوا لأنفسهم عالمًا علميا جديدا تمام الجدة.. لقد وجدوا طرائق جديدة للبحث وعملوا على تحسينها، ثُمَّ حملوا هذا كله بوسائط مختلفة إلى الغرب، ولسنا نبالغ إذا قلنا إنَّ العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه لم يُدَشَّن في مدن أوروبا النصرانية، ولكن في المراكز الإسلامية: في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة”.

وتعلمت أوروبا كل العلم الذي وجدته عند المسلمين، كما أخذت كثيرًا من الأصول الحضارية التي وجدتها عندهم(3) ولكنها لأمر ما رفضت أن تأخذ الإسلام، رغم السَّماحة الهائلة التي لمسها المسيحيون من المسلمين في الأندلس! وارتدَّت من جاهلية الدِّينِ الكنسي المحرف إلى جاهلية ما قبل ذلك الدين، الجاهلية الإغريقية الرومانية Greco-Roman لتنشئ على أساسها جاهلية جديدة متقدمة كل التقدم في العلم والتكنولوجيا “على أساس العلم الذي أخذته من المسلمين، والمنهج التجريبي في البحث العلمي الذي استمدته منهم” ومنتكسة أشد الانتكاس فيما عدا ذلك من جوانب الحياة.
من الإغريق أخذت عبادة العقل وعبادة الجسد في صورة جمال حسي.
ومن الرومان أخذت عبادة الجسد في صورة متاع حسي، وتزيين الحياة الدنيا بكل وسائل العمارة المادية إلى أن يستغرق الإنسان في المتاع وينسى “القيم” التي تُكَوِّن الإنسان، كما أخذت شهوة التوسع الحربي واستعباد الأمم الضعيفة لحساب الدولة “الأم” في صورة إمبراطوريات.
والمهم -بالنسبة لبحثنا الحاضر- أنَّها بدأت تنبذ الدين!
قامت النهضة على أسس معادية للدين من أول لحظة.
قامت على أصول “بشرية” بدلًا من الأصول الدينية أو الإلهية كما كانت تصورها لهم الكنيسة.
كان الدين الذي قدمته لهم الكنيسة على أنه الدين الإلهي دينًا أخرويَّاً لا يقيم وزنا للحياة الدنيا، بل يحتقرها ويزدريها ويدعو إلى إهمالها وعدم الالتفات إليها في سبيل الحصول على “الخلاص”، خلاص الروح، الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بالتجرد من متاع الأرض، والاستعلاء على مطالب الجسد، والتَّطلع إلى ملكوت الرَّبِّ الذي يتحقق في الآخرة ولا سبيل إلى تحقيقه في الحياة الدنيا، ومن ثَمَّ فإن “حركة التاريخ” ومحاولة تصحيحها بتصحيح حركة المجتمع كما يقول “ولفرد كانتول سميث Wilfred Cantwell Smith في كتاب “الإسلام في التاريخ الحديث Islam in Modern History”: لم تكن في حساب الكنيسة المسيحية لا أيام ضعفها في القرون الأولى ولا حين أصبح لها السلطان(4).
إنما يسعى كل إنسان إلى خلاصه الشخصي، كالذي يسير على معبر دقيق كل همه ألا يفقد توازنه فيقع في الهاوية، أو كالذي يسير في الوحل كل همه أن يشمر ثيابه ويلتفت إلى مواقع قدميه حتى لا ينزلق أو يتلطخ بالوحل، لا يهمه أن يصحح مواضع أقدام الآخرين أو يقيهم من الانزلاق.
ومن هنا فإنَّ هذا الدِّين في صورته الكنسية تلك لم يكن يسعى إلى تحسين أحوال البشر على الأرض، أو إزالة المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تقع عليهم، وإنما يدعو إلى الزهد في الحياة الدنيا برمتها، وترك كل شيء على ما هو عليه؛ لأن فترة الحياة الدنيا أقصر وأضأل وزنا من أن يحاول الإنسان تعديل أوضاعه فيها إنما يسعى جاهدا إلى الخلاص منها دون أن يَعْلَق بروحه شَيْءٌ من الآثام، والمتاع ذاته هو من الآثام التي يحاول المتطهرون النجاة منها بالرَّهْبَنة واعتزال الحياة.
بل أكثر من ذلك: إنَّ احتمال المشقة في الحياة الدُّنْيا، واحتمال ما يقع فيها من المظالم هو لون من التقرب إلى الله يساعد على الخلاص، ومن ثَمَّ دعت الكنيسة الفلاحين للرِّضا بالمظالم التي كانت تقع في ظل الإقطاع وعدم الثورة عليها لينالوا رضوان الله في الآخرة، وقالت لهم: “من خدم سَيِّدين في الحياة الدُّنيا خيرٌ ممن خدم سيِّدا واحدا”!.
ومن جهة أخرى كان هذا الدين يحصر كيان الإنسان في نطاق محدود محصور أشد الحصر، ليبرز جانب الألوهية في أكمل صورة.
ألوهية الله في ذلك الدين معناها السلبية الكاملة للإنسان، وحصر دوره -لا في العبادة بمعناها الواسع أي: على النحو الذي قرره الإسلام، والذي يشمل عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني- إنما في الخضوع لقدر الله القائم، وعدم العمل على تغيير شيء من الواقع المحيط بالإنسان؛ لأن محاولة التغيير- ولو إلى الأحسن- تحمل في طياتها “عدم الرِّضا” بالأمر الواقع، وهو لون من التَّمَرُّد على إرادة الله لا يقره ذلك الدين.

ومن ثَمَّ فإن فاعلية الإنسان محصورة في الطاعة للأوامر الإلهية -كما تعرضها الكنيسة بالحَقِّ أو الباطل- لا تتعداها إلى الإنشاء؛ لأنه ليس للإنسان أن ينشئ شيئا من عند نفسه ولو كان يلتزم في هذا الإنشاء بالهدي الرباني. ومن ثم كذلك كان ثبات الأوضاع في أوروبا في العصور الوسطى لفترة طويلة من الزمان بكل ما تحمل من ألوان الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والروحي، على أساس أنها قدر الله الذي لا يجوز للناس تغييره، إنما ينبغي الخضوع له والمحافظة عليه تقربا إلى الله.
هذا الدين بصورته تلك لم يكن هو الدين المنزل من عند الله، ولم يكن -كما أسلفنا- صالحا للحياة. كان لا بد من نبذه والانسلاخ منه لكي تسير دفعة الحياة في خطها الصحيح.
__________

1 في كتابه “تكوين العقل الحديث” “ترجمة جورج طعمة ج1 ص314 من الترجمة العربية”.

2 في كتابه “الإسلام على مفترف الطرق” “ترجمة عمر فروخ ص39، 40 من الترجمة العربية”.
3 انظر كتاب “شمس الله تشرق فوق الغرب” وانظر فصلا بعنوان “المسلمون في أسبانيا” فنونهم وصناعاتهم وما كان لهم من فضل في ثقافة أوروبا في العصر الحديث. بقلم ج. ب. ترند G.B. Trend ص729-760 من الترجمة العربية لكتاب “تاريخ العالم” نشر وزارة التربية والتعليم المصرية.

4 ص30، الطبعة الأولى سنة 1957.

ولقد كان على مقربة من أوروبا -بل في جزء من أرضها- دين آخر يقدم المنهج الصَّحيح للحياة، فلا هو دين أخروي بحت بمعنى إهمال الحياة الدنيا، ولا هو الدين الذي يفرض السلبية الكاملة على الإنسان، ويفرض عليه الخضوع “للأمر الواقع” وعدم التفكير في تغييره.
إنَّه دين يعمل للآخرة من خلال العمل في الدنيا؛ “الدُّنْيَا مَزْرَعَة الْآخِرَة”(1). ويبين أنَّ العمل للآخرة لا يعني إهمال الحياة الدنيا {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (2)؛ {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (3).
وهو دين يعمل لإصلاح الحياة الدنيا بإقامة المنهج الرباني الذي يأمر بالعدل والقسط، كما يدعو إلى الجهاد لإقامة هذا المنهج ومنع الانحراف عنه، ذلك الانحراف الذي يؤدي إلى فساد الحياة وإلى وقوع الظلم على الناس:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (4).
وهو دين يجعل للإنسان إيجابية واسعة في الأرض.
فقد خلقه الله ابتداء ليكون خليفة في الأرض:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (5).
ومن شأن الخلافة الهيمنة على الأرض والسيطرة عليها، والإنشاء والتعمير فيها، واستغلال الطاقات المذخورة في السَّموات والأرض، التي سخرها الله للإنسان من أجل عمارة الأرض، والمشي في مناكب الأرض لاستخلاص الأرزاق المكنونة فيها والظاهرة.
{هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (6).
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (7).
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} (8).
بل إن المنهج الرَّبَّانِّي ذاته يستدعي إيجابية الإنسان لتنفيذه، فهو لا ينطبق انطباقا آليَّاً على الأحداث والأشياء، بل الإنسان المستبصر بالهدي الرباني هو الذي يطبقه ويجتهد بفكره ليضع تفصيلات تنفيذه، خاصة وهو منهج حياة كامل، يشمل الثابت والمتغير في حياة الإنسان، فلا بد أن يجتهد على الدوام ليضع للمتغير حلا مستمدا من المبادئ الثابتة في هذا المنهج.. ومن ثم يعمل الإنسان بإيجابيته الكاملة في التنفيذ، سواء إيجابية العزيمة اللازمة لإقامة المنهج والجهاد لإقراره في الأرض أو إيجابية التفكير في الوسيلة المثلى لإقامته.. بل إنَّ قدر الله ذاته يجري من خلال أعمال الإنسان بالخير والشَّرِّ سواء:
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (9).
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (10).
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (11).
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (12).
وهذا الدين الذي يعطي التَّوازن الصَّحيح بين الدُّنيا والآخرة، وبين فاعلية قدر الله وفاعلية الإنسان، وبين العبودية الكاملة لله والإيجابية السَّوِيَّة للإنسان، هو الدين الصحيح الذي تصلح به الحياة في الأرض، وتستقيم به خطى البشر في الحياة الدنيا(13).
__________
1 حَدِيث: “الدُّنْيَا مزرعة الْآخِرَة”. أوردهُ فِي الْإِحْيَاء، قَالَ السخاوي: لم أَقف عَلَيْهِ أَي بِسَنَد. وقال في المقاصد لم أقف عليه مع إيراد الغزالي له في الإحياء، وقال القاري: قلت معناه صحيح مقتبس من قوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ).
2 سورة القصص: 77.
2 سورة الأعراف: 32.
3 سورة الحديد: 25.
4 سورة البقرة: 30.

5 سورة هود: 61.
6 سورة الملك: 15.
7 سورة الجاثية: 13.
8 سورة الروم: 31.
9 سورة النحل: 112.
10 سورة الأعراف: 96.
11 سورة الرعد: 11.
12 انظر فصل التوازن في كتاب خصائص التصور الإسلامي.

ولكن أوروبا -بدافع العصبية الصليبية- أعرضت عن هذا الدين واتجهت إلى الجاهلية الإغريقية الرومانية، تنتقم بها من الكنيسة ودينها الفاسد الذي يهمل الحياة الدنيا ويلغي الوجود الإيجابي للإنسان.
وإذ كانت النهضة في مجموعها “رد فعل” للكبت الواقع على “الإنسان” بفعل التصور الكنسي للدين، والممارسة الكنسية له، وإذا كان الغالب على ردود الفعل هو الاندفاع لا التَّعقل ولا التَّبَصُّر ولا الرَّوِيَّة ولا الاتزان.. فقد اندفعت أوروبا في نهضتها تنزع من طريقها كل مَعْلَم من المعالم الإلهية “سواء كانت إلهية حقا أو مدعاة من قبل الكنيسة” وتضع مكانها معالم بشرية من صنع الإنسان، كما تنزع من طريقها كل ما يتصل بالآخرة لتضع بدلًا منه ما يتصل بالحياة الدنيا، وكانت هذه هي بداية “العلمانية” بالتعريف الأوروبي..
لقد أصبح الطابع المميز للفكر الأوروبي منذ النهضة هو التَّمَرُّد على الدين والتَّمَرُّد على الله، وكان ذلك نابعا من تأثيرين في آن واحد: التأثير الأول هو روح رد الفعل الذي قام ضد الدين والكنيسة؛ والثاني هو تأثير الجاهلية الإغريقية في هذا الشَّأْن بالذَّات.
فأما رد الفعل فقد أخذ صورة الخروج على كل ما كان سائدًا من قبل في فترة السَّيطرة الكنسية.
كان السَّائد هو ألا يفكر الإنسان لنفسه في شيءٍ من الأشياء إنما يأخذ الأفكار جاهزة من الكتب المقدسة وشروحها عن طريق رجال الدين، سواء كانت الأفكار متصلة بالعقيدة أو بأمر من أمور الدنيا، أو حتى أمور العلم كقضية شكل الأرض.
وغني عن البيان أن هذا ليس الموقف الصحيح للإنسان في ظل الدين الصحيح(1) ولكن هكذا كانت الممارسة الدينية في ظل الجاهلية الكنسية المنحرفة، والتي من جرائها كان لرجال الدين كل ذلك النفوذ على عقول الناس وأرواحهم، فهم الوسطاء بين الناس وبين الدين ومفاهيمه، بل هم الوسطاء بين الناس وبين الله، والناس -علماء أو غير علماء- لا يبحثون في أي شأن من الشئون ليكوِّنوا فيه رأيا أو موقفا، إنما يسألون رجال الدين ليدلوهم على الرأي أو الموقف الذي ينبغي عليهم اتخاذه. هذا بالإضافة إلى أنَّ الأمور التي يسألون عنها هي أوَّلًا وقبل كل شَيْءٍ أمور “الخلاص”. الخلاص من أدران الحياة الدنيا للحصول على رضوان الله في الآخرة.
وكان رد الفعل أن الإنسان هو الذي ينبغي أن يستشار في الأمور كلها وليس الدين، وأن العقل البشري هو الذي ينبغي أن يكون صاحب القرار وليس الله؛ ولو كان الأمر متعلقا بالعقيدة أو الأمور الأخروية. وبمقدار ما كان العقل مكبوتا ومحجورا عليه، انطلق هذا العقل يريد أن يقتحم كل ميدان ولو كان خارجا عن اختصاصه! يقتحمه بروح أنه هو صاحب الحق الذي كان ممنوعا من حقِّهِ فهو يريد أن يؤكد هذا الحق. ويقتحمه بروح الشَّكِّ، أو روح المحو لكل ما كان موجودًا من قبل ولم يشترك فيه، فهو يريد أن ينشئه من جديد سواء وافق ما كان موجودا من قبل أو خالفه، والأجدر به أن يخالفه لكي يثبت وجوده.
بهذه الروح بدأ الكتاب و” المفكرون الأحرار” يهاجمون فكرة الألوهية وينفون الرسالات والوحي، وينفون الحياة الآخرة والجنة والنار، ويقولون إن هذه كلها أوهام تنبتها البشرية في غيبة من العقل. والآن وقد صحا العقل فقد آن الأوان لنبذها وتركها للهمج المتأخرين.. وربما كان خير ممثل لهذا الاتجاه هو “فولتير” الكاتب الفرنسي الملحد المشهور.
أما التأثير الثاني الذي أشرنا إليه فهو تأثير الجاهلية الإغريقية التي تصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة صراع وخصام لا يفتر: الآلهة تريد أن تقهر الإنسان وتكبته وتحطمه لكي لا يطمح في أن يكون مقتدرا مثلها، فلا تفتأ كلما حقق نجاحا أن تصب الكوارث فوق رأسه لكي لا يستمتع بثمرات نجاحه، وهو من جانبه دائم التحدي للآلهة، كلما وقع في حفرة من حفائرها عاد يستجمع قواه ليصارعها من جديد، وتكفي أسطورة “بروميثيوس” الشهيرة لبيان هذا المعنى بصورة مباشرة إذ تزعم تلك الأسطورة أن “زيوس” إله الآلهة (عندهم) خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض ثُمَّ سوَّاه على النار المقدسة “التي ترمز إلى المعرفة” ثم وضعه في الأرض محاطا بالظلام “الذي يرمز إلى الجهل” فأشفق عليه كائن أسطوري يسمى “بروميثيوس” فسرق له النار المقدسة لكي ينير له ما حوله، فغضب زيوس على الإنسان وعلى بروميثيوس كليهما. فأما “بروميثيوس” فقد وَكَّلَ به نسرًا يأكل كبده بالنهار ثُمَّ تنبت له كبد جديدة بالليل يأكلها النسر بالنهار في عذاب أبدي!
وأما الإنسان فقد أرسل له زيوس “باندورا” “التي ترمز إلى حواء” لكي تؤنس وحشته “في ظاهر الأمر!” وأرسل معها هدية عبارة عن علبة مقفلة، فلما فتحها إذا هي مملوءة بالشرور التي قفزت من العلبة وتناثرت على سطح الأرض لتكون عدوَّاً دائما وحَزَنَاً للإنسان!
ويشير “جوليان هكسلي” إشارة صريحة إلى هذه الأسطورة في كتابه “الإنسان في العالم الحديث Man in the modern world” فيقول إن موقف الإنسان الحديث هو ذات الموقف الذي تمثله هذه الأسطورة، فقد كان الإنسان يخضع لله بسبب الجهل والعجز، والآن بعد أن تعلم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر الجهل والعجز على عاتق الله. ويصبح هو الله!!
من هذين التأثيرين معا انطلق الفكر “المتحرر” يهاجم الدِّينَ، ويصفه بأنه الأغلال التي تغل الفكر عن الانطلاق، والتي ينبغي أن تُحَطَّم لكي يثبت الإنسان وجوده ويقوم بدوره الذي يجب أن يقوم به في الأرض!
وفي نفس الوقت اتجه الفكر المنسلخ من الدين إلى البحث عن مصدر آخر للقيم الإنسانية غير الدين! ذلك أن أوروبا لم تكن قد انسلخت بعد من القيم ذاتها كما حدث فيما بعد حين امتد الخط المنحرف فازداد بعدا وانحرافا، أو لم تكن قد سنحت الفرصة للشريرين أن يعلنوا الحرب المنظمة على كل مقومات “الإنسان” كما سنحت لهم بعد ظهور الداروينية وإعلان حيوانية الإنسان!
ففي تلك الفترة وجد “الفكر الحر!” أنه إن أقرَّ بأن الدين هو مصدر القيم الإنسانية فقد وجب عليه أن يحافظ عليه ولا يهاجمه ولا يسعى إلى تحطيمه! فينبغي إذن أن يبحث ذلك الفكر عن مصدر آخر يستمد منه القيم ويسندها إليه، لكي لا يقول أحد إنه لا يمكن الاستغناء عن الدين! وعلى هذا الضوء يمكننا فهم فلسفة “أوجست كومت” من ناحية، وأفكار “جان جاك روسو” من ناحية أخرى. فكلاهما يجهد نفسه ليقول للذين يقفون مدافعين عن الدين: ها قد وجدنا مصدرا آخر تنبع منه القيم الضرورية لحياة الإنسان غير الدين، وجدناه في “الطبيعة” وفي “النفس البشرية” وهو مصدر أفضل في إنبات القيم وترسيخها في الدين … فدعونا إذن من الدين، وتعالوا معنا إلى تلك المصادر “الحرة” التي يقبل عليها الإنسان إقبالا “طبيعيا” و”ذاتيا” دون أن يحس بالقهر المفروض عليه من قوة أعلى منه!
وفي الوقت ذاته اتجه هذا “الفكر المتحرر” إلى عبادة الطبيعة بدلا من عبادة الله، ونسبة الخلق إليها بدلا من الله. وقد تحدثنا من قبل عن هذا الأمر بما فيه الكفاية فلا نعود إلى الحديث فيه، ولكن نضعه فقط في مكانه من التسلسل التاريخي.
وفي ذات الوقت كذلك اتجه الفن إلى مناجاة الطبيعة بدلا من مناجاة الله، وتأليهها بدلا من تأليه الله(2).
ومضى الزمن في خطواته، وجاءت الثورة الصناعية … وجاء مزيد من إبعاد الدين عن الحياة.
ففي العهد الزراعي -أو الإقطاعي كما يسمونه- كان ما يزال للدين نفوذ كبير في حياة الناس.
كان الملوك قد استقلوا عن سلطان البابا، وقامت “علمانية الحكم” بفصل الدين عن السياسة “أي: إقصاء رجال الدين عن التدخل في شئون السياسة” ولكن الكنيسة كان ما يزال لها سلطان ضخم على أخلاق الناس وعاداتهم وأفكارهم رغم كل الصراعات وكل الاعتبارات.
ولكن الثورة الصناعية أحدثت -أو أو أريد لها أن تحدث- هزات عنيفة في حياة الناس.
__________
1 سنعاود الحديث في هذه النقطة في هذا الفصل وفي فصل “العقلانية” كذلك.

2 ليست مناجاة الطبيعة في ذاتها انحرافا عن السلوك القويم في عالم الفن، بل العكس هو الصحيح. فالفن السليم لا بد أن يلتفت إلى الطبيعة ويتفاعل معها. ولقد لفت القرآن الكريم حس المسلمين لفتا شديدا إلى الطبيعة في شتى مظاهرها من الجبال والأنهار والوديان والزروع والرعد والبرق والسحاب والمطر والريح والسماء والأرض.. ولكن المناجاة شيء والتأليه الذي مارسته الفنون الأوروبية العلمانية شيء آخر.

ولقد مر بنا في الفصول السابقة تفصيل ما صنعت الثورة الصناعية في حياة أوروبا، وما بنا من حاجة إلى إعادته، ولكنا نذكر مجرد تذكير بإخراج المرأة إلى العمل وإفساد أخلاقها وإفساد أخلاق الرجل معها، واستغلال قضية المساواة مع الرجل في الأجر لبث روح الصراع في نفس المرأة وإحراج صدرها من قوامة الرجل والعمل في البيت والتفرغ للأمومة، وما نتج عن ذلك كله من تحطيم الأسرة وتشريد الأطفال والفوضى الجنسية.. إلخ ونسبة ذلك إلى التطور الذي يهدم ما يشاء من القيم ويلغي ما يشاء!
وكانت الطامة العظمى هي الداروينية وإبعاد الإنسان ذاته من عالم الإنسان وإلحاقه بعالم الحيوان، فعندئذ لم تعد هناك حاجة إلى القيم أصلًا … لا الدين ولا الأخلاق ولا التقاليد المستمدة من الدين.. فما حاجة الإنسان إلى شيءٍ من ذلك وهو عريق في الحيوانية مستقر في عالم الحيوان؟
ثم أتى على الإنسان حين من الدهر لم يعد حتى حيوانا! بل هبط عن ذلك دركات فأصبح جزءا من عالم المادة الصماء!
لم نكن هنا نستعرض خطوات العلمانية بالتفصيل، فسيأتي شيء من ذلك فيما بعد حين نتحدث عن علمانية السياسة وعلمانية الاقتصاد والاجتماع والعلم والأخلاق والفن.. ولكنا أردنا فقط أن نلفت النظر إلى حقيقة واقعة هي استمرار “الإنسان” في الهبوط كلما أمعن في السير على الخط العلماني.
وأيا تكن الأسباب التي أدت بأوروبا إلى العِلْمَانية فهي كما قلنا من قبل تفسر العلمانية ولا تبررها، ولا تبرر بالطبع نتائجها التي أدت إليها، والتي بدأ المفكرون الغربيون أنفسهم يتنبهون إليها وينذرون نتائجها، ولكن دون أن يُعَرِّجوا على السبب الحقيقي ولا العلاج الحقيقي!
ولئن كانت الكنيسة هي المعتدية على الملوك والعلماء في بادئ الأمر، مما أسفر عن العداء بين الدين والسياسة وبين الدين والعلم، فلم تكن هي المعتدية ولا المتسببة حين أقامت الثورة الصناعية اقتصادياتها على الربا وَلَجَّت فيه، وحين سقطت “الأخلاق” واحدًا إثر الآخر. حتى الأخلاق التي أقرها “المفكرون الأحرار” في مبدأ عهدهم وهم يناصبون الكنيسة العداء، ويبحثون عن مصدر آخر للقيم غير الدين!
إنما استمرأ القوم الفوضى الخلقية وأمعنوا فيها لا للدوافع القديمة التي دفعتهم للخروج على الدين أول مرة، ولكن لأن هذه هي طبيعة السير على المنزلق.. كل خطوة تصبح أشد هبوطا من السابقة.. وهذه طبيعة الحياة حين يكف الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. يزداد المنكر وينتفش ويستفحل حتى يصبح هو الأصل، أو حتى يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومن أجل ذلك
:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}
(1).
ويجدر بنا الآن على أي حال أن نستعرض الصورة الراهنة للعلمانية في أوروبا في مجالات الحياة المختلفة، لا على أنها الصورة الأخيرة التي ستقف عندها! فقد لا تقف عند هذا الحد من السُّوءِ، وإن لم يكن في وسع الخيال أن يتصور ما هو أسوأ، ولكن لنقيس المسافة بين الأصل الذي كان ينبغي وبين ما وصلت إليه الأمور حين قال الإنسان لنفسه: لقد شبَّ الإنسان عن الطَّوْقِ ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله!
__________
1 سورة المائدة: 78، 79.

1- في السياسة:
لم تكن السياسة من أول عهدها في الإمبراطورية الرومانية محكومة بالشريعة المنزلة من عند الله، وإن وقعت لفترة من الوقت تحت سلطان البابوات ورجال الدين، يفرضون على الملوك أن ينزلوا على إرادتهم على اعتبار أن إرادتهم من إرادة الله.
فقد بينا من قبل أن الفصل بين الدين والسياسة كان قائما من أول اعتناق الدولة الرومانية للمسيحية، إذ اعتنقتها عقيدة فقط، ولم تأخذ من الشريعة إلا ما يتعلق بالأحوال الشخصية، وبقيت الأمور الجنائية والأمور المدنية وعلاقة الحاكم بالمحكوم وغيرها من شئون الحياة الواقعة يحكمها القانون الروماني ولا تحكمها الشريعة المنزلة في التوراة والمُعَدَّلَة تعديلًا جزئيا بالإنجيل:
{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} (1).
{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (2).
ولكن الكنيسة مع رضاها بهذا الأمر -المخالف لأمر الله- في أيام ضعفها لم تحاول في أيام سلطانها وسطوتها أن تعود إلى الوضع الديني الصحيح، فتُلْزِم الملوك والأباطرة أن يحكموا بما أنزل الله، وهي تمارس عليهم من السُّلطان ما لا يستطيعون معه مخالفتها أو الخروج على أمرها، بل استغلت سلطانها في إخضاعهم لأهوائها الخاصة، بينما تركتهم يحكمون بغير ما أنزل الله وهي راضية عنهم كل الرضا ما داموا يخضعون لأوامرها، وهذا هو الذي تسميه أوروبا الحكم الديني أو الثيوقراطي وما أبعده عن الدين!
صحيح أن إخضاع الكنيسة الملوك والأباطرة لأهوائها الذاتية كان يتم باسم الدين وتحت شعاراته، ولكن هذا لا يكفي لاعتباره حكما دينيا ما دام لا يحكم بما أنزل الله، ولكن الحس الأوروبي المضطرب يخلط بين الدين ورجال الدين نتيجة اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، واعتبار أعمالهم وأقوالهم أعمالا دينية وأقوالا دينية ولو كانت بعيدة كل البعد عن حقيقة الدين!
مهما يكن من أمر فقد استطاعت الكنيسة بنفوذها أن تجعل الملوك والأباطرة طوع إرادتها، وأعلن البابا “نقولا الأول” “458-567م” بيانا قال فيه:
“إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها، وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل..”ولذلك” فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكاما كانوا أو محكومين”.
وأعلن البابا “جريجوري” السابع  الذي تولى البابوية “1073-1085”: “أن الكنيسة بوصفها نظاما إلهِيَّاً خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية، ومن حق البابا وواجبه -بصفته خليفة الله في أرضه- أن يخلع الملوك غير الصالحين وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام أو تنصيبهم حسب مقتضيات الأحوال”.
ولم يكن ذلك كلاما في الهواء، إنما كان واقعا عاشته أوروبا عدة قرون..
وأبرز الأمثلة التي يرويها التاريخ الأوروبي ما حدث بين “جريجوري السابع” هذا والإمبراطور الألماني “هنري الرابع” مما أشرنا إليه من قبل، “إذ إن خلافا نشب بينهما حول مسألة “التعيينات” أو ما يسمى “التقليد العلماني” فحاول الإمبراطور أن يخلع البابا، ورد البابا بخلع الإمبراطور وإصدار قرار حرمان ضده، كما أحل أتباعه وأمراء مملكته من ولائهم له وألَّبَهم عليه، فعقد الأمراء مجمعا قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على المغفرة لدى وصول البابا إلى ألمانيا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فوجد الإمبراطور نفسه مضطرا إلى استرضاء البابا ولم يستطع أن ينتظر حتى يصل البابا إلى ألمانيا، فسافر إليه في “كانوسا” وظل واقفا في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام في لباس الرُّهْبَان متدثرا بالخيش حافي القدمين عاري الرأس حتى تعطف عليه البابا ومنحه مغفرته!
وفي بريطانياحصل نزاع بين الملك “هنري الثاني” وبين “توماس بكت” رئيس أساقفة “كنتربري” بسبب دستور رسمه الملك يقضي على كثير من الحصانات التي يتمتع بها رجال الدين، ثم إن رئيس الأساقفة اغتيل فثارت المسيحية على هنري الثاني ثورة عنيفة، فاعتزل الملك في حجرته ثلاثة أيام لا يذوق فيها الطعام، ثم أصدر أمره بالقبض على القتلة وأعلن للبابا براءته من الجريمة وألغى الدستور، ورد إلى الكنيسة كل حقوقها وأملاكها ومع ذلك لم يحصل على المغفرة حتى جاء إلى “كنتربري” حاجَّاً مظهرا ندمه، وسار الأميال الثلاثة الأخيرة من الطريق على الحجر الصوان حافي القدمين حتى دميت قدماه، ثم استلقى على الأرض أمام قبر رئيس الأساقفة المقتول وطلب من الرُّهْبَان أن يضربوه بالسِّيَاطِ، وتقبل ضرباتهم وتحمل كل الإهانات في سبيل استرضاء البابا وأتباعه”(3).
ولكن الملوك والأباطرة أخذوا آخر الأمر يتمردون على ذلك السُّلطان القاهر الذي تستذلهم به الكنيسة، ويطالبون “بالسُّلطة الزَّمانية” خالصة لهم على أن تقتصر الكنيسة على السُّلطة الروحية فحسب، وكان مستندهم في ذلك نظرية الحقِّ الإلهي المقدس.
يقول “رندال”(4):
“نشأت نظرية “الحق الإلهي” للملوك في أول عهدها كمحاولة لتحرير الحكومة المدنية، أو العلمانية من رقابة البابا والكهنة، كما أنها كانت ردا على دعواه أن له حقا إلهِيَّاً في السيطرة على الأمور الزمنية”.
ونظرية الحق الإلهي تستند بدورها إلى نظرية رومانية قديمة تعرف بنظرية “العقد الاجتماعي”.

