ضمن سلسلة في التربية والبناء : الكتاب : مفاهيم ينبغي أن تصحح – : قرأت لك : الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظہ اللہ

شارك هذا الموضوع:

ضمن سلسلة في التربية والبناء : الكتاب :

مفاهيم ينبغي أن تصحح – : قرأت لك : الشيخ حسام عبد الرؤوف حفظہ اللہ

 

كتاب

مَفَاهِيْمُ يَنْبَغِيْ أَنْ تُصَحَّح

الشيخ محمد قطب رحمه الله

[ قرأت لك: حسام عبد الرؤوفحفظہ اللہ ]

 

بسم الله الرحمن الرحيم

( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )

صدق الله العظيم

مقدمة

يعيش العالم الإسلامي اليوم – كما أشرت في غير هذا الكتاب ([1]) – مرحلة من أسوأ مراحله التاريخية، إن لم تكن أسوأ ما مر به في تاريخه كله. فلم تكن: الأزمات الماضية تصيب المسلمين كلهم في وقت واحد في كل بقاع الأرض كما هو الحال في هذه المرة. ولم يكن الذل والهوان والضياع يشمل الأمة الإسلامية كلها كما يشملها في هذه المرة.

فإذا كانت نكبة الأندلس – مثلا – تعتبر من أسوأ ما مر بالمسلمين في القرون الماضية، فنكبة فلسطين أسوأ. فحينما كان ظل المسلمين يتقلص عن الأندلس، كانت الدولة العثمانية الفتية تقتحم القسطنطينية وتجعل منها عاصمة الخلافة الإسلامية، ثم تتوغل بجيوشها في أوربا حتى تصل إلى فيينا وبطرسبورج. أما نكبة فلسطين فإنها تحدث وظل المسلمين منحسر في كـل الأرض، والمذابح لا تكف عنهم في كل مكان: في الفلبين. في الحبشة. في أريتريا. في تشاد. في نيجيريا. في الهند. في أفغانستان. في العالم الشيوعي كله حيث يخيرون بين الكفر أو الموت.

والمؤامرات تحاك للإسلام والمسلمين على نطاق القوى الدولية كلها مجتمعة. والعالم الإسلامي يفتت، ثم يعود فيفتت، ثم يعود فيفتت. وتقوم المحاولة إثر المحاولة لإقامة دول لغير المسلمين في الأرض الإسلامية، تقتطع في كل مرة جزءا من أرض الإسلام، وتستعبد من يبقى فيها من المسلمين أو تقتّلهم.. ثم الدعاة المسلمون يقتّلون ويعذبون أبشع تعذيب في التاريخ، على يد حكومات تناوئ الدعوة الإسلامية، وترفض أن تحكم المسلمين بشريعة الله.

هذا هو الوضع السيئ الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم بغير شبيه له في التاريخ.

                                       *     *     *

ولا شيء في هذا الوضع يحدث اعتباطا، ولا يمكن أن يحدث شيء واحد في حياة البشر اعتباطا! إنما يجري كل شيء في حياة البشر حسب سنة الله التي لا تتخلف ولا تحابي أحدا من الخلق:

( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) ([2]).

ومن سنة الله أنه لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي ينحرفوا عن الطريق:

( ذَلـِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ([3]).

ومن سنته أنه لا يحابي أحدًا لكونه من “ذرية” قوم صالحين:

( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ([4]).

إنما يُمكنهم حين يكونون هم بأنفسهم مؤمنين صالحين:

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ([5]).

أما الذين يرثون الكتاب وراثة، أي لا يعتبرونه خاصا بهم، ولا مُلْزِمَاً لهم، إنما هو شيءٌ موروثٌ عن الآباء والأجداد فأولئك هم الخلف السيئ الذين أشير إليهم في كتاب الله في معرض الحديث عن بني إسرائيل لتحذير المسلمين من عاقبتهم:

( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ([6]).

وهم هم الذين يقول الله فيهم:

( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ) ([7]).

هذه كلها سنن ربانية تجري بها الأمور في الحياة البشرية، لا تحابي أحدا، ولا تتبدل على هوى أحد من البشر.

ولقد أنعم الله على الأمة الإسلامية بالتمكين والاستخلاف والتأمين، وفتح عليها بركات من السماء والأرض كما وعد المتقين (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)([8]).

ثم تغير الحال من الاستخلاف والتمكين والتأمين إلى الذل والضعف والهوان، والتشريد والتنكيل والتقتيل حين صاروا إلى الصورة التي أنذرهم بها رسول الله صلى الله عليه وسل وحذرهم منها:

“ يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا “. قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: “ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ.. “ ([9]).

فما الذي تغير؟.. وكيف حدث التغيير؟

                                              *     *     *

لقد حدثت انحرافات كثيرة في حياة المسلمين في مسيرتهم الطويلة خلال التاريخ.

وكل انحراف وقع في حياتهم عن المنهج الرباني كانت له ولا شك عاقبته البطيئة أو السريعة حسـب نوع الانحراف، ودرجة تفشيه، وموقف الأمة منه بحكامها وعلمائها وعامتها.. حتى إذا وصل الانحراف إلى حده الأقصى كانت عاقبته ما نراه اليوم من ضعف ومذلة وخوف، بدلا من الاستخلاف والتمكين والتأمين.. وما بنا في هذا الكتاب أن نتحدث عن خط الانحراف الطويل كله.. ([10])

إنما نتحدث هنا عن نوع معين من الانحراف، قد يكون هو الأشد خطرًا في حياة المسلمين في الوقت الحاضـر، أو قد يكون هو الخلاصة التي آل إليها الانحراف التاريخي كله..

إن َّكثيرًا من الدعاة المخلصين أنفسهم ليظنون أن ما أصاب المسلمين قد أصابهم بسبب انحراف سلوكهم عن الصورة الإسلامية الصحيحة.

