ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة – القومية والوطنية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

شارك هذا الموضوع:

ضمن سلسلة في التربية والبناء : مذاهب فكرية معاصرة

 القومية والوطنية – قام بالتلخيص والمراجعة – الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظه الله

 

القومية والوطنية

الوطنية معناها أن يشعر جميع أبناء الوطن الواحد بالولاء لذلك الوطن، والتعصب له، أيا كانت أصولهم التي ينتمون إليها، وأجناسهم التي انحدروا منها. أي: إن الولاء فيها للأرض بصرف النظر عن القوم أو اللغة أو الجنس.
والقومية معناها أن أبناء الأصل الواحد واللغة الواحدة ينبغي أن يكون ولاؤهم واحدًا وإن تَعَدَّدَت أرضهم وتفرقت أوطانهم، وإن كان معناها أيضا السَّعي في النهاية إلى توحيد الوطن بحيث تجتمع القومية الواحدة في وطن شامل، فيكون الولاء للقومية مصحوبا بالولاء للأرض.. ولكن الولاء للقومية يظل هو الأصل ولو لم تتحقق وحدة الأرض.
وأيا كانت التعريفات النظرية للقومية والوطنية، فالذي يهمنا بادئ ذي بدء أن نتعرف على منشئها في أوروبا، ثم آثارها التي ترتبت عليها في التاريخ البشري الحديث.
كانت أوروبا في وقت من الأوقات وحدة سياسية تجمع قوميات ولغات وأجناسا شتى، في ظل الإمبراطورية الرومانية، ولم يكن هذا التجمع يشكل “أمة” بالمعنى الحقيقي، فقد كانت الدولة الأم هي “الأمة” في نظر نفسها وفي نظر المستعمرات التي استولت عليها وألحقتها بالإمبراطورية، كما كانت الدولة الأم هي “السيد” والمستعمرات هي “العبيد” ولم تمتزج شعوب الإمبراطورية قط في وحدة حقيقية كالتي جمعت الأمة الإسلامية -أمة العقيدة- التي انصهرت القوميات والأجناس واللغات فيها في بوتقة العقيدة فصارت أمة واحدة على مستوى واحد، هي “الأمة الإسلامية”.
في مجتمع المدينة كان بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي في القمة من ذلك المجتمع، مع السادة من قريش، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ” وكان عمر رضي اله عنه يقول: “أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلاَلاً رضي الله عنه”، فكأنه -وهو في الذؤابة من قريش- يقول عن بلال: “سيدنا بلال” وهي قمة لم تصل إليها البشرية في تاريخها كله إلا في أمة العقيدة.
ثم انساح المسلمون في الأرض وفتحوا ما فتحوا من البلاد لا لينشئوا إمبراطورية ولكن لينشروا العقيدة، لم تكن توسعة الأرض قط هي التي تهمهم أو تدفعهم إلى الخروج من أرضهم، ولم يكن ضم موارد جديدة، واستخدامها -أو تسخيرها- للدولة الأم لتغنى وتكتنز، خاطرًا يدفع قائدًا من القواد أو جنديَّاً من الجنود، إنما كان الدافع الأصيل هو إزالة “الجاهلية” ليحل محلها “الإسلام” دون إكراه للناس على عقيدة الإسلام. إزالة الجاهلية ممثلة في دول وجيوش ونظم لا تؤمن بالله ولا تطبق المنهج الرباني، ليحل محلها النظام الإسلامي ممثلا في تطبيق شريعة الله، وتطبيق العدل الرباني والحكمة الربانية، مع ترك الناس أحرارًا في عقائدهم بإذن الدَّوْلَة الإسلامية بل بحراستها وحمايتها!
إنها تجربة فريدة في التاريخ، لم تتكرر، وليس من شأنها أن تتكرر مع أي نظام آخر، إلا أن يكون نظام قائما على العقيدة الصحيحة في الله، مطبقا لشريعة الله.
ومهما يكن من أمر فإنَّ أوروبا لم تعرف هذا اللون من التَّجمع في تاريخها كله، حتى بعد أن اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية -أو ادَّعى ذلك- وفرضها على الإمبراطورية كلها عام 325م.
وقد كان المفروض حين تصبح الإمبراطورية مسيحية أن يجمعها ذلك اللون من التجمع الذي وَحَّد الأمة الإسلامية فيما بعد، وصهر أجناسها وألوانها ولغاتها في كيان واحد متحد. ليس فيه أتباع ومتبوعون، بل فيه “مسلمون” على قدم المساواة.
ولا شك أن دخول الإمبراطورية في المسيحية قد أنشأ -لفترة من الوقت- لونا من التجمع الشعوري.. وقد كان هذا هو هدف قسطنطين الحقيقي من دخوله المسيحية، فلم يكن همه “العقيدة” إنما كان همه توحيد الإمبراطورية التي كانت توشك على التمزق والافتراق، ولكن هذا التجمع لم يرتق قط إلى الصورة التي مارستها الأمة الإسلامية لأكثر من سبب واحد:
أحد الأسباب -أو لعله السبب الرئيسي- أن الدين لم يصل إلى الإمبراطورية في صورته الكاملة، إنما وصل إليها -كما بينا في التمهيد الأول من هذا الكتاب- عقيدة مفصولة عن الشريعة، وقد كان لتلك العقيدة سلطانها على القلوب ولا ريب، ولكن لا يستوي الدِّينَانِ: دين متكامل يحكم مشاعر القلب وواقع الحياة، ودين ممسوخ، يقبع في وجدانات الناس، وقد يحكم بعض سلوكهم الشخصي، ولكنه عاجز عن حكم الواقع العملي للناس، يستكبر عنه الأباطرة فيحكمون بالقانون الرُّوماني ولا يحكمون بشرائع ذلك الدِّينِ، لا يستوي الدينان في أثرهما على الواقع، ولا في قدرتهما على تجميع الناس في صورة “أمة” موحدة:
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا} (1).
والسبب الثاني: أنَّ العقيدة حين وصلت للإمبراطورية الرُّومانية -أو حين فرضها عليها الإمبراطور قسطنطين- لم تكن على صورة واحدة. فقد كانت قد انقسمت إلى مذاهب ومعتقدات شتَّى- لا في الفروع كما هو شأن المذاهب الإسلامية- إنما في أصل الاعتقاد، بحيث لا يمكن أن يلتقي أصحاب مذهب ومذهب على شيءٍ، فالدِّين قد انحصر في العقيدة، والعقيدة أصبحت عقائد مختلفة متعارضة ومتعادية.. ويكفي نموذج واحد من هذا التعارض والعداء، هو ما كان بين الدولة الرومانية وأقباط مصر.. فقد كانوا كلهم “مسيحيين” ولكن الخلاف بين مذهب الدولة الكاثوليكي ومذهب الأقباط الأرثوذكسي كان من السعة وعدم الالتقاء بحيث كان الأقباط يسامون الخسف والعذاب من أجل عقيدتهم، حتى ليستخفون بها عن أعين الدولة، ويقام في الكنيسة الواحدة عبادتان مختلفتان: إحداهما علوية ظاهرة والأخرى سفلية سرية، كما كان الحال في كنيسة “مار(2) جرجس” حيث كانت تقام صلاة علنية على مذهب الدولة في أروقة الكنيسة العلوية الظاهرة، وصلاة أخرى سرية في سراديب تحتية خفية، يختفي فيها الأقباط عن عيون الدَّولة الرُّومانية التي تتعقبهم بالعذاب والإرهاب.. وشأن هذا الخلاف أن يمزِّق ويفرق لا أن يجمع الصُّفوف ويوحد البناء.
وصحيح أن أوروبا في مجموعها كانت كاثوليكية لعدَّةِ قرون، وكان اتحادها في المذهب عاملا من عوامل تجمعها، كما سنبين بعد، ولكن حجم هذا التَّجمع وتأثيره في حياة الناس كان يمكن أن يكون أكبر من واقعه الذي كان عليه، لو كان في حس أصحابه أنَّ دينهم واحد في كُلِّ الأرض، وأنَّهم ليسوا مجرد قطاع من هذا الدِّين -وإن يكن القطاع الأعظم- تغايره بقية القطاعات في أصول الاعتقاد(3).
فإذا اجتمع إلى هذين السَّبَبَيْن أنَّ اللاتينية -لغة الكتاب المقدس(4)– لم تكن قط لغة الكلام في الإمبراطورية الرومانية، وإنما لغة المثقفين ورجال الدين فقط، إلى جانب كونها اللغة “الرسمية” للدولة، وإنما الشعوب داخل الإمبراطورية تتكلم لغات أخرى يختلف بعضها عن بعض اختلافا رئيسيا.
إذا اجتمعت هذه الأسباب كلها وضح لنا أن التجمع الذي تم في ظل الإمبراطورية الرومانية المسيحية لم يكن من شأنه أن يرتقي إلى تكوين “أمة” واحدة على النَّسَقِ الذي تم به الأمر في ظل الإسلام، الذي لم تنفصل فيه الشريعة عن العقيدة، والذي لم تحدث فيه خلافات عقيدية تمزق وحدته، والذي كانت لغته -لفترة طويلة من الوقت- لغة واحدة هي لغة القرآن.
ومع ذلك كله فقد كان لسلطان العقيدة في نفوس المسيحيين الأوروبيين وسلطان الكنيسة البابوية من جهة أخرى، تأثير ملموس لا شك فيه، أوجد لونا من التجمع والوحدة رغم كل أسباب الفرقة والخلاف.
ولكن حماقات الكنيسة التي أشرنا إليها في التمهيد الأول ما لبثت أن عملت على تقويض ذلك التجمع من أكثر من باب …
لقد كان طغيانها في كل جانب مثيرا لردود فعل مختلفة، تلتقي كلها عند الرغبة في تحطيم نفوذ الكنيسة والتفلت منه، فضلا عما حدث فيما بعد من النفور من الدين ذاته والانسلاخ منه.
وإذا كان الدين ونفوذ الكنيسة هما الرباط الذي أوجد ذلك القدر من التجمع في أوروبا، فلنا أن نتوقع أن يكون أثر ردود الفعل المشار إليها هو انفراط عقد هذا التجمع وفصم روابطه.. وذلك الذي كان!
كان تمرد الملوك على طغيان الكنيسة السياسي أول بادرة من بوادر التَّمَزُّق في الوحدة الأوروبية. ولكن هذا التمرد وحده كان يمكن أن يظل محدود الأثر لو لم يصاحبه في ذات الفترة تقريبا تمرد من نوع آخر وفي جهة أخرى، هو أشد خطرًا على الوحدة من تمرد الملوك، ذلك هو تمرد رجال الدِّينِ، المعروف باسم “حركة الإصلاح الدِّيني”.

لقد كان تمرد الملوك نزاعا سياسيا على السُّلطة الزمنية. البابا يدعي لنفسه السُّلطة الروحية والسُّلطة الزمنية كليهما، والملوك يطالبون بالسُّلطة الزَّمنية أن تكون في أيديهم، على أن تبقى السلطة الروحية وحدها في يد البابا.. وإلى هنا كان يمكن أن يستقل الملوك بالسلطة الزمنية ولكن تظل الوحدة الزمنية قائمة، ويظل السلطان الروحي للبابا قائما، فتظل الدُّعامتان اللتان كونتا الوحدة الأوروبية قائمتين.
ولكن حركة الإصلاح الديني كانت موجهة إلى صميم العقيدة الجامعة، وهي العقيدة الكاثوليكية التي لم تكن -حتى ذلك الحين- موضع نزاع في داخل أوروبا.