ويقول في ص281:
“تعود أصول فكرة العقد الاجتماعي إلى الفكر الروماني وفكر القرون الوسطى معا، وقد كانت الإمبراطورية الرومانية -كما ضمنت في مجلة الحقوق المدنية- على القول بأن كل السلطة وكل حق في وضع القوانين يعودان للشعب الروماني، غير أن الشعب تنازل بموجب قانون شهير عن هذه الحقوق للإمبراطور، وهو تفسير طبيعي لمجرى التاريخ الروماني، فجميع حقوق الشعب الروماني وجميع سلطاته انتقلت إلى الإمبراطور، وله وحده حق”إصدار” القوانين وحق تفسيرها، وعندما تم إحياء القانون الروماني في القرون الوسطى، انتبه الإمبراطور إلى هذه النظرية واتخذها سلاحا ضد سيطرة الكنيسة، ثم تبعه في ذلك جميع الأمراء، وهكذا نشأت نظرية “العقد الاجتماعي” القائلة بأن كل سلطة مدنية ترتكز في أساسها على الشعب، وأن الشعب قد حولها إلى الحاكم ليمكنه من القيام ببعض الوظائف الضَّرورية، ومن الواضح أنها نظرية ذات حَدَّيْنِ.. فقد تفسر لتأكيد سلطة الحاكم الشاملة باعتباره مصدر جميع السلطات، أو لتأكيد سيادة الشعب الأساسية باعتباره المصدر الأخير لتلك السُّلطة … “.
وكان “مكيافيللي” و”هوبز” من أشهر المدافعين عن الحق الإلهي المقدس، وعن استبدادية الحكام.
ويهمنا “مكيافيللي” هنا أكثر؛ لأنه عَلَمٌ على اتجاه معين في السياسة الأوروبية نلحظ آثاره بشدَّة في أوروبا العلمانية المعاصرة.

__________
1 سورة آل عمران: 50.
2 سورة المائدة: 47.

3 عن كتاب “قصة الحضارة” لول يورانت ترجمة محمد بدران، ج15 – ص194-197.

4 “ج1 – ص277 من الترجمة العربية لكتاب “تكوين العقل الحديث””.

هناك حقيقة أكدناها مرارا أن الحكم بما أنزل الله لم تعرفه أوروبا المسيحية في أي يوم من الأيام، وأن علمانية الحكم -بهذا المعنى- قائمة في أوروبا منذ اعتنقت المسيحية، ولكن هذا لم ينف -كما بينا مرارا كذلك- أنه كان للكنيسة ورجالها نفوذ شخصي على الملوك والأمراء طيلة اجتماع السلطة الزمنية والسلطة الروحية في يد الكنيسة، وفي تلك الفترة لم يكن الحكم دينيا بالمعنى الصحيح -وإن سمته أوروبا كذلك- لأنه لم يكن يحكم بما أنزل الله لا من قبل الملوك والأمراء ولا من قبل الكنيسة المسيطرة عليهم، ومع ذلك فقد كان هذا النفوذ الديني الذي تمارسه الكنيسة على الحكام يلزم هؤلاء الحكام بِشَيْءٍ من “أخلاقيات” المسيحية رضوا أم كرهوا، عن إيمان حقيقي أم عن ملق للروح المسيحية ونفاق.. وليس معنى ذلك أن الحكام التزموا دائما بتلك الأخلاقيات المسيحية، فكثيرا ما كانوا يخالفونها ولكنهم كانوا يحسون بالحرج من مخالفتها، ويعتذرون دائما عن المخالفة بشتى المعاذير.
فالذي صنعه “مكيافيللي” هو تعرية “السياسة” من ذلك القناع الأخلاقي المستمد من الدين، وكشفها عارية من كل أثر للدين أو الأخلاق!
جاء يُشَرِّع الجريمة السياسية ويجعلها أصلًا ينبغي للحكام أن يتبعوه!
ولقد كان الحكام -إلا من رحم ربك- يسيرون في سياستهم على أساس أن “الغاية تبرر الوسيلة”، والغاية طبعا هي غايتهم هم! ولكنهم كانوا -حين يستخدمون الوسائل غير النظيفة لتحقيق غاياتهم غير النظيفة- يستترون وراء عبارات براقة تحوي كل نبيل من القيم والمبادئ والأخلاقيات، أما “مكيافيللي” فإن الجديد الذي أتى به -وهو خطير في ذاته- أنه أعطى الوسائل الخسيسة في السياسة شرعية صريحة لا مواربة فيها ولا إنكار.
ولقائل أن يقول: وماذا أضاف مكيافيللي من عنده إلى الواقع؟ ألم يكن الواقع خسيسا في غاياته ووسائله؟ فكل ما فعل “مكيافيللي” أنه كان صريحا بالدَّرَجَة التي كشف بها القناع عن الواقع المزيف وجعله حقيقة واقعة!
نعم: ولكن الفارق -العملي- كبير!
وقد لا يتضح الفرق في البداية؛ لأنَّ البداية تكون مجرد مطابقة النظرية للواقع الموجود بالفعل، ولكن الفارق يتبين -ويزداد- مع التطبيق.
حين ترتكب المنكر وأنت شاعر بأنه منكر، فستقتصد في ارتكابه فلا تلجأ إليه إلا تحت ضغط قاهر، وستقف في ارتكابه عند الحد الذي ترى أنه لا يطيح بسمعتك كلها أمام الناس، وقد تحاول الرجوع عنه في يوم من الأيام، أما حين يكتسب المنكر في حسك الشرعية فلماذا تقتصد في ارتكابه، ولماذا تقف عند حد من الحدود؟!
إنها هي ذاتها حكمة وقوع اللعنة على الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه.. لأنهم لا يقفون في ارتكاب المنكر عند حَدٍّ معلوم.
وحقيقة إن كتاب “الأمير” الذي ألفه “مكيافيللي” وأعطى فيه الشرعية للوسائل الخسيسة التي يستخدمها الحاكم من كذب وغش وخديعة وقتل وسفك دماء … قد قوبل باستنكار عنيف وقت ظهوره؛ لأن أوروبا -كما أسلفنا- كات نافرة من الدين منسلخة منه، ولكنها ما تزال تعترف “بالقيم” وتحاول الحفاظ عليها ولكن بشرط العثور على منبع آخر لها غير الدين.. ومن ثَمَّ ظهرت عدة نظريات تحاول أن تجعل للحكم “أخلاقا” ولكنها غير مستمدة من الدين، كما فعل “جان جاك روسو” في حديثه عن نظرية “العقد الاجتماعي” و”أوجست كومت” في فلسفته الوضعية …
ولكن المنزلق “العلماني” كان لا بد أن يأخذ طريقه.. فمنذ استقلت السياسة عن الدين واستقلت عن الأخلاق المستمدة من معين الدين، لم يكن من الممكن أن تظل لها أخلاق!
والقرن -الجاهلي- العشرون خير نموذج لما نقول، فقد قامت في هذا القرن أبشع دكتاتوريات التاريخ!
ونظرة إلى ما وقع في أيام موسوليني وهتلر، وما وقع في الدول الشيوعية منذ الثورة الشيوعية حتى اليوم كفيلة بأن ترينا إلى أي مدى انحدرت السياسة “العلمانية” في تبرير الوسيلة بالغاية، وكلتا الوسيلة والغاية ما أنزل الله بها من سلطان!
في فاشية موسوليني ونازية هتلر كانت الغاية هي التجمع القومي والعزة القومية وإحلال قومية كل منهما مكانها “تحت الشمس”!
وفي سبيل هذه الغاية “التي قد تكون مشروعة في ذاتها إذا خلت من العدوان على الآخرين” استباح كل من الرجلين أن يقتل ألوفا ومئات الألوف من المعارضين باسم “حركات التطهير” و”وحدة الصف” و”القضاء على الثورة المضادة” و”القضاء على الطابور الخامس” وما أشبه ذلك من التَّعِلَّات.
وفتحت معسكرات التعذيب، وذاق الشعب كله ويلات الجاسوسية والإرهاب.
وفي الثورة الشيوعية كانت الغاية إزالة الظلم “!!” الذي يقع على الناس من جَرَّاء الملكية الفردية والصِّراع الطبقي واستئثار الطبقة المالكة بالحكم والسُّلطان والمنافع على حساب الطبقة الكادحة! وقد مر بنا في فصل الشيوعية وصف العدل “!” الذي طبقته الشيوعية والوسائل النبيلة “!” التي طبقت بها ذلك العدل، ومن بينها ذبح ثلاثة ملايين ونصف مليون من المسلمين في عهد رجل واحد.. وإخضاع الشعب كله لألوان من الإرهاب نادرة في التاريخ!
أما الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية فهي التي تبيح احتراف المعارضة واحتراف التأييد بحسب موضع كل حزب من الحكم، هل هو بداخله أم خارجه، بصرف النظر عن الحق والعدل والمصلحة الوطنية أو القومية! وتبيح الكذب من الساسة على شعوبهم في الدعاية الانتخابية “وغير الانتخابية” وتبيح استخدام وسائل استراق السمع بحجة المحافظة على الأمن، وهي تقوم أساسا على مساندة الطبقة الرأسمالية في امتصاص كد الكادحين وإن أخرجت ذلك كله في مسرحية طريفة اسمها “الحرية والإخاء والمساواة” وهذا كله في السياسة الداخلية …
أما في السياسة الخارجية فالأمر أدهى وأمر.
فالقرن الجاهلي العشرون هو الذي شهد أبشع حالات قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف.
في حربين عالميتين متتاليتين شهد الناس خلالهما أفظع فنون العدوان في التاريخ، من غازات سامة وقنابل محرقة وتدمير جماعي وقتل للنساء والأطفال والشيوخ والمدنيين غير المحاربين.. إلى أن كانت القمة قنبلتي هيروشيما ونجازاكي الذريتين، اللتين ما تزالان حتى اليوم بعد أربعين سنة من إلقائهما تنتجان أجنة مشوهة بفعل الإشعاع الذري السام، وذلك غير الخراب المدمر الذي أحدثتاه وقت إلقائهما في مساحة كبيرة من الأرض قتلتا فيها كل من عليها من الأحياء من البشر والدَّواب والشَّجَر، وحرمتا الحياة فيها لأَجَلٍ غير معلوم!
والقنبلة الذرية لعبة صغيرة إلى جوار المدمرات التي اخترعت بعد ذلك، والتي تهدد الحياة في أي حرب تالية تقوم بين الوحوش ويصلاها الآدميون!
وذلك إلى إباحة الكذب الدولي والخيانة على أنهما عملة “شرعية” في عالم السياسة الدولية!
تُبْرَمُ المعاهدات لكي تنقض! ويعلم المُبْرِمُون جميعًا أنها حبر على الأوراق! وأنه لن يتقيد بها أي طرف إلا ريثما يجد الفرصة السانحة للخروج عليها وإلقائها طعمة للنيران!
وتتكون عصبة للأمم وهيئة للأمم كلتاهما ستار للسياسة العدوانية التي تتخذها “الدول العظمى” ضد الدول الصغار! وانظر موقف هيئة الأمم “الموقرة” من أية قضية يكون المسلمون طرفا فيها أمام غير المسلمين، يقع العدوان على المسلمين في أي مكان في الأرض فتمرره الهيئة الموقرة باحتجاج شفوي على أقصى تقدير لا يغير شيئا من الواقع ولا يسمن ولا يغني من جوع!

ويقع الدفاع من المسلمين ضد أي عدوان واقع عليهم فتجنِّد هيئة الأمم قواتها لتأديب المدافعين؛ لأنهم تجرءوا فردوا على المعتدين!
وذلك بخلاف الوسائل الفردية التي تستخدمها “الدول العظمى!” بطريقها المباشر لتنفيذ غاياتها “النبيلة”!
حين قامت ثورة المجر سنة 1956 ميلادية وجدت روسيا في نفسها من “النبل” ما تحرك به الدَّبابات الشَّاهقة تهدم به البيوت على أصحابها أحياء وتردمهم في الركام؛ لأنهم تجرءوا فطلبوا أن يمنحوا حرية التَّصَرُّف بأنفسهم في أمر أنفسهم دون وصاية الدولة الروسية عليهم.. فهل تُقَاوَم الرِّدَّة إلا بالقتل الجماعي؟! إلا أن تكون ردة عن دين الله! فما أشد همجية المقاتلين يومئذ إذا قاموا يقاتلون المرتدين ويدعونهم إلى الرجوع في دين الله!
كذلك حين قام الأفغان يقولون نريد أن تكون لنا الحرية في أن نكون مسلمين؟ فما “أنبل” الجيوش الروسية التي تصب فوقهم القنابل السَّامة وقنابل النابالم والتدمير الجماعي للقرى وتحريق المزروعات من الجو وحرب الجراثيم وكل محرَّم في عرف “الإنسان”.
أما المخابرات الأمريكية فالأرض كلها مجال لمؤامراتها بغير حساب..
نريد انقلابا هنا.. ونريد تغييرا هناك!
وسرعان ما تنقلب الارض وتتغير الأحوال!
وكل الوسائل حلال!
الكذب والغش والتصفية الجسدية وشراء الضمائر بالمال!
المهم أن تنفذ الغاية.. والغاية والوسيلة كلتاهما غارقة في الأوحال!!
يقول كاتب غربي مشيرا إلى هذه الحقائق بلسان ساخر:
“بعض الناس يَقُضُّ مضاجعهم ما يقترفه العالم الرَّأسمالي من جرائم وآثام، فيظلون عُمْيَّاً لا يرون جرائم البلشفية وإفلاسها، وكثير منهم يستغلون نقائض العالم الغربي ليصرفوا الانتباه عن فظائع موسكو البَشِعَة.. أما أنا فأقول: لعن الله كليهما”(1).
__________
1 من كلام “لويس فيشر” في كتاب “الصنم الذي هوى” “ترجمة فؤاد حمودة” ص274 من الترجمة العربية، عن كتاب “العلمانية” تأليف: سفر عبد الرحمن الحوالي.

2- في الاقتصاد:
لم يكن النظام الإقطاعي متمشيا مع الدين الرباني في صورته ومضمونه، ولا كانت فيه أي ذَرَّةٍ من العدل، وإن كانت الكنيسة أَوْهَمَت الناس أَّنه هو النظام الرباني الدائم الثابت الذي لا يتغير؛ لأن أوضاع الناس فيه هي الأوضاع التي قَدَّرَها الله منذ الأزل ورَضِيَ عنها، واقتضت مشيئته أن يظل الناس عليها إلى الأبد، وأنه من رضي بما فيه من هوان ومذلة وشظف ومشقة فقد استحق من الله الجنَّة والرِّضوان!
ولكن الناس حين خرجوا من الدِّينِ على خط العلمانية لم يستبدلوا بالإقطاع ما هو خير منه، سواءٌ في الرأسمالية أو الشيوعية، بل ظلوا ينتقلون من جاهلية إلى جاهلية حتى هذه اللحظة، وكلما حاولوا أن يصلحوا الظلم جاءوا بظلم جديد، وهذا هو شأن البشر دائمًا حين يُشَرِّعون لأنفسهم ويرفضون الهدي الرباني، ينقسمون أولا إلى سادة وعبيد، سادة في أيديهم المال والسلطان، يُشَرِّعون، وحين يُشَرِّعون فإنهم يضعون القوانين التي تضمن مصلحتهم وتسَخِّر الآخرين لهم؛ وعبيد ليس في أيديهم مال ولا سلطان، فلا يُشَرِّعون، إنما يقع عليهم ما يضعه السَّادة من تشريعات، ويُسَخَّرون -رضوا أمم أبوا- لمصلحة أصحاب السُّلْطان.. ومن جهة أخرى يصيبهم الخبل والاضطراب والتخبط نتيجة القصور البشري والجهل البشري والعجز عن الإحاطة بالحاضر والعجز عن رؤية المستقبل الذي ينبني على الحاضر. نعم، ولكنه مع ذلك غيب لا يمكن التنبؤ به عن يقين.
ولم يكن الإقطاع -كما أسلفنا- نظاما ربانيا، ولا كانت فيه ذَرَّةٌ من عدل.. ولكن النفوذ الذي كان للدين على القلوب -مع كل ما كان في ذلك الدين من تحريفات، وفي أهله من فساد- كانت له جملة من الآثار في أهل الريف الأوروبي الذي يعيش في ظل الإقطاع. فمن جهة كان عند الناس “أخلاق” يتعاملون بها، مستمدة من تعاليم ذلك الدِّين، وكانت هذه الأخلاق أبرز ما تكون في قضية العِفَّةِ الجنسية وقدسية الرباط المقدس بين الزوجين، وكانت كذلك تشمل حُسْنِ الجوار وترابط أفراد المجتمع عن طريق التزاور والمجاملات الاجتماعية، ومن جهة أخرى كان في نفوس الناس رضى وقناعة تجعل الحِمل العصبي الذي يعانونه محتملا في النهاية رغم سوء الأحوال الاقتصادية إلى أقصى حد.. وما بنا أن ندافع عن الظُّلْمِ المتمثل في الإقطاع، ولا حتى عن الرضى الذليل الذي كانت الكنيسة تطلبه من الفلاحين مقابل الوعد بنعيم الآخرة، فإن الدين الصحيح يطلب من الناس أن يثوروا على مثل ذلك الظلم ويصححوه بتحكيم شريعة الله، ولكنا نقرر واقعا تاريخيا كان قائما بالفعل بخطئه وصوابه، لنقيس به الواقع التاريخي الذي تلاه على خط العلمانية حين خرج الناس من نفوذ ذلك الدين.. فقد بقي الظلم -من حيث المبدأ- كما هو، ولكن ذهبت الأخلاق، وذهب الرضى من نفوس الناس! وأصبح الحمل العصبي الذي يعانونه أبشع من أن يطاق! فانتشر الجنون والقلق والانتحار والحالات العصبية والنفسية وإدمان الخمر والمخدرات والجريمة.
لم تكن “المكيافيللية” في الحقيقة مقصورة على عالم السياسة، إنما كانت دينا جديدا حل محل الدين المخلوع! “الغاية تبرر الوسيلة”. لا في السياسة فقط، ولكن في الاقتصاد والاجتماع كذلك … بل في كل شَيْءٍ تدخل فيه الوسائل والغايات.
يقول “سول”(1) عن الفترة التي نبذ فيها الدين ولكن ظلت بقايا القيم -قبل اندثارها- يبحث الناس لها عن سند غير الدين:
“سيطرت فكرة الآخرة على المذاهب السائدة خلال العصور الوسطى، وإن لم تسيطر على العادات والتقاليد، والمجال الدنيوي بما فيه الحياة الإنسانية نفسها ليس سوى مكان يستعد فيه الناس للحياة بعد الموت بما تشتمل عليه من ثواب وعقاب، فكان على المرء أن يتحمل الألم وهو عَالِمٌ أنَّه ليس إلا مقدمة لما يتوقع في حياة مستقبلة.. أمَّا الدَّافع الفكري على تقويم العادات الاجتماعية أو زيادة الرَّفاهية الدُّنيوية فكان ضئيلًا، اللهم إلا من حيث الفائدة الروحية التي يمكن اجتناؤها”.
“والآن تحول الاهتمام فأصبح محصورًا في تحسين الحياة على الأرض، وكشفت العلوم والمخترعات عن إمكانات الأرض لذاتها، لقد كانت المكاسب المادية ظاهرة في كُلِّ شيءٍ، وكان لا حَدَّ لها من حيث وجود أساليب أفضل وأيسر لإنتاج الأشياء، وسَرَتْ روح المغامرة”.
“وهنا برز السؤال التالي: أليس في وسع الفلسفة أن تعالج النظم البشرية بنفس الطريقة التي تدرس بها الأشياء المادية؟.

“وكان الجواب بالإمكان، ذلك أن المطلوب إنما هو تطبيق العقل على الأساليب التي يستخدمها الناس كيما يعيشوا “في الأصل: كيما يعيشون” معاً؛ وراح الكثيرون يصوغون الخطط والمشروعات التي تكفل قيام الحياة المثالية أو اليوتوبيا”.
“وصار لزاما على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك ووجدوه في الطبيعة.. أما الذين ظلوا على استمساكهم بالدين ولو باللسان -وإن لم يكن في الواقع كما هو أغلبهم- فقد اعتقدوا أن الله يعبِّر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها وليس بوسيلة مباشرة، وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شيء له وجود فحسب، وإنما هو شيء ينبغي أن يطاع، وصارت مخالفتها دليلا على نقص في التقوى والأخلاق”.
ويقول “راندال”: عن الفترة التالية التي تم فيها الانسلاخ من القيم كلها بعد فقدان معينها الحقيقي وهو الدين:
“هكذا كان العلم “يقصد علم الاقتصاد السياسي” يبدو في الظاهر محاولة مجردة عن المصلحة، للوصول إلى فيزياء اجتماعية للثورة، لكنه كان في الحقيقة تبريرًا منظما للمطالب التي تهدف إلى زيادة حرية جمع المال وتستعين بالعلوم الجديدة البشرية والطبيعية”.
ويقول “روبرت داونز”(3):

“النظرية الأساسية في كتاب ثروة الأمم(4) نظرية ذات نزعة مكيافللية، وهي أن العامل الأول في نشاط الإنسان هو المصلحة الشخصية، وأن العمل على جمع الثروة ما هو إلا مظهر من مظاهرها، وبذلك قرر أن الأنانية والمصلحة الشخصية تكمن وراء كل نشاط للجنس البشري. وصارح الناس باعتقاده أنها ليست صفات ممقوتة يجب الابتعاد عنها، وإنما هي على العكس عوامل تحمل الخير إلى المجتمع برُمَّتِه، وفي رأيه أنه إذا أريد توفير الرفاهية للأمة فلا بد من ترك كل فرد يستغل أقصى إمكانياته لتحسين مركزه بشكل ثابت منظم دون تقيد بأي قيود، فللحصول على غذائنا لا نعتمد على كرم الخمار(5) أو الخباز أو الجزار، وإنما هم يقدمونه لنا بدافع من مصلحتهم الشَّخصية، وإنَّا عندما نخاطبهم لا نتجه إلى ما فيهم من دوافع إنسانية، وإنَّما نتجه إلى مصلحتهم المادية، ولا نكلمهم عن احتياجاتنا، بل عمَّا يعود عليهم من نفع وفائدة”.
__________

1 في كتاب” المذاهب الاقتصادية الكبرى” “ترجمة الدكتور راشد البراوي، ص50، 51 من الترجمة العربية”.

2 في كتاب “تكوين العقل الحديث” “ج1، ص468 من الترجمة العربية”.
3 في كتاب “كتب غيرت وجه العالم” “ترجمة أحمد صادق وزميله، ص73 من الترجمة العربية”.
4 “كتاب ثروة الأمم هو من تأليف “آدم سميث” فيلسوف الرأسمالية وإمامها الفكري وقد كان له دوي هائل في الغرب.

5 لاحظ أثر الجاهلية في اعتبار الخَمَّار واحدا من مقدمي الغذاء … بل في مقدمتهم!

هذه الصورة المادية البحتة هي التي شَكَّلَت روح الرأسمالية ورسمت سمات الحياة في ظلها، ففقد الناس آدميتهم بالفعل وصاروا إلى ذلك المسخ الذي يعيش اليوم في الغرب الرأسمالي.
ينقل “كنث لن”(1): من كلام جورج فيتزهيو، أحد الذين ساءهم وضع الرأسمالية في نهاية القرن الماضي ما يلي:
“إننا جميعا في الشمال والجنوب نعمل في تجارة الرقيق الأبيض، وبقدر نجاح الشخص فيها يزداد احترامه.. وهذه التجارة أشد قسوة من تجارة الرقيق الأسود؛ لأنها تفرض المزيد من العمل على عبيدها … وفي الوقت الذي لا تحميهم فيه ولا تسوسهم برفق تُفَاخِرُ بأنها تفرض المزيد “أي: من العمل””.
“نعم إنه “أي: العامل” بعد إنهاء عمل اليوم يصبح حرَّاً، إلا أنه يظل يرزح تحت عبء العناية بعائلته وبيته، مما يجعل حريته سخرية جوفاء باطلة، في حين يبقى رب العمل حرَّاً بالفعل، ويستطيع أن يتمتع بالأرباح التي جناها من عمل الآخرين دون اهتمام بمصلحتهم ورفاهيتهم”.
أما ما تلا تلك الفترة حتى اليوم في العالم الرأسمالي فمعروف لا يحتاج إلى بيان، ففوارق الدخل بين العمال وأصحاب رءوس الأموال فوارق بشعة إلى حَدٍّ مُذْهِل … ولا يأتي هذا الربح المتضخم -كما أسلفنا في فصل الديمقراطية- إلا من الوسائل الخسيسة التي تستخدمها الرأسمالية لتحقيق غاياتها الخسيسة، وكلها مُحَرَّم في دين الله:
1- الربا …
2- أكل مال الأجير وعدم توفيته حقه …
3- إفساد فطر الناس وأخلاقهم ليقبلوا على منتجات ليس فيها فائدة حقيقية لهم، ولكنها تدر على الرأسماليين أرباحا طائلة لا تدرها المنتجات الجادة التي يحتاج إليها الناس حقَّاً في حياتهم النظيفة المستقيمة.

4- وأخيرًا الاحتكار …
والنتيجة الأخيرة التي تحققها الرأسمالية العلمانية من طرفيها المتمثلين في أصحاب رءوس الأموال والعمال، هي الفساد الخلقي الفاحش، والقلق العصبي الذي يؤدي إلى الانتحار والجنون والخمر والمخدرات والجريمة وتفكك الأسرة وتشريد الأطفال والهبوط المستمر بالإنسان إلى عالم الآلة وعالم الحيوان …
أما الشيوعية فربما كانت أسوأ بديل عرفته البشرية إلى اليوم …
حقيقة إن الشيوعية هي النظام الجاهلي الوحيد -حتى اليوم- الذي فرض على الدولة كفالة كل فرد يعيش في ظلها، ولكن ذلك -كما أسلفنا- لم يكن كرما إنسانيا منها، فهي تأخذ مقابل ذلك جهد الفرد كله، و”من لا يعمل لا يأكل” على الحقيقة لا على المجاز، ثُمَّ إنَّ الدَّوْلَة تستذل الناس بلقمة الخبز على نحو غير مسبوق في كل النظم التي مرت بها الجاهلية البشرية على الأقل في التاريخ الحديث.
وربما كان من الحق أن الناس كانوا دائمًا في جاهليات التاريخ مستذلين بلقمة الخبز، يبيعون مقابلها بعض كرامتهم أو كلها، وبعض إنسانيتهم أو كلها.. ولكن النظام البوليسي الصَّارم الذي يحكم الناس بالحديد والنار والتجسس، ويمنع الناس بالرُّعْبِ والإرهاب أن يفتحوا أفواههم بكلمة نقد واحدة ضد الدولة أو الزعيم المقدس أو المذهب أو النظام … إنه ليفرض على الناس -مقابل لقمة الخبز- قدرا من الذل ومن ضياع الكرامة الإنسانية لا مثيل له -في نوعه ودرجته- في كل النظم التي تزعم أنها “حضارية” على مدار التاريخ!
وهذا فوق التفرقة الضخمة في كل جانب من جوانب الحياة بين أن يكون الإنسان مجرد فرد في القطيع وبين أن يكون عضوا في الحزب ولو في أسفل درجاته فضلا على الدرجات العليا
.
يقول “ميليوفان دجيلاس” نائب الرئيس “تيتو” في كتاب “الطبقة الجديدة”:
“إن الطبقة البيروقراطية الشيوعية الجديدة صاحبة الامتيازات الضخمة تستخدم جهاز الدولة كستار وأداة لتحقيق مآربها وأغراضها الخاصة … وإذا ما عدنا لدراسة الملكية فإننا سنجدها ليست أكثر من حقوق الربح وحرية السيطرة، وإذا ما اتجه المرء إلى تحديد ربح الطبقة من خلال هذه الحقوق في إطار تلك الحرية فإن الدولة الشيوعية تتجه في النهاية إلى خلق شكل جديد من أشكال الملكية وخلق طبقة حاكمة مستثمرة جديدة.
“إن الطغيان الشيوعي والإرهاب في أساليب الحكم هما الضمانة لامتيازات طبقة جديدة تبرز على المسرح السياسي”.
“لقد سبق أن أعلن ستالين عام 1936 مع صدور الدستور الجديد للاتحاد السوفيتي أن الطبقة المستثمرة قد تم القضاء عليها نهائيا، وفي الحقيقة لقد تم في المعسكر الشيوعي القضاء التام على قوى الرأسمالية الوطنية التي استؤصلت تماما من الجذور.. ولكن مع زوالها بدأت تبرز في صلب المجتمع الشيوعي طبقة جديدة لم يسبق للتاريخ أن رأى لها مثيلا”.
“ولقد أكدت هذه الطبقة أنها أكثر تَسَلُّطَاً في الحكم من أي طبقة أخرى ظهرت على مسرح التاريخ، كما أثبتت في الوقت نفسه أنَّها تحمل أعظم الأوهام، وأنها تكرس أعتى أساليب الظلم في مجتمع طبقي جديد”.
“لقد تم تأميم المقدرات المادية إلا أنه لم يجر توزيعها على أبناء الشعب، بل أصبحت ملكا مكتسبا للطبقة الحاكمة وللأعضاء القياديين للحزب والبيروقراطيين السياسيين”.
“لقد حاز الأعضاء الكبار من أفراد النخبة الممتازة أفضل المساكن والبيوت كما شيدت لهم الأحياء الخاصة ومنازل الاصطياف، وحصل أمناء سر الحزب ورؤساء البوليس السري ليس على السلطة العليا وحسب، إنما على أجمل المساكن وأفخم السيارات وسواها من مظاهر الأبهة والعظمة والامتيازات، أما بقية الأعضاء من دونهم فقد حازوا امتيازات متناسبة مع مراكزهم الحزبية”.
“وليس هناك أية طبقة أخرى في التاريخ تشابه الطبقة الجديدة في وحدة تماسكها، ووحدة الفكر والعمل في دفاعها عن نفسها، وفي قدرتها على إحكام القبضة على كل ما هو واقع تحت سيطرتها في الملكية الجماعية حتى السلطة الاستبدادية المطلقة”
(2).
وأما “الأخلاق” في ظل الاقتصاد العلماني الشيوعي فلا مجال للحديث عنها بعد الذي فصلناه في فصل “الشيوعية”. ولسنا نقول: إن هناك “أخلاقا” أفضل منها في ظل الاقتصاد العلماني الرأسمالي. كلاهما بلا أخلاق، كلا المعسكرين يهبط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان، فإذا كان هناك فارق بين الحيوانات السائبة والحيوانات المقيدة داخل الحظيرة فهو الفرق بين التسييب والتقييد.. وليس فارقا في “نوع” الحيوان.
__________

1 في كتابه “تطور المجتمع الأمريكي” “ترجمة نعيم موسى – ص112 من الترجمة العربية”.
2 مقتطفات من الكتاب من صفحات 51، 54، 78، 81، 83، 84 مأخوذة من كتاب “العلمانية” لسفر عبد الرحمن الحوالي، وهو من أحسن ما كتب في موضوع العلمانية.