وانحراف المسلمين في سلوكهم أمر أوضح من أن يشار إليه.. فإنَّ ما تفشى في حياتهم من الكذب والغش والنفاق، والضعف والجبن والاستخذاء، والبدع والمعاصي، وما صار إليه الشباب من تفلت وتحلل، وما صار الناس إليه من تبلد على الفجور والمنكر.. وعشرات غيرها من الصفات والأعمال، كلها ليست من الإسلام في شيء، بينما هي الواقع الذي يعيشه “المسلمون”!

ومع ذلك فليس الانحراف السلوكي هو الانحراف الوحيد في حياة أولئك “المسلمين”، ولا هو الانحراف الأخطر في حياتهم. ولو كان الأمر مقصورا على الانحراف السلوكي وحده لكان الأمر – على سوئه – أهون بكثير! ولكن الأمر تجاوز ذلك إلى الانحراف في “المفاهيم”.. كل مفاهيم الإسلام الرئيسة ابتداء من لا إله إلا الله!

وحين تجد إنسانا منحرفا في سلوكه، ولكن تصوره لحقيقة الدين صحيح، فستبذل جهداً ما لرده عن انحرافه السلوكي، ولكنك لا تحتاج أن تبذل جهدا في تصحيح مفاهيمه، لأنها صحيحة عنده وإن كان سلوكه منحرفا عنها. أما حين يقع الانحراف في المفاهيم ذاتها، فكم تحتاج من الجهد لتصحيح المفاهيم أوَّلًا، ثم تصحيح السلوك بعد ذلك؟

تلك هي حقيقة الوضع في العالم الإسلامي اليوم.

تجاوز الانحراف منطقة السلوك، ووصل إلى المفاهيم الرئيسية لهذا الدين.

ومن أجل ذلك يعاني الإسلام اليوم تلك الغربة التي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ”([11]).

ولقد عاد غريبا بالفعل.. غريبا بين أهله أنفسهم، يتصورونه على غير حقيقته؛ فضلا عن سلوكهم المنحرف عنه.

ويستغربونه حين يعرض لهم في صورته الحقيقية كما جاءت في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذت تطبيقها الكامل في حياة السلف الصالح – رضوان الله عليهم -!

وعلينا أن نواجه الأمر على حقيقته..

فإنَّ أي جهد نبذله في تصحيح السلوك وحده – مع بقاء المفاهيم منحرفة – لن يؤتي ثماره كاملة، ولن يُخْرِج الأمة من وهدتها التي انتكست إليها في عصرها الحاضر. إنما نحتاج أن نبذل جهدًا مضاعفًا لإزالة الغربة الثانية كالجهد الذي بذلته الجماعة الأولى من المسلمين لإزالة الغربة الأولى للإسلام.

وهذا الجهد المضاعف هو المهمة الملقاة اليوم على عاتق الصَّحْوَة الإسلامية.

وأول ما نبدأ به من هذا الجهد هو تصحيح منهج التلقي..

من أين نتلقى فهمنا لهذا الدين؟ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم؟ أم مما دخل على هذا الفهم الواضح المستقيم من أفكار دخيلة ومنحرفة، بتأثير عوامل متعددة في أثناء المسيرة الطويلة للأمة الإسلامية، واحتكاكها الدائم بأخلاط من المذاهب والأفكار؟!

فإذا صححنا منهج التلقي، وصححنا بناء على ذلك ما انحرف في حس المسلمين المتأخرين من مفاهيم الإسلام الرئيسة بقيت علينا مهمة أخرى لا تقل خطرًا هي التربية على المفاهيم الصحيحة لهذا الدين؛ وهي الجهد الحقيقي الذي تُرْجَى معه الثمرة. ولكنه لن يؤتي ثمرته حتى يقوم على أساسه الصحيح.

وهذا الكتاب محاولة متواضعة لتصحيح بعض المفاهيم الإسلامية، بردها إلى صورتها الأولى، المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم؛ وإزالة ما علق بها من انحراف في أثناء المسيرة التاريخية للأمة الإسلامية.

وقد تناولت فيه خمسة مفاهيم رئيسية من مفاهيم الإسلام: مفهوم لا إله إلا الله. مفهوم العبـادة. مفهوم القضاء والقدر. مفهوم الدنيا والآخرة. مفهوم الحضارة وعمارة الأرض.

وسيجـد القارىء أن القسم الأكبر من الكتاب قد استغرقه الحديث عن مفهوم لا إله إلا الله، ثم مفهوم العبادة، ولا غرابة في ذلك. فلا إله إلا الله هي الركن الأول – والأكبر – من أركان الإسلام، كما أن الانحراف الأكبر – والأخطر – في حياة المسلمين هو الذي وقع في مفهوم لا إله إلا الله! وكذلك مفهوم العبادة، فقد كان له في معناه الواسع الشامل صداه في عظمة هذه الأمة وعظمة منجزاتها، كما كان له في معناه الضيق الهزيل الذي صار إليه صداه في الواقع المنحسر الذي يعانيه المسلمون اليوم…

وحين تصحح هذه المفاهيم، وتعود لها في نفوس المسلمين صورتها الحقيقية الحية الفاعلة، فسيصبح الطريق ميسرا – بعون الله – لتصحيح كل ما أصاب المسلميـن من انحراف، وكل ما ترتب عليه في حياتهم من آثار..

فإن وفقنـي الله إلى شيء في هذه المحاولة المتواضعة فإني شاكر لأنعمه. وما توفيقي إلا بالله،

محمد قطب

مفهوم لا إله إلا الله

لا إله إلا الله هي الركن الأول  – والأكبر – في الإسلام.. قبل الصلاة والصيام والزكاة والحج.. وقبل كل شيء في هذا الدين.

ومن يتدبر القرآن يلحظ ولا شك الأهمية العظمى التي يوليها كتاب الله لقضيـة التوحيـد.. قضية لا إله إلا الله، بحيث تشغل الحيز الأكبر من القرآن كله، وإن كان التركيز عليها في السور المكية أشد.