كان من نتيجة الطغيان الرُّوحي للبابا ورجال دينه أن رغبت “كنائس” مختلفة في أوروبا أن تنفصل عن كنيسة روما وتستقل عنها، متخذة في الغالب صورة خلاف مذهبي مع الكاثوليكية التي كانت تخضع لها كل الكنائس من قبل، فانفصلت كنيسة بريطانيا وكنيسة ألمانيا وتبعتها كنائس أخرى، وحرص الملوك على السيطرة على تلك الحركات لا رغبة في الإِصلاح الدِّيني الذي كانت تنشق تلك الكنائس عن كنيسة روما باسمه، ولا رغبة في تنمية روح التَّدين الحقيقية عند شعوبهم، فليس شيء من ذلك في صالح السيطرة السياسية المطلقة التي ادَّعوها لأنفسهم حين طالبوا بفصل السُّلطة الزَّمنية عن السلطة الروحية، ولكن لأن كل حركة تمرد على الكنيسة البابوية من أي نوع هي كسب لهم في معركتهم ضدها؛ لأنها تضعفها وتضعف سلطانها، فيسهل عليهم التخلص من نفوذها.
__________
1 سورة الزمر: 29.
2 “مار جرجس” أي: الشهيد جرجس، وهي ليست “ماري” جرجس كما تجري على ألسنة العامة في مصر.

3 الاختلاف الذي يمكن أن يقارن بذلك في العالم الإسلامي هو الخلاف بين السنة والشيعة، ولكن ينبغي أن نتذكر أن الشيعة والسنة لم يختلفوا في قضية الألوهية -وهي محور الخلاف الرئيسي بين المذاهب المسيحية المختلفة- ولا في نبوة الرسول -صلى الله عليه وسلم، إنما كان في مبدئه خلافا سياسيا حول خلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ثم تطور إلى أمور أخرى.
4 كانت لغة الكتاب المقدس هي الإغريقية واللاتينية ولم تكن أيتهما لغة شعبية.

يقول “ولز”(1):

“كانت الكنيسة تفقد سيطرتها على ضمائر الأمراء وذوي اليسار والاقتدار من الناس، وكذلك شرعت تَفَقُّد إيمان عامة الناس بها وثقتهم فيها، وكان من نتيجة انحطاط سلطانها الرُّوحي على الطبقة الأولى أن جعلتهم ينكرون تدخلها في شئونهم، وقيودها الخلقية عليهم، ومدعياتها بالسيادة العليا فوقهم، وادعاءها الحق في فرض الضَّرائب وفي حل ارتباطات الولاء.. لذلك كفوا عن احترام ما لها من سلطان وممتلكات”.
“ولقد ظل هذا الخروج عن الطاعة يصدر من الأمراء والحكام طوال العصور الوسطى بأكملها، بيد أن الأمراء لم يشرعوا في التفكير جَدِّيَّاً في الانفصال عن المذهب الكاثوليكي وإقامة كنائس جزئية منفصلة إلا عندما أخذت الكنيسة في القرن السَّادس عشر تنضم علنا لخصمها القديم -الإمبراطور- عندما قدمت إليه التأييد وقبلت منه المساعدة في حملتها على الهراطقة، وما كانوا ليُقْدِموا على ذلك أبدًا لولا أنَّهم أيقنوا أن سيطرة الكنيسة على أذهان الجماهير قد ضعفت”.
“ولما انفصلت إنجلترا واسكتلندا والسويد والنرويج والدانمارك، وشمال ألمانيا وبوهيميا عن الارتباط بروما، أظهر الأمراء وغيرهم من الوزراء أقصى بوادر القلق والاهتمام بحفظ زمام الحركة في أيديهم.. وذلك أنهم كانوا لا يسمحون من الإصلاح إلا بالقدر الذي يمكنهم من فصم العلاقة مع روما. فأما ما تجاوز ذلك، وأما أي انفصام خطر يتجه بالأفكار إلى تعاليم يسوع البدائية، أو التفسير الفج المباشر للكتاب المقدس فكانوا يقاومونهما”.
والذي يهمنا الآن -بصدد موضوعنا الذي نعالجه- أن حركات الانفصال هذه -أيا كان العنوان الذي قامت تحته- كانت هي البداية لظهور القوميات في أوروبا.
يقول الأستاذ الندوي(2):
“والدِّينُ السَّمَاوِيُّ مهما تحرف وتغير لا يعرف الفروق المصطنعة بين الإنسان والإنسان، ولا يفرق بين الأجناس والألوان والأوطان، فجمعت النصرانية الأمم الأوروبية تحت لواء الدين، وجعلت من العالم النصراني عشيرة واحدة، وأخضعت الشعوب الكثيرة للكنيسة اللاتينية فقلت العصبية القومية والنعرة الوطنية، وشغلت الأمم عنها لمدة طويلة، ولكن لما قام لوثر “1483-1546م” بحركته الدينية الإصلاحية الشهيرة ضد الكنيسة اللاتينية رأى أن من مصلحة مهمته أن يستعين بالألمان بني جنسه، ونجح في عمله نجاحا لا يستهان بقدره، وانهزمت الكنيسة اللاتينية في عاقبة الأمر فانفرط عقدها، واستقلت الأمم، وأصبحت لا تربطها رابطة، ولم تزل كل يوم تزداد استقلالا في شئونها وتشتتا، حتى إذا اضمحلت النَّصرانية نفسها في أوروبا قويت العصبية القومية والوطنية، وكان الدين والقومية ككفتي ميزان، كلما رجحت واحدة طاشت الأخرى، ومعلوم أن كفة الدين لم تزل تخف كل يوم، ولم تزل كفة منافستها راجحة، وقد أشار إلى هذه الحقيقة التاريخية الإنجليزي المعروف “لورد لوثين” -السفير البريطاني في أمريكا- في خطبته التي ألقاها في حفلة جامعة عليكرة في يناير سنة 1938م”.
وربما يعجب الإنسان لأول وهلة حين يعرف أن “حركة الإصلاح الديني” هذه كانت نابعة من مؤثرات إسلامية، ومع ذلك لم تؤت الثِّمار الطيبة التي كان يمكن أن تنشأ عنها. ولكن العجب يزول حين يدرك الإنسان أن أوروبا -وهي تقتبس جزئيات من الحياة الإسلامية- كانت ترفض الإسلام ذاته بدافع العصبية الصليبية، ومن ثَمَّ يضيع الخير الجزئي الذي اقتبسته من الإسلام!
ولسنا هنا بصدد رصد المؤثرات الإسلامية التي أنتجت حركة الإصلاح الديني في أوروبا. ويكفينا أن نشير إلى كلمة ألفارو القرطبي التي نقلناها في الفصل السابق عن تأثر شباب النصارى في الأندلس بالوجود الإسلامي هناك، إلى حد أنَّهم كانوا ينظرون بزراية إلى كتب اللاهوت المسيحي ويعتبرونها غير جديرة بالالتفات، ولنا أن نتوقع أن تأثيرات مشابهة -ولو كانت على درجة أقل- قد سرت في أوروبا عند احتكاكها بالمسلمين سواء في الحروب الصليبية أو في الاحتكاك السلمي حين بدأت أوروبا ترسل مبعوثيها إلى مدارس المسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها من البلاد الإسلامية ليتعلموا العلم، حيث لم يكن هناك علم في الأرض إلا عند المسلمين.
وقد رأى النصارى عند احتكاكهم بالمسلمين عالما مختلفا تمام الاختلاف. عالما لا كنيسة فيه ولا “بابا” ولا رجال دين.. إنما فيه علماء يتفقهون في الدِّينِ، وغالبا ما يتفقهون في علوم أخرى مع العلوم الدينية كالطب أو الفلك أو الرياضيات.. إلخ.. بلا تعارض بين تفقههم هنا وهناك.. وليس لهم -مع تفقههم- كهانة على الناس ولا سلطان إلا توقير العلماء من أجل علمهم فحسب، ولا وساطة لهم بين الناس وبين ربهم الذي يعلمهم أنَّه لا وسطاء ولا شفعاء عنده، وأنَّه ما على العباد إلا أن يدعوه، فيستجيب لهم بلا وسيط:
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (3).
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (4).
عندئذ تحركت نفوس الذين يرغبون في الإصلاح لمحاولة إصلاح مفاسد الكنيسة المتراكمة خلال القرون، وخلع السُّلطان الطاغي الذي فرضه البابا ورجاله على الناس باسم الدِّين. ولكن محاولاتهم كانت كالرقعة في الثَّوْبِ الخَلِقِ بسبب رفضهم الدخول في الإسلام، وسعيهم إلى الإصلاح بغير عدته الحقيقية التي تؤدي إليه.. واستغل الملوك هذه الحركات لحسابهم الخاص كما أسلفنا، لا يريدون الإصلاح الديني الحقيقي، ولا يريدون للناس أن يستقيموا على دين صحيح فيخرجوا على طاعتهم! إنما رأوا فيها أداة تساعدهم على الانسلاخ من سلطان البابا فاستغلوها في هذه الحدود.
ولم يكن الملوك وحدهم وراء اللعبة، وإنما كان وراءها كذلك اليهود، المتربصون لأية فرصة تسنح لهم للانتقام من النَّصارى الذين اضطهدوهم وأذَلُّوُهم على أساس أنهم تسببوا في صلب السيد المسيح(5)، فلما قامت حركات تؤذن بتفريق كلمة النصارى وتشتيت سلطان الكنيسة، كان من صالحهم ولا شك أن يحتضنوها ويوجهوها خلسة أو علانية لتوسيع الشقة بينها وبين الكنيسة الأصلية، وكل فرقة -سواء قامت باسم الإصلاح أو بهدف الإفساد- هي في النهاية في صالح اليهود ما دامت لا تؤدي إلى إصلاح حقيقي! وإنَّ صلة اليهود بالبروتستانتية بالذَّاتِ لأمر معلوم لكل من يدرس تاريخ تلك الحركة، وإن أنكر تلك الصلة هؤلاء وهؤلاء(6).
هكذا كان مولد القوميات في أوروبا …
حركات إصلاحية مبتورة غير ناضجة، استغلها ذوو الأهواء لحسابهم الخاص، فأفسدوها وحولوها إلى اتجاه شرير..
__________

1 في كتاب “معالم تاريخ الإنسانية” “ج3 مقتطفات من ص989-991 من الترجمة العربية”.

2 في ص211، 212 من كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”.
3 سورة غافر: 60.
4 سورة البقرة: 186.
5 يعلم المسلمون من القرآن أن المسيح عليه السلام لم يصلب، لقوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [سورة النساء 157، 158] ولكن هذا لا يعفي اليهود في الحقيقة من وصمة الإجرام، فقد ظلوا يحرضون الحاكم الروماني بيلاطس حتى أصدر حكمه بصلب المسيح، فإذا كان الله قد رفعه إليه ولم يمكنهم من صلبه فإن جريمة التحريض باقية تصم اليهود بالكفر والإجرام.
6 كما تنكر ذلك في الوقت الحاضر حركة “شهود يهوه” وتدعي أنها مسيحية وهي يهودية لحما ودما.