3- في الاجتماع:
كان الإقطاع ظالما كما قلنا، ولكن بعض الجوانب الاجتماعية فيه كانت تحكمها أعراف مستمدة من روح الدين.. ومن ذلك الحفاظ على الأسرة، والزواج المبكر، وقوامة الرجل وقيامه بالإنفاق، واستقرار المرأة في بيتها وتفرغها للأمومة وتدبير المنزل ورعاية النشء ومحافظتها على عرضها قبل الزواج وبعده واعتبار ذلك جزءا من مقومات الأسرة وركنا أساسيا من أركانها، والتعاون بين أفراد المجتمع.. وما إلى ذلك من العلاقات الاجتماعية القائمة على وصايا الدين.
ولكن ذلك كله لم يعجب المنسلخين من الدِّينِ فقرروا تغييره، وإنشاء بديل منه لا يقوم على أساس الدين!
كان التغيير في المبدأ هو تغيير “السند” أو “المنبع” مع محاولة المحافظة على شيء من الأخلاق، أي: البحث عن منبع آخر للقيم الاجتماعية غير الدين.. فليكن هو “الطبيعة” أو ليكن هو “النفس الإنسانية” ذاتها.. المهم ألا يكون المنبع هو الدين، ولا يكون المرجع الذي تستمد منه القيم هو الوحي الرباني!
ولكن القيم لم تكن لتستمر في فاعليتها بعد أن تنقطع عن معينها الحقيقي وهو الدين والوحي الرباني.
ثم إنَّ الهزَّاتِ العنيفة التي أحدثتها الثورة الصناعية جاءت والقيم مهتزة بالفعل، قائمة على غير أساس حقيقي يقيها من الهزَّاتِ، فإذا انهارت هذه القيم سريعًا فلا عجب، وإذا أفلح الشِّرِّيرُون في هدمها بوسائلهم الشريرة بعد أن استعصت عليهم خلال عدد متطاول من القرون فلا عجب كذلك … فالجدار القائم على غير أساس ينتظر من يهزه ليسقط إذا لم يتداع من تلقاء نفسه، بينما الجدار القائم على أساس متين لا يتزلزل إلا بالجهد الجهيد.

جاءت الثورة الصناعية “فحررت” المرأة.. أي: استعبدتها” والرجل – كذلك – لأغراضها الخاصة، وكانت “أغراضها” قدرا من الشر لا يخطر على بال إنسان..
تحررت المرأة فتحللت من القيود كلها، وفي مقدمتها قيود الدين وقيود الأخلاق.
وطالبت بالمساواة الكاملة مع الرجل فرفضت أن يكون قَيِّمَاً عليها؛ لأنَّ القوامة لا تصلح بين الأنداد!
واشتغلت، فانشغلت عن مهمتها الأولى في تربية النشء.
وتفككت الأسرة وانحل البيت وتشرد الأطفال، وتكونت منهم عصابات جانحة ترتكب الجرائم لمجرد سد الفراغ.
وانحلت روابط المجتمع فصار كل إنسان يعيش وحده.. حتى الأسرة.. الزوج له عمله ومغامراته، والزوجة لها عملها ومغامراتها … والأولاد يغادرون البيت في سن معينة ولا يعودون بعد ذلك، ولا يربطهم بالأب والأم رباط، إلا زيارات خاطفة في مناسبات متباعدة في أحسن الأحوال.. ويكبر الأبوان في تلك العزلة الباردة فلا يجدان من يطرق عليهما الباب.. فينشدان سلواهما في الكلاب!
وانتشر الشذوذ لأسباب كثيرة، من بينها -كما يقولون هم بأفواههم- رفض المرأة للقوامة وضياع سيطرة الأب …
وفي جانب آخر من الأرض قامت “فلسفة” بشرية مغايرة، وإن كانت تشترك مع سابقتها في كثير من السمات!
تشترك معها في إخراج المرأة من البيت وشغلها عن الأسرة والأولاد.
وتشترك معها في تحطيم كيان الأسرة …
وتشترك معها في حل روابط المجتمع …
ولكنها تختلف عنها في الطريقة!
في الأولى يتم تحطيم المجتمع عن طريق تضخيم الفرد وجعله هو الأساس.
فيتحطم المجتمع نتيجة المبالغة في إحساس الفرد بذاتيته الزائدة عن الحد.
وأما الثانية فتجعل المجموع هو الأساس لا الفرد، فتسحق الفرد من أجل المجموع، ثم تعود فتحطم المجتمع نتيجة تحويله إلى مجموعة من الأصفار كل منهم بلا مشاعر ولا كيان!

4- في العلم:
بدأ الصراع بين الدين والعلم حين هاجمت الكنيسة العلماء الذين قالوا بكروية الأرض وهدَّدَتْهُم بالحرق أحياء في الأفران.. وكانت الكنيسة هي المعتدية بلا شك، وكانت حماقة شنيعة منها أن تقف هذا الموقف من أمور علمية بحتة، يخطئ العلماء فيها أو يصيبون ولكنها تظل في دائرة العلم لا يتدخل فيها “رجال الدِّين” لأنَّ الدِّينَ الصحيح لم يحرم البحث العلمي، وإنما لفت نظر البشر إلى آيات الله في الكون، وقال لهم تفكروا فيها وتدبروا لتعرفوا قدرة الخالق العظيم، دون أن يقيدهم بنظرية معينة في تفسير ظواهر الكون، بل ترك ذلك للعقل البشري يحاول فيه بقدر ما يطيق..
ولكن الاحتجاج بحماقة الكنيسة لفصل الدين عن العلم أو بذر بذور العداء بين الدين والعلم كان في ذاته حماقة أشد!
فلتكن الكنيسة حمقاء بقدر ما تكون … ولكن الفطرة السوية لا تفصل بين الدين والعلم؛ لأن كلا منهما نزعة فطرية سوية لازمة للكيان البشري، ولازمة لمهمة الخلافة التي وجد الإنسان من أجلها في الأرض.
الإنسان عابد بطبعه، راغب في المعرفة بطبعه..
ولا تعارض في الفطرة السَّوِيَّةِ بين نزعة العبادة ونزعة المعرفة، ولا بين الإيمان بالغيب والإيمان بما تدركه الحواس.
ولقد خلق الله الإنسان ليعبده:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1).
وجعل من بين العبادة عمارة الأرض:
{هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (2).
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} (3).
وجعل من الأدوات المعينة على عمارة الأرض العلم النظري في صورة “معلومات” عن الكون، والعلم التطبيقي في صورة تسخير طاقات السموات والأرض للإنسان:
{عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (4).

{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}(5).
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (6).
__________
1 سورة الذاريات: 56.
2 سورة هود: 61.
3 سورة الملك: 15.
4 سورة العلق: 4، 5.

5 سورة الإسراء: 12.
6 سورة الجاثية: 13.

ومن هنا يكون العلم ذاته جزءا من العبادة المطلوبة من الإنسان، يستوي في ذلك العلم بأمور الدنيا والعلم بأمور الدين، فإن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني تحتاج إلى هذا العلم وذاك.. العلم الدنيوي من أجل العمارة المادية والعلم الديني لجعل هذه العمارة المادية مستقيمة على المنهج الرباني، وتلك هي الخلافة الراشدة المطلوبة من الإنسان.
من أجل ذلك لا يوجد في الدين الصحيح ولا في الفطرة السوية تعارض ولا تنازع ولا خصومة بين الدين والعلم! إنما تعمل نزعة العبادة ونزعة المعرفة في تناسق كامل في النفس السوية دون قلق ولا حرج ولا تصادم ولا نزاع..
وكذلك قامت الحركة العلمية الهائلة التي قامت في العالم الإسلامي في ظل العقيدة، بل بدافع من العقيدة! فمن المعلوم من التاريخ أن المسلمين لم يصبحوا أمة علم إلا بعد أن دخلوا في الإسلام
!
ولقد كان النموذج الإسلامي قائما حول أوروبا من الشرق والغرب والجنوب.. بل إن أوروبا لم تعرف العلم الحقيقي إلا حين أرسلت أبناءها يتعلمون في مدارس المسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية الإسلامية، فلئن كانت الكنيسة قد ارتكبت حماقتها بمعاداة العلم والعلماء، فلقد كان الحل هو نبذ دين الكنيسة الفاسد لا نبذ الدين كله، وقد رأوا نموذجا مفلحا ومثمرا منه في العالم الإسلامي.. ولئن كانت “المكايدة” قد أصبحت هي العملة المتبادلة بين الكنيسة من جهة والعلماء من جهة، فلقد كان المقتضى السليم لذلك هو أن يرد العلماء للكنيسة إلهها الزائف الذي تعذب العلماء باسمه وتطاردهم، ويفروا إلى الله الحق الذي وجدوه معبودا عند أولئك العلماء الأفذاذ الذين تتلمذوا عليهم وتعلموا العلم على أيديهم، والذي وجدوا العبادة الصحيحة له تُخرج مثل هؤلاء الأفذاذ، وتتيح لهم حرية البحث العلمي بلا قيود.
ولكن رد الفعل للحماقة التي ارتكبتها الكنيسة كان حماقة جديدة ارتكبها “العلماء”!
لقد كانوا معذورين في أن يتشككوا في كل حرف تقوله الكنيسة وتزعم أنه من عند الله، وفي أن يبدءوا العلم كله من نقطة الصفر، ويجربوا لأنفسهم ليثبتوا … فهذا على أي حال هو المنهج العلمي الصحيح الذي تعلموه على أيدي أساتذتهم المسلمين. ولكنهم غير معذورين حين تصل بهم حقائق العلم إلى رؤية القدرة المعجزة للخالق، فيلوون رءوسهم في كبر، أو يهزون أكتافهم في استهتار “غير علمي” ويقولون إنه ليس الله، ولكنه الطبيعة!
هنا الحماقة التي لا يبررها شيء.. لا الأمانة العلمية ولا الإنسانية الحقيقية للإنسان
!
ولكن أوروبا بدأت من هذه الحماقة ثم لَجَّتْ فيها إلى أبعد الحدود..
مجرد ذكر اسم الله في البحث العلمي يعتبر إفسادا للروح العلمية، ومبررا لطرح النتائج العلمية كلها ولو كانت كلها صحيحة بمقياس العلم ذاته الذي جعلوه إلها من دون الله!
بل مجرد الاعتقاد بوجود الله، وأنه هو خالق الخلق وخالق الكون كفيل بإخراج العالم من دائرة العلماء الذين يُعْتَدُّ بهم ويؤخذ بآرائهم ولو كانت آراؤه صحيحة بمقياس البحث العلمي. بل إنه يحيط ذلك العالم بالارتياب والشك في كل ما يقول، ويجعله موضع الزراية من العلماء “الحقيقيين”! الذين لا بد أن يكونوا ملحدين لتكون آراؤهم موضع التسليم!
أي زراية بالعلم ذاته تؤدي إليه هذه الحماقة؟!
بل أي روح “غير علمية” تلك التي تسيطر على “العلماء” في تلك الجاهلية التي تقوم باسم العلم؟!
ما التعصب إذن، وما فقدان “الروح العلمية” والأمانة العلمية إذا كان هذا علما وأمانة وروحا علمية؟
وأي انتكاسة في عالم “القيم” وعالم “الإنسان” أكبر من تلك الانتكاسة الشنيعة التي ترفض “الحقائق” بمجرد الأهواء؟!
وكيف -كما قلنا من قبل- كيف يكون الشيء ذاته صحيحا “وعلميا” إذا نسب إلى الطبيعة وغير صحيح وغير علمي إذا نسب إلى الله؟! ويكون هذا هو الشرط الذي لا يقبل غيره للدخول في مجال العلم والعلماء؟!

وكيف يتأتى لهذه الجاهلية أن تفصل -في النفس الواحدة- بين نزعتين فطريتين: نزعة العبادة ونزعة العلم، فتقول للناس: إذا أردتم الله فاتركوا العلم وإذا أردتم العلم فاتركوا الله. وتسمي هذا “علما” و”روحا علمية”؟ وما الفرق بين هذه الحماقة وحماقة الكنيسة التي من أجلها حاربها العلماء؟!
ألم تقل الكنيسة نفس القولة ولكن من الجانب الآخر؟! قالت: إذا أردتم الله فاتركوا هذا العلم، وإذا أردتم هذا العلم فأنتم خارجون على الله!
وحين نستبدل حماقة بحماقة هل نكون راشدين؟ وهل يحق لنا أن نستعلي بحماقتنا على حماقة الآخرين؟!
على أن الحماقة البديلة لا تقف عند حد تمزيق البشرية بين نزعتيها الفطريتين، مما يشكل سببا من الأسباب الكثيرة للاضطراب والقلق النفسي والعصبي الذي تعانيه الجاهلية المعاصرة، إنما يستخدم العلم عن قصد في إفساد العقيدة وإفساد الأخلاق …
فبين الحين والحين تخرج “أبحاث علمية” كاذبة -ويعلم أصحابها أنهم كاذبون- تزعم أن الإنسان قد “خلق” الخلية الحية في المعمل! وتسفر الحقيقة بعد الاستفسار والتَّقَصِّي أنهم أعادوا تركيب خلية حية في المعمل من أجزاء حية أخذت من مجموعة من الخلايا الحية!!
ولكن هذا الدَّجَل “العلمي” يراد به أن يقال للناس ها هو ذا الإنسان قد خلق فلم تعد هناك ضرورة للخالق! أي: يستخدم العلم الزَّائف لنشر الإلحاد في الأرض، وتتقبله المجلات “العلمية” الرَّصِينَة التي ترفض أي بحث علمي يذكر فيه اسم الله!
{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (1).
وسيظل التحدي الرباني قائما في وجه الملحدين:
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} (2).
وكما يستخدم العلم الزائف لنشر الإلحاد تستخدم ثمار العلم لإفساد الأخلاق، وأوضح الأمثلة على ذلك حبوب منع الحمل التي يقول الأطباء “الأمناء” -وقليل ما هم- أنها ليست مأمونة تمامًا، وإنها قد تسبب أضرارًا خطيرة، وإنها ينبغي ألا تستخدم إلا بإشراف الطبيب، هذه الحبوب تباع في الصيدليات بسعر مخفض يكاد يساوي سعر التَّكْلفة، ويباع لأي فتاة تطلبه -وتكرره- دون تذكرة طبية.. لأنها -كما لا يخفى- أداة جبارة لنشر الفاحشة في الأرض؛ لأنَّ الفتاة التي تستطيع أن تأمن نتائج اتصالاتها الجنسية غير المشروعة أيسر انْزِلاقًا من التي تخشى حدوث المتاعب من هذه الاتصالات..
وذلك فضلًا عن صرف جهود كثيرة في أبحاث “علمية” بقصد اختراع المدمرات البشعة بغير موجب حقيقي، فقد كان انتصار بعض البشر على بعض ممكنا بغير كل تلك البشاعة في أدوات التدمير …
وهذا الشر العميق كله قد نشأ من “علمانية” العلم.. أي: من ذلك المبدأ الملوث الشرير: مبدأ فصل الدين عن الحياة …

__________
1 سورة الزمر: 45.
2 سورة الطور: 35.

5- في الأخلاق:
ربما لم يكن هناك مجالا تأثر بالعلمانية بقدر ما تأثرت الأخلاق …
ذلك أنَّ الدِّينَ هو المنبع الطبيعي للأخلاق، فإذا جُفِّفَ هذا المنبع أو جَفَّ بسبب من الأسباب فلا بد أن يتبعه حتما انهيار تدريجي في الأخلاق ينتهي إلى “اللاأخلاق”.
ولقد كانت “النهضة” في أول عهدها تعتقد -ربما بإخلاص وحسن نية- أن في إمكانها أن تجد للأخلاق منبعا آخر غير الدين.. من الطبيعة أو من النفس البشرية أو من أي مكان آخر.. والواقع أنهم كانوا في أول مرحلة الفساد فكانوا هم أنفسهم لا يتصورون أن البشرية يمكن أن تعيش بلا أخلاق. أو أنه سيأتي وقت عليها تكون عارية من الأخلاق، فكان المشكل بالنسبة لهم هو محاولة البحث عن منبع للأخلاق غير الدين حتى لا تتخذ تلك ثغرة يُهَاجَمُون منها من قبل ذوي الغيرة على الأخلاق وهم يومئذ غير قليل … ولكن المنبع البديل -أيا كان هو- قد أثبت عجزه عن إنبات القيم التي يحتاج إليها الإنسان في حياته، ككل التصورات التي تخطر في بال الفلاسفة ولا تتعدَّى أذهانهم إلى واقع الحياة!
ثم جاءت أجيال أكثر علمانية من السابقة؛ لأنها كانت قد بعدت أكثر عن المنبع الحقيقي للقيم، فبدأت تناقش مبدأ القيم ذاته: هل هي ضرورية حقا للحياة البشرية؟ وهل هي حقائق واقعية أم مجرد مُثُلٍ خيالية مُعَلَّقَة في الفضاء غير قابلة للتَّطبيق؟ وإذن فلماذا لا نكون “واقعيين” ونتعامل مع الواقع البشري كما هو؟ أي: بغير مُثُلٍ وبغير قِيَمٍ؟!
وكانت هذه بداية موجة جديدة من الانحدار على المنزلق … فإنَّنا إذا سلمنا بالواقع الموجود اليوم على أنه هو الواقع الذي لا يمكن أن يوجد أفضل منه، فما الذي يمنع هذا الواقع أن ينحدر غدًا إلى هُوَّةٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ ما الذي يمنعنا من مجاراته في الهبوط بحجة الواقعية؟!
إن الذي يمنع من هذا شيء واحد. هو وجود القيم الأصيلة التي نقيس إليها أفعالنا ومستوانا، لنعرف على ضوئها أهابطون نحن أم مرتفعون.. فإذا وجدنا أننا هبطنا حاولنا أن نوقف هبوطنا ونصعد من جديد.. أما في غياب الميزان فما المعيار؟ إن الواقعية ليست معيارا يقاس إليه أي شيء، ما دامت تعتبر الواقع هو المقياس؟ والناس إذا أفلتت أيديهم من خيط الصعود الذي يشدهم إلى أعلى فلا بد أن تهبط بهم ثقلة الشهوات وجواذب الأرض فيزداد واقعهم هبوطا على الدَّوام.. وما دام معيارنا هو الواقع. فسيظل المعيار ذاته يهبط مع هبوط الإنسان! ونظل نحن -بحجة الواقعية- نتابع الهبوط.
لقد كان القرن التاسع عشر “واقعيا” فنبذ القيم التي سماها مثالية -بمعنى غير واقعية- واعتبرها ترفا عقليا لا تطيقه طبيعة الحياة …
وكانت نتيجة ذلك هي القرن العشرين! قرن التفلت من القيود كلها، والهبوط إلى الحمأة التي يستعفف عنها الحيوان!
وذلك أمر معروف من التاريخ وإن جادلت فيه الجاهلية المعاصرة، وهي ليست أول جاهلية تجادل في الحق وتنكر البديهيات! إن أي جيل من أجيال البشرية أنكر القيم الإنسانية لم يقف حيث كان يوم أنكرها، إنما ازداد هبوطا.. حتى أدركه الدمار!
ولنستعرض خط العلمانية مع الأخلاق من أوله لنعلم مدى الهبوط..
ولنبدأ بالمفهوم الحقيقي للأخلاق، الذي كانت تؤمن به أوروبا ذات يوم ثم ظلت تتخلى عنه خطوة خطوة وهي تسير مع الشيطان.
إنَّ الأخلاق “ميثاق” شامل.. يشمل كل أعمال الإنسان.
{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ، وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} (1).
والميثاق هو أصلا ميثاق مع الله، تتفرع منه وتندرج تحت جميع المواثيق:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (2).
وأوَّلُ الأمانات هي الأمانةُ المؤدَّاةُ إلى الله، ثم تأتي بعدها جميع الأمانات التي أبرز سياق الآية منها الحكم بين الناس بالعدل..
وعلى هذا الأساس يكون للسِّيَاسَةِ أخلاقٌ، وللاقتصاد أخلاقٌ، وللاجتماع أخلاقٌ، وللعلم أخلاقٌ، ولكل شيء على الإطلاق أخلاقٌ.. ولا يكون هناك شيءٌ واحدٌ في حياة الإنسان بلا أخلاقٍ …
ومنشأ الأخلاق ليس هو الفرض من الخارج … في صورة أوامر ونواه وزواجر من عند الله أو من عند غيره، إنما الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد ما هو حلال وما هو حرام، وما هو حسن وما هو قبيح، وما هو خير وما هو شر.. إلخ. فيتبعه المؤمنون التزامًا بما أنزل الله، وأما غير المؤمنين فيستمدون ذلك كله من عند غير الله، وفي الحالين لا يكون هذا هو منشأ “الأخلاق” عند هؤلاء وهؤلاء … إنما يكون فقط هو منشأ “المعايير” التي تضبط الأخلاق.
إنما تنشأ الأخلاق -كما قلنا من قبل في أكثر من موضع في الفصول السابقة- من طبيعة الإنسان ذاته، من أن له طريقين، وأن له القُدْرَة على التَّمييز والاختيار بين الطريقين:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (3).
ومن ثَمَّ فالقيمة الخلقية لاصقة بأعمال الإنسان بحكم طبيعته.. وإنما تختلف القيم باختلاف واضعها: هل هو الله أم هم البشر. فإن كانت من عند الله فهذه هي القيم الحقيقية الصَّالحة؛ لأنها من عند خالق الإنسان العليم به وبما يصلح له وما يصلحه: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (4).

وإن كانت من عند البشر فهي عرضة للأهواء وعرضة للاختلاف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتاريخ البشرية في جاهليتها هو الدَّليل، يستوي في ذلك أن يكون الجاهليون من الفلاسفة أو من عامة الناس!
ولقد كان هذا كله واضحا لأوروبا المسيحية في الفترة التي سيطر فيها الدين على قلوب الناس، بصرف النظر عما في ذلك الدين الكنسي من انحرافات، فقد سبق أن قلنا إن وجود الانحراف والتَّحريف فيه لم يمنع وجود بعض الحقائق؛ لأنهم كما يقول الله عنهم: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} وبقي مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ بعض أشياء.. وكانت القيم الخلقية من بعض هذه الأشياء.
ثم زحفت العلمانية شيئا فشيئا على الحياة الأوروبية فأقصت الدين عن الحياة بقدر ما تمكنت هي من الحياة.. ومع إقصاء الدين أقصيت الأخلاق؛ لأنها أصلا مستمدة من الدين.
وأول مجال أزيحت الأخلاق عنه هو مجال السياسة منذ قال “مكيافيللي”: إن الغاية تبرر الوسيلة، ومعناها بصريح العبارة إسقاط الأخلاق من مجال السياسة، وممارسة السياسة بلا أخلاق!
ثُمَّ أزيحت الأخلاق من المجال الاقتصادي منذ الثورة الصناعية بتحليل الربا، وتحليل الغش والخداع والكذب وسرقة أجر الأجير وشغل الناس بتوافه الأشياء من أجل الربح، وتحليل شن الحروب والاستعمار من أجل إيجاد أسواق لتصريف البضائع.. إلى آخر ما قامت به الرأسمالية من حيل غير شريفة للاستزادة من المال على حساب البشرية.
ثم أزيحت الأخلاق من مجال العلم، فلم يعد هدف العلم البحث عن الحقيقة المجردة -لله- إنما صارت تصاحبه المصالح والأهواء والشهوات التي أسلفنا نماذج منها في إبعاد اسم الله عمدا من البحث العلمي مع وضع بديل مزيف هو الطبيعة، لا لأن هذه حقيقة ولكن لأنها تخدم هدفا معينا في معركة معينة بين العلماء وبين الكنيسة! ومن نشر أبحاث كاذبة بقصد نشر الإلحاد. ومن استخدام ثمار العلم لإفساد الأخلاق.. وغير ذلك مما كان مستحيلا أن يحدث في ظل سيطرة الدين على مشاعر الناس ومن ثم التزامهم بأخلاقيات الدين.. ولكنه يحدث بسهولة في ظل العلمانية التي تفاخر بإقصاء الدين عن كل مجالات الحياة!
ثم أزيحت الأخلاق من مجال الفكر، فلم يعد يحس المفكر أنه ملتزم بأمانة معينة هي في أصلها الأمانة المؤداة إلى الله.. فحفلت وسائل الإعلام جميعًا من أول الكتاب إلى التلفزيون، مرورا بالصحيفة والمسرح والسينما والإذاعة، بكل صنوف التَّضليل والكذب والخداع والغش وإفساد العقيدة وإفساد الأخلاق.
ثم أزيحت من مجال العلاقات الجنسية بصفة خاصة -وهي أدق مجالات الأخلاق- فقيل إن الجنس مسألة “بيولوجية” لا علاقة لها بالأخلاق! أي: مسألة ذكر وأنثى يجري بينهما ما يجري بين الذكر والأنثى.. بلا قيود ولا أخلاق ولا ضبط ولا تصعيد.. وكانت الحمأة الدنسة التي تردت فيها البشرية، وكان السعار الجنسي المجنون الذي لا يشبع ولا يرتوي ولا يفيق …
وأخيرا أفرغت الأخلاق ذاتها من مضمونها حين قيل إنه ليس لها وجود ذاتي، إنما هي انعكاس للأوضاع المادية والاقتصادية، أو إنها من صنع العقل الجمعي وإنها تتغير على الدوام ولا تثبت على حال!
وسقط “الإنسان” بسقوط الأخلاق!

__________
1 سورة الرعد: 19-22.
2 سورة النساء: 58.
3 سورة الشمس: 7-10.
4 سورة الملك: 14.

6- في الفن:
كان الفن في أوروبا في فترة الجاهلية الكنسية فنا دينيا بمعنى أنه موجه لخدمة الدين، وكان يحمل كل ما في العقيدة الكنسية من انحراف، إذ كان كله موجها لتمجيد “الرب” الذي ألهته الكنيسة وهو المسيح عيسى ابن مريم، أو تمجيد الأقانيم الثلاثة عامة: الأب والابن والروح القدس، مع مريم البتول ومجموعة من القديسين.. سواء بالشعر أو النثر أو الرسم أو التصوير “بمعنى إقامة التماثيل”.
وقد لاحظت في كتاب “جاهلية القرن العشرين” ملاحظة خاصة بالفن الأوروبي، وقلت إنها معروضة للدراسة لمن أراد أن يدرس، تلك هي أن الفن الأوروبي في جميع أدواره التاريخية كان مشغولا بالمعبود.. فحين كان المعبود في الجاهلية الإغريقية مجموعة من الآلهة المختلفة توجه الفن الإغريقي إلى تلك الآلهة سواء في الأساطير أو المسرحيات أو التماثيل، وحين انتقلت أوروبا إلى المسيحية عني الفن بالإله كما صورته الكنيسة، وحين كفرت أوروبا بإله الكنيسة وألَّهَتْ الطبيعة اتجه الفن إلى المعبود الجديد وخاصة في الفترة الرومانسية، وحين صار المعبود هو “الإنسان” اتجه الفن كله إلى دراسة الإنسان في جميع أوضاعه.