وقد يتبادر إلى الأذهان لأول وهلة – كما أشرت في كتاب “دراسات قرآنية” – أن هذا الاهتمام البالغ بقضية “لا إله إلا الله” في كتاب الله كان سببه أن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة كانوا قوما مشركين، فكان من المناسب أن يركَّز الحديث لهم في قضية التوحيد لتصحيح اعتقاداتهم الباطلة وتصوراتهم الفاسدة في قضية الألوهية.

ولكن استمرار الحديث عن هذه القضية في السور المدنية، بعد استقرار العقيدة، وقيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، والتزام ذلك المجتمع بتكاليف الإسلام ومقتضياته، وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله.. كل ذلك له دلالته الواضحة على الأهمية الذَّاتِيَّةِ لهذه القضية، حتى بالنسبة للمؤمنين الذين تخاطبهم الآيات المدنية مبدوءة بقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.. “ وأن قضية التوحيد – قضية لا إله إلا الله – ليست حديثا يذكر لفترة من الوقت ثم ينتقل منه إلى غيره، إنَّما هي حديث يذكر ثم ينتقل معه إلى غيره.. حديث لا ينقطع في أيِّ وقت من الأوقات.

وربما كانت هذه الآية في سورة النساء حاسمة الدِّلالة فيما ذهبنا إليه:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْـزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَـنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَـدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيـداً ) ([12]).

فالذين يُدْعَون إلى الإيمان هم المؤمنون بالفعل: “يا أيها الذين آمنوا”! والذين يُدْعَوْن إلى الإيمان به هم الذي آمنوا به بالفعل! فهم يُدْعَون إلى الإيمان بالله ورسوله وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، والله يقول عنهم في آخر سورة البقرة: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ..)!

فقضية لا إله إلا الله إذن قضية دائمة في حياة البشرية.. لا يُدْعَى إليها الكفار وحدهم لكي يؤمنوا، ولا المشركون وحدهم ليُصَحِّحُوا اعتقادهم، ولكن يُدْعَى إليها المؤمنون بها كذلك ويذكّرون بها، لكي تظل حية في قلوبهم، راسخة في ضمائرهم، عاملة في واقع حياتهم، لا يفترون عنها، ولا يغفلون عن مقتضياتها: “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا.. “

ولا عجب أن تكون قضية لا إله إلا الله هي القضية!

وليس السبب في اهتمام القرآن بها أنه كتاب دين! إنما السبب في ذلك أنه الكتاب الذي يحدد منهج الحياة للإنسان ([13])!

فحياة الإنسان لا تستقيم حتى يعلم “الحق” الذي خلقت به السماوات والأرض، وحتى تتوافق حياته مع ذلك الحق، فلا تنحرف عنه، ولا تشذ عن مقتضياته.

والحق أنـه لا إله إلا الله.. هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو المسيطر وحده، وهو المدبـر وحده، وهو القيوم وحده.. ولا أحد غيره يخلق أو يرزق أو يُدَبِّر الأمر..

ومقتضى ذلك كله أن يُعْبَدَ وحده، لا يشرك به غيره، ولا توجه العبادة لأحد سواه..

وفضلا عن كون ذلك هو حق الله على عباده، إذ أن حق الخالق الرازق المنعم المتفضل ألا توجه العبادة إلى غيره ممن لم يخلق ولم يرزق ولم ينعم ولم يتفضل..

فضلا عن ذلك فهي قضية الإنسان ذاته..

فالله الخالق الرازق المنعم المتفضل حقيق بأن تفرد له العبودية لأنه هو المتفرد بالألوهية والربوبية. ولكنه – سبحانه وتعالى – غني عن العباد وعبادتهم، لا يؤثر في ملكه أن يعبده عباده أو يكفروا به!

يقول الله في الحديث القدسي: “يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا” ([14]).

ويقول تعالى في محكم التنزيل على لسان موسى – عليه السلام -:

( وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ) ([15]).

أما الإنسان فأمره مختلف..

فهو من ناحية لا يستغني عن فضل الله لحظة واحدة من حياته: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) ([16])

ومن ناحية أخرى هو عابد بفطرته. لا تمر عليه لحظة من عمره لا يكون فيها عابدا لشيء ما، واعيا بذلك أم على غير وعي منه ([17]).

وهو – في أي لحظة من حياته – بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما أن يكون عابدا لله وحده بلا شريك، وإما أن يكون عابدا لشيء آخر غير الله، معه أو من دونه، كلاهما سواء! مما يسميه الله – سبحانه وتعالى – “عبادة الشيطان” لأنه استجابة لدعوة الشيطان:

(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) ([18]).

كما أن في تركيب الإنسان – في فطرته التي فطره الله عليها – حبا عميقا للشهوات، يصفه – سبحانه وتعالى – على هذه الصورة:

( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. ) ([19]).

وهذه الشَّهَوَاتِ – وإن كانت مركبة في فطرة الإنسان لحكمة يريدها الله ([20]) – فهي هي المداخل التي يستدرج الشيطان منها الإنسان ليبعده عن عبادة الله، بعدا مؤقتا كما يقع في المعصية: “لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.. “ ([21]) أو بعدًا كاملًا ينقطع فيه ما بينه وبين الله، في شرك أو كفر وجحود: ( قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) ([22]).

ولا تستوي حياة الإنسان عابدًا لله وعابدًا للشَّيْطان:

( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ([23]).

( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ) ([24]).

ومن فضل الله وكرمه أنه حين يؤدي العباد حق الله عليهم، من إفراده بالألوهية والربوبية، وتوجيه العبادة خالصة إليه، يكونون في أحسن تقويم كما خلقهم الله. وتكون حياتهم في الدنيا خير حياة، وأنظف حياة، وأجمل حياة، ويكون لهم في الآخرة ما وعدهم الله من الجزاء، بينما يتمتعون في الدنيا إذا كفروا متاع الحيوان، ويكون لهم في الآخرة ما توعدهم الله به من الجزاء.

( َالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) ([25]).

( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ) ([26]).

من أجل ذلك يحتاج الإنسان دائمًا إلى لا إله إلا الله..

يحتاج إليها وهو كافر أو مشرك ليصحح أصل اعتقاده، ويحتاج إليها وهو مؤمن ليتنبه ويحذر، ويضيّق في نفسه مداخل الشيطان، لكي لا يفتنه عن العبادة الحقة الواجبة لله.

وفي جميـع الأحـوال تؤدي لا إله إلا الله مهمـة معينـة في حياة الإنسان، ولا تكون “كلمة” تطلق في الهواء بغير مقتضى لها ولا أثر في واقع الحياة.

*     *     *

فلننظر الآن المهمة التي أدتها لا إله إلا الله في حياة الجيـل الأوَّلِ – رضوان الله عليهم – ولننظر قبل ذلك لماذا رفضها العرب المشركون وصارعوا الدَّعوة إليها ذلك الصِّراع المرير الذي يعرفه التاريخ..

إن لا إله إلا الله هي دعوة الرسل جميعا – صلوات الله وسلامه عليهم – من لدن آدم ونوح إلى محمد – صلى الله عليه وسلم – وموقف الجاهلية تجاهها موقف واحد لم يتغير خلال التاريخ: موقف الرَّفْضِ والصَّدِّ والإعراض والجنوح.. فما الذي فيها يدعو الجاهلية إلى اتخاذ هذا الموقف الموحد خلال التاريخ، وآيتا سورة الأنعام وسورة النحل اللتان ذكرناهما آنفا تشيران إلى ذلك:

“كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ”.

“كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ”.

ففي كل جاهلية أرسل إليها رسول نجد “الملأ” يسارعون إلى التصدي للرسول وتكذيبه ومحاولة تخذيله عن دعوته، ونجد “الجماهير” المستضعفة تتبع سادتها – إلا القليل منهم – وتصد عن السبيل.

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) ([27]).

( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكـُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْـرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ).. ( قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) ([28]).

( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) ([29]).

( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ).. ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُـكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) ([30]).

ولم تكن الجاهلية العربية بدعا من الجاهليات تجاه ذات الدعوة التي أُرْسِل بها كل رسول من قبل. فلماذا وقفت الجاهلية العربية هذا الموقف العنيد، وأبت ذلك الإباء، كما وقفت كل جاهلية من قبل؟

أمن أجل الكلمـة؟ أم من أجل مدلولها ومقتضاها؟ وماذا كان مدلولها في حسهم بالضَّبْطِ؟ وما الفارق – حسب مدلول الكلمة – بين صورة حياتهم التي كانوا عليها وبين الصورة التي يُدْعَوْن إليها، أو يتوقعون أن تكون عليها حين يدخلون في لا إله إلا الله؟

أما الكلمة في ذاتها – بغير مقتضى ولا مدلول – فلا يتصور من قريش خاصة أن تقف من أجلها موقف العناد الشديد كله الذي وقفته، وتخوض من أجلها ذلك الصراع كله الذي خاضته، حتى يفلت الأمر من أيديها، ويقتل من صناديدها من يقتل.. كما لا يتصور من بقية العرب كذلك أن يخوضوا صراعا هائلا من أجل كلمة، لو كانت تلك الكلمة لا تغير من حياتهم شيئا، ولا تقدم ولا تؤخر.

فأما قريش، فإنَّ القبيلة التي كان يولد فيها شاعر كانت تتيه فخرًا على بقية القبائل، فكيف بالتي يخرج منها نبي؟! وقد كان لقريش خاصة زعامة “دينية” تعطيها في الوقت ذاته مركزا سياسيا واقتصاديا متميزا، ومولد نبي فيها يزيد الزَّعامة الدينية بروزًا، ومن ثَمَّ يؤكد المركز السياسي والاقتصادي ويزيده وثاقة.

فلماذا رفضت قريش أن تنطق الكلمة.. لو أنها مجرد كلمة تقال؟!

ولقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لعمه أبي طالب وهو يناشده أن يسلم: قلها يا عم! كلمة أشفع لك بها عند الله! فهل كان يتصور من أبي طالب أن يرفض الكلمة لو أنها مجرد الكلمة، أي لو لم يكن لها مقتضى، ولا يترتب على قولها تغيير؟ أم إنَّه رفضها من أجل ما يترتب على التَّلَفُّظ بها من تغيير كامل في منهج الحياة كله، وفي كل جزئية من جزئياته؟

تلك بديهية لا نحسبها موضع جدال.

لقد كان البون شاسعا جدا بين صورة حياتهم التي كانوا عليها والصورة التي يُدْعَوْن إليها، وكانت معارضتهم لهذه الدعوة متعددة الصور متعددة الأسباب:

كانوا يُكَذِّبون بقضية الوحي..

وَيُكَذِّبون بالبعث والحشر والحساب والجزاء..

وكانوا يرفضون أن يجعلوا الآلهة إلها واحدا.. وكانوا يرفضون أن يتركوا ما عليه آباؤهم ويتبعوا ما أنزل الله، وأن يكون حلالهم وحرامهم ما أحل الله وما حرم الله..

وذلك فضلًا عن الأمور “الخلقية” الأخرى كالخمر والميسر والزنا والقتل والسلب والنهب ووأد البنات وأكل مال اليتيم والظلم المتفشي بينهم والبغي بغير الحق..

باختصار.. كانوا يرفضون أن يتلقوا “الدين” من عند الله، بمعناه الواسع الشامل، الذي يشمل الاعتقاد والشعائر والتحليل والتحريم، والأخلاقيات والتصورات، كما يرفضون أن يلتزموا بما يلزمهم به الدِّينُ المُنَزَّل من عند الله.