إن القومية في ذاتها نزعة غير إنسانية، لا يتوقع أن ينشأ منها إلا الشر.
إنها بادئ ذي بدء تحد عالم “الإنسان” فبدلا من أن يكون أفقه العالم والإنسانية، إذا أفقه هو قومه، والرقعة الضئيلة من هذا العالم التي يسكن فيها قومه.. وبدلا من أن تكون قيمه “معاني” رفيعة من التي تقاس بها رفعة الإنسان، ويتميز بها إنسان عن إنسان. إذا قيمه هي مصالح قومه، ومصالح هذه الرقعة الضئيلة من الأرض التي يسكن فيها قومه، وهي مصالح مادية يتعارك عليها مع غيره من الهابطين مثله إلى دركه، “كالمصالح” التي يتعارك عليها الحيوان، من أرض وكلأ إذا كان من الضِّعَافِ أكلة العشب، أو أرض وصيد إذا كان من الوحوش التي يفترس القوي منها الضعيف!
ثم إنها تقيم تجمعها على الأمور التي لا خيار فيها للإنسان.. من المولد في أرض معينة. والكلام بلغة الأرض التي ولد فيها، والمصالح المادية القاهرة. في الوقت الذي تنبذ فيه كل الأمور التي يكون للإنسان فيها الخيار، والتي يتفاضل فيها إنسان على إنسان بناء على ذلك الخيار.. تنبذ العقيدة في الله، التي يختار فيها الإنسان بين الإيمان والكفر، ويتفاضل الناس فيها على أساس الإيمان والكفر.. وتنبذ القيم المنبثقة من العقيدة، وهي نظافة المشاعر ونظافة السلوك مع الأصدقاء والأعداء سواء.. أي: الصِّدْق مع كل الناس، والأمانة مع كل الناس، والعدل مع كل الناس، ثُمَّ الحب في الله والبغض في الله “لا للمصالح الأرضية” أي: الحب لمن هو جدير بالحب بالفعل بالمقاييس الإنسانية الرفيعة، والبغض لمن هو جدير بالبغض حقا بتلك المقاييس، وهي القيم التي يختار فيها الإنسان بين الالتزام وعدم الالتزام.. أي: بين الرفعة والهبوط..
انظر في مقابل ذلك هذه الآية الكريمة من القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (1).
فكون الناس شعوبا وقبائل، هذه حقيقة واقعة ملموسة، وهي من إرادة الله؛ لأنه هو الذي “جعل” الناس كذلك، ولكن الله لم يشأ سبحانه أن ينحبس الناس في داخل شعوبهم وقبائلهم وينغلقوا في حدودها وهو ما تفعله القوميات والوطنيات بادئ ذي بدء، ولا أراد للناس أن يلتقوا من داخل الإطار الذي تشكله شعوبهم وقبائلهم في عراك مع الشعوب والقبائل الأخرى، وهو ما تفعله القوميات والوطنيات بعد ذلك أي: بعد انحسارها في داخل حدودها، وبحثها عن “مصالحها القومية”.
إنما جعل الله الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا. يتعارفوا كما يتعارف بنو الإنسان؛ لأنَّ الخطاب في الآية كان للناس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ..} لا للوحوش ولا للأفاعي ولا للحشرات! ثُمَّ قرر الله قاعدة التَّعارف التي تليق ببني الإنسان حين يتعارفون. وهي التَّقْوَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وهي الكلمة الجامعة لكل ما في الحياة الإنسانية من معاني الخير.
ولكن الجاهلية الأوروبية ما كان لها أن تهتدي إلى هذه المعاني وهي ترفض أصل الهدى ومنبعه، وهو الإسلام، ولو اهتدت إلى شَيْءٍ من تلك المعاني لاستصغرت الأفق الذي تدور فيه القومية والوطنية وأحست نحوه بالازدراء! ففي اللحظة التي تحس أن الرباط الحقيقي الذي يربط “نفسا إنسانية” بنفس أخرى إنسانية ليس هو المصالح المادية، ليس هو الأرض والكلأ والمتاع الحسي، وليس هو الأمور
التي لا اختيار للإنسان فيها من الأرض والمولد واللسان والدم..إنما هو “المشاعر” التي ميزت الإنسان من لحظة مولده عن سائر المخلوقات من دونه، وهي العقيدة الواعية في الله، والقيم المتعلقة بالعقيدة من نظافة سلوكية مع كل الناس، وحب في الله وبغض في الله.. في اللحظة التي ترتفع فيها إلى ذلك المستوى ستحس على الفور بأن ما تمارسه القوميات والوطنيات هبوط لا يليق “بالإنسان”! ونكسة إلى الوراء في ميزان “الإنسانية” وليس تقدما إلى الإمام.
وعلى الرغم من أن هذه الجاهليات قد حاولت أن تستعير من الإسلام رقعة ترقع بها ثوبها الخَلِق، فيما يسمى بحركة الإصلاح الدِّيني، فإن رفضها الأساسي لأصل الهدي وقاعدته الحقيقية قد جعل هذه الرُّقْعة تضيع ضياعا كاملا في ذلك الثوب.. وسرعان ما بليت الرُّقْعَةُ كما بلي الثَّوْبُ من قبل، وألقى صاحب الثوب ثوبه البالي كله، وخرج من الدين جملة، واستبدل به قوميات علمانية لا صلة لها بالدين، أقصى ما يتسع صدرها له أن تتسامح في وجوده، فلا تنبذ أصحابه ولا تطاردهم، وإن كانت كثيرًا ما يضيق صدرها به وبهم، فتلفظهم لفظا وتلقي بهم خارج السَّاحَةِ، إن لم تفعل ما هو أسوا من ذلك كثيرًا، فتلقيهم في غياهب السجون!
على أن الشر الذي نجم من القوميات والوطنيات لم يكن شرا شخصيا ينتهي أمره بهبوط أصحابه عن إنسانيتهم وقبوعهم في داخل حدودهم وهم مُتَّشِحُون بذلك الهبوط.

كلا! ليس ذلك من “شيم” القوميات والوطنيات إلا أن تكون في حالة من الضعف الشديد لا تقدر فيها على العدوان! أما إن كانت في حالتها “الطبيعية” أي: تملك وسائل القوة، فإن أول ما تتجه إليه هو السعي إلى توسيع رقعتها على حساب قومية أخرى أضعف منها، أو تظن فيها أنها أضعف منها! كما يسعى الوحش إلى الصِّدام مع من يتوسم فيه الضَّعف ليفترسه!
يقول الأستاذ الندوي رحمه الله بعد النص الذي نقلناه:
“لما قضت حركة لوثر التي تدعى “حركة إصلاح الدين” على وحدة أوروبا الثقافية والدينية انقسمت هذه القارة في إمارات شعبية مختلفة، وأصبحت منازعاتها ومنافساتها خطرًا خالدًا على أمن العالم”(2).
وبالفعل نشب صراع عنيف داخل أوروبا بين هذه القوميات الناشئة بعضها وبعض.
ولنأخذ مثالًا واحد على ذلك ما يعرف في التاريخ الأوروبي بالحروب الإيطالية.
يقول الدكتور عبد العزيز محمد الشناوي أستاذ التاريخ الحديث بقسم الدراسات العليا بكلية البنات الإسلامية بجامعة الأزهر(3): “الحروب الإيطالية هي حروب منقطعة نشبت بين فرنسا وإسبانيا خلال فترة استطالت خمسة وستين عاما “1494-1559″ وكانت هذه الحروب مظهرا من مظاهر التنافس الدولي بين هاتين الدولتين من أجل السيطرة والنفوذ في أوروبا، والرغبة في التوسع الإقليمي داخل القارة، وقد بدأ هذا التنافس بين فرنسا وأسبانيا قبل أن يلفظ القرن الخامس عشر أنفاسه الأخيرة، واقترن بصراع حربي مرير خاضته الدولتان، وكانت شبه الجزيرة الإيطالية ميدانا لتصارع الجيوش الفرنسية والأسبانية خلال المراحل الأولى لهذه الحروب التي تطورت بعد ذلك إلى نضال أوروبي اتسع نطاقه وانتقل إلى ميادين متعددة خارج شبه الجزيرة الإيطالية”(4).
ثم يقول بعد ذلك بصفحات تحت عنوان “الموقف الدولي عند نشوب الحروب الإيطالية”:
“كانت فرنسا وأسبانيا قد تطلعتا إلى إيطاليا واستهدفتا تحقيق غرضين هما: التوسع الإقليمي بالاستيلاء على ممتلكات جديدة في شبه الجزيرة الإيطالية، ثُمَّ السيطرة والتفوق السياسي في القارة الأوروبية، كانت كل منهما تمثل الدولة الملكية الموحدة ذات الحكومة المركزية، وكانت كل منهما أيضا، “والقرن الخامس عشر يلفظ أنفاسه الأخيرة” في طليعة الدول اللاتينية والكاثوليكية في غرب أوروبا، وقد بلغت كلتاهما مستوى من التقدم الحضاري -الثقافي والمادي- يفوق كثيرا المستوى السائد في شرق أوروبا! وكان من المتوقع أن تركز هاتان الدولتان جهودهما لتنشيط حركة البعوث الكشفية الجغرافية لتحقيق مزيد من النجاح بعد أن بدت تباشير اكتشاف عالم جديد يتيح آفاقا جديدة رحيبة للتجارة والثَّراء والقوة، ولكن بدد ملوك أسبانيا وفرنسا قواهم طوال فترة امتدت زهاء خمسة وستين عاما في صراع مرير استهدف السيطرة على إيطاليا، وأنزل بهم جميعًا أضرارا فادحة. وأذل بلادا متحضرة شهدت مولد النهضة الأوروبية في فجر التاريخ الحديث.. وقد أدى هذا الصِّراع إلى أفول النَّهضة الإيطالية، وخضوع إيطاليا لصرامة الحكم الأجنبي”(5).
ولنستعرض فقط بعض عناوين الكتاب ذات الدِّلالة على الدَّوامة التي اجتاحت أوروبا في ذلك الحين بسبب التنافسات القومية: أحلام “شارل الثامن” ملك فرنسا، مقدمات التدخل الفرنسي في إيطاليا، الزحف الفرنسي الخاطف على إيطاليا، نجاح انسحاب الجيش الفرنسي من إيطاليا، فرنسا تكتسح دوقية ميلان، فرنسا تروم استكمال سيطرتها على إيطاليا، هزيمة ملكة نابولي، بابا جديد يكتل نصف أوروبا ضد جمهورية البندقية، الحلف المقدس ضد فرنسا سنة 1511، انتصار الفرنسيين في معركة “رافنا” سنة 1512، توسيع قاعدة الحلف المقدس ضد فرنسا، انتكاس فرنسا عسكريا، انتقام البابا، أطماع البابا، عودة إلى سياسة الأحلاف العسكرية، القوات السويسرية تحسم الموقف لصالح حلف مالين، أطماع فرنسوا الأول ملك فرنسا، موقعة “مارينيان” ونتائجها، اشتداد المنافسة بين ملكي فرنسا وأسبانيا على منصب الإمبراطور، انتخاب ملك أسبانيا إمبراطورًا، عودة الصِّدَام المسلح، عدوان ثلاثي على فرنسا، معركة “بافي” “24 من فبراير 1525″، الموقف الداخلي في فرنسا بعد كارثة “بافي”، حملة سنة 1528، فرنسا تحرز انتصارات خاطفة، جيش فرنسي جنوبي إيطاليا يضطر إلى التَّسليم، هزيمة جيش فرنسي في شمالي إيطاليا وأسر قائده، أسباب التعجيل في عقد الصلح، تجدد الحرب ومعركة “سيريزول”، استمرار الصراع بين فرنسا وأسبانيا على عهد هنري الثاني، الصدام المسلح بين فرنسا والإمبراطورية، استمرار الصراع الحربي على عهد “فيليب الثاني”، البابا يورط ملك فرنسا في صدام مسلح ضد ملك أسبانيا الجديد، فرنسا تتعرض لهزيمة محققة، فرنسا تنتزع “ثغر كاليه” من إنجلترا، نهاية الحروب الإيطالية!!

وهذه كلها حرب واحدة من الحروب العديدة التي جرت في أوروبا على فترات متتابعة.. وتكفي حروب نابليون الشهيرة مثلًا ثانًيا على تلك الروح الشريرة التي اجتاحت أوروبا منذ ظهرت فيها حُمَّى القومية، ولسنا في حاجة إلى تتبع تفصيلاتها فلن يزيدنا ذلك معرفة بتلك الرُّوح التَّعِسَة، كما أن قصة نابليون بصفة عامة معروفة عند كثير من القراء …
__________
1 سورة الحجرات: 13.

2 ص212 من كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”.

3 في كتابه “أوروبا في مطلع العصور الحديثة” تحت عنوان “تعريف بمصطلح الحروب الإيطالية”.
4 ص154 من الكتاب المشار إليه.

5 ص173، 174 من المرجع السابق.