واليوم صارت المعبودات فوضى وتمثلت الفوضى كذلك في الفن الأوروبي الحديث!
وهذه نقطة فنية على أي حال ليس مجالها التفصيلي في هذا الكتاب إنما ينبغي أن تدرس دراسة نقدية متخصصة.
ثُمَّ إنِّي ألفت كتابا كاملا هو “منهج الفن الإسلامي” لأبين العلاقة بين الفن الصحيح والدين الصحيح، وكيف تكون مجالات الفن الملتزم بالدين. وكيف أن ارتباط الفن بالدين لا يضيق مجالاته كما يفهم البعض، ولا يحوله إلى مواعظ دينية كما يفهم البعض الآخر، إنما يوسع مجالاته في الحقيقة ويُعَمِّقُها، ولكنه ينظفها فقط ويطهرها من الأرجاس.
وليس هنا مجال إعادة الحديث في هذه الموضوعات.
إنَّما نحن هنا نتحدث فقط عن آثار العلمانية في الفَنِّ الأوروبي.
فأول آثارها -في التَّسلسل التاريخي- هو عبادة الطبيعة في الفترة الرومانسية.
وليس ثمة عيب -كما قلنا من قبل- في مناجاة الطبيعة والتَّفاعل معها والحفاوة بها، فذلك كله أمر طبيعي في النفس السَّوِيَّةِ، ذلك أن الله خلق الكون جميلا ثم جعل في النفس البشرية حاسة تلتقط الجمال وتنفعل به، والقرآن يوجه الحس توجيها صريحا لرؤية الجمال في الكون والإحساس به، لا في الورود والأزهار والجبال والوديان فحسب، بل في الأنعام كذلك، التي هي مظنة الفائدة وحدها.
{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} (1).
{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (2).
{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (3).
ولكن رؤية هذا الجمال والتفاعل معه والانفعال به تحدث في النفس السوية توجها إلى الله بالعبادة؛ لأنه هو خالق هذا الكون الجميل ومُسَخِّرَه للإنسان، وخالق هذه الحاسة الجمالية في تركيب الإنسان ليستمتع بهذا الجمال.
أما النكسة العلمانية في الحس الأوروبي المنسلخ من الدين فقد ذهبت في طريق آخر مخالف، فجعلت من هذا الحس الجمالي وثنية كاملة تعبد الطبيعة بدلا من عبادة الله. وقد وردت كلمة الوثنية بالذَّات ورودًا مكررًا في شعر الرومانسيين كأنما هو أمر مقصود!
بل إن الرومانسية في الحقيقة هي التي يسرت للحس الأوروبي الانزلاق إلى تلك المغالطة المكشوفة التي جعلت الطبيعة إلها بدلا من الله، حتى سرت هذه المغالطة إلى “العلماء” أنفسهم فتعاملوا معها كأنها حقيقة واقعة.. بل صاروا في النهاية يقبلونها -وحدها- ويعتبرونها إفسادا لروح البحث العلمي!
ثم ذوت الرومانسية بعد فترة من الوقت وحلت محلها الواقعية رد فعل لها، إذ كانت الرومانسية مغرقة في الخيال المغرب فجاءت الواقعية لترد الناس وترد الفن إلى الواقع.
ولكن أي واقع هو الذي ارتد إليه الفن وارتد إليه الناس؟!
إنه الواقع الصغير.. الهابط.. المنسلخ من الدين.. من القيم.. من الأخلاق!
ففي الفترة التي استغرقتها الرومانسية وارتدت بعدها إلى الواقع كان الناس قد ساروا خطوات على العلمانية المنسلخة من الدين فهبطوا، فجاءت الواقعية لترصد واقعهم حيث هم.. ثم تقول هذا هو الواقع البشري!
فأما كون هذا هو الواقع الذي كان عليه الناس وقتئذ فهذا حق لا شك فيه، وأما أن هذا هو الواقع البشري على إطلاقه فأمر يكذبه التاريخ، تكذبه فترات الهدى في حياة البشرية، التي ارتفع الناس فيها إلى قمم تبدو -في هذا الواقع المنحرف- كأنها خيالات، ولكنها كانت واقعا عاشه الناس بالفعل، وينبغي أن يحاولوا على الدَّوام أن يعودوا إلى ذلك المستوى السَّامِق أو يعودوا إلى قريب منه. وليس المطلوب من الفن الواقعي أن يداري على هبوط الناس ولا أن يصورهم في صورة غير واقعية من أجل إرضاء المثل العليا! كلا! فالفن المزور لا يستطيع أن يعيش، ولكن هناك فرقا بين تصوير الواقع على أنه واقع نعم، ولكنه منحرف عن الأصل الذي كان ينبغي أن يكون عليه، وبين تصويره على أنه هو الواقع الإنساني الذي لا يمكن تعديله أو لا ينبغي تعديله أو لا يعنينا تعديله! كلاهما تصوير للواقع، ولكن أحدهما يصور الواقع المنحرف بروح الإنكار ويدعو إلى الارتفاع عنه، والآخر يعطيه شريعة الوجود فتكون النتيجة الحتمية -دائما- مزيدا من الهبوط!
نموذج الواقعية الهادفة هي سورة يوسف في القرآن الكريم:
{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} (4).
{ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ} (5).
ولكن هذه ليست اللقطة الأخيرة.. إنما اللقطة الأخيرة هي الأوبة والتوبة والترفع والارتفاع:
{ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (6).

ونموذج الواقعية الهابطة هو الأدب الذي يدعي الواقعية وهو في الواقع يدعو إلى الهبوط، وهبه صادقا في ادعاء الواقعية فلماذا يصر على التقاط اللحظات الهابطة وحدها ويتجنب لحظات الارتفاع؟ ثم لماذا لا يسمي الهبو باسمه الحقيقي وهو الهبوط؟!
ثم … تبعثرت الاتجاهات الفنية في الفترة الأخيرة، ولكنها حافظت على طابع واحد وهو الهبوط!
من السريالية إلى الوجودية إلى اللا معقول … إلى أدب الجنس المكشوف..
أما السريالية فقد تتبعت التحليل النفسي الذي أنشأه فرويد وقال فيه إن حقيقة النفس الإنسانية ليست في النفس الواعية التي تتعامل مع الواقع الخارجي، إنما هي في العقل الباطن الذي لا ترتيب فيه ولا منطق! فحاولت في نماذج أقرب إلى الخبل منها إلى العقل أن تبرز “حقيقة النفس الإنسانية” فلم تصنع شيئا في الحقيقة إلا بعثرة هذه النفس إلى قطع متناثرة لا دلالة لها ولا معنى ولا طعم.
وأما اللامعقول فقد كان هروبا من “المعقول”، هروبا من العقلانية التي طغت على الفكر والحياة الأوروبية، ومحاولة للقول بأن الحياة ليست معقولة … ليس لها هدف.. ليس لها نظام.. ليس لها منطق.. ليس لها غاية.. إنما تحدث فيها الأحداث لمجرد الحدوث! وحين تحدث فإنه يكون لها ثقل “الواقع”. ولكن حدوثها وعدم حدوثها سيان! وحدوثها على هذه الصورة وحدوثها على صورة أخرى سيان! لأن كل الصور تتساوى في عدم المعقولية وفي الافتقار إلى معنى واضح وغاية واضحة.
ولقد كان هذا تعبيرا باطنيا حقيقيا عن أن الحياة فقدت معناها وفقدت غايتها حين فقدت الخيط الذي ينظمها جميعا ويفسر غايتها ويفسر أحداثها، وهو الدين.. ولكن الجاهلية لا تدرك ذلك، وتأخذ الأمر على أنه مجرد فن! أو إن أدركت فإنها تدرك أن الحياة البشرية أصبحت في حاجة إلى “فلسفة” جديدة تعطيها معنى وتعطيها غاية، بشرط ألا تكون هذه “الفلسفة” مستمدة من الدين!!
__________
1 سورة النحل: 5، 6.
2 سورة الأنعام: 99.

3 سورة النمل: 60.

4 سورة يوسف: 22-24.
5 سورة يوسف: 31، 32.
6 سورة يوسف: 51-53.

وأما الوجودية فهي أخبث من ذلك كله.. ولا تنس أن سارتر -“الكاتب الإنساني العظيم”- يهودي من أم يهودية.
تقول وجودية “سارتر” إن الكون والحياة لا هدف لها ولا غاية، ولا عدل فيها ولا حق، إنما كله ضلال وعبث، وإن الوجود الإنساني ضياع كله، ومن المستحيل أن يحقق الإنسان فيه وجوده!
وإلى هنا نستطيع أن نقول إن هذا أيضا تعبير باطني صادق عن فقدان الحياة معناها وهدفها حين تفقد العنصر الذي يوجد الترابط بين أجزائها ويعطي أحداثها تفسيرها ومعناها وهو الدين.
ولكن وجودية سارتر لا تقف عند تسجيل الضياع والعبثية وفقدان المعنى والغاية، ولكنها تقدم حلا للمشكلة! ويا له من حل!
الحل أن يعيش كل إنسان وحده، وأن يحقق وجوده بأن يفعل ما يرى هو أنه حق وأنه واجب وأنه حسن!
في مسرحيته “الجحيم هو الآخرون” يرسم الجحيم في نفس إنسان -إذا كان إنسانا! – يتعذب من أول المسرحية إلى آخرها من وجود آخرين لا يكفون عن الوجود من حوله ويفرضون عليه أن يكونوا موجودين معه، فيمنعونه أن يكون نفسه.. أن يحس بذاتيته، أن يفعل ما يمليه عليه هواه الشخصي، فيظل ساكنا ساكتا يتعذب.. يتطلع إلى اللحظة التي يذهب فيها عنه “الآخرون” لينطلق بوجوده الذَّاتي، ليحقق ذاته.. ولكنهم لا ينصرفون.. فيظل هو في الجحيم!
أما أدب الجنس المكشوف -إن كان يسمى “أدبا”- فهو أوضح من أن يحتاج إلى تعليق!
وفي تاريخ البشرية كله “آداب” تعالج الجنس بقصد الإثارة، أو تعبر عن تجارب هابطة لإنسان شهوان … ولكنها كانت تأخذ في عالم الأدب مكانا منزويا، يتستر بها صاحبها في الظلام، ويسقط عَمَّنْ يتعاطونها رداء التوقير والاحترام، ويقبل عليها “المراهقون” من أي عمر كانوا، فليست المراهقة فترة معينة من عمر الإنسان كما هي في اصطلاح علم النفس، إنما هي حالة نفسية غير مستقرة وغير متزنة يصاب بها الفتى في إبان طيشه، ويصاب بها ابن السبعين.. فتخف أحلامه ويذهب وقاره وتذهب عنه قدرته على الحكم المتزن على الأشياء.
ولكن الجديد الذي أحدثه “التطور” العلماني هو إعطاء “الشرعية” لهذا الهبوط الحيواني، وكشفه في النور، وإعطاؤه صفة “الفن” ووضع منتجيه في قائمة المشاهير، بل في قائمة العظماء من الفنانين، وينشغل النقد الأدبي والنقد الفني بتتبع آثارهم وكشف جوانب العظمة الفنية فيهم.. بل يتبجح نقاد فيبحثون لهم عن عظمات “نفسية” في وسط الماخور الكبير الذي يعيش فيه هؤلاء وهؤلاء من نقاد و”فنانين”!
لقد سقط “الإنسان” كله إلى السراديب وقرر المقام هناك، وأضاء الأنوار على قاذوراتها وعرضها على أنها “البضاعة الحاضرة” لم تعد سرًا يُسْتَخْفَى منه. لم تعد قذارة تُسْتَنْكَر.. لم تعد شيئا يتقزز منه الناس.
أرأيت إلى دودة الأرض اللاصقة بالطين؟! إنها تستروح أنسام المستنقع الآسن الذي تعيش فيه، وترى أنه بالنسبة لها هو الوضع الطبيعي.. هو الأصل الذي ينبغي أن تعيش فيه!
أرأيت لو أنك أردت أن ترفعها من الطين وتنظفها؟
إنها تستنكر وترفض.. وتتفلت من بين أصابعك لتزداد لُصُوقا بالطين!
وهكذا لم يعد أدب الجنس المكشوف قذارة يترفع عنها الفن، إنما صار هو الفن الذي يتفنن فيه الكُتَّاب، يعرضون مفاتنه -أو بالأحرى مباذله- في تفصيل دقيق مكشوف، ويعرضونه على أنه قاعدة الحياة أو قمة الحياة!
هل هي عدوى “فرويد” في عالم الفن؟
لا شك أن فرويد مسئول عن البداية التي ابتدأ بها هذا الفن الهابط، وقد كانت البداية هي قصة “عشيق ليدي تشاترلي:Lady Chatterly’s Lover” للقصاص الإنجليزي د. هـ. لورنس D. H. Lawrence المتتلمذ على فرويد، والذي يعتبر هو نفسه “حالة فرويدية” تلك القصة التي صودرت وصودرت وصودرت … ثم أبيحت مع حذف الجزء الشديد الإفحاش منها، ثم أبيحت مع جزء منه.. ثم أبيحت كاملة كما هي.. عارية من كل حياء.. وطبع منها ملايين!
ولكن فرويد وحده لا يكفي لتفسير كل ذلك الهبوط …
إنه الانسلاخ من الدين، الذي يسمى “العلمانية”!
ففرويد لم يكن يتصور -وإن تمنى- أن يأتي يوم تعرض فيه العملية الجنسية على المسرح بوصفها جزءا من مسرحية “فنية” ثم ينقلها التليفزيون على شاشته ليراها الأولاد والبنات في البيوت!
وذلك إلى آلاف وآلاف من المسرحيات والقصص والأفلام والأغاني والصور والصحف والمجلات، لا تعرض شيئا إلا الجنس، ولا تعرضه إلا في وضع الحيوان.

تلك هي العلمانية في مجالات الحياة المختلفة … في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلم والأخلاق والفن.. وكل نشاط يمكن أن يصدر عن “الإنسان” إن كان قد بقي له بعد ذلك كله مكان في عالم “الإنسان”!
وتقول العلمانية -الغربية على الأقل- إنها لا تحارب الدين! فمن شاء أن يتدين فليتدين! وانظر حولك تجد متدينين بالفعل لا تتعرض لهم العلمانية من قريب ولا من بعيد.
أرأيت لو أن إنسانا أطلق حولك كل أنواع الجراثيم الموجودة في الأرض، في الهواء الذي تتنفسه، في الماء الذي تشربه، في الطعام الذي تأكله، في الوجود الذي تلمسه، ثم قال لك: إن أردت أن تظل سليما معافى فكن كما شئت، فنحن لا نتعرض لك! كم يكون قوله مسخرة المساخر، وكم يكون مغالطة مكشوفة؟!
وذلك فضلًا عن أنه في عرف نفسه لا يعتبر ما يطلقه من حولك جراثيم.. بل يعتبرك أنت الجرثومة التي يخشى منها على كيانه، والتي لم يستطع أن يقضي عليها قضاءً كاملًا فتركها وهو يتمنى -من الشيطان- أن تزول!
{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} (1).
إنَّ الدِّينَ -حتى بمعناه الغربي المشوه- لم يعد له مكان في العلمانية المعاصرة.
فإذا كان قد أخرج من عالم الاقتصاد، ومن عالم الاجتماع، ومن عالم العلم، ومن عالم الأخلاق، ومن عالم الفن؛ فماذا بقي له من واقع الحياة وماذا بقي له من النفس الإنسانية؟
بقيت له ساعة في الكنيسة من يوم الأحد من كل أسبوع عند أفراد من الناس!
نعم.. ولكن ما الدين حتى بالنسبة لهؤلاء؟
هل له واقع في حياتهم؟
هل يمنح قلوبهم الطمأنينة اللازمة لحياة الإنسان.. الطمأنينة التي تمنع التمزق النفسي وتمنع القلق والاضطراب؟
هل يمنح وجودهم معنى يحميهم من الإحساس بالضياع؟

هل يمنحهم تصورا للكون والحياة والإنسان غير التصور المادي الذي تقدمه العلمانية الجاهلية؟
لو سألت أولئك الخارجين من سماع الموعظة يوم الأحد عن رأيهم الديني في التعاملات الاقتصادية الربوية التي تقوم عليها حياتهم فهل تجد عند أحد منهم تحريما لها أو استنكارا لقيامها؟ أم يقول لك قائلهم: هذه مسألة اقتصادية، ما علاقة الدين بالاقتصاد؟!
ولو سألت أحدًا منهم: ما رأيك في كذب السَّاسَة بضعهم على بعض في السِّيَاسَةِ الدَّولية، وعلى شعوبهم في السِّيَاسَةِ الدَّاخلية؟ وما رأيك في الالتزام الحزبي الذي يلزم صاحبه بالمعارضة أو التأييد حسب وضع حزبه من السُّلْطَة؟ وما رأيك فيما تكتبه الصَّحافة السياسية بقصد التشويش على الحقائق لا بقصد إظهار الحق؟ ألا يقول لك على الفور إنَّ هذه مسائل سياسية.. ولا دخل للدِّينِ بالسِّيَاسَةِ؟!
ولو سألت فتاة وصديقها الخارجين من “الصلاة” ما قولكما في العلاقة القائمة بينكما؟ أليس الدين يحرمها؟ ألا يقولان لك إنَّ الدين مسألة اعتقادية ولا علاقة له بالعلاقات الاجتماعية؟! إن لم يقولا لك -كما يقول الكثيرون والكثيرات- إن الجنس مسألة بيولوجية بحتة لا علاقة لها بالدين ولا علاقة لها بالأخلاق؟!
كلا! ما يزيد “الدين” في ظل العلمانية على أن يكون مجرد وجدانات حائرة لا تلبث أن تتبدد وتضيع في الدَّوامة العاتية المعادية لكل ما يأتي من عند الله!

__________
1 سورة النساء: 89.

العلمانية والإسلام:

إذا صَحَّت دعوى العلمانيين في الغرب بالنسبة للدين الكنسي أنهم يتعايشون معه ويتعايش معهم دون تدخل من أحدهما في شئون الآخر -وهي كما رأينا ليست صحيحة في الحقيقة- فإنَّها بالنسبة للإسلام لا تصح على الإطلاق!
لقد كان الدين الكنسي منذ اللحظة الأولى دينًا يهتم بالآخرة ويدير ظهره للحياة الدُّنْيَا، نتيجة ما دخل فيه من تحريف فصل الشَّرِيعة فيه عن العقيدة، وجعله عقيدة صرفا إلا فيما يتعلق بالأحوال الشَّخصية، ومع ذلك فقد كان العمل من أجل الآخرة يلقي أثره على الحياة الدنيا، قصد الناس أم لم يقصدوا، ووعوا ذلك في إدراكهم أم لم يعوه، فكان ذلك الدين -رغم التحريف الضخم في كل جوانبه- يعطي آثارًا واقعية في حياة الناس وسلوكهم، وتصوراتهم ومشاعرهم، وهي التي جاءت العلمانية لتزحزحها من مكانها رويدًا رويدا حتى أَجْلَتْهَا إجلاء كاملا، فلم يعد للدين عند الأكثرية العظمى من الناس في الجاهلية المعاصرة مكان على الإطلاق، وبقي عند الأقلية “المتدينة” مجرد مشاعر ووجدانات، وعلى الأكثر بعض “العبادات” ولكن هذه وتلك لا تحكم شيئا في واقع الحياة، وبهذا وحده -أي: بمسخ الدين على هذه الصورة المزرية- أصبحت العلمانية تتعايش -على مضض! – مع الدين! وقد كان هذا مسخا بالنسبة للدين الكنسي ذاته، الذي شوهته الكنيسة حتى قطعت صلته بالأصل السماوي.. فكيف يكون الأمر بالنسبة لدين الله الحق؟!
إنَّ الدِّينَ الحَقِّ لا يمكن ابتداءً أن يكون عقيدة مفصولة عن الشريعة.. فالالتزام بالشريعة -في دين الله الحق- هو مقتضى العقيدة ذاتها.. مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله.. بحيث لا تكون الشَّهادة صحيحة وقائمة إن لم تؤد عند صاحبها هذا المعنى.. وهو الالتزام بما جاء من عند الله، والتَّحاكم إلى شريعة الله، ورفض التَّحاكم إلى أي شريعة سوى شريعة الله.
{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1).
يقول ابن تيمية رحمه الله:

“وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كُلَّ مَا نَفَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ مُسَمَّى أَسْمَاءِ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ كَاسْمِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالدِّينِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالطَّهَارَةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّمَا يَكُونُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مِنْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فَلَمَّا نَفَى الْإِيمَانَ حَتَّى تُوجَدَ هَذِهِ الْغَايَةُ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ فَرْضٌ عَلَى النَّاسِ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ”(2).
لقد نزل هذا الدين ليعطي التصور الصَّحيح لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، وليقيم في عالم البشر واقعًا محكوما بهذا التصور، منبثقا عنه، مرتبطا به، متناسقا معه في كلياته وجزئياته، لا يتصادم معه ولا ينحرف عنه.
فالله الخالق البارئ المصور، الرازق المحيي المميت، المدبر اللطيف الخبير، عالم الغيب والشهادة، بكل أسمائه وصفاته الواردة في كتابه المنزل، هو المتفرد بالألوهية والربوبية، وهو المستحق للعبادة وحده بغير شريك.
وكل ما في الكون وكل من في الكون غيره سبحانه هم خلقه وعباده … واجبهم عبادته وحده بغير شريك.
والإنسان واحد من خلقه.. متميز..نعم.. مكرم نعم.. ذو وعي وإدراك وإرادة وفاعلية.. نعم. ولكنه مخلوق من مخلوقات الله، واجبه ككل خلقه الآخرين محصور في عبادة الخالق وحده بغير شريك.
ولقد كرمه الله بالوعي والإدراك والإرادة والفاعلية وأعطاه قَدْرًا من الحرية في تصرفاته الإرادية يملك به أن يسير في طريق الطاعة وأن يسير في طريق العصيان.. ولكنه لا يرضى من عباده إلا أن يعبدوه:
{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} (3).
والذي يقرر العبادة المفروضة على كل كائن من الكائنات هو خالق الكائنات جميعًا، الذي خلقها وحده بغير شريك، ومن تفرده بالخلق ينشأ انفراده بالحاكمية:
{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} (4).
وبحق الحاكمية النَّاشئ من التفرد بالخلق أمر الإنسان أن يعبده وحده ويخلص العبادة له:
{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} (5).
{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (6).
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (7).
__________
1 سورة النساء: 65.

2 في كتاب الإيمان “ص33 من طبعة دار الطباعة المحمدية بالقاهرة”.
3 سورة الزمر: 7.
4 سورة الأعراف: 54.
5 سورة يوسف: 40.
6 سورة الزمر: 3.
7 سورة الزمر: 11.

وإخلاص العبادة يقتضي الاعتقاد بوحدانية الله سبحانه وتعالى، ويقتضي توجيه الشعائر التعبدية له وحده، ويقتضي كذلك التَّصْدِيق بكل ما جاء من عنده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم والاحتكام إلى شريعته وحدها دون الشَّرائع الجاهلية التي يصنعها البشر من عند أنفسهم دون سلطان من الله.
والإخلال بأي واحدة من هذه الثلاثة يوقع الإنسان في الشِّرْكِ ويخرجه من دائرة الإيمان: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} (1).
كما قالوا: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (2).
فهذه هي الثَّلاثة التي أوقعتهم -أساسًا- في الشِّرْكِ: توجيه الشَّعائر التَّعَبُّدِيَّة لغير الله، والتحليل والتحريم من دون الله، والاعتقاد بوجود آلهة مع الله.
وكلها مجتمعة شرك، وكل واحدة بمفردها شرك لا يستقيم معه إيمان … والمعاصي تقع من البشر جميعا: “كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ” (3).
ولكنها لا تخرجهم من الإيمان باتفاق علماء الأمة..
إلا أن يجعلوها شَرْعَاً فعندئذ يكفرون بها، بل هم يكفرون بالتَّشْرِيع ولو لم يرتكبوا المعصية بأنفسهم.. فالذي يقول -بلسانه أو بفعله- إن الله أمر بقطع يد السارق ولكني أرى أن العقوبة المناسبة للسارق هي السجن -وهو ما تفعله العلمانية الجاهلية- فقد كفر بذلك وإن لم يسرق بنفسه ولم يفكر في السَّرِقة.
والذي يقول -بلسانه أو بفعله- إن الله أمر برجم الزَّاني المحصن وجلد الزَّاني غير المحصن، ولكني أرى أنه لا عقوبة على الزِّنا إذا كان برضى الطرفين البالغين الراشدين “أي: لم تكن الفتاة قاصرا” ولم تقع شكوى من أحدهما، فإن كان هناك اغتصاب أو اشتكى أحد الزوجين فالعقوبة هي السجن -وهو ما تفعله العلمانية الجاهلية- فقد كفر بذلك وإن لم يرتكب الفاحشة بنفسه ولم يفكر في ارتكابها …
وكذلك كل شرع من شرع الله.
من اعتقد بأفضلية غيره عليه، أو حتى مساواته معه، فعدل عنه إلى غيره؛ أو رضي بغيره ولم يجاهده بيده أو بلسانه أو بقلبه فقد خرج من دائرة الإيمان؛ وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم!
{ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (48) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} (4).
{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} (5).
“إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ” (6).
“فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ” (7).
فإذا كان هذا أمر الله ورسوله فأنَّى يقول قائل إنَّ الإسلام يمكن أن يلتقي مع العلمانية التي تقول: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين؟!! أو تقول إنَّ الاقتصاد لا علاقة له بالدِّينِ.. أو تفصل بين حكم الدِّينِ وبين أي شَيْءٍ في حياة الإنسان؟! (8).
__________
1 سورة النحل: 35.
2 سورة ص: 5.
3 أخرجه ابن ماجه. وقال في المستدرك: “هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ”.

4 سورة النور: 47-51.
5 سورة النساء: 65.
6 رواه مسلم.
7 رواه مسلم.
8 انظر تفصيلا لهذه القضية في كتاب “مفاهيم ينبغي أن تصحح”.

العقلانية

بمعنى التفسير العقلاني لكل شيء في الوجود، أو تمرير كل شيء في الوجود من قناة العقل لإثباته أو نفيه أو تحديد خصائصه مذهب قديم في البشرية، يبرز أشد ما يبرز في الفلسفة الإغريقية القديمة، ويمثله أشد ما يمثله “سقراط” و”أرسطو”.
ولقد ظلت الاتجاهات الفلسفية الإغريقية -التي تمثل العقلانية قسما بارزا منها- تسيطر على الفكر الأوروبي، حتى جاءت المسيحية الكنسية فغيرت مجرى ذلك الفكر في انعطافة حادة تكاد تكون مضادة لمجراه الأول الذي استغرق من تاريخ الفكر الأوروبي عِدَّةَ قرون. فلم يعد العقل هو المرجع في قضايا الوجود إنما صار هو الوحي -كما تقدمه الكنيسة- وانحصرت مهمة العقل في خدمة ذلك الوحي في صورته الكنسية تلك ومحاولة تقديمه في ثوب “معقول”!
يقول الدكتور محمد البهي: “كان الدين أو النص طوال القرون الوسطى سائدًا في توجيه الإنسان في سلوكه وتنظيم جماعته، وفي فهمه للطبيعة، وكان يقصد بالدين “المسيحية” وكان يراد من المسيحية، “الكثلكة” وكانت الكثلكة تعبر عن “البابوية” والبابوية نظام كنسي ركز “السلطة العليا” باسم الله في يد البابا، وقصر حق تفسير “الكتاب المقدس” على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى، وسَوَّى في الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وأفهام الكنيسة الكاثوليكية”(1).
وقد نشأت عن ذلك في الحياة الأوروبية والفكر الأوروبي مجموعة من الاختلالات عرضنا لبعضها في الفصول السابقة، وقد نعرض لها أو لغيرها مرة أخرى في هذا الفصل، ولكنا نبادر هنا فنقول إن هذه الاختلالات لم تنشأ -كما تصور الفكر الأوروبي في مبدأ عصر النهضة- من إهمال الفلسفة والعلوم الإغريقية والالتجاء إلى الفكر “الديني”. فلم يكن “الفكر الديني” من حيث المبدأ، ولا إخضاع العقل للوحي هو مصدر الخلل في فكر العصور الوسطى في أوروبا، إنما كان الخلل كامنا في ذلك الفكر الذي قدمته الكنيسة باسم الدين، وفي إخضاع العقل لما زعمت الكنيسة أنه الوحي، بعد تحريفها ما حرفت منه، وإضافتها ما أضافت إليه، ومَزْج ذلك كله بعضه إلى بعض وتقديمه باسم الوحي.
والفلسفة الإغريقية التي ظنت أوروبا في عصر النهضة أن ضلالها في العصور الوسطى كان بسبب إهمالها، وأن العلاج هو الرجوع إليها والاستمداد منها، لم تكن هي في ذاتها بريئة من الخلل ولا سليمة من العيوب، ولا كانت في صورتها التي قدمها فلاسفة الإغريق القدامى زادا صالحا لحياة إنسانية مستقيمة راشدة، على الرغم من كل ما احتوته من إبداع فكري في بعض جوانبها.. وإنما ظل الفكر الأوروبي في الحقيقة يتنقل من جاهلية إلى جاهلية حتى عصره الحاضر. فمن الجاهلية الإغريقية والرومانية، إلى جاهلية الدين الكنسي المحرف في العصور الوسطى، إلى جاهلية عصر الأحياء، إلى جاهلية عصر “التنوير” إلى جاهلية الفلسفة الوضعية، إلى الجاهلية المعاصرة.
وليس همنا في هذا الفصل أن نستعرض انحرافات الفكر الغربي في جاهلياته المتتابعة، إنما يهمنا فقط أن نتابع خط العقلانية في ذلك الفكر، ثم نخص بالحديث العقلانية المعاصرة.
كانت العقلانية الإغريقية لونا من عبادة العقل وتأليهه، وإعطائه حجما مزيفا أكبر بكثير من حقيقته، كما كانت في الوقت نفسه لونا من تحويل الوجود كله إلى “قضايا” تجريدية مهما يكن من صفائها وتبلورها فهي بلا شك شيء مختلف عن الوجود ذاته، بحركته الموَّارة الدَّائمة، بمقدار ما يختلف “القانون” الذي يفسر الحركة عن الحركة ذاتها، وبمقدار ما تختلف البلورة عن السائل الذي نتجت عنه.. قضايا تعالج معالجة كاملة في الذِّهن بصرف النَّظر عن وجودها الواقعي! وبصرف النظر عن كون وجودها الواقعي يقبل ذلك التفسير العقلاني في الواقع أو لا يقبله، ويتمشى معه أو يخالفه!
وكان أشد ما يبدو فيه هذا الانحراف معالجة تلك الفلسفة “لقضية” الألوهية و”قضية” الكون المادي وما بينهما من علاقة، ويتشعب هذا الانحراف شُعَبَاً كثيرة في وقت واحد.
فأوَّل انحراف هو محاولة إقحام العقل فيما ليس من شأنه أن يلم به فضلًا عن أن يحيط بكنهه في قضية الذات الإلهية. فمن باب احترام العقل لذاته ومعرفته لطبيعته وحدود مقدرته، ما كان لهذا العقل أن يقتحم ميدانا ليس بطبيعته مؤهلًا لاقتحامه، ولا قدرة له على الخوض فيه.
إنَّ المحدود لا يتسنى له أن يحيط بغير المحدود، والفاني لا قدرة له على الإحاطة بحقيقة الأزل والأبد حيث لا بداية ولا نهاية ولا حدود، إنما يستطيع العقل أن “يتصور” ذلك لونًا من التَّصور، وأن يدرك أنه يمكن أن يوجد على هذه الصورة..أما أن يحيط “بكنهه” على أي نحو من الأنحاء فقضية أخرى خارجة عن نطاق العقل، وهي التي نقول إن احترام العقل لذاته ومعرفته لطبيعته وحدود مقدرته هي التي توجب عليه أن يتجنب الخوض فيها؛ لأنه لن يصل فيها إلى شيء له اعتبار.
وليس معنى هذا أن “الدين” كله أمر خارج عن نطاق العقل، أو أن الاعتقاد في وجود الله ومعرفة صفاته أمر لا نصيب فيه للعقل.
كلا.. إنما يدخل العقل إلى هذا الميدان من بابه الذي هو مؤهل بطبيعته أن يدخل منه، لا من الباب الذي لا يقدر على فتحه، والذي يضل فيه لو اقتحمه بغير أداته، يدخل من باب إدراك آثار القدرة الإلهية والاستدلال من هذه الآثار على وجود الله ومعرفة صفاته التي يتفرد بها دون الخلق، ولكن لا يدخل من باب “الكنه” الذي لا يقدر عليه ولا يصل إلى نتيجة فيه(2).
أرأيت لو أنك أدخلت مفتاحا في قفل أكبر منه، فظل يدور في القفل ويدور دون أن يصل إلى فتحه، فهل تظل تقول: إن هذا المفتاح صالح لكل شَيْءٍ، ولا بد أن تفتح به جميع الأبواب، ولو بقيت الدُّهور تدير المفتاح في القفل فلا يفتح لك الباب؟! أم تتواضع أمام الأمر الواقع وتُقِرَّ بأن هذا المفتاح لا يصلح لذلك الباب، وتبحث له عن مفتاح آخر يناسبه، وتحتفظ بمفتاحك للباب الذي يحسن فتحه!
ليس العيب في القفل ولا في المفتاح! إنما العيب في أنك أنت تحاول أن تقتحم به بابا لا يقدر على اقتحامه!
وحين أصرت الفلسفة اليونانية -ومن تبعها بعد من فلاسفة النصارى وفلاسفة المسلمين- أن يقتحموا باب الكنه بمفتاح العقل، فقد وصلوا جميعا إلى ذلك التخبط الذي يملأ كتب الفلسفة كلها من أول التاريخ إلى آخر التاريخ!
لا جرم أن تجد “أرسطو”، الذي يعتبره دارسو الفلسفة أعظم “عقل” في التاريخ القديم، يصف إلهه -بعقله- على هذه الصورة:
يقول “العقاد” في كتاب “حقائق الإسلام وأباطيل خصومه”:
“ومذهب أرسطو في الإله إنه كائن أزلي أبدي مطلق الكمال لا أول له ولا آخر ولا عمل له ولا إرادة. منذ كان العمل طلبا لشيء والله غني عن كل طلب، وقد كانت الإرادة اختيارا بين أمرين، والله قد اجتمع عنده الأصلح والأفضل من كل كمال فلا حاجة به إلى الاختيار بين صالح وغير صالح ولا بين فاضل ومفضول، وليس مما يناسب الإله في رأي “أرسطو” أن يبتدي العمل في زمان؛ لأنه أبدي سرمدي ولا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلى العمل، ولا يستجد عليه من جديد في وجوده المطلق بلا أول ولا آخر ولا جديد ولا قديم، وكل ما يناسب كماله فهو السعادة بنعمة بقائه التي لا بغية وراءها ولا نعمة فوقها ولا دونها، ولا تخرج عن نطاقها عناية تعنيه”.
“فالإله الكامل المطلق الكمال لا يعنيه أن يخلق العالم أو يخلق مادته الأولى وهي “الهيولى”.. ولكن هذه “الهيولى”، قابلة للوجود يخرجها من القوة إلى الفعل شوقها إلى الوجود الذي يفيض عليها من قبل الإله، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود، ثم يدفعها النقص إلى الكمال المستطاع في حدودها، فتتحرك بما فيها من الشوق والقابلية، ولا يقل عنها إنها من خلقة الله إلا أن تكون الخلقة على هذا الاعتبار”(3).
ويعلق العقاد -بصدق- على هذا التصور فيقول: “كمال مطلق لا يعمل ولا يريد … أو كمال مطلق يوشك أن يكون هو والعدم المطلق على حد سواء … “(4).
__________
1 في كتابه “الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي” ص279 من الطبعة الثامنة.