وكانت أهم القضايا التي ركز عليها القرآن قضيتان رئيسيتان، تجمعان في طياتهما جميع القضايا: قضية توجيه العبادة لله الواحد، وقضية اتباع ما أنزل الله في التحليل والتحريم:

( وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) ([31])

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ) ([32])

ويلخص القرآن موقف الشرك في هاتين القضيتين تلخيصا دقيقا في سورة الأنعام وسورة النحل:

( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ) ([33]).

( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) ([34]).

فالشرك يتمثل – في صورته الاعتقادية – في الاعتقاد بوجود آلهة أخرى غير الله، وفي صورته العملية في التوجه بالعبادة لغير الله، والتحريم والتحليل من دون الله.

وهذا الذي من أجله رفض المشركون العرب أن ينطقوا بلا إله إلا الله.

*     *     *

وقد ترفض الجماهير أن تترك مألوف عبادتها من الآلهة المتعددة، لأن الجماهير – في جاهليتها – تكون أكثر التصاقا بعالم الحس. وهذه الآلهة المحسوسة القريبة تلبي انحرافاتها الجاهلية، وتجعلها تحس كلما رأتها أو لمستها أو قدمت لها القرابين أو شعائر التَّعَبُّد، أنها قريبة من آلهتها قربا ماديا محسوسا!

وأما الملأ – وهم أكثر تنورا وأكثر استعلاء عن الجماهير – فإن الذي يحركهم لمحاربة الرسول المبعوث إليهم ليس قضية الآلهة المزعومة بقدر ما هو قضية “السلطة”!

إن ولاءهم لهذه الآلهة صوري أكثـر مما هو حقيقي! وإن دفاعهم عنها – مهما بدا حارَّاً – لا ينبعث من الاعتقاد بألوهيتها بقدر ما ينبعث من كونها هي الأداة التي يستعبدون باسمها الجماهير، ويعطون أنفسهم سلطانا مقدسا مستمدا من قداستها في نفوس الجماهير!

أما القضية الحقيقية بالنسبة إليهم فهي قضية الحاكمية: من يحكم هذه الجماهير؟ هم؟ أم الله – سبحانه وتعالى – عن طريق تحكيم شريعته؟

هذه هي القضية الحقيقية التي تستفز الملأ في كل جاهلية ليحاربوا دعوة لا إله إلا الله.

إن السلطة التي في أيديهم، سلطة التشريع التي يحكمون بها الجماهير – ويستذلونهم بها – ليست سلطتهم أصْلًا، إنما هي حق الخالق الرازق المنعم المتفضل، الذي خلق، ثم رزق وأنعم وتفضل، فكان من حقه وحده أن يحل ويحرم، وأن يبيح ويمنع، وليس لأحد غيره أن يشرع – أي يحل ويحرم – إلا أن يكون خالقا مثل الله، رازقا مثل الله، منعما متفضلا مثل الله؛ والله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ([35]).

(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون) ([36]).

(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) ([37]).

ولكن “الملأ” يتجاهلون هذه الحقيقة، ويتجاهلون أسسها “الاعتقادية” ومقتضياتها العملية، حين يستبدون بالسلطة – سواء حكموا بالديكتاتورية الصريحة أم من وراء ستار كما هو الحال في “الديمقراطية” ([38])، وسواء استجابوا لشهوات الجماهير وأهوائهم أم اكتفوا بشهواتهم هم وأهوائهم ([39]) – ويظلون يؤصلون سلطانهم “بأنظمة” للحكم و “دساتير” عرفية أو مكتوبة تجعل لهم الحق في التحليل والتحريم، والإباحة والمنع.. حتى إذا جاء رسول من عند الله يقول: “لا إله إلا الله” “اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ” يتغير الموقف كله!

إنَّ الملأ قد يختصمون فيما بينهم أيهم الذي يتولى “السلطة” ويستعبد الجماهير. وقد يختصمون فيما بينهم وبين الجماهير – كما حدث في الديمقراطية – أي قدر من السلطة يحتفظون به في أيديهم وأي قدر يسقطونه فُتَاتاً تتلهى به الجماهير. أما حين يأتي الرسول الذي يقول: “لا إله إلا الله” “اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ” فإنَّ جوهر القضية يتغير.. وتصبح القضية هي نزع السلطة أصلا من أيدي الملأ، بل من أيدي البشر جميعا، وردها إلى الله صاحب السلطان، صاحب الحق في المنع والإباحة، والتحليل والتحريم!

ومن أجل ذلك يفزع “الملأ” من دعوة لا إله إلا الله أضعاف أضعاف ما يفزعون من منازعيهم على السلطان الأرضي، ويجندون طاقتهم كلها لمحاربة الدعوة، ويستخدمون الجماهير ذاتها من بين الأدوات التي يستخدمونها لهذه الحرب، بتزييف الحقائق لها تارة، وتارة بالإرهاب!

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) ([40]).

(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ بِآياتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) ([41]).

(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ) ([42]).

*     *     *

وفي مكة كانت القضية هي ذات القضية.. وكانت قريش هي “الملأ” الذي يتصدى للدعوة بالصد والحرب. ولم تكن في حقيقتها حربا بين قريش ومحمد – صلى الله عليه وسلم- إنما كانت حربـا بينهـم وبين “الدعوة” التي يحملها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:

( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ([43]).

وفي ذروة المعمعة أرسلت قريش رسولها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يعرض عليه الملك والمال ومتاع الأرض كله على أن يتخلى عن تلك الدعوة! فلم تكن العداوة بينهم وبين شخص الرسول – صلى الله عليه وسلم – إنما نجمت العداوة من تمسكه بهذه الدعوة وعدم تخليه عنها، وهم لا يطيقونها ولا يصبرون عليها! ثم كان لا بد أن تتحول في النهاية إلى معركة بينهم وبين ممثل الدعوة – عليه الصلاة والسلام -..

*     *     *

ثم شاء الله أن يؤمن من آمن بلا إله إلا الله، فكان منهم ذلك الجيل الفريد في التاريخ.. فكيف كانت لا إله إلا الله في حياتهم، وكيف كان مدلولها لديهم؟!