ثُمَّ جَدَّ عاملٌ جديدٌ زاد من حِدَّةِ الصِّراع، ذلك هو الثورة الصناعية …
إن “أخلاق” الثورة الصناعية هي “الأخلاق” اليهودية -إن سميت هذه أخلاقا- أي: السَّعْيُّ إلى الربح بكل وسيلة مشروعة أو غير مشروعة، ولم يكن غريبا أن تتخلق الثورة الصناعية بهذه الأخلاق الهابطة، مذ كانت خاضعة للسيطرة اليهودية منذ نشأتها، كما بينا في التمهيد الثاني من هذا الكتاب(1)، ولما كانت القوميات قد اتجهت أساسا إلى تحقيق “المصالح القومية” بصرف النظر تماما عن “المصالح الإنسانية” … وإذ كانت المصالح القومية مصالح مادية بالدرجة الأولى.. فنستطيع أن نتصور الحال حين تدخل القوميات بصراعاتها المادية في دوامة الثورة الصناعية، فإن هذه الصراعات لا بد أن تتضاعف عدة مرات، ولا بد أن تأخذ صورة الصراع المادي البحت.. وكانت “الفلسفة” التي قام عليها هذا الصراع -إن سميت هذه فلسفة- هي الفلسفة الرأسمالية المتذرعة بقول الداروينية: “البقاء للأصلح”(2) ولما كانت كل قومية تزعم لنفسها أنها هي الأجدر بالبقاء، وتريد أن تثبت ذلك بالفعل، فلنا أن نتصور كيف يعنف الصراع بين القوميات المختلفة ويصل إلى حد الوحشية! وتموت في دوامة الصِّرَاع الوحشي كل المعاني “الإنسانية” ويسمى هذا “تَقَدُّمًا” حسب التَّفسير الدَّارويني للحياة، والتفسير المادي للتاريخ!
ومع الثورة الصِّناعية الرأسمالية المتلبسة في ذات الوقت بالقومية، اتسعت رقعة “الاستعمار”.
لقد كان الاستعمار الأوروبي في منشئه دفعة صليبية بحتة.
فحين سقطت الأندلس في يد المسيحيين أصدر البابا قرارًا بتقسيم أرض “الكفار” -أي: المسلمين- إلى دولتين هما أسبانيا والبرتغال(3)، وقامت محاكم التفتيش بمجهود وحشي ضخم للقضاء على بقايا الإسلام في الأندلس، فاستخدمت أبشع وسائل التعذيب التي عرفها التاريخ لمطاردة الإسلام في كل شبر من أرض ما صار يسمى أسبانيا والبرتغال، حتى صارت الهينمة في جوف الليل مبررًا لدخول رجال التفتيش أي بيت تسمع فيه؛ لأنَّها مظنة قراءة القرآن سِرَّاً في هدأة الليل، وصار وجود حمام في أي بيت يدخله رجال التفتيش مبررًا لصب أفظع ألوان التَّعذيب على أهله؛ لأنَّ الحمامات داخل البيوت كانت في ذلك الوقت خصيصة من خصائص المسلمين! ومع ذلك كله فقد استغرق الأمر مائتي عام حتى أفلح التعذيب الوحشي في تنصير الأندلس كلها ومحو كل أثر للإسلام فيها.
ولما تم “رسميا” إزالة الحكم الإسلامي -أي: منذ 1492م- شجع البابا النصارى على متابعة المسلمين خارج الأندلس، في حرب صليبية جديدة، بغية القضاء على الإسلام في كل أرض، ولكن وجود الدولة العثمانية القوية في الشرق، التي أزالت الدولة البيزنطية باستيلائها على القسطنطينية عام 1453م، لم يكن يتيح للحرب الصليبية الجديدة أن تتجه إلى الشرق نحو بيت المقدس كما اتجهت الحروب الصليبية الأولى الفاشلة، فحاولت الدَّوَرَان حول العالم الإسلامي من جهة الغرب، وكانت البرتغال أوَّلَ دولةٍ استجابت للتحريض البابوي وسارعت إلى تنفيذه.
في عام 1497 قام “فاسكوداجاما” برحلته الشهيرة التي كشف فيها للأوروبيين طريق رأس الرجاء الصالح(4) وبمعاونة البحار العربي المسلم “ابن ماجد” وعلى هدي الخرائط الإسلامية للشواطئ الإفريقية والآسيوية(5)، دار “فاسكوداجاما” حول إفريقيا متجها إلى الشرق حتى وصل إلى جزر الهند الشرقية، وهناك قال قولته الصليبية المشهورة، التي تقطع بأنَّ رحلته لم تكن “علمية” كما يُدَّعى لها، ولم تكن من أجل الكشف الجغرافي الخالص كما قيل عنها، فقد قال عند وصوله إلى تلك الجزر: “الآن طوقنا عنق الإسلام، ولم يبق إلا جذب الحبل ليختنق فيموت”!
وبعد ذلك تتابعت “الكشوف” وتتابعت “الرحلات العلمية” التي مهدت للاستعمار الصليبي للعالم الإسلامي.
ولما برزت القوميات في أوروبا تلبَّسَت بالروح الصليبية تجاه المسلمين، فأصبح التنافس يتمثل -من بين ما يتمثل- في التنافس على استعمار العالم الإسلامي ومحاولة تنصير أهله عن طريق الحملات التبشيرية التي صاحبت الاستعمار الصليبي دائمًا، ممهدة له أحيانا، ومستندة إلى وجوده أحيانا، ولكنها مصاحبة له على الدَّاوم!
وحتى حين أصبحت تلك القوميات “علمانية” تماما لم يؤثِّر ذلك في صليبية الحملات الاستعمارية، ولا قللت مقدار ذرة من النشاط التبشيري المصاحب للاستعمار الصليبي.
وقد يبدو ذلك متناقضًا لأول وهلة.. فكيف تهمل أوروبا “الدين” في حياتها الخاصة، ثم تتذكره في الهجوم على العالم الإسلامي؟ الواقع أن الذي تذكرته أوروبا -ولا تزال إلى هذه اللحظة تتذكره- تجاه العالم الإسلامي ليس هو “الروح الدينية” فقد انسلخت أوروبا من دينها تمامًا.. إنما هو “الروح الصليبية” التي كانت ذات يوم مُتَلَبِّسَة بالدين. ولكنها ظلت على ضراوتها حتى بعد أن فقدت منبعها الأصلي، وصارت شيئا قائما بذاته، لا علاقة له بتدين أصحابه، إنما هي كراهية وحقد ومقت للإسلام والمسلمين، لا لحساب النصرانية كدين، ولكن لحساب الأوروبيين بوصفهم أعداء للمسلمين.
يقول” ليوبلدفايس” “محمد أسد” في كتابه “الإسلام على مفترق الطرق”:

“إن الاصطدام العنيف الأول بين أوروبا المتحدة من جانب وبين الإسلام من جانب آخر -أي: الحروب الصليبية- يتفق مع بزوغ فجر المدنية الأوروبية، في ذلك الحين أخذت هذه المدنية -وكانت لا تزال على اتصال بالكنيسة- تشق سبيلها بعد تلك القرون المظلمة التي تبعت انحلال رومية، حينذاك بدأت آداب أوروبا ربيعا منورًا جديدا. وكانت الفنون الجميلة قد بدأت بالاستيقاظ ببطء من سبات خلفته هجرات الغزو التي قام بها القوط والهون والآفاريون. ولقد استطاعت أوروبا أن تتملص من تلك الأحوال الخشنة في أوائل القرون الوسطى، ثم اكتسبت وعيا ثقافيا جديدا. وعن طريق ذلك الوعي كسبت أيضا حسا مرهفا، ولما كانت أوروبا في وسط هذا المأزق الحرج حملتها الحروب الصليبية على ذلك اللقاء العدائي بالعالم الإسلامي.. إن الحروب الصليبية هي التي عينت في المقام الأول، والمقام الأهم موقف أوروبا من الإسلام لبضعة قرون تتلو.

ولقد كانت الحروب الصليبية في ذلك حاسمة؛ لأنها حدثت في أثناء طفولة أوروبا، في العهد الذي كانت فيه الخصائص الثقافية الخاصة قد أخذت تعرض نفسها(6) وكانت لا تزال في طور تشكلها، والشعوب كالأفراد، إذا اعتبرنا أن المؤثرات العنيفة التي تحدث في أوائل الطفولة تظل مستمرة ظاهرًا أو باطنًا مدى الحياة التَّالية، وتظل تلك المؤثرات محفورة حفرًا عميقًا، حتى إنَّه لا يمكن للتَّجارب العقلية في الدور المتأخر من الحياة، والمتسم بالتَّفكير أكثر من اتسامه بالعاطفة أن تمحوها إلا بصعوبة، ثم يندر أن تزول آثارها تمامًا. وهكذا كان شأن الحروب الصليبية، فإنَّها أحدثت أثرا من أعمق الآثار وأبقاها في نفسية الشعب الأوروبي، وإنَّ الحَمِيَّة الجاهلية العامة التي أثارتها تلك الحروب في زمنها لا يمكن أن تقارن بشيءٍ خبرته أوروبا من قبل ولا اتفق لها من بعد”.
“ومع هذا كله فإنَّ أوروبا قد استفادت كثيرًا من هذا النزاع، إن “النهضة” أو إحياء الفنون والعلوم الأوروبية باستمدادها الواسع من المصادر الإسلامية والعربية على الأخص، كانت تعزى في الأكثر إلى الاتصال المادي بين الشرق والغرب، لقد استفادت أوروبا أكثر مِمَّا استفاد العالم الإسلامي، ولكنها لم تعترف بهذا الجميل، وذلك بأن تنقص من بغضائها للإسلام، بل كان الأمر على العكس، فإنَّ تلك البغضاء قد نمت مع تقدُّم الزَّمن، ثُمَّ استحالت عادة.

ولقد كانت هذه البغضاء تغمر الشعور الشعبي كلما ذُكِرَتْ كلمة “مسلم” ولقد دخلت الأمثال السَّائرة عندهم حتى نزلت في قلب كل أوروبي، رجلًا كان أم امرأة. وأغرب من هذا كله أنَّها ظَلَّتْ حَيَّةٌ بعد جميع أدوار التبدل الثقافي، ثُمَّ جاء عهد الإصلاح الدِّيني حينما انقسمت أوروبا شِيَعَاً، ووقفت كل شيعة مدججة بسلاحها في وجه كل شيعة أخرى، ولكن العداء للإسلام كان عاما فيها كلها، بعدئذ جاء زمن أخذ الشُّعُورِ الدِّيني فيه يخبو ولكن العداء للإسلام استمر”.
“ولقد يتساءل بعضهم فيقول: كيف يتفق أنَّ نُفُورَاً قديمًا مثل هذا -وقد كان دينيا في أساسه وممكنا في زمانه بسبب السيطرة الروحية للكنيسة النصرانية- يستمر في أوروبا في زمن ليس الشعور الديني فيه إلا قضية من قضايا الماضي”!
“ليست مثل هذه المعضلات موضع استغراب أبدًا، فإنه من المشهور في علم النفس أن الإنسان قد يفقد جميع الاعتقادات الدينية التي تلقنها أثناء طفولته، بينما تظل بعض الخرافات الخاصة -والتي كانت من قبل تدور حول هذ الاعتقادات المهجورة- في قوتها تتحدى كل تعليل عقلي في جميع أدوار ذلك الإنسان، وهذه حال الأوروبيين مع الإسلامي، فعلى الرغم من أن الشعور الديني الذي كان السبب في النفور من الإسلام قد أخلى مكانه في هذه الأثناء لاستشراف على الحياة أكثر مادية، فإن النفور القديم نفسه قد بقي عنصرا من الوعي الباطني في عقول الأوروبيين، وأما درجة هذا النفور فإنها تختلف بلا شك بين شخص وآخر، ولكن وجوده لا ريب فيه. إنَّ روح الحروب الصليبية -في شكل مصغر على كل حال- ما زال يتسكع فوق أوروبا، ولا تزال مدنيتها تقف من العالم الإسلامي موقفا يحمل آثارًا واضحة من ذلك الشَّبَحِ المُسْتَمِيتِ في القتال”(7).
__________
1 راجع فصل “دور اليهود في إفساد أوروبا”.