2 سنعود إلى تفصيل هذه النقطة عند بسط وجهة النظر الإسلامية في قضية العقل والعقلانية.

3 ص33، 34 من طبعة دار الهلال بالقاهرة سنة 1969.
4 ص34 من المرجع السابق.

والانحراف الثاني هو تحويل الموضوع كله إلى قضايا فلسفية ذهنية بحتة، تبدأ في العقل وتنتهي في العقل، ويثبت ما يثبت منها وينفي ما ينفي بالعقل، فلا تمس الوجدان البشري، ولا تؤثر في سلوك الإنسان العملي، فتفقد قيمتها في واقع الحياة …

إنَّ موضوع الألوهية ليس موضوعا فلسفيا بالصورة التي تتناوله بها الفلسفة، إنما هو موضوع “العقيدة”. الفرق بين الفلسفة والعقيدة أن الفلسفة تخاطب الذِّهْن وحده، تبدأ من هناك وتنتهي هناك … ولا تتجاوز الذِّهْن إلى الواقع الحي الذي يعيشه الإنسان في الأرض، أما العقيدة فتخاطب الكيان الإنساني كله: عقله وجسمه وروحه وكل شَيْءٍ فيه. إنِّها لا تسكن كما تسكن الفكرة في الذِّهْن، ولا تتحرك حول نفسها في الفراغ كما تتحرك الفكرة في الذِّهْن إن تحركت، إنِّما هي دائمًا تدفع الإنسان إلى “سلوك” معين ينبثق منها ويتناسق معها. وإلى “حركة” معينة وجدانية وسلوكية وفكرية في عالم الواقع.
ومن ثَمَّ لم تكن الفلسفة قط من وسائل الهداية للبشرية! إنَّ غاية ما يمكن أن تصل إليه هو نوع من المتعة العقلية عند هواة هذا اللون من المتعة، وهم بطبيعتهم محدودون، ولكنها -وحدها- لم تنشئ قط أُمَّةً ولم تحرك أُمَّةً. والقليلون الذين يجدون فيها المتعة العقلية ينتهي بهم الأمر إلى هذا المتاع الذَّاتي ولا زيادة. أو إن تحركوا فلا تزيد حركتهم على محاولة إحداث هذه المتعة عند مجموعة قليلة حولهم.. ولا زيادة. إنها لا تهدف إلى إحداث “سلوك” معين في واقع حياة الناس، ولا تملك ذلك. ونظرة سريعة إلى واقع المجتمع الإغريقي الذي عاش فيه أولئك الفلاسفة والمفكرون الكبار تبين هذه الحقيقة بوضوح، فما كانت هناك صلة على الإطلاق بين “أفكار” هؤلاء الفلاسفة و”واقع” الناس. هؤلاء يتكلمون في “الحكمة” وفي السُّلوك الإنساني “كما ينبغي أن يكون” والمجتمع غارق في كُلِّ أنواع الفسق والرَّذِيلة والفساد والظلم، لا يعني نفسه بِشَيْءٍ مما يملأ “أذْهَان” أولئك المفكرين.
أما العقيدة فلها شأن آخر..
إنها تخاطب العقل فيما تخاطبه من كيان الإنسان، ولكن لا من أجل المتعة العقلية كما تصنع الفلسفة، بل من أجل إحداث الوعي اللازم بحقيقة الألوهية، الذي يترتب عليه الوعي بالالتزام الواجب تجاه تلك الحقيقة … أي: الالتزام بمقام العبودية، الذي يستلزم الحب والخشية والطاعة والاستقامة على أمر الله.
ثُمَّ إنها تخاطب الوجدان … أو قل إنها تركز خطابها مع الوجدان -وإن كانت قط لا تهمل مخاطبة العقل- لأنَّ الوجدان هو الأداة المثلى لتحويل قيم العقيدة ومبادئها إلى سلوك عملي؛ لأنَّه حي منفعل متحرك. فهو الأقدر على تَلَقِّي الشُّحْنة العقيدية، وهو الأقدر على ترجمتها في صورة واقعية حية؛ لأنَّ من طبيعته أن ينفعل بما يتلقى ويشع من هذا الانفعال في داخل النفس يقينا اعتقاديا من جهة، وتوجها متحركا يتناسق مع هذا اليقين من جهة أخرى.
ولذلك كانت العقيدة الحية دائما هي التي تنشئ الأمم وتحكم السلوك البشري، وكانت دائما هي سبيل الهداية للبشرية.
ويحدث ولا شك فتور في العقيدة في نفوس الأمم ونفوس الأفراد، ويحدث ولا شك تَفَلُّتْ من المقتضيات السلوكية للعقيدة في صورة معاص وانحرافات، ولكن يظل الأمر في أسوأ حالاته مختلفا عن الشأن مع الفلسفة، فمع العقيدة هناك ارتباط قوي في أصله يمكن أن يطرأ عليه الضَّعف، ومع الفلسفة لا يوجد ارتباط على الإطلاق.
وموضوع الألوهية هو أصلا موضوع العقيدة … أو هو موضوع “العقيدة” باعتبار الإنسان كائنا معتقدا بطبعه، عابدا بفطرته، حتى إن ضَلَّت هذه الفطرة عن طريقها السَّوْيِّ لسبب من الأسباب، وليس معنى ذلك أنه محرم على الفلسفة -أو الفكر- أن يتناوله. ولكنه حين يتناوله على النحو الذي تناولته به الفلسفة الإغريقية العقلانية، وتبعها فيه فلاسفة النصارى فيما يعرف “باللاهوت” وفلاسفة المسلمين فيما يسمى “الفلسفة الإسلامية” أيك التناول الذِّهْني التَّجريدي الخالص، يكون قد انحرف به عن طريقه الأصيل، وحوله إلى “كلام” و”أفكار” لا تنشئ سلوكا واقعيا، ولا تغير شيئا في حياة الناس.. فيتحول إلى زَبَدٌ لا ينفع.
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} (1).
وأما الانحراف الثالث النَّاشئ من التَّناول العقلاني لقضية الألوهية، وعدم الرجوع فيها إلى المصدر اليقيني الأَوْحَد وهو الوحي الرباني، فهو تخبط الفلاسفة فيما بينهم وتعارض ما يقوله كل واحد منهم مع ما يقوله الآخر.
ولا عجب في ذلك، فما دام “العقل” هو المُحَكَّم في هذه القضية، فعقل من؟! إنَّ العقل المطلق أو العقل المثالي تجريد لا وجود له في عالم الواقع! إنما الموجود في الواقع هو عقل هذا المفكر وذاك المفكر. ولكل منهم طريقته الخاصة في “تَعَقُّل” الأمور، ولكل منهم “نوازعه” الخاصة التي يحسبها بعيدة عن التأثير في عقله وهو واهم في حسابه؛ ولكل منهم اهتماماته الخاصة التي تجعله يركز على أمور ويغفل غيرها من الأمور …
ومن ثَمَّ لا تصبح تلك الفلسفة في هذه القضية بالذَّات أداة هداية وإنما أداة تشتيت وأداة تضليل.
وما نريد أن نتطرق لتقويم موقف تلك الفلسفة العقلانية من القضايا الأخرى غير قضية الألوهية فقد يكون لها توفيقاتها في بعض جوانب الفكر البشري، وقد تكون فائدتها الأساسية تنمية القدرة على إدراك الكليات التي تحكم الجزئيات، وتلك مباحث لا تُبْتَغَى في مثل بحثنا الحاضر … ولكننا نشير إشارة موجزة هنا، نعود إلى تفصيلها فيما بعد، إلى أن هذه العقلانية تكاد تقف نفس الموقف من قضية أخرى لا تقل خطورة في حياة الناس عن قضية الألوهية، وهي قضية “منهج الحياة” الذي ينبغي أن يسير عليه البشر. فقد تخبطت تلك “الفلسفة”(2) في تلك المسألة من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، فضلا عن كونها حَوَّلَتْها إلى أحلام طوباوية أو ذِهْنِيَّة لا علاقة لها بواقع الحياة، ومن ثَمَّ لا أثر لها في واقع الحياة!.
من هذه الجاهلية انتقل الفكر الأوروبي إلى عصر “سيادة الدين”.
وكان المفروض أن يخرج ذلك الفكر إذن من الجاهلية إلى النور، ولكنه في الحقيقة دخل إلى ظلمات حالكة ليس فيه حتى ذلك “البريق” الذي تميزت به الفلسفة الإغريقية في كثير من المواضع بصرف النظر عن القيمة الحقيقية لذلك البريق، وعن كونه بريقا هاديا أم مُضَلِّلًا عن الطريق!
كان المفروض وقد التزم العقل بالوحي، واستمد منه اليقين والهدى -في المسائل التي لا يهتدي فيها وحده ولا يستيقن فيها بمفرده- أن ينطلق الفكر في ميادينه الأصيلة يبدع وينتج، ويمد “الإنسان” بما يحتاج إليه في شئون “الخلافة” وعمارة الأرض.
__________
1 سورة الرعد: 17.

2 في هذه القضية في الحقيقة تخبطت كل الفلسفات كما سيأتي ذكره فيما بعد، ولكن كل فلسفة كان لها في تخبطها مدخلها الخاص.

ولكن الكنيسة الأوروبية أفسدت ذلك كله بما أدخلته من التحريف على الوحي الرباني المنزل من السَّماء لهداية البشرية على الأرض، وتخبطت في قضية الألوهية تخبطا من نوع جديد، حين قالت إن الله ثلاثة أقانيم، وإن المسيح ابن مريم عليه السلام واحد من هذه الأقانيم الثلاثة، وإنه ابن الله وفي الوقت ذاته إله، وشريك لله في تدبير شئون الكون.
وفضلًا عن ذلك -أو ربما بسبب ذلك- حُجِرَ على العقل البشري أن يعمل وأن يفكر.
فإنَّ هذه الألغاز التي ابتدعتها المجامع المقدسة في شأن الألوهية لم تكن “معقولة” ولا مستساغة فيما يمكن للعقل البشري أن يتصور ثلاثة أشياء هي ثلاثة وهي واحد في ذات الوقت، وما يمكن أن يتصور أن الله سبحانه وتعالى ظل متفردا بالألوهية وتدبير شأن هذا الكون ما لا يحصى من الزمان، ثُمَّ إذا هو -فجأة- يوجد كائنا آخر ليكون شريكا له في الألوهية ومعينا له في تدبير الكون!! تعالى الله عن ذلك عُلُوَّا كبيرًا.
ومن أجل كون هذا العبث “المقدس!” الذي ابتدعته المجامع “المقدسة!” غير معقول ولا مستساغ فقد سَخَّرت الكنيسة “العقل” في محاولة إخراج هذا المزيج المتنافر المتناقض في صورة “فلسفية” مستساغة “أو هم قالوا عنها أنها مستساغة” وفي الوقت ذاته حجرت على العقل أن يناقشها، لئلا تجر المناقشة إلى القول بأنها غير معقولة على الرغم من كل الصناعة “العقلية” التي وضعت فيها!
ومن ثم نشأت في الفكر الأوروبي تلك “المُسَلَّمَات” أو العقائد المفروضة فرضا التي لا يجوز مناقشتها Dogmas لا لأنها -في حقيقتها- من الأمور التي ينبغي للعقل أن يُسَلِّمَ بها دون مناقشة، ولكن لأنها مناقضة للعقل، ومفروضة عليه فرضا من قبل رجال الدِّينِ، الذين زعموا لأنفسهم حَقَّ صياغة العقائد وفرضها على الناس بالقُوَّةِ دون أن يكون لهم حق المناقشة أو الاعتراض وإلا كانوا مهرطقين مارقين، يجوز فيهم كل شَيْءٍ حتى إهدار الدَّمِ وإزهاق الأرواح، كما مر بنا في شأن محاكم التفتيش التي قال عنها “ويلز”(1):

“فأصبح قساوستها وأساقفتها على التَّدْريج رجالا مكيفين وفق مذاهب واعتقاديات حتمية Dogma وإجراءات مكررة وثابتة.. ونظرا لأن كثيرا منهم كانوا على الأرجح يُسِرُّون الرَّيْبَة في سلامة بنيان مبادئهم الضَّخْمِ المحكم وصحته المطلقة لم يسمحوا بأية مناقشة فيه، كانوا لا يحتملون أسئلة ولا يتسامحون في مخالفة، لا لأنهم على ثقة من عقيدتهم، بل لأنهم كانوا غير واثقين فيها”.
“وقد تجلى في الكنيسة عندما وافى القرن الثالث عشر ما يساورها من قلق قاتل حول الشُّكُوكِ الشَّديدة التي تنخر بناء مُدَّعَيَاتها بأكمله، وقد تجعله أثرا بعد عين، فلم تكن تستشعر أي اطمئنان نفسي، وكانت تتصيد الهراطقة في كل مكان كما تبحث العجائز الخائفات -فيما يقال- عن اللصوص تحت الأسِرَّة وفي الدَّواليب قبل الهجوع في فراشهن”.
ومن الأدلة التاريخية التي تثبت أنَّ النَّصارى -على الرغم من تشبثهم الشَّديد بمقررات المجامع المقدسة بشأن قضية الألوهية- لم يكونوا يؤمنون بها في دخيلة أنفسهم إلى درجة اليقين، ما حدث من وفد نصارى نجران مع الرسول صلى الله عليه وسلم حين دعاهم -بأمر ربه- إلى المباهلة:
{قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} (2).
فقد امتنعوا عن المباهلة وانصرفوا رغم جدالهم الشديد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حول بنوة عيسى لله وألوهيته مع الله. ولو كانوا على يقين حاسم ما امتنعوا!
وأيا كان الأمر فقد استخدمت الكنيسة كل طغيانها الروحي للحَجْرِ على العقل.. وصنعت ذلك باسم “الدين”!
والدين الصحيح ليس في حاجة إلى شيء من ذلك الذي صنعته الكنيسة …
حقيقة إن في الدين الصحيح “مُسَلَّمَات” لا تناقش، تعتبر من أصول الإيمان كما جاء في حديث جبريل عليه السلام:
“قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»” (3).
وبعض هذه الأمور ليس للعقل سبيل إليها من ذات نفسه، إنما يتعرف عليها عن طريق الوحي، ويسلم بها تسليما، كالإيمان بالملائكة واليوم الآخر وما يشتمل عليه من بعث ونشور وحساب وجزاء وجنة ونار … وكان هذا كله واردا في “مُسَلَّمَات” الدين الكنسي، ولا اعتراض عليه.
__________

1 في كتابه “معالم تاريخ الإنسانية “ص902، 903 من الترجمة العربية”.
2 سورة آل عمران: 61.
3 رواه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ولكن هناك فارقا أساسيا بين “مُسَلَّمَات” الدين الصحيح والمُسَلَّمَات الكنسية الأخرى التي كانت تجبر الناس عليها إجبارًا وتمنعهم من مناقشتها في أمر صحتها، وتتهمهم بالمروق عن الدين إن خالفوها أو هموا مجرد هَمٍّ بمناقشتها!
فالمدخل إلى هذه المُسَلَّمَات في الدِّينِ الصَّحِيحِ هو الإيمان بالله والتَّعَرُّف على صفاته التي لا يشاركه فيها أحد، وفي مقدمتها أنه هو الخالق وأنه على كل شيء قدير، والإيمان بالرسول المرسل صلى الله عليه وسلم- وصدقه وأمانته(1)، والإيمان بأنَّ ما يخبر به عن ربه وَحْيٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكل هذه يدعى العقل دعوة صريحة إلى التفكير فيها، والتأكد منها قبل الإيمان بها، وخذ مثالًا على ذلك ما جاء في كتاب الله من خطاب للقوم المدعوين للإسلام:
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (2).
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (3).
{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (4).
{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} (5).
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (6).
{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (7).
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (8).
فإذا آمن الإنسان -وهو مدعو للتفكر والتدبر وإعمال العقل ليؤمن- بأن الله هو الخالق وهو على كل شيء قدير، وآمن بصدق الرسول المرسل صلى الله عليه وسلم، وآمن بأن ما يخبر به الرسول عن ربه وحي لا شبهة فيه، فقد أخبره الوحي بأمور لا سبيل للعقل أن يصل إليها من تلقاء نفسه؛ لأنها ليست مما يقع في محيط رؤيته ولا تجربته، وطلب منه التسليم بها؛ لأنها آتية من المصدر الحَقِّ الذي آمن بصدقه وصدق كل ما يجيء من عنده. وهي في الوقت نفسه مِمَّا لا يملك العقل دليلا حقيقيا ينفيها.. فوجب عليه أن يسلم بها وقد آمن بمقدماتها التي توصله إلى التسليم بها.
هذا شأن المُسَلَّمَات في الدين الصحيح: أمور لا يملك العقل أن يستدل عليها من تلقاء نفسه، ولا يملك في الوقت ذاته دليلا حقيقيا ينفيها، ثُمَّ إنه لا يدعى إلى التسليم بها قبل أن يسلم بالمقدمات التي توصل إليها عن طريق التفكر والتدبر والتأمل في ملكوت السموات والأرض.
أما المُسَلَّمَات التي فرضتها الكنيسة فرضا وأرهبت الناس من مناقشتها فهي غير ذلك تماما.
فحيث يتجه العقل والتدبر والتأمل إلى الإيمان بأنَّ الله واحد أحد، وأنَّه لو كان في السَّموات والأرض آلهة إلا الله لفسدتا … تقول له الكنيسة إنَّ الله ثلاثة، ثُمَّ تزيد الأمر تعقيدا فتقول له: إن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة، ثم تمنعه من المناقشة عن طريق الإرهاب …
وحيث يتجه العقل -بوسائل تفكيره- إلى الإيمان بأن الله الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا هو في غنى عن كل شريك؛ لأنه “بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ” ولأنه يقول للشيْءِ “كُن فَيَكُونُ” ومن ثم فهو الجدير بالعبادة وحده.. تقول له الكنيسة إن هناك شريكا لله هو المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، هو إله مع الله، ومعبود كذلك مع الله، ثم تمنعه من المناقشة وتتهمه بالمروق إن خالف.. وحيث يتجه العقل -بمنطقه الذَّاتي- إلى الإيمان بأن الله ليس في حاجة إلى اتخاذ الولد -والخلق كلهم خلقه خلقهم بمشيئته وهم عباد له- وليس من شأنه سبحانه أن يتخذ ما لا حاجة له إلى اتخاذه، وهو المهيمن الذي يدبر أمر الوجود كله بمفرده، بلا كلفة عليه سبحانه ولا جهد ولا حاجة إلى معين.. تقول له الكنيسة إن لله ولدًا، خلقه بمشيئته كما يخلق كل شَيْءٍ بمشيئته ثم تبناه -سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوَّا كبيرا- ليضعه بعد ذلك على الصليب، ويجرعه آلام الصلب، ليكفر بذلك عن خطيئة لم يرتكبها ذلك الابن إنما ارتكبها آدم وحواء قبل ذلك بزمن لا يحصيه إلا الله! ثم تفرض عليه ذلك فرضا وتقول له هذه هي العقيدة، ومن لم يعتقدها فقد حلت عليه لعنة السَّماء.
تلك هي المسلمات التي لا يمكن التسليم بها؛ لأن العقل يملك كل دليل ينفيها؛ ولأنها لا تستند إلى شَيْءٍ إلا قرارات المجامع المقدسة التي تبتدعها من عند نفسها وتزعم مجرد زعم أنها من عند الله، بينما الناس يرون رجال الدين في تلك المجامع يتناقشون ويتحاورون. ويختلفون فيما بينهم أشد الاختلاف، ثم يصدرون القرار من تفكيرهم الذَّاتي -ولو كان وحيا سماويا لالتزموا به عقيدة ولم يجز لهم الاختلاف فيه- ثم يرون أسوأ من هذا أن الأقلية تصدر القرار أو تفرضه فرضا على الأكثرية ثم تطرد الأكثرية بالقوة كما حدث في مجمع “خلقدونية”.. ولا تطردهم من المجمع فحسب. بل تزعم كذلك أنها تطردهم من رحمة الله!
ومن أجل هذه المسلمات المزعومة لا يمكن للعقل التسليم بها فقد حظرت الكنيسة على العقل أن يفكر فيها أو يناقشها، وزعمت للناس أن التفكير فيها مناف للإيمان، وأن الموقف الصحيح للمؤمن هو التسليم

بها بغير جدال، وتفويض الأمر فيها لا -لله! – بل “لقداسة” البابا ومن حوله من “كبار” رجال الدين!
وفي ظل الإرهاب الفكري الذي مارسته الكنيسة انكمش نشاط العقل الأوروبي وانحصر في التسليم بما تمليه الكنيسة والمجامع المقدسة، ومحاولة التوفيق بينه وبين مقتضيات التفكير السليم، في مغالطات “فلسفية” هي أقرب إلى التلفيق منها إلى التوفيق!
ومن ناحية أخرى انصرف الفكر الأوروبي عن النظر في هذا العالم وفي الحياة الدنيا بتأثير آخر من تأثيرات الدين الكنسي المحرف. فقد أوحت المسيحية المحرفة إلى الناس بأن هذه الدنيا لا سبيل إلى إصلاحها أو تقويم معوجها؛ لأنها ناقصة بطبيعتها، وأن الطبيعة الإنسانية ناقصة كذلك، ولا سبيل إلى إصلاحها إلا بصرفها عن الاهتمام بالحياة الدنيا جملةً، وصرف اهتمامها إلى اليوم الآخر كما ألمحنا في فصل “العلمانية”، وأنه بقدر ما ينصرف الإنسان عن هذا العالم والتفكير فيه -بالرَّهْبَانية- يكون أقرب إلى الصلاح، وأقرب إلى الفوز بملكوت الرب في العالم الآخر.

هذا اللون من التفكير صرف الفكر الأوروبي عن النظر في شئون العالم الأرضي والكون المادي إلا في أضيق نطاق مستطاع، ففي أمور الحياة رضي الناس عامة -والمتدينون خاصة- بعيش الكفاف(9) ولم يتطلعوا إلى زيادة الإنتاج أو تحسينه؛ لأن ذلك يخالف روح الدين، ومن ثَمَّ لم يَسْعَوْا إلى زيادة في العلم تمكنهم من زيادة الإنتاج أو تحسينه.
كذلك لم يهتموا بزيادة معلوماتهم عن الكون المادي من حولهم من فلك أو رياضيات أو كيمياء أو فيزياء.. إلخ؛ لأن الأمر -في حسهم- لا يستحق الاهتمام من ناحية؛ ولأن المعلومات التي تقدمها المصادر “الدينية” عن هذا الكون فيها كفاية لهم من ناحية أخرى. ولم تكن تلك المعلومات تعدو أن الله خلق الأشياء على صورتها لحكمة هو يعلمها. ولغاية هو يريدها، وأن كل شيء يجري على النحو الذي أراده الله منذ الأزل بلا تغيير، وهذا في ذاته حق ولا شك، ولكنه لا يعطي التفسير التفصيلي لظواهر الكون المادي المحيط بالإنسان! ولا ما يحدث من التحول الدائم في الكون والحياة والإنسان!
على هذا النحو الضيق المغلق المحصور كان الفكر الأوروبي فيما يسمى -هناك- بالعصور الوسطى المظلمة، التي استمرت زهاء عشرة قرون، خيم فيها على أوروبا ظلام الجهل والانحسار والانحصار، في ظل الطغيان الكنسي المتعدد الألوان المتشعب الأطراف.
فلما بدأت أوروبا تفيق في عصر النهضة نتيجة احتكاكها بالمسلمين في الحروب الصليبية من ناحية، والاتصال السلمي بمراكز العلم والثقافة في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها، كان العقل الأوروبي في حالة تشوق عنيف لاسترداد حريته في العمل، أي: حرية التفكير، ولكن، كما اتسمت فترة العصور الوسطى المظلمة بالتطرف في إلغاء دور العقل والحجر على حرية الفكر، كذلك اتسمت فترة النهضة وما بعدها بالتطرف في الجانب الآخر، جانب إعمال الفكر في كل شيء، سواء كان داخلا في مجال العقل أو غير داخل فيه، وإعماله “بحرية” لا تقبل القيد، سواء كان القيد مشروعا أو غير مشروع!
كان عصر “الإحياء” هو عصر العودة إلى الجاهلية الإغريقية بكل انحرافاتها … مع زيادة انحراف جديد.. هو النفور من الدين ومحاولة إبعاده عن كل مجال من مجالات الحياة.
__________
1 وهو بالنسبة للنصارى المسيح عيسى ابن مريم.
2 سورة النحل: 17.
3 سورة الأحقاف: 4.
4 سورة لقمان: 11.
5 سورة سبأ: 46.
6 سورة الأنبياء: 22.
7 سورة المؤمنون: 91.
8 سورة النساء: 82.

9 ما عدا الإقطاعيين بطبيعة حال! ومع ذلك فقد كانت الكنيسة تساندهم -بكل جشعهم وظلمهم- لأنها هي ذاتها كانت قد أصبحت من ذوات الإقطاع.

والحقيقة أن الحياة الأوروبية في تلك الفترة تستلزم نظرة فاحصة تقف على التيارات والعوامل المختلفة التي كانت تمور في كيانها، والتي تمخضت فيما بعد عن الصورة الحالية “للحضارة” الغربية.
ولقد أخذت أوروبا في نهضتها شيئا كثيرا من الإسلام والمسلمين، ورفضت في الوقت ذاته أن تعتمد الإسلام دينا وعقيدة ومنهج حياة -كما بينا في الفصل السابق- وكان من جراء ذلك آثار بعيدة المدى في الحياة الأوروبية إلى وقتنا الحاضر …
فقد صحت أوروبا من غفوتها الطويلة بالاحتكاك الحربي والسلمي بالمسلمين في الشرق والغرب.
وتزعم أوروبا أنها لم تأخذ من المسلمين إلا التراث الإغريقي الذي كانت قد أضاعته في عصورها المظلمة فوجدته محفوظا عند المسلمين فاستردته، وأقامت نهضتها على أساسه.
وفي هذا الزعم شيء قليل من الحق وشيء كثير من المغالطة التي لم ينج منها إلا عدد قيل من كُتَّاب أوروبا المنصفين.
فأما أن التراث الإغريقي الذي فقدته أوروبا في عصورها المظلمة كان محفوظا عند المسلمين فيما يسمى “الفلسفة الإسلامية” وفي التراجم التي كان المسلمون قد ترجموها عن الإغريقية، وأن أوروبا استردته عن طريق التعلم في مدارس المسلمين وأقامت جانب من نهضتها عليه.. فهذا صحيح.
ولكن هذا التراث الإغريقي، على كل اعتزاز أوروبا به وتعصبها له، لم يكن صالحا -وحده- لإقامة النهضة الأوروبية، ولا أي نهضة على الإطلاق، باعتباره مجموعة من “الأفكار” التجريدية الذهنية المنقطعة عن واقع الحياة. وهو -بكل لمعانه الفكري- لم يستطع أن يداوم الحياة في بيئته الأصلية التي أنبتته، فضلا عن أن يكون- وحده- باعث نهضة جديدة على اتساع أوروبا كلها، وعلى اتساع العالم كله في العصر الحديث!
نعم، يوجد في هذه الأفكار قيم ومبادئ يمكن أن تكون زادًا لقوم “يرغبون” في الحياة، ويرغبون في إقامة نهضة شاملة. ولكنها -وحدها- لا تبعث فيهم هذه الرغبة ولا تلك.