هل كانت مجرد تصديق بأن الله واحد – سبحانه وتعالى – وأنه لا إله غيره في هذا الكون العريض كله؟ أو كانت مجرد تصديق بالقلب وإقرار باللسان؟! أم كانت في نفوسهم وفي واقع حياتهم شيئا أضخم من ذلك بكثير، وأعمق من ذلك بكثير، وأشمل من ذلك بكثير؟!

فلننظر إلى حقيقة الواقع..

كان العرب – كما أشرنا في كتاب “واقعنا المعاصر” ([44]) – شتيتا متناثرا لا يأتلف ولا يتجمع رغم وجود كل عوامل التجمع، من وحدة الأرض، ووحدة البيئة، ووحدة اللغة، ووحدة المعتقدات، ووحدة الثقافة، ووحدة التاريخ.. ومن هناك التقطهم الإسلام فأخرج منهم “خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ”.

لم تكن الأصنام وحدها هي الأرباب المعبودة في الجزيرة العربية كما تلح بعض كتب التاريخ التي تحصر قضية لا إله إلا الله في إزالة ذلك اللون الحسّي الغليظ من الشرك، ولا كان الفساد مقصورا على تلك المفاسد الخلقية من الخمر والميسر والزنا ووأد البنات وغارات السلب والنهب والمظالم الاجتماعية كما تلح كتب أخرى من كتب التاريخ!

لقد كانت لا إله إلا الله تستخلص النفوس من الشرك كافة، ولم يكن الشرك لونا واحدا وإنما ألوانا متعددة تندرج في النهاية تحت هاتين القضيتين الرئيسيتين: تعدد الآلهة واتباع غير ما أنزل الله..

كانت القبيلة ربا معبودا، كما يقول الشاعر:

                     وهَلْ أَنَا إلاّ مِنْ غَزِيّةِ إنْ غَوَتْ …

           غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيّةُ أَرْشُدِ!

وكان عرف الآباء والأجداد ربا معبودا:

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) ([45]).

وكان الهوى والشهوات أربابا معبودة:

ألاَ أيُّهَذا الزّاجرى أحضُرَ الوَغَى …

وَأَن أشْبَبَ اللذَّاتِ هَل أنتَ مُخْلِدى؟!

وكانت قريش وغيرها من القبائل الكبيرة أربابا تُحَرِّم للعرب ما تشاء وتُحِلّ ما تشاء، كما كان كهنة الأصنام:

( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ([46]) فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ([47]).

( وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) ([48]).

ومن كل هذه الألوان من الشرك – إلى جانب عبادة الأصنام – وعلى درجة واحدة من الأهميـة، كان القرآن يدعو – بلا إله إلا الله – لتخليص النفوس والقلوب، والمشاعر والسلوك. وكان جهاد الرسول – صلى الله عليه وسلم – في مكة موجها إليها جميعا بأمر الله وتوجيهه لرسوله – صلى الله عليه وسلم -.

ولئن كانت قضية البعث والحساب قد شغلت حيزا كبيرا من خطاب القرآن للمشركين في مكة، فإن الله يعلم – سبحانه – ما للإيمان باليوم الآخر من أثر في اقتلاع الشرك بجميع أنواعه وجميع آثاره من القلوب، ذلك أنهم إن لم يؤمنوا الإيمان القاطع أنهم سيبعثون بعد الموت، ويحاسبون على شركهم، فلن يَدَعُوا ذلك الشرك ولن يقلعوا عنه، سواء كان شرك العبادة أو شرك الاتباع..

*     *     *

وحين خلصت نفوس المؤمنين بلا إله إلا الله من تلك الألوان من الشرك، فقد حدث في نفوسهم تحوّل هائل.. كأنه ميلاد جديد.

لم يكن مجرد التصديق، ولا مجرد الإقرار..

لقد كان – كما ذكرنا في غير هذا الكتاب – كأنه إعادة ترتيب ذرات نفوسهم على وضع جديد، كما يعاد ترتيب الذرات في قطعة الحديد فتتحول إلى طاقة مغناطيسية كهربائية.

كان الاهتداء إلى “الحق” هائل الأثر في كل جوانب حياتهم..

لقد زالت لتوها كل الأرباب الزائفة التي كانت تحتل قلوبهم وأرواحهم وواقع سلوكهم، ولم يعد يشغل تلك القلوب والأرواح إلا عبادة واحدة، لله الواحد لا شريك له..

وسقط مع تلك الأرباب الزائفة كل ما كان متعلقا بها من أعراف، وكل ما كان حولها من اهتمامات..

لم تعد القبيلة، ولا عرف الآباء والأجداد، ولا العادات ولا التقاليد الموروثة تزن في حسهم جناح بعوضة أو تضغط على حسهم لتشكل سلوكهم أو مشاعرهم.. ولم تعد روابط الدم، ولا روابط “المصالح” هي التي تجمّع بينهم أو تفرّقهم..

بل لم تعد الدنيا كلها – بكل اشتباكاتها وكل وشائجها – هي الشغل الشاغل لهم كما كانت قبـل إيمانهم بلا إله إلا الله، ولم تعد “القيم” هي التي تقررها الدنيا منقطعة عن الآخرة!

لقد صارت “لا إله إلا الله” هي مفتاح التجمع والافتراق.. هي الرباط الذي يربط القلوب التي آمنت بها، ويفصل بينها وبين غيرها من القلوب. وصار التجمّع الجديد، الذي أخذ في نفوسهم مكان التجمعات القديمة كلها، منبثقا كله من لا إله إلا الله، دائرا حول لا إله إلا الله، مستمدا وجوده الجديد كله من لا إله إلا الله.

ثم كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي هداهم لـ “لا إله إلا الله”، والذي تمثلت فيه رسالة الله إليهم – يلتقي بهم في دار الأرقم ليقوم بأعظم عمل قام به إنسان فرد في تاريخ البشرية كله، وهو تربية ذلك الجيل الفريد على مقتضيات “لا إله إلا الله”، وأخلاقيات لا إله إلا الله..