2 تفهم هذه العبارة خطأ أن “الأصلح” هو الأصلح خلقيا أو معنويا أو على أساس أية قيم رفيعة. والتعبير في لغته الأصلية لا يحمل شيئا من هذه المعاني فكلمة Fittest معناها “الأنسب” أي: الذي يحمل المواصفات التي تجعله يتفوق في الصراع الدائر بين الكائنات وبين البيئة؛ لأن هذه المواصفات هي الأنسب للظروف البيئية المحيطة، فحين يحدث الجفاف مثلا يكون الكائن “الأنسب” هو النبات أو الحيوان الذي يحتمل العطش أكثر من غيره.. ولكنها حملت معنى “الأصلح” من إحياءات الداروينية العامة.
3 كلمة البرتغال “برتقال” هي كلمة عربية فقد كان المسلمون يسمون هذه المنطقة أرض البرتقال!

4 كان هذا الطريق معروفا للمسلمين قبل ذلك بعدة قرون!
5 كان لدى المسلمين خرائط دقيقة للشواطئ الآسيوية والإفريقية يستخدمونها في رحلاتهم التجارية من شواطئ الصين شرقا إلى بريطانيا غربا وشمالا.

6 يقصد: أخذت تظهر.

7 الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة عمر فروخ، مقتطفات من ص52-59.

يقول “ولفرد كانتول سميث” المستشرق الكندي المعاصر(1):

“إلى أن قام “كارل ماركس” وقامت الشيوعية، كان النبي “يقصد الإسلام” هو التَّحَدِّي الحقيقي الوحيد للحضارة الغربية الذي واجهته في تاريخها كله، وإنَّه لمن المهم أن نتذكر كم كان هذا التَّحَدِّي حقيقيَّاً، وكم كان يبدو في يوم من الأيام تهديدًا خطيرًا حقَّاً”.
“لقد كان الهجوم مباشرًا، في كلا الميدانين: الحربي والعقيدي، وكان قويَّاً جِدَّاً، ولا شَكَّ أنَّه بالنسبة للمسلمين يبدو أنَّه الحَقُّ والصَّوابُ، والأمر الطبيعي المحتوم، أن يمتد الإسلام كما امتد، ولكن الأمر كان مختلفًا بالنسبة للشخص الواقع خارج نطاق الإسلام، الذي لم يكن يرى فيه شيئا من ذلك كله، والذي كان التوسع الإسلامي يقع على حسابه، وقد كان هذا التَّوَسُّع إلى حَدٍّ كبير على حساب الغرب. فقد فقدت المسيحية دفعة واحدة “أجمل مقاطعات الإمبراطورية الرومانية” لتتسلمها منها القوة الجديدة، وكانت في خطر من ضياع الإمبراطورية بكاملها، وعلى الرغم من أنَّ القسطنطينية لم تقع -تمامًا- في يد الجيوش العربية كما وقعت مصر وسوريا، فقد استمر الضغط عليها فترة طويلة، وفي موجة التَّوَسُّعِ الإسلامي الثانية وقعت القسطنطينية بالفعل سنة 1453، وفي قلب أوروبا المفزعة ذاتها أحاط الحصار بفيينا سنة 1529 بينما ظل الزَّحف الذي بَدَا عنيدًا لا يلين، مستمرًا في طريقه، وحدث ذلك مرة أخرى في وقت قريب لم يتطاول عليه العهد في سنة 1683، وإن وقوع تشيكوسلوفاكيا في قبضة الشيوعية عام 1948 لم يكن له قط في العصر الحديث ذلك الفزع في نفوس الغرب المتهيب، كما كان لذلك الزَّحَفُ المستمر قرنا بعد قرن، من تلك القوة الضخمة المهددة التي كانت لا تكف ولا تهدأ ويتكرر انتصارها مرة بعد مرة
“.

“وكما هو الأمر مع الشيوعية كذلك كان التَّهديد والانتصارات “الإسلامية” قائمين في عالم القيم والأفكار أيضًا. فقد كان الهجوم الإسلامي موجهًا إلى عالم النَّظريات كما هو موجه إلى عالم الواقع،.. وقد عملت العقيدة الجديدة بإصرار على إنكار المبدأ الرئيسي للعقيدة المسيحية، التي كانت بالنسبة لأوروبا العقيدة السَّامية التي أخذت في بطء تبني حولها حضارتها.. وكان التَّهديد الإسلامي موجهًا بقوة وعنف وكان ناجحا ومكتسحا في نصف العالم المسيحي تقريبًا … والإسلام هو القوة الإيجابية الوحيدة التي انتزعت من بين المسيحيين أناسا دخلوا في الدِّين الجديد وآمنوا به.. بعشرات الملايين، وهو القوة الوحيدة التي أعلنت أنَّ العقيدة المسيحية ليست مزيفة فحسب، بل إنها تدعو إلى التَّقَزُّز والنُّفور”.
“وإنَّه لمن المشكوك فيه أن يكون الغربيون -حتى أولئك الذين لا يدركون إطلاقا أنَّهم اشتبكوا في مثل هذه الأمور- قد تَغَلَّبُوا قط على آثار ذلك الصِّراع الرئيسي المتطاول الأمد.. أو على آثار الحروب الصِّليبية التي استغرقت قرنين من الحرب “العقيدية” العُدْوَانية المريرة”(2).
وفي هذا وذاك تفسير لهذه الظاهرة التي تبدو غريبة لأوَّلِ وهلة، وهي أنَّ أوروبا قد أهملت الدين في حياتها، ولكنها لم تنس الروح الصليبية التي أججتها ظروف الحرب والصراع في نفوسهم من قديم.
وحين قامت الثورة الصناعية اتسم “الاستعمار” عامة بالصبغة الاقتصادية؛ لأنه كان بحثا عن الموارد الرخيصة من جهة، والأسواق المضمونة لتوزيع فائض الإنتاج من جهة أخرى.. وشمل الاستعمار كل أرض مستضعفة سواء كانت أرضا إسلامية أو غير إسلامية، ومع ذلك لم ينس الصليبيون صليبيتهم إزاء المسلمين، فحيثما كانت الأرض المستعمرة غير إسلامية اكتفى الاستعمار بنهب الخيرات وتوزيع فائض الإنتاج … أمَّا حيث تكون الأرض إسلامية فالعناية الأولى موجهة لمحو الإسلام عن طريق التبشير والغزو الفكري ومناهج التعليم التي تفرض على المسلمين ووسائل الإعلام التي توجه إليهم، ثم يأتي بعد ذلك نهب الخيرات وتوزيع فائض الإنتاج. وخير مثال لذلك استعمار البريطانيين للهند، فقد كان أول عمل لهم هو إزالة الحكم الإسلامي في الهند، ثم تركوا الهنود لمعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم لم يتعرضوا لهم بشيء، ووجهت الحرب الضارية ضد المسلمين وحدهم، فصودرت الأوقاف المرصودة للتعليم الإسلامي فجفت منابعه، وحورب المسلمون في الوظائف العامة وأعطيت للوثنيين الهنود، ووجه الغزو الفكري ضد المسلمين لإخراجهم من حقيقة الإسلام!

وأيا ما كان الأمر فقد ارتبطت القوميات في أوروبا بالاستعمار بكل سفالاته، وكل بشاعاته، ونشبت الحروب بين القوميات المختلفة أبشع ما تكون. وصارت نهاية الأمر حروبا عالمية، تشترك فيها كل القوميات، ويصلاها العالم كله بذنب وبغير ذنب.
__________

1 في كتاب “الإسلام في التاريخ الحديث Islam in Modern History”.
2 ص109، 110 من الأصل الإنجليزي الطبعة الأولى سنة 1975م.

في الحرب الكبرى الأولى التي استمرت من 1914-1918م قتل عشرة مليون شاب، غير الذين شوهوا أو أصيبوا إصابات تقعدهم عن العمل، واستخدمت الغازات السَّامَّة والقنابل المحرقة وغيرها من الوسائل الإجرامية، التي لم تجد أوروبا في ضميرها حَرَجَاً من استخدامها؛ لأنَّ الغاية تبرر الوسيلة، ولأنَّ المصالح القومية مقدمة على كل اعتبار!
صحيح أنَّه كان هناك تكتل بين مجموعة من القوميات سمت نفسها “الحلفاء” لأنها -في لحظة من اللحظات- وجدت أن مصالحها القومية -رغم اختلافها فيما بينها وتنافسها- تقتضي التجمع لتحقيق هدف مشترك.. وكان الهدف في الحرب الأولى مزدوجا: القضاء على الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية -لأمر يراد(1)– والقضاء على القومية الألمانية التي تطالب بأن يكون لها مستعمرات كما لبقية القوميات مستعمرات
… !

وربما يظن الإنسان لأول وهلة أن أوروبا قد فطنت إلى حماقة التجمع القومي وما يؤدي إليه من فساد في الأرض وتقطيع للروابط الإنسانية فأنشأت تَجَمُّعَاً جديدا على أساس المبادئ لا على أساس القوميات.. أو هكذا قالوا هم في دعاياتهم! ولكن الحقيقة أَّن التجمع الجديد كان هو أيضا تجمع مصالح يتستر وراء المبادئ، ويريد لمجموعة من الشُّعوب، أو مجموعة من القوميات على الأصح، أن يكون لها السيطرة على العالم، وحدها من دون العالمين.. لأَمْرٍ يراد!
وتم -على أي حال- لهذا التجمع ما أريد له من السيطرة في الأرض ما يقرب من عشرين عامًا، حتى قامت الحرب العظمى الثانية، التي استمرت من عام 1939 إلى عام 1945م، وقتل فيها أربعون مليونا من الشباب، غير المدن التي دمرت، والمدنيين الذين قتلوا في الغارات الجوية، وغير قنبلتي هيروشيما ونجازاكي الذريتين، اللتين قضتا على الوجود الحي كله من نبات وحيوان وإنسان في مساحة واسعة من الأرض، وما تزال تولد أجنة مشوهة من أثر الإشعاع الذَّري السَّام الذي انتشر من القنبلتين في أماكن بعيدة عن مكان الانفجار، بعد ما يقرب من أربعين عاما من الحدث البربري الفظيع، الذي سمح به الضمير الأمريكي بلا تحرج ولا تأثم تأمينا “لمصالح” ذلك التجمع الشرير! وما كان التجمع الآخر الذي انهزم بأقل شَرَّاً ولا خُبْثَاً ولا انعدام إنسانية عن التجمع الذي انتصر! فلو أن هتلر سبق إلى استكمال القنبلة الذرية قبل أن يداهمه “الحلفاء” ويسرقوا “العلماء” الذين يعملون في صنعها، لكان قمينا أن يفعل بها مثل ما فعلوا أو أشد.
وبرز من الحرب الثانية “معسكران” مختلفان، هما المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي، يبدو في ظاهر الأمر أنهما تجمعان قائمان على “مبادئ” مختلفة.. خاصة وأن الشيوعية على الأقل تحمل مبادئ محددة، وتحمل دعوى عالمية لنشر هذه المبادئ في الأرض.
وقد مر بنا الرأي في هذا الاختلاف وهل هو في الجوهر الحقيقي أم في القشرة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية … ولكن هذا ليس معرض حديثنا هنا.. إنما نتكلم عن “المبادئ الإنسانية” التي تقوم عليها هذه التجمعات أو تزعم أنها تقوم عليها!
تعلن الشيوعية -دائمًا- أن الدِّينَ لا يجوز أن يكون أساسا للتجمع! إنَّما هو من الآثار البالية التي أحدثتها عصور الرِّقِّ والإقطاع والرأسمالية.. وأنَّ تصحيح الأوضاع الذي تحدثه الشيوعية يقضي على تلك الآثار البالية، ويقيم مجتمعًا إنْسَانِيَّاً “حرا” لا تقوم فيه التفرقة على أساس الدين.. وطالما أبدت رأيها صريحا في استنكار رغبة المسلمين في شبه القارة الهندية في إنشاء دولة “إسلامية” وقالت إن هذه اتجاهات رجعية لا ينبغي تشجيعها.
ثُمَّ قامت الدولة اليهودية عام 1948م، على أساس الدِّينِ، فهي من منشئها، أو من منشأ الدعاية لها وطن “لليهود” ودولة “لليهود” وتجمع “لليهود”.
وفي منتصف الليل، بتوقيت المنطقة التي أقيمت فيها الدولة اليهودية، أعلنت أمريكا اعترافها بالدولة، وبعد عشر دقائق اعترفت روسيا، روسيا القائمة على أساس “المبادئ” التي تنكر قيام أي تجمع على أساس الدين
!