إنما الرغبة في الحياة، والرغبة في إقامة نهضة شاملة، كانت هي الأثر الذي أخذته أوروبا من احتكاكها بالمسلمين، وملامستها للحياة الموارة في العالم الإسلامي، وللنهضة الشاملة فيه.
وليس هذا فقط..
فإن أوروبا لم تغنم من احتكاكها بالمسلمين تلك الرغبة في الحياة والحركة وإقامة النهضة الشاملة فحسب، بل وجدت كذلك “مقومات” تلك النهضة بكاملها موجودة عند المسلمين، فأخذت منها كل ما وسعها أخذه، والعنصر الذي رفضت أخذه -وهو الإسلام- كان هو العنصر الوحيد القمين بترشيد تلك النهضة وإقالة أوروبا من عثرتها.. ولكنها رفضت- بدافع من العصبية الصليبية- فخسرت العنصر الجوهري، وأقامت نهضة عرجاء.. هي التي يعاني منها اليوم كل سكان الأرض!
نعم، لم تكن رغبة الحياة ورغبة النهوض وحدها هي كل ما أخذته أوروبا عن المسلمين.
لقد كانت أوروبا في جهالة تامة من كل علم إلا ما تملكه الكنيسة ورجال دينها من معلومات سطحية معظمها محشو بالأخطاء.
وعند المسلمين وجدوا “العلم”.. في كل مجالات العلم.. في الطب والفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء إلى جانب العلوم الدينية الإسلامية التي كانت تدرس -جنبا إلى جنب- في الجامعات الإسلامية.
وقد مر بنا قول “روجر بيكون”: “من أراد أن يتعلم، فليتعلم العربية، فإنها هي لغة العلم”.
ونضيف هنا قولة “الفاور القرطبي” قبل ذلك بقرون في الأندلس:
“يطرب إخواني المسيحيون بأشعار العرب وقصصهم، فهم يدرسون كتب الفقهاء والفلاسفة المحمديين لا لتفنيدها، بل للحصول على أسلوب عربي صحيح رشيق، فأين تجد اليوم علمانيا يقرأ التعليقات اللاتينية على الكتب المقدسة؟ وأين ذلك الذي يدرس الإنجيل وكتب الأنبياء والرسل؟ واأسفاه! إن شباب المسيحيين الذين هم أبرز الناس مواهب، ليسوا على علم بأي أدب ولا أية لغة غير العربية، فهم يقرءون كتب العرب ويدرسونها بلهفة وشغف، وهم يجمعون منها مكتبات كاملة تكلفهم نفقات باهظة، وإنهم ليترنمون في كل مكان بمدح تراث العرب. وإنك لتراهم من الناحية الأخرى يحتجون في زراية إذا ذكرت الكتب المسيحية بأن تلك المؤلفات غير جديرة بالتفاتهم. فواحر قلباه! لقد نسي المسيحيون لغتهم، ولا يكاد يوجد منهم واحد في الألف قادر إلى إنشاء رسالة إلى صديق بلاتينية مستقيمة! ولكن إذا استدعى الأمر كتابة بالعربية فكم منهم من يستطيع أن يعبر عن نفسه في تلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة، بل لقد يقرضون من الشعر ما يفوق في صحة نظمه شعر العرب أنفسهم”(1).
ولم يكن العلم وحده هو الذي أخذته أوروبا عن المسلمين بجانب الرغبة في الحياة والرغبة في النهوض؛ إنما أخذت كذلك المنهج الذي تقيم عليه العلم، هو المنهج التجريبي.
يقول “بريفولت” في كتاب “بناء الإنسانية Making of Humanity”:
“فالعالم القديم -كما رأينا- لم يكن للعلم فيه وجود. وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علوما أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم وأخذوها عن سواهم، ولم تتأقلم في يوم من الأيام فتمتزج امتزاجا كليا بالثقافة اليونانية، وقد نظم اليونان المذاهب وعمَّمُوا الأحكام ووضعوا النظريات، ولكن أساليب البحث في دأب وأناة. وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبي، كل ذلك كان غريبا تماما عن المزاج اليوناني، أما ما ندعوه “العلم” فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق الاستقصاء مستحدثة، من طرق التجربة والملاحظة والمقاييس، ولتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان.. وهذه الروح، وتلك المناهج العلمية، أدخلها العرب إلى العالم الأوروبي”(2).
كذلك لم يكن العلم وحده ولا المنهج التجريبي وحده … يقول “بريفولت”:
“لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية “يقصد الإسلامية” على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النُّضْجِ … إنَّ العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا، لم تنهض في عنفوانها إلا بعد وقت طويل من اختفاء تلك الحضارة وراء سُحب الظلام، ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوروبا إلى الحياة. بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوروبية، فإنَّه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوروبي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإنَّ هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون وأهم ما تكون. في نشأة تلك الطاقة التي تكون ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفي المصدر القوي لازدهاره أي: في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي”(3).
ويطول بنا الاستطراد لو رحنا نحصي بالتفصيل ما أخذته أوروبا في بدء نهضتها من الإسلام والمسلمين، ولكنا نعود إلى موضوعنا الأصيل فنقول إن أوروبا أخذت ما أخذت ولكنها رفضت أن تأخذ الإسلام ذاته عقيدة ومنهج حياة، وعادت إلى الجاهلية الإغريقية والرومانية تستمد منهما بدلا من الدين الكنسي الذي لفظته، والدين الصحيح الذي رفضت بدافع العصبية أن تدخل فيه، ومن ثَمَّ عادت -كما قلنا- إلى العقلانية اليونانية بزيادة انحراف جديد هو النُّفُور من الدِّينِ والسعي إلى إخراجه من مجالات الفكر والحياة.
لقد كانت الجاهلية الإغريقية الرومانية وثنية خالصة في واقع حياتها، ولكن “المفكرين” و”الفلاسفة” فكروا في الله سبحانه وتعالى، وحاولوا تصوره على قدر ما اجتهدت عقولهم، فاهتدوا إلى وحدانيته وكماله وجلاله، ولكن تشعبت بهم الظنون في متاهات لا قرار لها حين أخذوا يصفون كنه هذا الكمال وهذا الجلال، كما مر بنا من تصور “أرسطو”.
أما جاهلية عصر الإحياء وعصر النهضة فقد سخرت “عقلها” في كيفية الاستغناء عن الله، وإخراج موضوع الألوهية من ميادين الفكر والحياة واحدا إثر الآخر.
كان “التفكير الحر” معناه الإلحاد! ذلك أن التفكير الديني معناه الخضوع للقيد الذي قيدت الكنيسة به العقل وحجرت عليه أن يفكر، فمعنى الحرية الفكرية هو تحطيم ذلك القيد الذي يغل العقل من التفكير، ولم يكن أمام أوروبا بعد أن رفضت الإسلام إلا ذلك السَّبيل الواحد إلى الحرية الفكرية.. وهو الخروج على الدين!
__________
1 حضارة الإسلام جرونيباوم، ص81، 82 من الترجمة العربية.
2 عن كتاب “تجديد الفكر الديني” تأليف محمد إقبال، ترجمة عباس محمود، ص250 من الترجمة العربية.

3 المصدر السابق ص149.

يقول “برنتون”(1):

“فالمذهب العقلي يتجه نحو إزالة الله وما فوق الطبيعة من الكون.. فإن نمو المعرفة العلمية وازدياد الاستخدام البارع للأساليب العلمية يرتبط بشدة مع نمو الوضع العقلي نحو الكون … “.
ويقول عن قانون السببية الذي كشفه “نيوتن”: “إنَّ السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الخاطئة “يقصد المعتقدات الدينية” في هذا العالم” “ص151 من المرجع السابق”.
ويقول: “الإله في عرف “نيوتن” أشبه بصانع السَّاعة ولكن صانع هذه السَّاعة الكونية ونعني بها الكون، لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد، فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد”.
“أما الرجال على هذه الأرض فقد صَمَّمَهُم الإله كأجزاء من آلته الضَّخمة هذه ليجروا عليها. وإنه ليبدو أن ليس ثمة دافع أو فائدة من الصَّلاةِ إلى الإله صانع هذه السَّاعة الضخمة الكونية، الذي لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في عمله”!!
ولنا وقفة عند هذه النصوص..
إن الاتجاه الفكري النافر من الدين، المتجه إلى الإلحاد، لم يكن رد فعل لخطأ واحد من أخطاء الكنيسة وهو الحجر على العقل خوفا من مناقشة “المسلمات” المفروضة، إنما كان في الحقيقة رد فعل أو نتيجة لأخطاء متعددة في وقت واحد.. فالجهالة العلمية التي عانتها أوروبا عدة قرون في ظل السَّيطرة الكنسية جعلت للعلم -حين بدأت أوروبا تتعلم- فتنة ليست من طبيعته في الأحوال العادية وفي النفوس السَّوِيَّة، فضلًا عن أن حرب الكنيسة للعلم والعلماء في عهد النهضة -باسم الدين- جعلت طريق البحث العلمي هو طريق معاداة الدين.
إن الدين والعلم كما بينا في فصل “العلمانية” ليسا ندين متنافرين متعاديين كل منهما يسعى للسيطرة على حساب الآخر ورغما عنه! فنزعة العبادة ونزعة المعرفة كلتاهما نزعة فطرية، والفطرة -في النفس السوية- لا يتنافر بعضها مع بعض، إنما تتعاون جوانبها المختلفة لبناء الشخصية السوية المتوازنة، وقد تختل الشخصية لزيادة أو نقص في أحد الجوانب بالقياس إلى حدة المفروض، وبالقياس إلى الجوانب الأخرى في النفس، ولكنها لا تختل قط من اجتماع جوانب الفطرة كلها في النفس، فهذا هو الأمر الطبيعي الذي لا تستقيم النفس بدونه، بل العكس هو الصحيح، تختل النفس خللا مؤكدا حين يزاح جانب من جوانب الفطرة أو يضمر ليحل محله جانب آخر.
وفي العالم الإسلامي الذي استقت أوروبا العلم منه، كان هذا هو الأمر الواقع: كان الدين والعلم يعيشان معا متساندين متعاونين بلا تنازع ولا تنافر ولا خصام، بل كان العلم في حقيقة الأمر نابعا من العقيدة منبثقا عنها، يعمل في خدمتها، ومع ذلك كان له ذلك المجال الواسع كله الذي يعمل فيه، والحرية التي يمارسها في البحث وتحصيل النتائج وتدوينها، والثمار العلمية المفيدة التي تقوم عليها نهضة علمية زاهرة.
ولم يكن للعلم في نفوس المسلمين فتنة!
لا هو فتنهم عن الدين، ولا صار في حسهم إلهًا مكان الله!
لأنهم كانوا يتناولونه كما تتناوله الفطرة السوية، التي تأخذ حظها من العبادة كما تأخذ حظها من المعرفة العلمية، وتطلب هذه وتلك بلا تنافر بينهما ولا صدام!
وقد كان العالم الواحد – في كثير من الأحيان- عالما في الطب أو الفلك أو الرياضيات.. إلخ، وعالما بالعلوم الدينية في نفس الوقت، متبحرا في هذه وتلك، متوازنا في ذات الوقت، لا يصرفه الدين عن العلم ولا يصرفه العلم عن الدين.
وكان الحسن بن الهيثم -على سبيل المثال- الذي ظلت أوروبا تدرس نظرياته في علم الضَّوْءِ “البصريات” إلى بداية القرن التاسع عشر لتفوقها وتقدمها الباهر، والذي أثبت ملاحظة كانت بالقياس إلى وقته من أعجب العجب، وهي انحناء الشعاع الضوئي عند ملامسته جسمًا منحنيًا وعدم سيره في خط مستقيم(2)، كان على كل عبقريته العلمية تلك يقدم إنتاجه العلمي باسم الله، ويحمد الله ويثني عليه ويشكره على فيض نعمه عليه!
كلا! لم يكن العلم عند المسلمين مثارا للفتنة؛ لأنهم صاحبوه عدة قرون على رزانة وروية فلم يفاجئوا به كما فوجئت أوروبا في عصر النهضة؛ ولأنه نبع في حياتهم من نبع الدين فلم يثر بينه وبين الدين ذلك الخصام الذي ثار بين الدين والعلم في أوروبا؛ ولأن المعرفة كلها في حس المسلم نفحة ربانية يفتح بها على عباده، فيكون جزاؤها في حسه مزيدا من التقرب إلى الله، لا بعدًا عنه وازورارًا عن عبادته.
كذلك كان اكتشاف قانون السَّبَبِيَّةِ بالذَّات باعثًا من بواعث الإلحاد كما مر بنا من كلام “برنتون”.
والمسئول في ذلك أيضا هو الكنيسة!
لقد ظلت الكنيسة تصرف الناس عن العلم عدة قرون، وتوحي إليهم بالاكتفاء بما عندها هي من العلم، الذي لم يكن يتجاوز -كما قلنا- أن الله خلق الأشياء على صورتها لحكمة يعلمها ولغاية يريدها … أي: إرجاع الأمور كلها والظواهر كلها إلى إرادة الله ومشيئته، ومن شأن الدِّينِ أن يركِّز دائما على هذا المعنى، انظر إلى بعض ما جاء في القرآن الكريم في هذا الشأن: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (3).
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (4).
وحكمة ذلك واضحة … “فالدين” يُذَكِّر الإنسان دائمًا بالله لكي يظل قلبه معلقا بالله في جميع حالاته، فيحبه ويخشاه، ويتطلع إليه في كل أمر من أموره، وبهذا وحده تصلح نفس الإنسان وتستقيم … ولأن الإنسان عرضة دائمًا أن ينسى فإنَّ الدِّينَ الصَّحيح يلح في تذكيره حتى لا تدركه الغفلة التي ينشأ عنها كل شر في حياة البشر على الأرض.
ولكن هذا التركيز الشَّديد في الدِّينِ الصحيح على رد الأمور كلها إلى مشيئة الله، لم يمنع المسلمين من البحث عن “الأسباب الظاهرة” في الكون المادي وفي الحياة البشرية، بلا تعارض في حسهم بين هذا وذاك.
ذلك أن الدين الصحيح -وقد رد كل شيء بحق إلى مشيئة الله وقدره(5) -نبه البشر إلى أن هناك سننا كونية تعمل إرادة الله من خلالها في الكون المادي، كما أن هناك سننا أخرى تعمل تلك الإرادة من خلالها في الحياة البشرية، ودعاهم إلى التعرف على هذه وتلك، الأولى ليقوموا بتعمير الأرض -وهو جزء من مهمة “الخلافة” التي خلق الإنسان من أجلها- والأخرى لتكون هذه الخلافة راشدة حين يتم تعمير الأرض بمقتضى المنهج الرباني.
لقد ظل القرآن يلفت نظر الناس إلى آيات الله في الكون وانتظامها ورتابتها ودقتها وانضباطها:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} (6).
{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ، لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ، سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ، وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (7).

{وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (8).
__________

1 كما سبق أن نقلنا من كلامه في كتاب “منشأ الفكر الحديث” “ص103 من الترجمة العربية – ترجمة عبد الرحمن مراد”.
2 وفسر بذلك أننا نرى الشمس قبل ظهورها الحقيقي بدقائق، ونظل نراها بعد غروبها بدقائق، وفي القرن العشرين اكتشف “أيْنِشْتَيْن” أن الضوء في الكون الواسع لا يتخذ مسارا مستقيما بل ينحني حول الأجرام السماوية بفعل الجاذبية.
3 سورة البقرة: 64.
4 سورة النحل: 10-18.

5 يقول الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [سورة القمر: 49] .
6 سورة الفرقان: 45، 46.
7 سورة يس: 33-40.

8 سورة الذاريات: 20، 21.

وفهم المسلمون من هذه التوجيهات المتكررة أن الله يدعوهم إلى التأمل في هذا الكون من حولهم، ليتعرفوا على قدرة الله القادرة التي لا يعجزها شيء، وليتعرفوا كذلك على السنن الربانية التي أودعها في هذا الكون، والطاقات التي سخرها لهم فيه ليقوموا بعمارة الأرض، ويبتغوا من فضل الله.
{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} (1).
{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} (2).
ومن ثم انطلقوا “يدرسون” هذا الكون ويتعرفون على أسراره، فتقدم العلم على أيديهم تقدما ضخما، في الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والطب وغيرها من العلوم النظرية والتجريبية … واكتشفوا -من بين ما اكتشفوا- أن هناك سببا لكل شيء يحدث في الكون المادي، ومن نور وظلام، وكسوف وخسوف، ورياح ومطر، وجدب وخصب وزيادة ونقص.. إلخ.. إلخ …
ولكن اكتشاف “السبب الظاهر” لم يكن فتنة لهم كما كان بالنسبة لنيوتن ومن بعده من “العلماء”!
فلم يجعلوه بديلا من السبب الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، ولم يستغنوا به عن الله، ولم يتصورا أن له حتمية تقيد مشيئة الله الطليقة بحيث يعجز سبحانه عن التصرف في الكون بما يشاء، كما توهم نيوتن ومن بعده.
إنَّما عرفوا أن هذا “السبب الظاهر” هو “السُّنَّةُ الجارية” التي تجري شئون الكون المادي من خلالها، ومن ثَمَّ فهي ليست بديلا من الله سبحانه وتعالى، وهي جزء من مشيئته، ولا تعارض بين تفسير أي أمر من أمور هذا الكون بسببه الظاهر وتفسيره بأنه راجع إلى مشيئة الله، ما دام السبب الظاهر أو “السُّنَّةُ الجارية” من مشيئة الله، ومن ثَمَّ فلا تعارض بين ما سَمَّوْهُ “الطبيعة” وما سَمَّوْهُ “ما وراء الطبيعة” بحيث يمتنع عليك الإيمان بهذه وتلك في آن واحد كما توهمت عقلانية ما بعد النهضة في أوروبا، نتيجة أن ما وراء الطبيعة في ظل السيطرة الكنسية والحجر على العقل كان ينفي الأسباب الظاهرة أو لا يعول عليها في تفسير أمر من أمور الكون، وأن اكتشاف “السبب الظاهر” جاء في جو من العداء للدين والكنيسة، فوضع -من ثَمَّ- مناهضا ومعاديا لما وراء الطبيعة، بالإضافة إلى أن القوم هناك ظلوا -في ظل الإيمان بما وراء الطبيعة على الطريقة الكنسية- في جهل مطبق بكثير مما يحيط بهم في هذا الكون، بينما جاء اكتشاف السبب الظاهر في وسط معلومات عن هذا الكون تبهر العقول!
كلا! لم يفتن المسلمون باكتشاف السبب الظاهر كما فتنت أوروبا في جاهلية ما بعد القرون الوسطى، المظلمة عندهم، بل ظلوا يكشفون كل يوم جديدًا من أسرار هذا الكون ويحققون به تسخيرًا جديدًا لطاقات السَّموات والأرض، المسخرة من الله أصلا للإنسان، والتي يحتاج تحقيق تسخيرها من قبل الإنسان إلى جهد عقلي يتعرف به على السُّنن الربانية وجهد عضلي لتحويل المعرفة النظرية إلى واقع.
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (3).
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (4).
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} (5).
ولم يتصور المسلمون في بلاهة تلك الجاهلية “أنه ليس ثمة داع أو فائدة من الصَّلاة إلى الإله صانع هذه السَّاعة الضَّخمة الكونية” لمجرد أنهم عرفوا سرًا من أسرارها، بل أحسوا -كما بينا من قبل- أنَّ العلم نفحة ربانية يمن الله بها على عباده، فينبغي أن يشكروه عليها بإقامة الصَّلاةِ لا بقطعها، وإدامة التعبد والخشية لله، كما عرفوا أنهم مهما تعلموا من أمور الكون فعلمهم قليل، وأنهم في فقر دائم إلى الله واحتياج:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (6).

{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} (7).
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (8).
__________
1 سورة الإسراء: 12.
2 سورة الملك: 3.

3 سورة الجاثية: 13.
4 سورة النحل: 78.
5 سورة الملك: 15.
6 سورة فاطر: 28.

7 سورة الإسراء: 85.
8 سورة فاطر: 15.

كذلك لم يتصوروا في بلاهة أن الله عاجز عن التصرف في شئون الكون بمشيئته الطليقة لمجرد أنه ثبَّت سنته الجارية كما تصور نيوتن: “ليس ثمة داع أو فائدة من الصَّلاة إلى الإله صانع هذه السَّاعة الضَّخمة الكونية، الذي لا يستطيع إذا ما أراد التَّدَخُّل في عمله”!! ومن ثَمَّ لم ينكروا المعجزات كما أنكرتها عقلانية النهضة وما بعدها. إنما عرفوا أن الله سبحانه وتعالى ثَبَّتَ سنته -بمشيئته الطليقة- رحمة بالإنسان، وإعانة له على القيام بدور الخلافة، ولكنه سبحانه وتعالى طليق المشيئة يصنع في هذا الكون ما يشاء، لا يقيد مشيئته شَيْءٌ على الإطلاق.. ولا ثبوت سنته الجارية(1)، فإن شاء سبحانه وتعالى أن يغير شيئًا من نظام الكون- لحكمة يريدها- ليظهر للناس معجزة من معجزاته، أو يغير نظام الكون كله يوم القيامة كما أخبر عباده في كتبه المنزلة، فلن يقف ثبوت السنة الجارية أمام مشيئته جل وعلا، إذ السنة الجارية من مشيئته، والسنة الخارقة من مشيئته، وهو سبحانه يستخدم هذه السنة أو تلك وقتما يشاء وكيفما يشاء، لا قيد على مشيئته يمنعه من التصرف كيف يشاء.
و”المعجزة” كما نطلق عليها هي شيءٌ خارق للسُّنَّةِ الجارية.. نعم. ولكن “الإعجاز” في السُّنَّةِ الجارية هو هو الإعجاز في الخارقة، مصدرهما واحد، وجوهرهما واحد … هو القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء في السموات ولا في الأرض … وإلا فهل خلق الحياة من الموات -الذي هو في حسنا من السُّنَّةِ الجارية- أقل روعة أو أقل إعجازا من شق البحر بالعصا، أو وقف دورة الشمس لفترة من الوقت أو غير ذلك من المعجزات؟ وهل الذي يخلق الكون كله من العدم يعجز عن تصرف جزئي في هذا الكون تقتضيه حكمته سبحانه؟!
وكما لم تكن معرفة المسلمين المبكرة بالأسباب الظاهرة وثبوت السُّنَّةِ الجارية مانعا لهم من الإيمان بالمعجزات التي جاءت في الكتب المنزلة، كذلك لم يكن إيمانهم بالمعجزات داعيا إلى الخرافة، ولا الاعتقاد بأنَّ الكون فوضى لا يضبطه ضابطٌ ولا يربطه نظامٌ. و”العلم” الذي أخرجوه هو البرهان على ذلك، فقد كان هذا العلم من الدِّقَّة والانضباط -بحسب المتاح في وقته من الأدوات- لدرجة شهد لها كل منصف في التاريخ، وكله شاهد بأن المسلمين كانوا يتعاملون مع هذا الكون على أساس أنَّ هناك نظاما دقيقا يربطه، نظاما من “الأسباب” و”النتائج” معجز بدقته، رائع بانضباطه:
{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} (2).
إنما كانوا على “التوازن” الذي علمهم إياه الإسلام.
أما “عقلانية” النهضة وما بعدها فقد خرجت على الناس بأمور “غير معقولة” على الإطلاق، من نفي لوجود الله تارة، ومن إثبات له تارة أخرى مع نفي قدرته على التصرف، ومن جعل السبب الظاهر بديلا من السبب الحقيقي، ومن جعل ثبوت الأسباب الظاهرة حتميات(3) تفرض نفسها على مشيئة الله!
ودار الزمن دورة أخرى فانتقلت أوروبا -فيما يقال- من سيادة العقل إلى سيادة الطبيعة، حين كشف العلم مزيدا من أسرار الكون واقتنع “المفكرون” أن الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه هو “الطبيعة” لأنها هي التي تنقش في العقل ما يتولد فيه من أفكار. فليس مصدر المعرفة إذًا هو الوحي الرَّباني -وقد نبذوه وراءهم ظهريا سواء منه ما كان حقيقيا بلا تحريف، وما اخترعته الكنيسة من عندها، وقالت إنَّه من وحي الله-؛ ولا هو العقل، الذي لا ينشئ -ولا ينبغي له أن ينشئ- شيئا من عنده، إنما هو الطبيعة: هو عالم الحس.. هو الحقيقة الموضوعية..
يقول الدكتور محمد البهي في تلخيصه الجيد الذي نقلناه من قبل عن الفلسفة الوضعية وتقديرها للطبيعة:
“ومعنى تقديرها للطبيعة على هذا النحو أن الطبيعة -في نظرها- هي التي تنقش الحقيقة في ذهن الإنسان وهي التي توحي بها وترسم معالمها الواضحة، هي التي تكَوِّن عقل الإنسان، والإنسان -لهذا- لا يملى عليه
من خارج الطبيعة، أي: لا يملى عليه مما وراءها، كما لا يملى عليه من ذاته الخاصة، إذ ما يأتي مِمَّا وراء الطبيعة خداع للحقيقة وليست “هي” حقيقة أيضا!
“وبناء على ذلك يكون الدين” -وهو وحي “أي: ما بعد الطبيعة”- خداعا! وهو وحي ذلك الموجود الذي لا يحده ولا يمثله كائن من كائنات الطبيعة. هو وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية …
“وكذلك “المثالية العقلية” وَهْم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي. إذ هي تصورات الإنسان من “عند” نفسه، من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة التي يعيش فيها وتدور حوله”.
“إن عقل الإنسان في منطق هذه الفلسفة -أي: ما فيه من معرفة- وليد الطبيعة التي تتمثل في الوراثة والبيئة والحياة الاقتصادية والاجتماعية، إنه مخلوق، ولكن خالقه الوجود الحسي”(4).
ولقد يفهم من هذا لأول وهلة أن العقلانية التي تتبعنا أطوارها في عصر النهضة وما بعدها قد انتهت وحل محلها طور جديد لا يمت لها بصلة.. ولكن هذا غير الواقع.
لقد تغير الإله المعبود عندهم بالفعل فلم يعد هو العقل، وإنما صار هو الطبيعة التي قال عنها “داروين”: “الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق”.
ولكن الإله الجديد لم يقتل الإله الأول، ولم يخرجه من السَّاحَةِ ليحل محله. إنما قيده فقط بقيوده وأخضعه لشروطه، وإن كان قد شَدَّ على يديه في حرارة مؤيدًا ومؤازِرًا في نقطة واحدة معينة هي نفي الإله الحقيقي-سبحانه وتعالى- وإخراجه نهائيا من الساحة “نستغفر الله”، وإن اختلفت زوايا الرصد واختلف “المنطق” المستخدم فالإله الأول -العقل- ينبذه بحجة أنه “غير معقول”!! والإله الثاني -الطبيعة- ينبذه لأنه لا يُدْرَكُ بالحس ولا يخضع للتجربة في المعمل!! تعالى الله عما يقولون عُلُوَّا كبيرا..
إنَّ المنهج التَّجْرِيبي الذي تعلمته أوروبا من المسلمين لم يؤت ثماره الظاهرة في ميدان العلم إلا في القرن التاسع عشر على وجه التقريب، ولكنه تحول عندهم إلى فتنة طاغية.. لأنَّ أوروبا أخذته دون أن تأخذ القاعدة الإيمانية التي كان يقوم عليها عند المسلمين، وهي قاعدته الأصيلة، فكأنه نبات انتزع من بيئته انتزاعا وغرس في بيئة أخرى لا تناسب الأولى، ولا تشبهها في مكوناتها ومقوماتها، فطال وارتفع، ولكنه أثمر ثِمَارًا شيطانية غير الثِّمَار الطيبة التي كان يؤتيها من قبل.
كان المنهج التجريبي عند المسلمين نابعا من التوجيه الإسلامي الإيماني … نابعا من مثل هذه التوجيهات:
{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا} (5).
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ..} (6).
{وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (7).
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} (8).
“تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً، إِلَّا الْمَوْتَ، وَالْهَرَمَ” (9) وغيرها.. وغيرها. مما جاء في الكتاب والسنة.. كثير.
وكانت هذه التوجيهات -التي حولت المسلمين من أمة لا اهتمام لها بالعلم في جاهليتها إلى أمة عالمة في كل فروع العلم المتاحة لها بحسب وقتها، وحولت العلم من الاتجاه النظري الإغريقي إلى الاتجاه العلمي التجريبي -موجهة إلى غايتين في آن واحد: التفكر في آيات الله في الكون للتعرف على قدرته المعجزة من أجل إخلاص العبادة له وحده، والتفكر في تلك الآيات للتَّعَرُّف على السُّنن الكونية الربانية لتحقيق معنى الخلافة وعمارة الأرض.
ومن ثم لم تفترق الغايتان في حس المسلمين كما افترقتا -وتعارضتا- في حس أوروبا!
لم يشعر المسلمون أن تفكرهم في آيات الله في الكون من أجل إخلاص العبادة له، مانع لهم من البحث عن السنن الكونية الربانية من أجل عمارة الأرض، ولم يشعروا كذلك أن البحث عن هذه السنن من أجل عمارة الأرض مانع لهم من إخلاص العبادة لله؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة. والله يقول لهم:

{وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}(10).
ويقول لهم:
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (11).
فالمشي في مناكب الأرض والأكل من رزق الله -المؤدي إلى عمارة الأرض- يصحبه في التوجيه الرباني التذكير بالآخرة، وواجب إخلاص العبادة لله من أجل النشور، يوم يحاسب الناس على ما عملوا في الحياة الدنيا، فلا العمل من أجل الحياة الدنيا مانع من إخلاص العبادة وتذكر النشور، ولا تذكر النشور مانع من عمارة الأرض، وهكذا يتوازن “الإنسان” بين مطالب الجسد ومطالب الروح، ومطالب الدنيا ومطالب الآخرة.. بل هكذا في الواقع يصبح الإنسان إنسانا على الحقيقة لا حيوانا في صورة إنسان كما هو في الجاهلية المعاصرة.
إنسان يسعى بكل فاعليته في واقع الأرض لعمارتها والهيمنة عليها والإنشاء والتغيير فيها بما يحقق معنى الخلافة، وهو في الوقت ذاته محكوم “بالقيم” المرتبطة بيوم النشور، النابعة كلها من إخلاص العبادة لله، ونبذ الأرباب المزعومة كلها، المؤدية إلى عبادة الشيطان من سبله المتعددة:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (12).
أما في الجاهلية المعاصرة فقد سارت الأمور في طريق آخر …
ذلك أن أوروبا استنبتت المنهج التجريبي الذي أخذته من المسلمين، في أرض سبخة يملؤها العداء للدِّينِ والفرار من الله بدلًا من الفرار إليه:
{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ} (13).
وكانت النتيجة أن أصبح المنهج التجريبي فتنة لأوروبا، كلما فتح عينيها على مزيد من أسرار الكون زادوا بُعْدًا عن الله! أو كما يقول “جوليان هكسلي” في كتابه “الإنسان في العالم الحديث”:

“إن الإنسان كان يعبد الله من قبل في عصر العجز والجهل بسبب عجزه وجهله. أمَّا الآن وقد تعلم وسيطر على البيئة فقد آن له أن يحمل على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر العجز والجهل على عاتق الله. ومن ثَمَّ يصبح هو الله”!
__________
1 راجع في ذلك فصل “التوازن” في كتاب “خصائص التصور الإسلامي ومقوماته”.