ومن خلال هذه التربية الفذة خرجت خير أمة في التاريخ..

*     *     *

يتوهم كثير من الناس أن لا إله إلا الله كانت مطلوبة بكل مقتضياتها، ومؤثرة في ذلك الجيل الفريد بكل آثارها لأنهم كانوا – قبل ذلك – مشركين!! وأنهم لو كانوا في غير هذا الوضع لكان كل المطلوب منهم هو التصديق والإقرار!!

وتلك هي الجناية الكبرى التي جناها الفكر الإرجائي على الأمة الإسلامية، والتي ظلت – مع عوامل أخرى – تفرغ لا إله إلا الله من محتواها الحقيقي تدريجيا حتى أحالتها في النهاية كلمة خاوية من الروح.

وقبل أن نناقش هذا الوهم، نريد أن نستعرض – قليلا – صورة لا إله إلا الله مع المؤمنين في المدينة.

إن سورة البقرة التي تناولت موضوعات متعددة بدأ بها تنظيم حياة المؤمنين في المجتمع الجديد بعد قيام الدولة، تبدأ بوصف المؤمنين الذين صح اعتقادهم ورسخ على الصورة الصحيحة، ثم أدوا العبادات التي فرضت عليهم:

( الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ([49]).

فماذا يقال لهؤلاء “المؤمنين” “المتقين” “المفلحين” الذين لم يستوفوا فقط شرط التصديق والإقرار، بل أضافوا إلى ذلك إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهما العبادتان اللتان كانتا وقتئذ قد فرضتا عليهم؟

هل يقال لهم: يكفيكم! أحرزتم المطلوب كله وضمنتم الجنة.. أم يقال لهم: إن الله فرض عليكم، وفرض عليكم وفرض عليكم.. على سبيل الوجوب لا على سبيل التخيير؟

ويقال لهم، لكي يعلموا يقينًا أن حقيقة الإيمان لا تتحقق بالتصديق والإقرار وحده، ولكن بأعمال معينة دالة على الإيمان:

( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ([50]).

وسورة آل عمران، المشغولة كلها بقضية لا إله إلا الله ([51])، والتي تبدأ بهذه الآيات المتعلقة بالعقيدة:

( الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ.. ) ([52]).

هذه السورة تقرر أصول العقيدة واضحة حاسمة وتقرر إلى جانبها مقتضياتها، وتبرز من بين هذه المقتضيات قضية القتال لإقرار هذا الحق في واقع الأرض، ويرد فيها بالذَّات هذا الدرس التربوي العظيم:

( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (192) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) ([53]).

فهؤلاء المؤمنون الصادقون الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم – والذكر من عمل الجوارح إلى جانب عمل القلب – ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فيهتدون إلى أنها لم تخلق باطلا، إنما خلقت بالحق، والحق يقتضي أن يحاسب الناس على أعمالهم التي قاموا بها في الحياة الدُّنْيَا، فلا بد من بعث وحساب وجزاء، فيدعون الله أن يقيهم النار ويدخلهم الجنة، ويتقدمون بمؤهلات الطلب: أنهم بمجرد سماعهم للمنادي الذي ينادي للإيمان – عليه الصلاة والسلام – قد آمنوا.. هؤلاء المؤمنون الذين هذه حالهم وهذه صفاتهم يُخْبَرُون أن الله استجاب لهم.. فلأي شيء استجاب سبحانه؟ أللتصديق والإقرار؟ أللتفكر والتَّدَبُّر؟ أللذكر الدَّائم الذي لا ينقطع؟ أللضَّراعة الحارة للوقاية من النار ودخول الجنة؟ أم لشيء بعد ذلك كله، هو من “مقتضيات” ذلك كله؟!

“ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم… “

والتوجيه التربوي واضح.. فالمطلوب، والذي يستجيب له الله – جل وعلا – هو أن يتحول التفكر والتدبر والتذكر إلى عمل. ولما كانت السورة مشغولة بقضية الجهاد لإقرار الحق في واقع الأرض، أبرزت الآية أنواعا من العمل تناسب السياق، فذكرت الذين هاجروا في سبيل الله، والذين أخرجوا من ديارهم في سبيل الله، والذين أوذوا في سبيل الله، والذين قتلوا في سبيل الله، لا لأنها الأعمال الوحيدة المطلوبـة، ولكن لأنَّهـا هي المناسبة في السِّياق ([54]).

وسورة النساء، التي وردت فيها الآية التي تخاطب “الذين آمنوا” فتطلب منهم أن يؤمنوا، بل تطلب منهم أن يؤمنوا بذات الأشياء التي هم مؤمنون بها بالفعل – كما أشرنا من قبل – لا تقول للذين آمنوا إنكم إذا آمنتم هذا الإيمان المطلوب، بل رسختموه وحافظتم عليه وحرصتم عليه، وامتلأت به قلوبكم ووجداناتكم، وصدقتم وأقررتم، فلا عليكم بعد ذلك أن يكـون سلوككم الواقعي وتصرفاتكم العملية كما تملي عليكم أهواؤكم، أو كما تقرر لكم أعرافكم.. إنما يفرض عليهم “فرائض” ([55]) يختم بيانها بقوله تعالى:

(تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ([56]).

ويوجههم توجيهات معينة يقيمون عليها علاقاتهم الأسرية، وعلاقاتهم الاجتماعية، ويوجههم إلى المرجع الذي يرجعون إليه في ذلك كله:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.. ) ([57]).

فيربط رد الأمور إلى الله والرسول، وإجراء الحياة كلها بحسب ما يقضي به الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – بالإيمان بالله واليوم الآخر ويجعله شرطه: “ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ “.

ثم يخبرهم أنه لم يرسل رسله لمجرد التبليغ والإعلام، حتى يقول من يقول: لقد بلغني وقد علمت، وصدقت وأقررت.. إنما أرسلهم ليطاعوا:

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ.. ) ([58]).