ومنذ تلك اللحظة إلى هذا اللحظة، تجتمع أمريكا الرأسمالية الإمبريالية التوسعية الرجعية، وروسيا الشيوعية العقائدية التقدمية على الوقوف في صف إسرائيل وعدوانها المستمر الذي لم ينقطع. ضد العرب والمسلمين!
ثم تختصم روسيا وأمريكا في كل شيء عدا ذلك، ففي أي شيء تختصمان؟! على إقامة الحق والعدل في الأرض؟!
على تقرير حرية الشعوب في اختيار مصيرها؟!
كذلك تقول الدعاية المستمرة من الجانبين.. ولكن ما حقيقة الواقع؟
ما الذي يحدث حين تمس المصالح القومية لأمريكا أو لروسيا.. أو يقف حائل دون “التوسع” و”السيطرة” و”السلطان”؟!
إنهما تختصمان على توزيع “مناطق النفوذ” في العالم. أي: تختصمان على توزيع “المستضعفين في الأرض” هل يكونون في هذا المعسكر أم ذاك المعسكر. وكلتاهما لا تسمح لأحد من “الخاضعين لنفوذها” أن يتحرر ويقرر لنفسه مصيره.
كيف فعلت روسيا في المجر حين أرادت الأخيرة أن تختار مصيرها بنفسها وترجع عن الشيوعية عام 1956م؟ كيف هدمت الدبابات الروسية البيوت على أصحابها تأديبا لهم على تجرؤهم على هذا العمل الشنيع الذي ارتكبوه؟
وكيف فعلت حين أراد العمال في بولندا، الذين تزعم الشيوعية أنها قامت لتحريرهم ورد الحقوق المغتصبة إليهم.. كيف فعلت حين أراد هؤلاء العمال أن يعلنوا أن الشيوعية لم تحقق مطالبهم، ولم ترد إليهم إنسانيتهم الضائعة، وأنهم في ظلها مقهورون مظلومون مسحوقون، وأن لهم “مطالب” يريدون تحقيقها في مقدمتها ممارسة الحرية، والمشاركة في إدارة دَفَّةِ الأمور؟!
أما أمريكا ودورها الاستعماري، ودور أجهزتها الخفية في نشر الفساد في الأرض عن طريق الانقلابات العسكرية، التي يختار أصحابها من غلاظ الأكباد قساة القلوب المرضى بجنون العظمة المتعطشين إلى السلطة لينفذوا لها مخططاتها في إذلال الشعوب وجرها إلى العبودية، فأمر غني عن البيان وإن كان الذي يغيب عن أذهان كثير من الناس مداراة كل من المعسكرين على عميل المعسكر الآخر ومَدِّهِ بالمساعدة حين يكون دوره هو تذبيح المسلمين والقضاء على حركات البعث الإسلامي!

وتلك هي التجمعات التي قامت في العالم على أساس قومي.. وإن تَسَتَّرَتْ أحيانا وراء مختلف العناوين!
إلى هنا كنا نتحدث عن القوميات والوطنيات في أوروبا، كيف نشأت وكيف تطورت خلال التاريخ الحديث والمعاصر، وما كان من آثارها الشريرة في حياة العالم كله، حين صارت “المصالح القومية” هي الأصل المعترف به في حياة الناس، على حساب القيم والمبادئ وكل معنى من معاني “الإنسانية” عرفته البشرية في يوم من الأيام.
ولكن هناك جانبا من الموضوع ما زال في حاجة إلى بيان.. ذلك هو “تصدير” دعاوى القومية والوطنية إلى الشرق الإسلامي!
ولن نتحدث هنا عن “العدوى” التي جاءت إلى العالم الإسلامي من أوروبا حين ضعف المسلمون وتخلوا عن مقومات حياتهم الأصلية، وانبهروا بما عند الغرب، وتابعوه في انحرافاته ظنا منهم أن هذا هو الطريق الذي يخلصهم من ضعفهم وتخلفهم.. فذلك مبحث آخر نعالجه في غير هذا الكتاب(2) ولكن نتحدث عن التَّصْدِيرِ المتعمد لهذه التيارات من أوروبا إلى العالم الإسلامي.
حين وقع “لويس التاسع” في الأسر في الحروب الصليبية الأولى وسُجِنَ في سجن المنصورة أيام الملك الصَّالح نجم الدين أيوب؛ جعل يتفكر في سجنه ويتدبر.. فلمَّا فُكَّ أسره وعاد إلى قومه حدَّثَهُم بما هداه إليه فكره، فقال لهم: “إن التغلب على المسلمين بالسلاح وحده أمر غير ممكن.. وإنَّ على أوروبا إذا أرادت التغلب على المسلمين أن تحاربهم من داخل نفوسهم، وأن تقتلع العقيدة الإسلامية من قلوبهم.. فهذا هو الطريق!
ووعى الصليبيون المحدثون نصيحة الصليبي القديم حين بدءوا جولتهم الصليبية الثانية ضد العالم الإسلامي. فجاءوا -لا بالسلاح وحده كما جاءوا في المرة الأولى- ولكن بما هو أخطر منه كثيرًا وأشد فاعلية، ذلك هو “الغزو الفكري” الذي يهدف إلى اقتلاع العقيدة من قلوب المسلمين، وتحويلهم عن صراط الله المستقيم إلى سبل الشيطان:
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}
(3).

__________
1 سيأتي بيان هذا الأمر في سياق الحديث.

2 في النية إن شاء الله إلحاق هذا الكتاب بكتاب آخر عن حاضر العالم الإسلامي وأسباب انتشار المذاهب الهدامة فيه بعنوان “واقعنا المعاصر”.
3 سورة الأنعام: 153.

يقول “شاتلييه”(1):
“ولا شَكَّ في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية وكاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها ولا يتم ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوروبية، فبنشرها اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يحتك الإسلام بصحف أوروبا، وتتمهد السبيل لتقدم إسلامي مادي، وتقضي إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها
“.

وقد كانت دعاوى القومية والوطنية المُصَدَّرَةِ عن عمد إلى العالم الإسلامي، من بين وسائل الغزو الفكري الذي استخدمه الصليبيون المحدثون في “غزو العالم الإسلامي” كما سمى “شاتلييه” كتابه السَّالِف الذِّكْر(2).
والهدف من ذلك واضح ولا شك.. فطالما كان المسلمون “مسلمين” فسيصعب على الغزاة ابتلاعهم مهما كانوا عليه من الضَّعف والتَّخلف، ذلك أنَّ العقيدة الإسلامية عقيدة جهاد، وقد ذاق الفرنسيون في الشمال الإفريقي وذاق الإنجليز في الهند وغيرها من أقطار إفريقيا وآسيا من عقيدة الجهاد هذه ما لا يزال عالقا بنفوسهم برغم كل الضَّعف والتَّخَلُّف الذي كان عليه المسلمون. فاقتلاع هذه العقيدة واستبدال غيرها بها أمر ذو أهمية بالغة، سواء من وجهة النظر الصليبية أو من وجهة النظر الاستعمارية البحتة، فالمسلمون لا يقبلون الاستعمار ولا يرضخون له طالما كانوا “مسلمين” فإذا اجتمعت وجهة النظر الصليبية ووجهة النظر الاستعمارية تجاه الإسلام -كما هو واقع الأمر-كانت الرغبة في اقتلاع هذه العقيدة آكد، والعمل على استبدال غيرها بها أعنف وأشد.
وبالفعل بذرت بذور الوطنية أوَّلًا في العالم الإسلامي، ثُمَّ جاء دور القومية بعد ذلك “لظروف سنبينها بعد قليل” فحققت أكثر من هدف في وقت واحد..
كان الهدف الأول هو تحويل حركات الجهاد الإسلامي ضد الاستعمار الصليبي إلى حركات وطنية، كما فعل سعد زغلول في مصر وغيره من الزُّعَمَاء “الوطنيين” على اتساع العالم الإسلامي، والحركة الوطنية تفترق عن حركة الجهاد الإسلامي بادئ ذي بدء في أنَّها لا تنظر إلى “العدو” على أنَّه “صليبي مستعمر” ولكن على أنه “مستعمر” فقط.. وفرق واضح في درجة العداء وطريقة المجاهدة بين أن يكون العدو منظورًا إليه على حقيقته، وبين أن يكون مُغَلَّفَاً برداء الاستعمار فحسب.
والهدف الثاني: هو تحويل حركات الجهاد الإسلامي إلى حركات “سياسية” عن طريق تحويلها إلى حركات وطنية … فالعدو غير قادر على “التفاهم” مع الحركات الإسلامية؛ لأنه لا سبيل إلى التفاهم معها في الحقيقة إلا بإخراج ذلك العدو خارج البلاد. ومن ثَمَّ فلا سبيل إلى استعمال “السياسة” من جانب العدو.
أما الحركات الوطنية فالتفاهم معها سهل وممكن! وعود من المستعمر بالجلاء. ويأتي الوقت الموعود فيتذرع المستعمر بشتى المعاذير لتأجيل جلائه، ويعطي وعودًا جديدة يعتذر عنها بدورها إذا جاء دورها.. والساسة “الوطنيون” يغضبون -أو يتظاهرون بالغضب لإرضاء الجماهير- والجماهير تثور ثورة صاخبة -لكنها فارغة- سرعان ما تنطفئ بعد الاستماع إلى خطبة رنانة من الزَّعيمِ الوَطَنِي يعد فيها بأنَّه لن يُفَرِّط في شبر من الأرض، ولن يرضى بغير “الجلاء التام أو الموت الزؤام”! (3) وبين هذا وذاك تجري “مفاوضات” بين الساسة والاستعمار تنتهي إلى أشياء تافهة يلعب بها الساسة على عقول الجماهير فيوهمونها أنها “مكاسب وطنية” وقد تنتهي إلى غير شيء على الإطلاق، ومع ذلك يقول زعيم يعتبر من كبار الزُّعَمَاء الوطنيين في العالم الإسلامي في العصر الحديث وهو سعد زغلول: “خسرنا المعاهدة وكسبنا صداقة الإنجليز” ويقول: “الإنجليز خصوم شرفاء معقولون”!! وهو شيءٌ ما كان يمكن أن يحدث لو بقيت حركة الجهاد الإسلامية كما كانت في مبدئها، ولم تتحول إلى حركة وطنية على يد الزَّعيم الكبير!!
والهدف الثالث: هو تيسير عملية “التغريب” من خلال تحويل حركة الجهاد الإسلامي إلى حركة وطنية سياسية … فحين تقوم حركة الجهاد على أساس إسلامي يكون الباب موصدا تماما بين المجاهدين وعدوهم، لا يأخذون شيئا من فكره ولا عقائده ولا عاداته ولا تقاليده ولا أنماط سلوكه.
أمَّا حين يتحول الجهاد إلى حركة وطنية سياسية فالحاجز أرق، يسمح بالأخذ.. ومعاذير الأخذ كثيرة، فقد قال” أستاذ الجيل” لطفي السيد”: إنَّ الإنجليز هم أولياء أمورنا في الوقت الحاضر. وليس السبيل أن نحاربهم، بل السبيل أن نتعلم منهم، ثم نتفاهم معهم!! (4).