2 سورة الملك: 3.
3 ثاب العلم أخيرا إلى أنه لا توجد “حتميات” فيما سموه “قوانين الطبيعة” إنما هي “احتمالات”.

4 ص298، 299 من كتاب “الفكر الإسلامي الحديث”.

5 سورة الإسراء: 36.
6 سورة البقرة: 189.
7 سورة الذاريات: 20، 21.
8 سورة السجدة: 27.
9 رواه أحمد وغيره “انظر صحيح الجامع الصغير3/ 37”.

10 سورة القصص: 77.
11 سورة الملك: 15.
12 سورة الأنعام: 153.
13 سورة الذاريات: 50، 51.

ولم تكن الفتنة هي غرور الإنسان بنفسه وظنه أنه مستغن عن الله فحسب(1)، بل كانت بالإضافة إلى ذلك فتنة بالعلم وبالمنهج التَّجْرِيبي، فأصبحت التجربة الحسية المعملية هي “المعيار” الذي تقاس به “حقيقة”كل شَيْءٍ، ويرد إليه “صدق” كل شَيْءٍ! فما أمكن إثباته عن طريق التَّجربة المعملية فهو الموجود على الحقيقة، وهو الموثوق بصدقه، وما لا يمكن إثباته عن هذا الطريق فهو إما شيء لا وجود له وإما شيء ساقط من الحساب، ودخلت في هذا القبيل قضية الألوهية بكاملها، بكل ما حولها من وحي ورسل وكتب وبعث ونشور وحساب وجزاء.. أو باختصار: قضية الإيمان(2).
وإذا كانت عقلانية عصر النهضة وما بعدها قد أغلقت كل منافذ المعرفة إلا العقل، ولكنها تركته يسرح حيث يشاء، ويشطح كيف يشاء فإن “العقلانية التجريبية” التي سيطرت على الفكر الأوروبي منذ القرن التاسع عشر، قد أغلقت كل منافذ العقل إلا التجربة والحس! وتلك هي اللعنة التي نجا منها الفكر الإسلامي الأصيل(3) وقت أن كان المسلمون مستقيمين على نهج الإسلام الصحيح.
لقد كان المسلمون -كما بينا- هم الذين أنشئوا المنهج التجريبي في البحث العلمي. ولكنهم أدركوا -بداهة- أنَّه ليس كل شَيْءٍ يدخل المعمل للتجربة! إنما الذي يصلح لذلك هو “المادة” و”الجسم” ولم يتوانوا هم في إدخال المادة والجسم معمل التجربة، فتقدمت الفيزياء والكيمياء والطب على أيديهم تقدما يعتبر بالنسبة إلى وقتهم فتوحات.
ولكنهم -فيما عدا القلة الشَّاذة التي تأثرت بالفكر الإغريقي- لم يغلقوا كل منافذ المعرفة غير العقل(4)، ثُمَّ إنَّهم -قط- لم يغلقوا كل منافذ العقل غير التجربة والحس.
لقد أدركوا، وصَدَّقوا، وآمنوا أن الله {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(5) ومن ثَمَّ لم يجعلوا المرجع الذي يرجعون إليه في إثْبَات وجود الله ووحدانيته وتفرده بِصِفَاتِهِ التي يتصف بها هو التَّجربة الحسية! إلا من جانب واحد هو رؤية آثار قدرة الله في الكون، والاستدلال منها على كل ما تَدُلُّ عليه من وجود الله ووحدانيته وتفرده، وهذا هو المنهج العلمي الصحيح الذي فاء إليه أخيرا نفر من العلماء في الجاهلية المعاصرة في القرن العشرين(6)!
ثم إن المسلمين لم تكن لديهم كنيسة تدفعهم -بتصرفاتها- إلى حماقة عدم تسمية الله باسمه الصحيح، ولا إضفاء صفات الله على إله آخر مزعوم اسمه الطبيعة، أو اسمه المادة، لمجرد الهروب من طغيان الكنيسة … فإذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم وإذا ذكر الإله المزعوم إذا هم يستبشرون! وإذ ظلوا يعرفون الله باسمه الصحيح، ويعبدونه -من ثَمَّ- العبادة الصحيحة، فإنَّ السُّبُلَ لم تختلط عليهم، ولم يجعلوا قضايا الوحي والرسالة واليوم الآخر قضايا تجريبية، إنما قضايا إيمانية يسلمون بها بعد أن تتأكد عقولهم -بكل وسائل الاستدلال- من وجود الله سبحانه وتعالى، وقدرته التي لا تحدها حدود، وتتأكد من صدق الرسول المرسل إليهم صلى الله عليه وسلم، ومن أنَّ ما يخبر به عن ربه وَحْيٌ لا شَكَّ فيه.
ولم يتعارض في حسهم الإيمان بما تدركه الحواس مع الإيمان بما لا تدركه الحواس، أو الإيمان بالغيب، فهذا له قناة في الفطرة وذاك له قناة، كلتاهما تمد الإنسان بلون من المعرفة غير الذي تمده به الأخرى، ومن مجموعهما معا تتكون المعرفة اللازمة للإنسان.
لم يغلقوا على أنفسهم نافذة الغيب في سبيل تأكيد العالم المحسوس وتأكيد معرفتهم به … كما لم يغلقوا على أنفسهم نافذة المحسوس في سبيل تأكيد إيمانهم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

وبذلك تقدموا بالمنهج التجريبي ذلك التقدم الهائل الذي أحرزوه دون أن يحتاجوا إلى مسخ الإنسان وطمس بصيرته وتعتيم روحه على النحو الكريه الذي صنعته الجاهلية المعاصرة، فظلت تهبط بالإنسان دركا وراء درك حتى لتوشك أن تُسَلِّمَه إلى الدَّمار.
ونريد أن نتعرف على الموقف الصحيح للعقل والعقلانية كما يقدمه الإسلام وكما مارسه المسلمون وقت أن كانوا مستقيمين على المنهج الصَّحيح.
__________
1 يقول رب العالمين جل وعلا: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} [سورة العلق: 6، 7] .
2 مر النص من حديث جبريل عليه السلام: “قال: أخبرني عن الإيمان”. قال: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره”.
3 أي: الذي لم يتأثر بفكر أجنبي عن الإسلام.

4 وحتى هؤلاء لم يصلوا إلى درجة الإغريق وإن كانوا تأثروا بهم.
5 سورة الأنعام: 103.
6 انظر كتاب “الله يتجلى في عصر العلم” لمجموعة من العلماء الغربيين.

ولكنا لا نستطيع أن نختم الحديث عن عقلانية الجاهلية، والعقلانية المعاصرة بصفة خاصة، قبل أن نشير إلى قولة عجيبة وردت في كتاب من كتب “سارتر”، الكاتب الوجودي المعروف، ذات صلة بالموضوع، ودلالة لا تحتاج إلى تعليق!
و”سارتر” يهودي وإن كان كثير من الناس لا يعلمون ذلك! فقد ورد في الدُّستور اليهودي أنَّ اليهودي من كانت أمه يهودية، وأم سارتر يهودية كما ذكر هو في هذا الكتاب المشار إليه، والذي عنوانه “تأملات في المشكلة اليهودية Reflections Sur la Question Juive” والذي أنصح بقراءته كل قارئ يملك قراءته بلغته الأصلية الفرنسية أو ترجمته بالإنجليزية بعنوان: “Anti-Semite and Jew” ذلك أنَّه لم يترجم إلى العربية فيما أعلم.
صدر هذا الكتاب عام 1946م بمناسبة الحديث عن تقسيم فلسطين وإنشاء الدولة اليهودية.. وقيمته من وجهة نظرنا أنه يعترف بأفاعيل اليهود في إفساد البشرية في أثناء محاولته الدفاع عنهم! ذلك أنَّ طريقته في الدِّفاع عن اليهود هي أن يذكر التُّهَمَ الموجهة إليهم، ثُمَّ يقول إنَّها صحيحة! ولكنهم معذورون في إتيانها بسبب كذا وكذا!
وسواء اقتنعت بوجاهة الأسباب أم لم تقتنع -وهي في مجموعها متهافتة لا تقنع أحدًا- فإنَّها تؤكد التَّهمة ولا تنفيها! ويزيد من قيمة شهادته أنَّه “شاهد من أهلها” لا يُتَّهَم بالتعصب ولا التحيز ولا التقول ولا الافتئات!
يقول: “إنَّ اليهود متهمون بتهم ثلاث كبرى هي: عبادة الذَّهَبِ، وتعرية الجسم البشري، ونشر العقلانية المضادة للإلهام الديني، ويقول: إن التهم كلها صحيحة! ثُمَّ يروح يقدم لكل منها ما يقدر عليه من المعاذير.
قال عن عبادة الذَّهَبِ إنَّ اليهود مضطهدون في كل الأرض وكل التَّاريخ، وإنَّهم لا بد أن يسعوا إلى امتلاك القوة ليقاوموا هذا الاضطهاد، والوسيلة التي لجئوا إليها هي السَّعْيِّ إلى امتلاك الذهب وتجميعه ليكون لهم عدة وقوة!
وقال عن تعرية الجسم البشري إن اليهود متهمون بقبح أجسامهم وعدم استقامتها! فأرادوا أن يثبتوا للبشرية أنَّ القبح كامن في الجسم البشري ذاته لا في أجسام اليهود وحدهم! فعملوا على تعرية الجسم البشري ليستيقن البشر من هذه الحقيقة! “أرأيت إلى مدى السُّخْفِ والتَّهَافُتِ … ؟! “.
أما نشر العقلانية المضادة للإلهام الدِّيني “Rationalism as against tuition” كما ورد في الترجمة الإنجليزية “فقد كشف فيه الغطاء دون مواربة! قال: إنَّه طالما كان البشر يؤمنون بالدِّينِ، فسيظل يقع على اليهود تمييز مجحف على اعتبار أنهم يهود. أمَّا إذا زال الدِّينُ من الأرض، وتعامل البشر بعقولهم، فعقل اليهودي كعقل غير اليهودي، ويومئذ لن يتميز اليهود بكونهم يهودًا، ولن يقع عليهم التمييز المجحف، وسيعيشون في سلام مع غير اليهود” أي: بعد أن يغطوا على حقيقتهم ويندسوا في وسط البشرية مبهمين بين الجموع!!”.
ومهما يكن في هذا الكلام من المغالطات المكشوفة التي قصد بها التغطية على الأهداف الحقيقية لليهود من وراء هذه الأفعال “وهي نشر الفساد في صفوف الأمميين لإفساد عقائدهم وأخلاقهم بالإضافة إلى سلب أموالهم، لتيسير استعبادهم للشعب الشرير” فإنَّ ثبوت التُّهْمَة بشهادة شاهد من أهلها أمر غني عن التَّعليق(1).
ونعود الآن إلى تبين الموقف الصَّحيح للعقل والعقلانية كما يرسمه الإسلام..
يقدر الإسلام العقل باعتباره من أكبر النعم التي أنعم بها الله على الإنسان: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (2).
ولكنه لا يبالغ في تقدير قيمة العقل كما كانت تفعل العقلانية الإغريقية ومن ورثها من بعد، بحيث يجعله هو المحكم في كل شيء، وهو المرجع الأخير لِكُلِّ شَيْءٍ!
فهناك أمور لا يستطيع العقل من ذَاتِ نفسه أن يصل إليها؛ لأنَّها ليست في محيط تجربته، ولا تستطيع الأدوات التي يحصل بها المعرفة وهي أدوات الحِسِّ أن تصل إليها؛ لأنَّها خارجة عن نطاق المحسوس، وإن كان في إمكان العقل أن “يعقلها” حين تبين له؛ فهذه تُلَقَّنْ للعقل تَلْقِينَاً عن طريق الوحي، ويكون دور العقل فيها أن يعقلها لا بطريق التجربة المباشرة ولا بطريق الحس، ولكن عن طريق التيقن من صدق الخبر وصدق المخبر، وهو مدعو -كما أسلفنا- إلى القيام بعملية التيقن هذه بكل الوسائل التي يملكها.. وهي مؤدية إلى الغاية الصحيحة حين يستقيم العقل على الطريق.
وهنا نقطة مهمة في الموضوع.
فالعقل المجرد عن الهوى، المتمحض لتمحيص الحقائق، المنزه عن كل شائبة تشوب التفكير أو تشوب الحكم وهْمٌ تَوَهَّمَتْهُ الفلسفة الإغريقية، كما تَوَهَّمَتْهُ من بعدها كل عقلانية بالغت في تقدير دور العقل وتقدير قدراته، والواقع البشري الطويل يشهد بأحد أمرين أو بهما معا في الحقيقة: إمَّا أن هذا العقل -في صورته المجردة تلك- لم يوجد قط في واقع الأمر، وإمَّا أن البشرية لا تحكم عقلها في جميع أحوالها. وكلا الأمرين صحيح! فلا هذا العقل المطلق موجود عند أحد من البشر العاديين ولا الفلاسفة ولا المفكرين، ولا البشرية تخضع لنداء العقل “على فرض صحته” وتصيخ إليه! إلا من رحم ربك!
والدَّلِيلُ -العقلي- على الأمر الأوَّل، أنَّه لا يكاد ينطبق عقلان من عقول البشرية في تاريخها الطويل كله على تصور واحد بجميع تفصيلاته، ولو كانت العقول -حتى عقول الفلاسفة والمفكرين- بالصُّوْرَة الوهمية التي تصورها العقلانية لتلاقت وتطابقت؛ لأنَّ الحق لا يتعدد.
والدَّلِيلُ -العقلي كذلك- على الأمر الثاني هو هذا الجنوح الدَّائم والتَّخبط الذي تمارسه البشرية، وتلك الحروب المجنونة، وذلك الاتباع الجنوني للهوى والشَّهوات، ولو كانت البشرية تصيخ لنداء العقل في جميع أحوالها ما جنحت ولا تخبطت ولا أصابها الجنون!
إنَّما الحَقُّ -الذي تشير الدَّلائِلُ كلها إليه- أنَّ العقل -في خارج ميدانه الأصيل- أداة طيعة لمن يسيطر عليه! فإذا سيطرت عليه الرُّوْح المهتدية استقام منطقه واستقام تفكيره، وأصبح خادما أمينا للهدي يُسَخِّر طاقاته كلها في خدمته، وإذا سيطرت عليه الرُّوح الضَّالة، أي: سيطر عليه الهوى والشَّهوات، فهو خادم للضَّلال يُسَخِّر طاقته كلها في خدمته، ويُجَادِلُ أشَدَّ الجدل لتبرير موقفه:
{وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (3).
{وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} (4).
{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} (5).
ومعرفة هذه الحقيقة عن العقل لا تنقص من قدره كأداة للتفكير، بل إن هناك ميادين من الفكر هي خالصة للعقل لا يشاركه فيها غيره من أدوات التَّلَقِّي وأدوات تحصيل المعرفة، كما سيجيء بيانه، وإنَّما معرفة هذه الحقيقة تجعلنا نتحفظ فقط في تقديرنا للقيمة النهائية للعقل، بحيث لا نجعله هو المحكم في كل شيء، ولا المرجع الأخير لِكُلِّ شَيْءٍ! إنما ننزله منزلة الحق، فما كان فيه هو المرجع الوحيد أو المرجع النهائي وكلناه إليه كله، وما كان فيه قمينا أن يضل إذا ترك وحده جعلنا له الصحبة التي تمنع ضلاله، وما كان عاجزا عن الوصول فيه إلى شيء لم نقحمه فيه.. وهذا هو منهج الإسلام.
يمنح الإسلام العقل مجالا واسعا للعمل، هو أوسع مجال سليم للعقل منحه إياه نظام من النظم أو عقيدة من العقائد، وفي الوقت نفسه يمنعه من مجالات بعينها، ويحظر عليه التفكير فيها، أو ينكر عليه حق التفكير …
ونبدأ بالحديث عن الأخيرة لأنَّها -في الجاهلية المعاصرة بصفة خاصة- مظنة الحَجْرِ على العقل بغير موجب!
يحظر الإسلام على العقل أمور ثلاثة: التفكير في ذات الله، والتفكير في القدر، والتَّشريع من دون الله.
“تَفَكَّرُوا فِي خلق الله وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله” (6).
“وَإِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ، فَأَمْسِكُوا” (7).
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (8).
وأما الأولى والثانية فالحظر فيها ليس حَجْرَاً على “حرية الفكر” إنما هو صيانة لطاقة العقل أن تَتَبَدَّد فيما لا طائل وراءه، وإلا فلننظر في “الإنتاج البشري” كله فيما يتعلق بذات الله، في الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحي وما يسمى بالفلسفة الإسلامية وعلم الكلام … إلى أي شَيْءٍ وصل؟! وإلى أي شَيْءٍ كان قمينا أن يصل؟
لا شيء!
لأنَّه اقتحام بلا أداة.. أو بغير الأَدَاةِ الصَّالحة للوصول.
كالمفتاح الذي يدور في القفل ويدور … والقفل لا يفتح.. لأنَّ المفتاح أضأل من أن يفتح القفل!
كما قلنا من قبل: ليس العيب في القفل ولا في المفتاح، ولكنه في إصرارنا نحن أن نفتح القفل بغير مفتاحه!
الروح هي أداة الوصول!
لا نعرف نحن كيف تصل.. ولكنها تصل! في لحظة الإشراق.. في لحظة التَّوَهُّجِ.. تصل! وتحس بالوصول! وتنعم بالوصول! وليس معنى ذلك -كما أوضحنا من قبل- أنَّ العقل ليس له دور في عملية الإيمان، كلا! إنَّ له دوره المخصص له. لكن الإيمان بالله شَيْءٌ، والإحاطة بكنه الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ -وهو ما يحاوله العقل- شيء آخر لا يمكن أن نصل إليه.
والذي تصل إليه الرُّوح ليس هو الإحاطة بكنه الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ كذلك. إنَّما هو القرب الذي يتلقى النور ويفيض عليه النور، فيستغني عن “البحث” في الكنه، الذي يحاوله العقل ولا يصل إلى شَيْءٍ منه! وهذه المشاعر يملكها كل إنسان في لحظات التَّوَجُّهِ الصَّادِقِ إلى الله، وإن كان الإنسان -بطبيعته- لا يثبت عليها كما تثبت الملائكة الأطهار.. ولا هو مطلوب منه أن يثبت عليها؛ لأنَّ الله لا يكلف كل نفس إلا وسعها …
شكا الصحابة رضوان الله عليهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم حين يكونون معه يكونون في حال، وإذا خرجوا من عنده وانساحوا في الحياة تغيرت بهم الحال. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَوْ أَنَّكُمْ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي تَكُونُونَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَكُونُونَ عَلَيْهِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ بِطُرُقِ الْمَدِينَةِ”(9).

ذلك هو الوصول الذي تقدر عليه الروح.. ولا يستطيع العقل أن يمارسه؛ لأنه ليس من شأنه.
وأمَّا القدر فشأنه كذلك..

ليس للعقل فيه مجال …
إنَّما يحتاج الإنسان لكي يدرك كيف يُجْرِي الله قدره، بخيره وشره. أن يكون على مستوى الإله، وذلك أمر لن يكون، فالله وحده هو المتفرد بالألوهية والعلم المحيط بالزَّمان والمكان والأشياء والأشخاص والأحداث.
ومن ثَمَّ ضَلَّ “العقل” حيثما تكلم في القدر.. واستراح القلب المؤمن المطمئن بذكر الله.
{الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (10).
ومن لم يطمئن قلبه.. وسعى “بعقله” أن يعقل القدر.. فلأي شيء وصل من خلال الفلسفة والفكر والكلام؟!
كلا! لم يكن حَجْرَاً على “حرية الفكر” إنَّما صيانة لطاقة العقل أن تتبدد فيما لا طائل وراءه.. ومن أبى أن يلتزم بالحَظْرِ فقد أنهك عقله وشقي، ولم يجد في النهاية الظِلَّ الذي يفيء إليه من لفحة الرَّمْضَاء! وهي على أي حال نصيحة يلتزم بها العاقل فيجد فيها الخير، ويتجنبها من يتجنبها فيلقى جزاء المخالفة اضطرابا وحيرة لا تستقر.
أما التشريع بغير ما أنزل الله فليس الأمر فيه أمر “نصيحة” توجه إلى الناس، إنما هي قضية كفر وإيمان.
والقضية على أي حال ذات شقين، كلاهما يتعلق بالألوهية وما ينبغي لها في شأن التشريع.
الشق الأول من القضية هو المتعلق بمقام الألوهية: من الإله؟ من المعبود؟ من صاحب الأمر؟ وهي كلها مترتبة على سؤال أَوَّلي: من الخالق؟ من المدبر؟ من المهيمن؟ من صاحب السلطان؟ الله أم الإنسان؟
فإذا كان الله هو الخالق والإنسان هو المخلوق، فقد تحدد مقام الألوهية ومقام العبودية، وأصبح صاحب الحق في أمر التشريع -كما في كل أمر آخر- هو الله الخالق لا الإنسان المخلوق.. إلا أن يأذن له صاحب الأمر: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} (11).

{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (12).
{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (13).
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ؟! (14).
__________
1 مما يلفت النظر في هذا الكتاب أيضا قول سارتر أن تقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية لن يحل المشكلة اليهودية. إنما الحل هو نشر الشيوعية العالمية، وهو أيضا قول لا يحتاج إلى تعليق.
2 سورة النحل: 78.

3 سورة الكهف: 54.
4 سورة غافر: 5.
5 سورة الأعراف: 179.
6 قال في تخريج أحاديث “الإحياء”: “أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية بالمرفوع مِنْهُ بِإِسْنَاد ضَعِيف وَرَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي التَّرْغِيب والترهيب من وَجه آخر أصح مِنْهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من حَدِيث ابْن عمر وَقَالَ هَذَا إِسْنَاد فِيهِ نظر قلت فِيهِ الْوَازِع بن نَافِع مَتْرُوك”.
7 قال في “مجمع الزوائد”: “رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ مُسْهِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ”.

8 سورة المائدة: 44.

9 قال في مجمع الزوائد”: “رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ غَيْرَ غَسَّانَ بْنِ بُرْزِينَ، وَهُوَ ثِقَةٌ”!
10 سورة الرعد: 28.
11 سورة الأعراف: 54.

12 سورة يوسف: 40.
13 سورة الزمر: 3.
14 سورة الشورى: 21.

وقضية الكفر والإيمان -أو قضية الجاهلية والإسلام- هي دائمًا هذه القضية، مصحوبة -في الغالب- بقضية العبادة بمعنى أداء الشَّعَائِرِ التَّعَبُّدِيَّةِ: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} (1).
فالأولى متعلقة بالألوهية: هل الله واحد أم آلهة شتى؟ فإذا كان واحدًا فمن حَقِّهِ أن يُعْبَد وحده، أي: تقدم الشَّعائر التَّعَبُّدِيَّةِ له وحده. والثانية متعلقة بخصيصة من خصائص الألوهية وهي الحاكمية: هل الله الذي يحكم، فيحل ويحرم، ويبيح ويمنع، أم له شركاء في التشريع، يقولون من عند أنفسهم: هذا حلال وهذا حرام، وهذا مباح وهذا غير مباح، بغير سلطان من الله؟ فما دام الله واحدًا في ألوهيته، فالحاكمية -من ثَمَّ- له وحده؛ لأنَّها خصيصة الألوهية.
والإيمان هو التَّوحيد في هذه وتلك، والكفر هو الشِّرْك في هذه أو تلك أو فيهما جميعًا.
وقضية الجاهلية دائمًا هي الاستكبار عن عبادة الله، سواء كانت العبادة هي أداء الشَّعَائِرِ التَّعَبُّدِيَّةِ لله وحده، المترتب على الاعتقاد القلبي بوحدانية الله، أو كانت هي التَّحاكم إلى شريعة الله المترتب كذلك على الاعتقاد القلبي بوحدانية الله:
{إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} (2).
وفي الجاهليات القديمة كلها كان الناس يؤمنون بأنَّ الله هو الخالق، ولكنهم يشركون معه آلهة أخرى يضفون عليها بعض صفات الألوهية؛ أمَّا في قضية التَّشريع فكان كبراؤهم يتنكبون الطريق، فيعطون لأنفسهم حَقَّا من الحقوق المتعلقة بالألوهية -هو حق الحاكمية- فَيُشَرِّعُون بغير سلطان من الله، ويجعلون من أنفسهم أربابا مع الله، وأمَّا المستضعفون فيخضعون لهؤلاء الأرباب المزيفين بحكم ما في أيديهم من السُّلطان القوي، فيعطونهم حق التشريع، ويستعبدون أنفسهم لهم بالخضوع لما يشرعونه من تشريع.. فيشترك الذين استكبروا والذين استضعفوا في شرك العبادة، ثُمَّ ينقسمون بعد ذلك إلى سادة وعبيد، السادة يملكون ويحكمون، والعبيد لا يملكون ولا يحكمون.. إنَّما يقع عليهم الذُّلِّ والهوان والضياع والبؤس كشأن كل جاهلية في الماضي.. وكل جاهلية آتية إلى قيام السَّاعة.
أما الجاهلية المعاصرة فقد استكبرت استكبارا من نوع آخر فنفت وجود الله أصلا، وزعمت أن الطبيعة أو المادة هي الخالق الأزلي الأبدي ذو السلطان. ولكنها في قضية التشريع سارت على ذات النمط الذي سارت عليه كل جاهلية من قبل، فاستأثر بالتشريع ذوو السلطان، وخضع لهم العبيد، فاستوى بذلك عهد الرِّقِّ وعهد الإقطاع وعهد الرأسمالية وعهد الشيوعية على خلاف في الصُّوْرَة لا يُقَدِّم ولا يؤخر كثيرًا في واقع الأمر(3).
هذا هو الشق الأول من قضية التشريع المتعلق بمقام الألوهية، أما الشق الآخر فهو متعلق كذلك بقضية الألوهية ولكن من جانب آخر.
كان الشِّقُّ الأوَّل من القضية: من الذي يحق له أن يُشَرِّع، الخالق أم المخلوق؟ أما الشق الآخر فهو: من الذي يحق له أن يُشَرِّع، العليم الخبير أم الذين لا يعلمون؟
والإنسان -في الجاهلية الأخيرة خاصة- يزعم أنَّه هو العليم الخبير، ومن ثَمَّ فهو الذي يحق له أن يضع التشريع.
وبصرف النَّظَرِ عن أن الأصل في القضية هو الاستكبار عن عبادة الله فلننظر في هذا الإنسان الذي يزعم أنه هو العليم الخبير كيف يعالج شئون حياته في معزل عن منهج الله!
كان العمال في الرأسمالية خاضعين للظلم الواقع عليهم من أصحاب رءوس الأموال، يسرقون كدحهم ويأكلون جهدهم ولا يعطونهم إلا الكفاف.. ففكر “الإنسان” في طريقة لرفع ذلك الظلم فابتدع الشيوعية.. فأزيلت الملكية الفردية كلها وأصبحت الدولة هي المالك الوحيد. فوقع الناس جميعا في الذُّلِّ المهين للمالك الجديد، يستعبدهم بلقمة الخبز، فلا يملكون أن يفتحوا أفواههم بكلمة نقد واحدة للسيد المعبود!
وكانت المرأة في الجاهلية الأوروبية في عهد الإقطاع مهينة محقرة، تُعَيَّر بأنها تحمل وتلد، ولا تعطى وضعها الإنساني الكريم، ففكر “الإنسان” في طريقة لرفع الظلم عن المرأة ورد الإنسانية المفقودة إليها … فكيف فكر وكيف قدر؟ أخرجها من البيت وشَغَّلَهَا في المصنع والمكتب، وجعلها تختلط مع الرجل، فاشتغل الرجل والمرأة كلاهما بفتنة الجنس، وفسدت الأخلاق، وتحطمت الأسرة، وتشرد الأطفال، وانتشر الشُّذوذ، وفسدت الحياة!
وكانت الكنيسة في العصور الوسطى تفسد الحياة كلها بإفساد الدِّين، ففكر “الإنسان” في طريقة للإصلاح … فكيف فكر وكيف قَدَّر؟! ألغى الدين كله. بل نفى وجود الله أصْلًا.. ثُمَّ راح يتخبط في الظلمات!
هذا هو الإنسان “العليم الخبير!” الذي يزعم أنَّه شب عن الطَّوْقِ ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله! وهذه هي طريقة تفكيره حين يضع لنفسه منهج الحياة!
إنَّه يقع فريسة لقصور العقل البشري، وفريسة للهوى والشَّهَوَاتِ!
إنَّما يلزم لمن يضع للإنسان منهج حياته أن يكون بادئ ذي بدء عالما بذلك “الإنسان” ليضع له منهجا على قده، ويلزم له أن يكون محيط العلم بماضي ذلك الإنسان وحاضره ومستقبله، لكيلا يعالج مشكلة بمشكلة جديدة، ولا يُقَوِّم انحرافًا بانحراف جديد … ويلزم له أن يكون مُنَزَّهَاً عن الغرض، مُنَزَّهَاً عن الهوى والشَّهوات، ليكون منهجه “موضوعيا” خالصا بالنسبة لحياة الإنسان …
فهل كذلك الإنسان؟! وهل يمكن أن يكون كذلك في يوم من الأيام؟
يقول “ألكسس كاريل” عن معرفة الإنسان بنفسه:
“وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهودًا جَبَّارًا لكي يعرف نفسه، ولكنه بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التي كَدَّسَهَا العلماء والفلاسفة والشُّعراء وكبار العلماء الرُّوحانيين في جميع الأزمان، فإنَّنا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا، إننا لا نفهم الإنسان ككل.. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة. وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا، فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة”.
“وواقع الأمر أنَّ جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب … “(4).
ومرَّ بنا من نماذج القصور في رؤية الإنسان وطريقة علاجه للأمور ما يغنينا عن المزيد.
إنما الله هو العليم الخبير لا الإنسان!
{أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (5).
{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (6).
{قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} (7).
{وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ} (8).
{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (9).
من أي جانب إذن عالجت قضية التشريع، فالتشريع هو حق الله تبارك وتعالى، وليس الإنسان مأذونا له ولا هو صالح لوضع منهج حياته.. إلا ما أذن الله له فيه. وسنرى في النقاط التالية بأي شيء أذن الله للإنسان، يُعْمِلُ فيه عقله ويجتهد فيه.
إذا جاوزنا هذه الأمور الثلاثة، التي نصح العقل ألا يتناولها كقضية الذَّاتِ الإلهية وقضية القدر، أو منع منعا جازما منها كقضية التشريع، فكل المجالات الأخرى مباحة للعقل ومتاحة له، بل هو -في الإسلام- مدعو إليها دعوة صريحة، ويعتبر مقصرا إذا لم يقم بها.
__________
1 سورة النحل: 35.
2 سورة غافر: 56.