وأي شيء تعلم المصريون من الإنجليز؟ هل تعلموا منهم جلدهم على العمل وانضباطهم فيه؟ أم تعلموا منهم السكر والعربدة وفساد الأخلاق؟
إنما يتعلم الأولى “المجاهد” لأن المجاهد يعلم من عدوه فضائله إن كانت له فضائل، أما “السياسي” المتسيب فالرذائل أقرب إلى قلبه؛ لأنها سهلة لا تكلف جهدا ولا تحتاج إلى مجاهدة!
وعملية التغريب -أو الغزو الفكري- كانت أهم ما يحرص عليه الصليبي المستعمر.. فحين يفقد المسلم شخصيته الإسلامية فإنه يفقد في الحقيقة نقطة ارتكازه.. ومن ثَمَّ فإنَّه يتهاوى ويضيع.
حين يظل المسلم مسلمًا فإنَّه يمكن أن “يستعير” من العالم حوله ما يحس أنه في حاجة إليه، دون أن يفقد شخصيته، ودون أن يفقد استعلاءه الذي يستمده من الإيمان.
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (5).
وذلك ما فعله المسلمون الأوائل حين بدءوا ينشئون حضارتهم، فقد كانوا في حاجة إلى أشياء لا سابقة لهم بها وهي عند عدوهم -البيزنطي أو الفارسي- فلم يجدوا في أنفسهم حَرَجَاً على الإطلاق أن يأخذوا ما يحتاجون إليه من هنا ومن هناك، ولكن في استعلاء المؤمن الواثق المطمئن. فأخذوا ما رأوا أنه نافع لهم، وأعرضوا عن كثير مِمَّا وجدوه عند أعدائهم؛ لأنهم نظروا إليه بعين المسلم فأنكروه، وهذا يفسر لنا لماذا أخذوا العلوم الإغريقية ولم يأخذوا الأساطير!
أما حين “يَسْتَغْرِب” المسلم فإنَّه يفقد -أول ما يفقد- إيمانه بأنه هو الأعلى بعقيدته الصحيحة ونظامه الرباني وأخلاقياته المتطهرة وقياسه كل شيء بالمقياس الرباني.. وينظر إلى عدوه نظرة الإكبار والإجلال. فينقل عنه كل شيء بلا تحرز، بل ينقل عنه ما يضر وما يفسد في حين يعجز عن نقل ما ينفع؛ لأنه “واهن” بعد فقدانه الإيمان، والواهن لا يقدر على بذل الجهد الذي يحتاج إليه تعلم النافع من الأمور(6).
لذلك لم يتعلم “المستغربون” من الغربيين قط قدرتهم الفائقة على “التنظيم” ولا جلدهم الشديد على “العمل” ولا التزامهم الشديد “بالانضباط” في كل شَيْءٍ. إنما تعلموا اللهو والعبث والمجون والرَّطانة بلغة الأعاجم. وتعلموا -أسوأ من ذلك كله- التَّبَاهِي بالانسلاخ من الدين والعرض والأخلاق الدينية المتطهرة من الرجس.
وكان ذلك هو التنفيذ الدَّقيق لوصية الصليبي القديم للصليبيين المحدثين.

أمَّا القومية العربية فقد كان لها دور أخبث وأشد.
__________

1 في مقدمة كتاب “الغارة على العالم الإسلامي” “تعريب محب الدين الخطيب”.
2 الكتاب في أصله الفرنسي يسمى “La Conquette de Monde Musulman” أي: غزو العالم الإسلامي، ولكن المعرب اختار له اسم “الغارة على العالم الإسلامي”.

3 كانت تلك من هتافات الحركة الوطنية في مصر!
4 لا يمكن لمسلم، فضلا عن مسلم مجاهد أن يقول عن عدو دينه أنه ولي أمره مهما تغلب الأخير عليه في معركة السلاح وقهره. أما الزعيم السياسي فما أيسر عليه أن يقول ذلك!
5 سورة آل عمران: 139.

6 يقول القسيس المبشر “زويمر” الذي كان له نشاط تبشيري ضخم في العالم العربي فيما ينقل عنه كتاب “الغارة على العالم الإسلامي” في خطاب المبشرين: “إنكم أعددتم نشئا “في بلاد المسلمين” لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقا لما أراده الاستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه إلا في الشهوات، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شَيْءٍ”.

لقد كنا حتى اللحظة نتكلم عن الصليبي المستعمر …
ولكن دخل معه -على نفس خطه- عدو آخر، هو اليهودي المستعمر، لغرض آخر خاص به، ولكنه يلتقي معه في النهاية في بغض الإسلام، والرغبة في القضاء على الكيان الإسلامي.
في عام 1897م عقد هرتزل -أبو الصهيونية كما يسمونه- مؤتمره الشهير في مدينة “بال” بسويسرا، ذلك المؤتمر الذي قرر فيه زعماء اليهود ضرورة إنشاء الدولة اليهودية خلال خمسين عاما في فلسطين.
وذهب هرتزل إلى السُّلطان المسلم عبد الحميد يعرض عليه كل المغريات التي يطمع فيها حاكم أرضي، ذهب يعرض عليه إنعاش الاقتصاد العثماني وكان متدهورًا بسبب ما تنفقه الدَّوْلة لإخماد المناوشات المستمرة التي يقوم بها الأعداء لإحراج الدولة العثمانية أو “الرجل المريض” كما أطلقوا عليها في أواخر أيامها، ويعرض عليه قروضا طويلة الأجل ويعرض عليه التَّوَسُّط لدى روسيا وبريطانيا بالكف عن إثارة الأقليات، فقد كانت روسيا تتعهد بإثارة الأقليات الأرثوذكسية وخاصة الأرمن وكانت بريطانيا تتكفل بإثارة بقية الأقليات! وكان ذلك من أشد ما يزعج الدولة ويعرض ميزانيتها للخراب.. وفي مقابل هذا العرض السخي كله طلب هرتزل منح اليهود وطنا قوميا لهم في فلسطين.
وكان من المتوقع من أي رجل يحرص على الدنيا، ويحرص على السُّلطان المستبد(1) أن يتقبل العرض ويستجيب للمغريات. ولكن السُّلطان المسلم رفض ذلك كله، وقال لـ”هرتزل” قولته الشهيرة: “إن هذه ليست أرضي ولكنها أرض المسلمين، وقد رووها بدمائهم ولا أملك أن أتنازل عن شبر واحد منها”(2).
عندئذ وقعت الواقعة، ودَبَّر اليهود لخلع السلطان عبد الحميد. ثُمَّ لإزالة الخلافة كلها على يد اليهودي المتمسلم كمال أتاتورك.
وكانت الوسيلة لكل ذلك هي “القومية”.
فاليهود المتمسلمون، المعروفون بيهود “الدونما”، الذين هاجروا من المغرب واستوطنوا البلقان، كانوا هم المنظمين الحقيقيين لحزب الاتحاد والتَّرَقِّي، الذي نادى بالقومية الطورانية “وهي قومية الأتراك في جاهليتهم قبل دخولهم في الإسلام” ورفع شعار الذئب الأغبر “وهو معبود الأتراك في جاهليتهم” كما نادى بضرورة “تتريك” الدولة، أي: جعل المناصب فيها وقفا على الأتراك وحدهم، ومعنى ذلك -كما حدث بالفعل- أن يحس “العرب” أنهم مظلومون في ظل الحكم التركي وأنهم مهضومو الحقوق.. عندئذ تلقفتهم الصليبية -حليفة اليهودية في الحرب ضد الإسلام- فأرسلت إليهم “لورنس” ليؤجج فيهم روح “القومية العربية” ردَّاً على القومية الطورانية.. ويؤلف “الثورة العربية الكبرى” ضد دولة الخلافة!
وببساطة تم الأمر.. في غفلة من “المسلمين”!
يقول التاريخ إن أول من نادى بالقومية العربية هم نصارى لبنان وسوريا وانضم إليهم “المسلمون” الذين تربوا في مدارس التبشير.. ثم انضم إليهم المستغفلون من المسلمين الذي لم يجدوا تعارضا بين الإسلام والعروبة على أساس أن العروبة هي عصب الإسلام وأن العرب هم الذين حملوا الإسلام إلى كل البشرية!
والنصارى في لبنان وسوريا كانوا جزءا من أدوات أوروبا لإزعاج “الرجل المريض” وإرباكه، بغية تسهيل القضاء عليه وتوزيع تركته بين المتربصين الذين ينتظرون الساعة “العظمى” التي يقضون فيها على بقايا الإسلام.
وما كان نصارى لبنان وسوريا في تلك الفترة يجرءون أن يخرجوا على الحكم الإسلامي علانية وبالاسم الصريح للخروج، فقد كانوا أقلية محوطة بأكثرية مسلمة، تدين بالولاء القلبي والسياسي لدولة الخلافة. ولا تتصور لنفسها حكومة غير الحكومة الإسلامية، لذلك فلم يكن في وسع أولئك النصارى أن يقولوا: لا نريد حكم الإسلام علينا ولا نريد حكم الخلافة الإسلامية! ولذلك كان نشاطهم سِرِّيَّاً من جهة، وباسم غير اسم الخروج على الحكم الإسلامي من جهة أخرى..كان نشاطهم يقوم باسم العروبة والقومية العربية، وهو شعار يمكن أن يلتبس فيه الأمر على المسلمين العرب، ولا يروا -لغفلتهم- أنه موجه ضد الإسلام.. وضدهم هم
!

كانت دعوى القومية الطورانية تحز في نفوس العرب المسلمين فينفخ الشياطين في الحزازة لتشتعل، وكان يقال لأولئك العرب المسلمين أنتم أولى بالخلافة من أولئك الطورانيين! فلماذا تسكتون على الظلم؟ لماذا لا تثورون وتستقلوا عن الأتراك؟
وكان عبد الحميد يقظا للعبة كلها(3) ولكن أحوال دولة الخلافة يومئذ وأحوال المسلمين جميعا في العالم الإسلامي، كانت أضعف من أن تصمد للكيد. فمضى الكيد في سبيله حتى بلغ غايته.
ولسنا هنا نؤرخ لتلك الفترة(4) إنما نحن نتحدث عن القوميات والوطنيات، ودورها في اللعبة التي أريد بها القضاء على الإسلام، وإنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين.
كان عبد الحميد يطارد تلك الجماعات السرية التي تنادي بالعروبة والقومية العربية كما يُضَيِّق على النشاط السري لحزب الاتحاد والترقي، لإدراكه المقصود من ورائهما، وفيتخذ ذلك ذريعة لمزيد من الكيد ضده ويتهم بالدكتاتورية والطغيان في داخل تركيا، وباضطهاد الأقليات خارجها! وتصنع من هذه وتلك مادة للدعاية ضده ونشر البغض والكراهية له، تمهيدا لما يخطط من عزله، عقابا له على عدم موافقته على إنشاء الدولة اليهودية!
وجرت الأمور في مجراها المقدر في علم الله، ولكن بسبب من غفلة المسلمين التي مكنت الأعداء من تنفيذ مخططاتهم، والله يُحَذِّرُهُم في كتابه المنزل:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} (5).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (6).
ومع ذلك التحذير فقد كان هناك مسلمون يتولون اليهود في حزب الاتحاد والترقي، ومسلمون آخرون يتولون النصارى في الجمعيات السرية القائمة باسم العروبة والقومية العربية، ومسلمون آخرون يتولون “لورنس العرب!” ويتبعونه وهو يدعوهم إلى قتال دولة الخلافة التي ظلت تحميهم من الغزو الصليبي قرابة أربعة قرون!
يقول لورد “أللنبي” قائد الجيش “العربي” الذي حارب الخلافة: “لولا مساعدة الجيش العربي والعمال العرب ما استطعنا أن نتغلب على تركيا!!”.
ولقد كانت الحرب العظمى الأولى تدبيرا يهوديا نصرانيا للقضاء على دولة الخلافة، وتقسيم تركة “الرجل المريض” والتمهيد لإنشاء الدولة اليهودية في الأمد الذي حَدَّدَهُ مؤتمر هرتزل سنة 1897م.. في غفلة من “المسلمين” إلى جانب الهدف الآخر الذي تحقق كذلك من تلك الحرب، وهو القضاء على القومية الألمانية لحساب القومية البريطانية والقومية الفرنسية.. ولكن الهدف الأعظم من هذه الحرب كان ولا شك تدمير الخلافة الإسلامية لحساب اليهود والنصارى مجتمعين، وحساب اليهود بصفة خاصة!
ووزعت الأسلاب بين بريطانيا وفرنسا، صديقتي اليهود يومئذ، ووضعت فلسطين بصفة خاصة تحت الانتداب البريطاني، والانتداب درجة أسوأ من الحماية، والحماية درجة أسوأ من مجرد الاستعمار. وكان ذلك بعد وعد بلفور الشهير، الذي صدر عن وزير خارجية بريطانيا اليهودي “اللورد بلفور” سنة 1917 في أثناء الحرب، وبدأت دولة الانتداب في تنفيذه عقب الحرب مباشرة تحت إشراف المندوب السامي البريطاني اليهودي السير “صمويل هور”
!