3 راجع فصلي الديمقراطية والشيوعية في هذا الكتاب.

4 كتاب الإنسان ذلك المجهول ص16 من الترجمة العربية “تعريب شفيق أسعد فريد”.
5 سورة الملك: 14.
6 سورة البقرة: 216.
7 سورة الطلاق: 12.
8 فاطر: 15.
9 سورة النساء: 26-28.

وهناك خمسة مجالات رئيسية يدعى العقل للعمل فيها في ظل الإسلام:
أولا: تَدَبُّر آيات الله في الكون للتَّعَرُّف على قدرة الله المعجزة، وتفرده بالخلق والتَّدْبِير والهيمنة والسُّلطان، بما يؤدي إلى إخلاص العبادة له وحده سبحانه، وطاعته فيما أمر به وما نهى عنه.
ثانيا: تَدَبُّر آيات الله في الكون للتَّعَرُّف على السنن الكونية التي يجري بها قدر الله في الكون، لتحقيق التَّسْخِير الرباني لما في السموات وما في الأرض للإنسان، من أجل تعمير الأرض والقيام بالخلافة بها.
ثالثًا: تَدَبُّر حكمة التَّشْرِيع الرباني لإحسان تطبيقه على الوجه الأكمل، والاجتهاد فيما أذن الله فيه بالاجتهاد.
رابعًا: تَدَبُّر السُّنن الرَّبانية التي تجري الأمور بمقتضاها في حياة البشر، لإقامة المجتمع الإيماني الراشد الذي يريده الله.
خامسًا: تَدَبُّر التاريخ.
ولنقل كلمة موجزة عن كل مجال من هذه المجالات:
أوَّلا: في قضية الإيمان -كما أسلفنا- يخاطب الإسلام الإنسان كله، بكل جانب من جوانبه، ويركز على الجانب الوجداني؛ لأنَّ العقيدة دائما تخاطب الوجدان وتحيى فيه وتتحرك به، ولكنه يخاطب العقل كذلك في ذات الوقت، ويستنهضه للتفكر والتدبر والتأمل، لتتآزر جوانب الإنسان كلها للوصول إلى الحقيقة، حقيقة الألوهية، وما يترتب على معرفتها من التزامات في كل مجالات الحياة والشعور والفكر والسلوك.
يخاطبه ليتدبر في آيات الخلق.. خلق الكون وخلق الإنسان.. هل من خالق غير الله؟
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ} (1).
{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (2).
وما زال هذا التَّحدي قائمًا … وسيظل قائمًا إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.. وكل محاولات الجاهلية المعاصرة أن تزيغ عن مجابهة التحدي، بالقول بالمصادفة تارة، وبالخلق الذاتي تارة، وبأي كلام تارة أخرى إنَّما هي محاولات متهافتة لا يقبلها “العقل” لو تجرد للتفكر بغير ضغوط وبغير شهوات.
والإسلام يخاطب العقل ليتجرد في تفكره، وليصل إلى النتيجة الموضوعية العلمية التي يدل عليها كل ما في السَّموات والأرض من شَيْءٍ. ويتخلى عن الهوى الذي يعمي وعن الكبر الذي يضل. فيجد الحقيقة بارزة تملأ اليقين.
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (3).
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (4).
{إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (5).
وكما يخاطبه ليستيقن -بطرق استدلالاته الخاصة من استقراء واستنباط وقياس ومنطق … إلخ- من حقيقة الألوهية وتَفَرُّد الله بالخلق والتَّدْبِير.. يخاطبه ليرتب على يقينه ذلك بما يستتبعه من تبعات.. فإذا كان الله مُتَّصِفَا بتلك الصفات التي استدل عليها وتيقن منها فمن الجدير بالعبادة غيره، ومن الجدير بالطاعة غيره؟
كذلك يخاطبه ليستيقن من الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وما يستتبع هذا الحق من بعث ونشور وحساب وثواب وعقاب:
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} (6).
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا … } (7).

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (8).
إن الله الذي صفاته هي تلك التي عرفها العقل واستيقن منها لا يمكن -عقلا- أي: أن يخلق شيئا عبثا، أو أن يخلق شيئا باطلا، إنما يخلق كل شيء بالحق، والحق يقتضي أن يكون هناك يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم في الحياة الدنيا؛ لأنه لا يتم الجزاء الحق في الحياة الدنيا كما يرى الإنسان بنفسه.. فكم من ظالم ظل يظلم حتى مات، وكم من مظلوم ظل مظلومًا حتى مات، فلو كانت الحياة الدُّنيا هي نهاية المطاف فأين الحق؟ إَّنما يحق الحق حين يبعث الناس فيحاسبون على السيئة والحسنة، ويأخذ كل إنسان جزاءه بالحق.
وإذا كان الأمر على هذه الصورة فإنَّ “العقل” يقتضي أن يحسب الإنسان لهذا اليوم حسابه، وأن يعمل من الأعمال ما يقربه من الجنة ويبعده عن النار.. وألا تفتنه الَّلذَّة العاجلة عن النعيم المقيم.
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (9).
وهذه الأمور كلها يخاطب فيها الوجدان -مع العقل- لتترتب عليها حركة سلوكية واقعية، ولكن نصيب العقل فيها واضح لا يحتاج إلى تأكيد.
ثانيا: يوجه العقل بعد ذلك إلى تَدَبُّر آيات الله في الكون للتعرف على أسراره، للتعرف على خواص ذلك الكون، لإمكان تسخيرها لعمارة الأرض.
والتسخير قائم من عند الله ابتداءً: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (10).
ولكن تحقيق هذا التسخير في عالم الواقع لا يتم بمجرد رغبة الإنسان في ذلك، فهو ليس إِلَهَاً يقول للشَّيْءِ كن فيكون، إنما يتحقق هذا التسخير بجهد معين يبذله الإنسان، جهد عقلي يتعرف به الإنسان على أسرار الكون وخواصه، وجهد عضلي يطبق به الإنسان ثمار معرفته في صورة عمل منتج.
وكل ذلك يوجه العقل لأدائه، بل هو ميدانه الأصيل الذي تتجلى فيه كل عبقريته، والذي لا يشاركه فيه غيره، وليس معنى ذلك أنَّه في هذا الميدان لا يخطئ ولا يتوهم، فكثيرا ما يقع في الخطأ والوَهْم كما بين تاريخ العلوم، ولكن معناه أنَّ لديه أوسع فرصة ليصل إلى الحقيقة فيما قدَّر الله أن يكشف له من أمور هذا الكون، ولكنه يوجه إلى ذلك بعد أن يوجه إلى التَّعَرُّفِ على الخالق، وعلى كل قضايا العقيدة.
ولذلك حكمة واضحة.
فالعقل البشري ما لم يعوقه معوق -كما كان من أمر الكنيسة الأوروبية وحجرها على العقل أن يكفر- مفطور بطبعه على التفكير فيما حوله، واستنباط الطرق التي تحقق للإنسان حاجاته، ثم تحسينها ومحاولة الوصول بها إلى أقصى حد من الإتقان والفاعلية، من أجل الحصول على القدر من “المتاع” الذي قدره الله للإنسان في الأرض.
{وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (11).
ولكن العبرة في حياة “الإنسان” ليست بمجرد العمارة المادية للأرض، ولا مجرد الحصول على المتاع من أي لون ومن أي طريق، إنما “الإنسان” خُلِقَ لشَيْءٍ أرفع من ذلك وأسمى.. خُلِقَ لحمل “الأمانة” التي أشفقت من حملها السموات والأرض والجبال: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ..} (12).

وحمل الأمانة لا يتم بمجرد العمارة المادية ولا المتاع الحسي.. إنما يتم بإقامة ذلك كله على أساس من “القِيَم”.. والقيم الحقيقية هي التي حواها المنهج الرباني للحياة “وقد رأينا من دراستنا السابقة أن كل ما عداها زائف لا يلبث أن تعبث به الأعاصير” ومن ثَمَّ كان لا بد من توجيه العقل أوَّلًا –والكيان الإنساني كله في الحقيقة- للتعرف على الله والإيمان به وطاعته، حتى إذا جاء العقل يتعرف على الكون، ويعمل على تسخير طاقاته في عمارة الأرض، كان مهتديا بالهدي الرَّباني، فأقام عمارة الأرض على أساس المنهج الرَّباني الذي به وحده تصلح الحياة.
__________
1 سورة الطور: 35، 36.

2 سورة لقمان: 10-11.
3 سورة النحل: 17.
4 سورة الأنبياء: 22.
5 سورة المؤمنون: 91.
6 سورة المؤمنون: 115.
7 سورة ص: 27.

8 سورة آل عمران: 190-194.

9 سورة آل عمران: 185.
10 سورة الجاثية: 13.

11 سورة البقرة: 36.
12 سورة الأحزاب: 72.

وقد مر بنا في هذا الفصل وما قبله كيف صارت الأرض حين قامت عمارتها المادية على “قيم” أخرى غير القيم التي قررها الله وأمر بإقامتها في الأرض. وحاضر الجاهلية المعاصرة غني عن الإشارة وغني عن التعليق.
فتوجيه العقل -في الإسلام- إلى التعرف على السنن الكونية من أجل عمارة الأرض بعد توجيهه إلى الإيمان بالله، هو المنهج الصحيح لتنشئة “الإنسان الصالح” الذي تسعى البشرية -نظريا- إلى تنشئته، ولكنها تخفق دائما حين تتنكب المنهج الرباني، وتنشئ من عندها مناهج تؤدي إلى البوار.
وإن كان لنا من شَيْءٍ نذكر به أو نعيد التذكير به في هذا المجال، فهو أن الأمة المسلمة -بتوجيه الإسلام- هي التي أنشأت المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي قامت عليه كل نهضة أوروبا العلمية فيما بعد، ولكنها تفردت في التاريخ بأنها هي التي أنشأت حضارة “إنسانية” حقيقية، تمثل “الإنسان” كله لا جانبا واحدا من جوانبه، وتمثله متوازنا كما ينبغي للإنسان، لا العمل في الدنيا يشغله عن الآخرة، ولا المتاع الحسي يشغله عن المتاع الروحي المتمثل في العبادة، وفي الجهاد لإقامة الحق والعدل في الأرض، ولا رؤية الأسباب الظاهرة تفتنه عن السبب الحقيقي؛ ولا العلم يفتنه عن الدين.. إلى آخر تلك الانحرافات التي وقعت فيها الجاهلية الأوروبية حين رفضت الهدي الرباني وجعلت “عقلها” يرسم لها الطريق!
ثالثا: يوجه العقل في الإسلام إلى تدبر حكمة التشريع لإحسان تطبيقه، ومن أجل الاجتهاد فيما أذن الله فيه بالاجتهاد، وحقيقة إن هذا في الإسلام فرض كفاية لا فرض عين؛ لأنه لا يتيسر لكل الناس -وإن كانوا مؤمنين- أن يتفقهوا في أحكام الدين. إنما الفقهاء لهم استعداد خاص، ويحتاجون إلى دربة خاصة لا تتاح لكل إنسان.

ولكن فرض الكفاية معناه أن يتخصص له فريق من الأمة -ممن يحملون الاستعداد وينالون الدربة- فيسقط التكليف عن الآخرين، فإن لم ينتدب له أحدٌ من أفراد الأمة فهي كلها آثمة حتى تُهَيئ من يقوم عنها بهذا الأمر.
{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} (1).
وإعمال العقل لتدبر حكمة التشريع أمر واضح الضَّرورة وواضح الحكمة.
فالتشريع أوَّلًا لا ينطبق انطباقا آليا على كل حالة من الحالات التي تقع بين البشر.
إنَّما يحتاج الأمر إلى إعمال العقل لمعرفة الحكم الذي ينبغي تطبيقه في الحالة المعينة المعروضة للحكم، ولمعرفة الطريقة الصحيحة لتطبيقه.
ثم إن هذه الشريعة التي نزلت لتواكب حياة البشرية كلها منذ نزولها إلى قيام الساعة، قد روعي فيها أن تواجه الثابت والمتغير في حياة الناس.
فأما الثابت -الذي لا يتغير، أو لا ينبغي أن يتغير؛ لأن تغييره يُحْدِث فسادًا في الأرض- فقد أتت فيه الشريعة المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بتفصيلات وافية تشمل الأصول والفروع والكليات والجزئيات.
وأما المتغير -الذي يَجِدُّ في حياة الناس بحكم التفاعل الدائم بين العقل البشري والكون المادي وما ينشأ عن ذلك من علوم وتطبيقات وتحويرات في أنماط الحياة، والذي أذن الله فيه بالتغيير؛ لأنَّ ثباته يُجَمِّدُ الحياة ويوقف نموها- هذا المتغير لم تتناوله الشريعة بالتفصيل -بحكم تغيره الدائم- إنما وضعت له الأسس التي ينمو نموا سليما في داخل إطارها، وتركت للعقل المؤمن المهتدي بالهدي الرباني، المتفقه في أمور الدين، أن يستنبط له من الأسس الثابتة ما يناسبه في كل طور من أطواره.
لذلك كان الفقه عملًا دائم النُّمو لا يتوقف، ولا يجوز له أن يتوقف.. لأنه إذا توقف فليس لذلك من نتيجة إلا أن تجمد الحياة أو تخرج من إطار الشريعة الربانية الحكيمة.
ولقد قام العقل الإسلامي في ميدان الفقه في فترة نشاط هذه الأمة وحيويتها بجهد رائع، ما زال يعد تراثا إنسانيا ثمينا إلى هذه اللحظة، رغم ما أصاب الأجيال المتأخرة من الجمود، وما أصاب الأجيال الأخيرة من الإعراض!
والذي يطلع على هذا الفكر يدرك شمول هذه الشريعة وحيويتها وقدرتها على مواكبة النمو البشري من جهة، ويدرك من جهة أخرى ما قام به العقل الإسلامي المفكر من فتوحات في هذا الباب كانت كلها وليدة توجيهات الإسلام.
رابعا: تَرِدُ في كتاب الله مجموعة من السنن التي يجري الله بها قدره في حياة البشر، وَتَرِدُ الإشارة المكررة بأن سنة الله لا تتبدل ولا تتغير، ولا تتوقف محاباة لأحد من الخلق، ويوجه العقل إلى تدبر هذه السنن من أجل إقامة المجتمع الصالح الذي يتمشى مع مقتضياتها ولا يصادمها.
فالحياة البشرية ابتداء ليست فوضى بلا ضابط، إنَّما يضبطها نظام رباني دقيق، يسير بحسب سنن ثابتة، ترتب نتائج محددة على السلوك البشري في جميع أحواله، ومن ثم يستطيع الإنسان أن يتبين السلوك الصائب الذي ينبغي أن يسلكه، كما يتبين النتائج المتوقعة من سلوكه، لا رجما بالغيب، ولكن تحقيقا لسنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير.
وهذه السنن تتناول حياة الجماعة، فهي سنن اجتماعية في غالبها، أمَّا ما يرد بشأن الفرد فغالبا ما يكون متعلقا بالجزاء الذي يجزاه في الآخرة لقاء عمله في الدُّنْيا، وإن كان بعض السنن يأتي فيه ذكر المفرد كقوله تعالى:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً(2) ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (3).
ونعرض هنا بعض هذه السنن على سبيل المثال لا الحصر، فليس همنا تتبعها واستقصاءها، إنما التنويه بعمل العقل إزاءها.
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (4).
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (5).
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (6).

{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (7).
{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} (8).
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (9).
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (10).
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (11).
{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (12).
{فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} (13).
__________
1 سورة التوبة: 122.

2 أي: في الحياة الدنيا.
3 سورة طه: 124.
4 سورة الروم: 41.
5 سورة الرعد: 11.
6 سورة الأنفال: 53.

7 سورة الأنعام: 44.
8 سورة الأنعام: 65.
9 سورة الأعراف: 96.
10 سورة العنكبوت: 2، 3.
11 سورة هود: 15، 16.
12 سورة الزخرف: 23.
13 سورة غافر: 84، 85.

ونقف وقفة قصيرة عند هذه السنة الربانية:
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (1).
فقد ابتلى اللهُ إبْرَاهِيم عليه السَّلام بجملة ابتلاءات صبر فيها صبرًا جميلًا، وكان قمة الابتلاءات أمره -في الرؤيا- بذبح ولده الحبيب إسماعيل، واستسلامه وولده للأمر الرباني:
{قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} (2).
ولقد أكرمه الله جزاء نجاحه الباهر في هذه الابتلاءات فاجتباه واتخذه خليلا.
{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} (3).
وجعله للناس إماما.. وتلك نعمة كبرى يمن الله بها على عباده المقربين.. فلما نال تلك الحظوة عند الله تحركت رغبته البشرية الطبيعية في أن يكون هذا العهد ماضِيَاً في ذريته، فيكونوا أئمة للهدى، يهدون الناس إلى الإيمان، فهل حابته السنة الإلهية وهو في موضع التكريم والتقريب والترحيب؟ كلا! لقد كان الجواب حاسما: {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أي: إن العهد ماض فيهم إذا هم استقاموا على الطريق، فإذا ظلموا فلا عهد لهم عند الله. ذلك أن الله لا يمكّن الناس في الأرض؛ لَّأن آباءهم أو أجدادهم كانوا مؤمنين! بل حين يكونون هم بأنفسهم مستقيمين على الطريق.. أما الذين يرثون العهد وراثة، أو يرثون كتاب الله وراثة -أي: يتخذونه تراثا! – فيصبح في حسهم أنه كتاب الآباء والأجداد وليس كتابهم هم، ولا هم مكلفون بتطبيقه، فأولئك يقول الله فيهم وفي أمثالهم:
{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} (4).
والذي يعنينا من هذه السنن هنا -كما أسلفنا- هو دور العقل في تدبرها، لا تدبرا نظريا فلسفيا يبدأ في العقل وينتهي في العقل كما كان شأن عقلانية الإغريق، إنما يتدبرها ليعمل -بوعي- على إقامة المجتمع الصالح الذي يستحق التمكين في الأرض بمقتضى الوعد الرباني:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (5).
وليتجنب النَّذير الرباني:
{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (6).
{اتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} (7).
لسكوتهم عن الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر الذي هو قوام خيرية هذه الأمة.
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (8).
فحين تسكت الأمة عن الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر تصيبها الفتنة ولا تصيب الذين ظلموا وحدهم، ولكن تصيب المجموع كله لتقصيره في مقوم أصيل من مقومات الحياة الاجتماعية والسياسية.
ولا تقتصر “التَّوْعِيَة” السياسية على قضية الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر. إنَّما تتعداها إلى التَّوعية بالدَّور التاريخي والإنساني لهذه الأمة:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (9).
والتوعية بأعداء هذه الأمة، ومخططاتهم ضدها، وأهدافهم من هذه المخططات، وواجبها إزاءهم، وطريقة التعامل معهم في السلم والحرب، وقضية الولاء ومع من يكون؟ وما حدوده وطبيعته … إلخ … إلخ مما لا مجال لتفصليه هنا، فله مباحثه الخاصة، وإنما نتحدث هنا عن دور “العقل” في كل ذلك.. ودوره هو تدبر السنن الربانية التي يتحصل منها الوعي الاجتماعي والوعي السياسي، وهو أمر واجب في الإسلام ليتم تنفيذ المنهج الرباني على وجهه الصحيح.
__________

1 سورة البقرة: 124.

2 سورة الصافات: 102-105.
3 سورة النساء: 125.
4 سورة الأعراف: 169، 170.

5 سورة النور: 55.
6 سورة القتال: 38.
7 سورة الأنفال: 25.
8 سورة آل عمران: 110.
9 سورة البقرة: 143.

خامسا: يوجه العقل إلى دراسة التاريخ:

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (1).
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ (2) وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (3).
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (4).
وواضح أن دراسة التاريخ المطلوبة هي للعبرة لا للتسلية وتزجية الفراغ! ولكن ينبغي أن نعرف موطن العبرة من دراسة التاريخ.
إنَّ السُّنن الربانية التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، والتي يجري قدر الله بمقتضاها في حياة البشرية. والتي قلنا إن العقل البشري مدعو إلى تدبرها والتَّفكر فيها من أجل إقامة المجتمع الصَّالح القائم على المنهج الرباني … هذه السنن -بطبيعتها- نادرا ما تتحقق بتمامها في داخل عمر الفرد المحدود؛ لأنَّ السُّنن الاجتماعية بطبيعتها تستغرق أجيالا متوالية حتى يتم التحول الاجتماعي سواء إلى الخير أو إلى الشر “فيما عدا القلة النادرة التي تقتضي حكمة الله فيها تحقيق سنة بكاملها في أمد قصير، تأييدًا لنبي أو تمكينا لجماعة مؤمنة، كما حدث مع الرسول صلى الله عليه وسلم وبناء هذه الأمة الشامخة في سنوات قصار”.
وانظر مثلا إلى هذه السُّنَّةِ:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (5).
فالجزء الأول من هذه السُّنَّةِ يمثل الواقع الأوروبي في وقته الحاضر.. نسوا ما ذكروا به، وكفروا وجحدوا، ففتح الله عليهم أبواب كل شيء، من قوة سياسية وقوة عسكرية وقوة علمية وقوة تكنولوجية وقوة اقتصادية.. وكل ما يمكن أن يدخل في “أَبْوَابِ كُلِّ شَيْءٍ” وهذا الجزء وحده من هذه السُّنَّةِ قد استغرق قرنين كاملين من الزمان. ولد فيه أفراد -بل أجيال- قضوا أعمارهم في هذه الحياة ورحلوا، ولما تتحقق بقية السُّنَّةِ المذكورة في الآية: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} بل توهم أناس في وقت من الأوقات أن هذه الأبواب المفتوحة ستظل مفتوحة إلى الأبد لا تغلق ولا تتهدم على أصحابها مهما ارتكبوا من آثام!
واليوم بدأ مفكرو الغرب أنفسهم يُدْرِكون أن “حضارتهم” آيلة إلى الانهيار، وبدءوا ينذرون قومهم إذا استمروا في البعد عن “القيم الروحية” كما يسمونها(6) أن يصيبهم الدَّمار الذي أصاب أمما من قبلهم، ولكن كم يستغرق ذلك من الزمان؟ جيلا أو أجيالا كما استغرق تحقيق الجزء الأول من سُنَّةِ الله!
لذلك يوجه الله “العقل” أن يتدبر التاريخ! فالتاريخ هو المجال الواسع الذي تتحقق فيه السنن الربانية بأكملها، سواء منها ما يتحقق في عمر الفرد وما يتحقق في عمر الأجيال، والأغلب هو الأخير!
تَدَبُّر التَّاريخ إذن هو في الواقع تدبر السنن الربانية في واقعها التاريخي الذي يمتد خلال القرون، ورؤية الطريقة الواقعية التي تتحقق بها تلك السُّنَن في حياة الأمم والأفراد، لتتحقق العبرة الكاملة في نفوس الناس، فيسايروا هذه السُّنَن ولا يصادموها، ولا يقول قائل لنفسه -على سبيل المثال- هاأنذا قد عشت في المجتمع الفاسد عمري كله وشاركته الفساد فلا أنا أصابني الدَّمَار ولا المجتمع الذي عشت فيه! ولا يقول قائل لنفسه لماذا أُجْهِد نفسي في تقويم المجتمع من انحرافه الخلقي أو الفكري أو الرُّوحي.. ما دام هذا المجتمع يملك القوة العسكرية والقوة السياسية والقوة الاقتصادية التي تسنده وتمنعه من الدَّمار! ولا يقول قائل لنفسه: ما قيمة “القيم”؟ وما فائدة “الدين”؟ وما معنى “الأخلاق”؟ إذا كان يمكن للمجتمع أن يعيش متماسكا قويا بغير ذلك كله عِدَّة قرون؟!
تلك عبرة دراسة التاريخ …
إنَّ التاريخ لا يُدْرَس -من وجهة النظر الإسلامية- لتسجيل انتصارات الجيوش وانكساراتها، ونشأة الدول وزوالها مجردة عن القيم المصاحبة لها، وعن مجرى السنن الربانية فيها، إنَّما يُدْرَس بادئ ذي بدء لتتبع حياة “الإنسان” في حالتيه: حالة الهدى وحالة الضَّلال، وما يجري خلال كل من الحالتين من أحداث، ونتائج تترتب على الأحداث، مضبوطة بالمعيار الذي لا يخطئ، معيار السنة الربانية الحتمية التحقيق …
و”الإنسان” ابتداء هو ذلك المخلوق الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض ثم سواه ونفخ فيه من روحه، لا “الحيوان” الذي ابتدعه دارون، ولا “المادة” التي زعمها التفسير المادي للتاريخ.. ومقياس علوه وهبوطه ليس هو الإنتاج المادي والعمارة المادية للأرض:
{كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} .
ولكنهم كانوا جاهليين؛ لأنَّهم رفضوا الهدي الرَّباني، وأصابهم في النهاية ما يصيب الجاهلية من الدمار، على الرغم من كل القوة التي يملكونها، ومن إثارة الأرض وعمارتها..
إنما مقياس علو “الإنسان” أو هبوطه هو مقياس “الإنسانية” … مقياس التزامه بالهدي الرباني الذي يحقق -وحده- إنسانية الإنسان، والتزامه بمقتضيات الخلاقة الراشدة، أي: عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني لا بأي منهج سواه.
وحين يتحقق هذا الوعي التاريخي -لا في صورة فلسفية ذهنية تجريدية- ولكن في صورة وعي حركي واقعي، يكون هذا عونا كبيرا للإنسان الراشد، يوجهه إلى السلوك الناضج المستقيم، الذي يتحقق به الوجود الأعلى للإنسان.
تلك عقلانية الإسلام.. عقلانية سليمة ناضجة تمثل الرشد البشري في أعلى حالاته.
عقلانية تعطي العقل مكانه اللائق به، بلا إفراط ولا تفريط.. فلا هي تغالي في تقدير قيمة العقل فتقحمه فيما ليس من شئونه أو تجعله المرجع الأخير لكلِّ شَيْءٍ حتى الوحي الرَّباني، ولا هي تبخسه قدره فتمنعه من مزاولة نشاطه في ميادينه الطبيعية التي يصلح لها ويحسن العمل فيها.
عقلانية تكل إلى العقل مهام خطيرة وواسعة.. تكل إليه مهمة حراسة الوحي الذي تكفل بحفظه الله(7) من كل تأويل فاسد مضل، وحراسة أحكام الله من الانحراف بها عن “مقاصد الشريعة” وحراسة المجتمع من الآفات الاجتماعية والسياسية والفكرية والخلقية التي تؤدي إلى تدميره.. كما تكل إليه مهمة التقدم العلمي والبحث التجريبي وعمارة الأرض.
ولكنها لا تكل إليه -ولا تسمح له- أن يحيد عن الوحي الرباني والمنهج الرباني، ولا أن يجتهد من عنده بما لم يأذن به الله؛ لأنه عندئذ يجانب الصواب، ويحيد عن الخير، ويمكن الفساد.
وتلك هي العقلانية المتوازنة … أين منها عقلانية الإغريق الغابرة، والعقلانية التجريبية التي يمارسها الغرب في جاهلية القرن التاسع عشر والقرن العشرين!
__________
1 سورة آل عمران: 137.
2 أي: بالتدمير عليهم لتكذيبهم.
3 سورة الروم: 9.
4 سورة الحج: 46.
5 سورة الأنعام: 44.

6 لأنَّهم ما زالوا في جاهليتهم يكرهون أن يذكروا الدين باسمه الصريح.

7 قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: 9. 

 

التحميل