__________
1 هكذا تصف الدعاية المغرضة السلطان المسلم.
2 وذلك هو سر كراهية اليهود له وتشنيعهم به ونشر الدعايات المغرضة ضده.

3 كما تدل على ذلك مذكراته.
4 راجع إن شئت مذكرات السلطان عبد الحميد.

5 سورة آل عمران: 118.
6 سورة المائدة: 51.

وخلال خمسين عاما من مؤتمر هرتزل قامت الدولة اليهودية سنة 1947م(1) ولكن الأمر كان محتاجا إلى حرب “عظمى” ثانية!
وسواء كانت الحرب الثانية “طبيعية” نتيجة القهر العنيف الذي وقع على القومية الألمانية من القومية البريطانية والقومية الفرنسية، ونزوع القومية الأولى للانتقام لنفسها من القوميتين الأخريين -كما نعتقد نحن- أو كانت تدبيرا خالصا لليهود- كما يعتقد “وليم كار” في كتاب “أحجار على رقعة الشطرنج”(2) فقد استغلها اليهود استغلالا واسعا لصالحهم، لاستدرار عطف العالم كله عليهم -بوصفهم من ضحايا النازية- ليوافق عن طيب خاطر على سلب العرب جزءًا من وطنهم لإقامة الدولة اليهودية فيه. وقد سبقت الإشارة إلى الكاتبة الألمانية التي تقول في كتابها: “إن اليهود هم الذين دبروا عملية تعذيب النازي لهم ليتخذوها مادة دعاية لهم على أنهم المظلومون المضطهدون المشردون في الأرض، الذين يبحثون عن مأوى يقيهم من التشريد والظلم والطغيان، وأنَّ حجم التَّعذيب -الذي دبروا له تدبيرا- كان أضأل بكثير مِمَّا قيل في الدِّعاية اليهودية العالمية التي ظلت طيلة سنوات الحرب تجلجل في كل أرجاء الأرض لتصل إلى الهدف المطلوب.
وأيا كان الأمر فقد تم لليهود ما أرادوا بمناصرة الصليبية العالمية لهم، وبغفلة المسلمين.
وقد كان التدبير اليهودي الصليبي ما بين الحربين الأولى والثانية محكما في الحقيقة.
فقد قسم العالم العربي إلى دويلات ضعيفة مسلوبة القوة لا حول لها ولا طول. فالقوة السياسية والعسكرية ذهبت بذهاب دولة الخلافة وصار حكام تلك الدويلات يعتمدون اعتمادًا كاملًا على بريطانيا وفرنسا -صديقتي اليهود- وصارت جيوشها جيوش استعراض وزينة لا جيوش قتال حقيقي، تعتمد في سلاحها وذخيرتها اعتمادًا كُلِّيَّاً على بريطانيا وفرنسا، واقتصادياتها غاية في التَّخَلُّف، أما شباب تلك الشعوب -وهو قوة خطرة إذا وجد التَّوْجيه الجاد- فقط سُلِّطَ عليه “التغريب” يقتلعه من إسلامه ومن روح الجهاد الإسلامية، وسُلِّطَتْ عليه السينما والإذاعة والمسرح والقصة والصحيفة والشواطئ العارية، كلها تصب الميوعة في نفسه وتصرفه عن الاهتمامات الجادة، وتفسد أخلاقه وتشغله بفتنة الجنس. وفوق انشغال كل بلد بقضاياه ومشاكله الخاصة، وفوق بذر بذور البغضاء بين كل بلد والآخر حتى لا تجتمع كلها على قضية واحدة ولا أمر واحد مشترك
.

وفي ظل ذلك قامت الدولة اليهودية بعد مسرحية “الحرب” ثم الهدنة.. ثم الحرب ثم الهدنة الثانية بعد وقوف الجيوش “المتحاربة” عند خط التقسيم المتفق عليه! ولكن أمرا حدث لم يكن على خاطر الصليبيين واليهود.. فوجئوا به جميعًا مفاجأة لم تكن في الحسبان. فقد اشترك في القتال فدائيون مسلمون، يحرصون على الموت حرص أعدائهم على الحياة. وحين عركهم اليهود وعرفوا حقيقتهم، كانوا إذا جابهوهم يفرون من مستعمراتهم تاركين أسلحتهم وذخيرتهم ومئونتهم لينجوا بجلودهم!
كانت المفاجأة من جهتين:
فقد كان الصليبيون واليهود يظنون أن الإسلام كله قد شاخ ولم يعد بوسعه أن يخرج مثل هذه العينات من البشر، وكانت المفاجأة الثانية أنهم ظنوا أنَّ مصر بالذَّات التي عمل الصليبيون على دك معاقلها الإسلامية منذ وقت مبكر، منذ الحملة الصليبية الفرنسية بقيادة نابليون، لا يمكن أن تخرج هذه العينات الصلبة المستميتة في القتال بروح جهاد إسلامية خالصة لا يريدون بذلك جزاء ولا شكورا.
عندئذ تقرر أمران في وقت واحد:
الأمر الأول ضرورة القضاء على حركة البعث الإسلامي التي أخرجت مثل هؤلاء المجاهدين. والأمر الثاني ضرورة إيجاد بديل من الراية الإسلامية التي أخرجت أولئك المقاتلين وتوشك أن تمتد ظلالها من مصر إلى البلاد العربية الأخرى …
وكان البديل هو “القومية العربية”.
يقول جورج كريك “
George Kirk(3): “إن القومية العربية ولدت في دار المندوب السامي البريطاني!!

ولقد كانت بريطانيا قد فكرت من قبل في إيجاد “الجامعة العربية” على مستوى الحكومات، فطار “أنتوني إيدن” وزير الخارجية البريطاني إلى القاهرة عام 1946م ودعا الملوك والرؤساء العرب إلى الاجتماع به هناك، وعرض عليهم في الاجتماع فكرة إنشاء الجامعة العربية في القاهرة لتتبنى قضايا العرب وتدافع عن مصالحهم!! ولكن ذلك لم يكن كافيا، فقد كان لا بد من رفع راية “القومية العربية” على مستوى الجماهير!
فلما ورثت أمريكا بريطانيا وفرنسا بعد الحرب وبسطت نفوذها على “الشرق الأوسط”(4) أقامت -عن طريق الانقلابات العسكرية- زعامات كاملة تدافع عن “القومية العربية” في الوقت الذي تحارب فيه الإسلام والمسلمين! وقالت الدعاية -التي أقامتها أمريكا وإسرائيل- إن أمريكا وإسرائيل لا تخشيان شيئًا خشيتهما للقومية العربية. ولا تخشيان أحدًا خشيتهما لزعيم القومية العربية
!

وفي ظل القومية العربية التي أقامتها الصليبية العالمية، توسعت إسرائيل وتوسعت حتى توشك أن تبتلع فلسطين كلها.. وتتطلع إلى المزيد!
لقد كانت “القومية” التي صُدِّرَتْ إلى العالم الإسلامي هي القومية المأكولة لا القومية الآكلة التي قامت في أصلها هناك!
ليس هنا مجال التفصيل للظروف التي أحاطت “بالمسلمين” وأدت بهم إلى هذا الضياع كله وهذا الهوان.. إنما نقول في ختام هذا الفصل إنَّ الإسلام لا يعرف تلك الدَّعاوَى الزَّائفة التي روجها أعداء الإسلام بغية القضاء عليه، وتشربها “المسلمون” في غفلتهم، غافلين عما فيها من السموم.
إنَّ الإسلام لا يغير انتماء الناس إلى أرضهم ولا شعوبهم ولا قبائلهم؛ لأنَّ هذا أمر مادي حسي واقع لا سبيل إلا تغييره، فالذي يولد في الأرض المصرية مصري بحكم مولده، والذي يولد في الأرض العراقية عراقي بحكم مولده، والذي يولد في الأرض الباكستانية باكستاني بحكم مولده.. وهكذا.
ولكن الإسلام ينكر أن تكون صلة التَّجَمُّعِ شيئًا غير الإسلام! غير العقيدة الصَّحيحة في الله! لا الدَّم ولا الأرض ولا اللغة ولا “المصالح” الأرضية.
{قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (5).
وانظر إلى قِصَّة نُوحٍ مع ابنه:
{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا(6) لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (7).
لقد وعد الله نوحَاً أن ينجو أهله معه، إلا من سبق عليه القول:
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} (8).
فلما رأى ابنه في معزل ناداه ليركب معه سفينة النَّجَاةِ.. ولكنه عصى وقال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء.. وكانت عاقبته أن غرق مع المهلكين.
ولما قضي الأمر ونجا من نجا وهلك من هلك راح نوح -في مرارة الفقد التي تشوب فرحة النَّجَاةِ- يناجي ربه، ويسأل عن تفسير ما حدث: لقد وعده الله بنجاة أهله، وابنه من أهله، ومع ذلك كان من الهالكين!
وكان الرَّدُّ الرباني: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}.

ذلك أن الآصرة الحقيقية التي تجعله من أهلك ليست هي رابطة الدَّمِ التي تجمع بينه وبينك، إنما هي رابطة العقيدة، وقد رفض الابن أن يكون على العقيدة الصحيحة فانفصم ما بينه وبين أبيه من رباط؛ لأنه “عمل غير صالح”!
ذلك هو ميزان الإسلام.
وقد مرت بنا الآية التي تجعل الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، والأموال والتجارة والأرض وهي مقومات القومية كلها في كفة، وفي الكفة الأخرى حب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله، والمفاصلة الكاملة بين هذه وتلك.
وليس معنى ذلك أن الإسلام يُحَرِّم كل تلك الرَّوَابِط!
كلا! إنما يجيزها كلها حين تقع تحت رابطة العقيدة وداخلها:
{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}(9).
أي: حين يكونون كلهم مؤمنين.
أما حين تكون تلك الرَّوَابِط حاجزًا يحجز بين المؤمن والمؤمن بسبب رباط الدَّمِ أو اللغة أو الأرض أو المصالح، فهذه التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ”(10).
فكيف إذا كانت تلك القومية تقول لك في صراحة إنَّ المشرك الذي يشاركك في قوميتك أقرب إليك من المسلم الذي ينتمي إلى قومية أخرى؟!
هذه..ما ميزانها في كتاب الله؟!
__________
1 قامت الدولة واقعيا سنة 1947 ولكنها لم تعلن رسميا إلا عام 1948 بعد مسرحيات الحرب التي مثلتها الجيوش العربية حسب مخطط متفق عليه.
2 يبالغ “وليم كار” في نسبة كل أحداث العالم الكبرى إلى اليهود، ولا نوافقه في ذلك رغم إخلاصه في كتابته.. راجع فصل “دور اليهود في إفساد أوروبا”.

3 مؤلف كتاب “موجز تاريخ الشرق الأوسط “A Short History of the Middle East”.

4 كلمة “الشرق الأوسط” ذاتها كلمة دخيلة من تخطيط الأعداء من أجل تسويغ إقامة الدولة اليهودية في المنطقة. فإنها لو بقيت في التسمية منطقة إسلامية أو حتى عربية فيكف تقوم فيها دولة لليهود؟ أما حين تصبح منطقة جغرافية لا انتماء لها فكل شيء ممكن!

5 سورة التوبة: 24.
6 بُعْدًا أي: هلاكا من بعد أي: هلك كما جاء في قوله تعالى: {أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [سورة هود: 95].
7 سورة هود: 42-47.
8 سورة هود: 40.

9 سورة الأنفال: 75.

10 رواه البخاري.

 

التحميل