ثم يعلمهم – بعد بيان أحكامه وأوامره ونواهيه وتوجيهاته التي فرضها على “الَّذِينَ آمَنُوا” – أن الإيمان ليس بالتمنـي، إنَّما بالتصديق الواقعي للإيمان في صورة عمل محسوس:

(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) ([59]).

وسورة المائدة التي ورد فيها الإعلان باكتمال “الدين” وإتمام النعمة:

( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) ([60]).

هذه السورة كلها بيان لما أحل الله وما حرم من المطاعم والمشارب والمعاملات والأحكام، وهي كلها موجهة “للمؤمنين” من أول آية في السورة:

“ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ.. “

وهي السورة التي نصت نصَّاً صريحا على وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون غيرها من الشرائع كافة، وبينت أن الحكم نوعان اثنان لا ثالث لهما ولا واسطة بينهما: إما حكم الله وإما حكم الجاهلية:

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ([61]).

وأن من لم يحكم بما أنزل الله فحكمهم عند الله أنهم الكافرون الفاسقون الظالمون:

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ([62]).

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ([63]).

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ([64]).

وهكذا بقية السـور المدنية على إطلاقها.. كلها خطاب للذين آمنوا، أي أقروا وصدقوا، تقول لهـم: إن التصديق والإقرار الذي جاءوا به من مكة مهاجرين به في سبيل الله – والهجرة ذاتها “عمل” كلفوا به فنفذوه – أو الذي كانوا عليه في المدينة – إن كانوا من الأنصار – يقتضيهم أن يلتزموا بما جدّ في المدينة من الأحكام والتكاليف والأوامر والنواهي، وأن إيمانهم – الآن – صار مرتبطا بالالتزام بما جاء من عند الله من هذا كله، وأن هذا الالتزام هو المحك لصدق إيمانهم، وإلا فهو النفاق الذي لا يقبله الله، ولا يجزي به إلا الخلود في الدرك الأسفل من النار..

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُـوا إِلَى الطَّاغُـوتِ وَقَـدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيـدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً )… ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ([65]).

(وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (48) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (50) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (51) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ([66]).

( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا ) ([67]).

فإذا كان هذا ما جاءت به السور المدنية من مقتضيات “لا إله إلا الله”، قفد وضح لنا أنه حين اكتمل الدين.. يوم أنزل الله قوله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً” كانت لا إله إلا الله منهج حياة كامل، يشمل الجانب الاعتقادي، والجانب التعبدي، والجانب السلوكي العملي. يشمل الاعتقاد بوحدانية الله – أي توحيده في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله – وتوجيه الشعائر التعبدية له وحده بلا شريك، وتحكيم شريعته وحدها دون غيرها من الشرائع، والتخلق بأخلاق لا إله إلا الله، إلى جانب التكاليف المتعددة التي كلفهم إياها..

وإذا كانت السور المكية قد ركزت على الجانب الاعتقادي: الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، والقدر خيره وشره، وعلى الجانب الأخلاقي كذلك، وما كان قد فرض في مكة من الشعائر التعبدية، فإن السور المدنية قد ركزت تركيزا شديدا على قضية الحاكمية، والالتزام بتحكيم شريعة الله، واعتبار ذلك هو المحك لصدق الإيمان، مع التوكيد على الجانب الأخلاقي، والعبادات الأخرى التي فرضت في المدينة..

ولكـن من الخطـأ البالـغ أن نظـن أن قضية الحاكميـة، أي تقرير كون الحاكميـة لله وحـده، وأن حـق التشـريـع مـن تحليـل وتحريـم وإباحـة ومنـع هـو حـق خالص لله لا يشـاركـه فيـه البشـر، وأن التشريـع بغيـر ما أنـزل الله – معـه أو من دونه – شـرك، وأن إطاعـة الذيـن يشرعـون بغيـر ما أنـزل الله شـرك..

من الخطأ الظن بأن هذه القضية – بتفصيلاتها تلك – قد تقررت في المدينة حين بدأت التشريعات تتنـزل ليقيم المسلمون حياتهم عليها. بل لقد تقررت تقريرا واضحا حاسما في مكة، في أكثر من سورة مكية، كأصل من أصول الاعتقاد بلا إله إلا الله، لا بوصفها التزاما سلوكيا فحسب.

خذ على سبيل المثال هذه الآية من سورة الأعراف المكية:

( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ) ([68]).

فماذا تفيد هذه الآية؟ إنها تفيد أن الناس في حالتين اثنتين: إحداهما مأمور بها والأخرى منهي عنها. الأولى هي الإيمان، والثانية هي الشرك.

فالإيمان ملخص في قوله تعالى: “ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ “.

والمقابل – أي اتباع غير ما أنزل الله – هو اتباع الأولياء – أي الشركاء – وهو الشرك الصريح.

وخذ هذه الآية أيضا من سورة الأعراف: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) ([69]).

فهي تقرر أمرين في وقت واحد: أن الأمر لله وحده. بصيغة القصر. الأمر على إطلاقه غير محدد بنطاق معين ولا مجال معين. الأمر في السماوات والأرض وفي حياة البشر كذلك. فأما في السماوات والأرض فمستفاد من قوله تعالى قبل هذه العبارة: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) ([70])، وأما في حياة البشر فمستفاد من قوله تعالى بعدها: ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ) ([71]) أي لا تعتدوا بالخروج على أمر الله، ولا تفسدوا في الأرض باتباع غير شرع الله ومنهجه بعد إصلاحها بما نزل من عند الله.

أما الأمر الآخر الذي تقرره الآية فهو كون حق الحاكمية في السماوات والأرض وفي حياة البشر مستمدا من الخالقية، أي من القدرة على الخلق. فالذي له القدرة على الخلق هو وحده صاحب الأمر. وإذ كان الله وحده – سبحانه وتعالى – هو المتفرد بالخلق، فهو وحده كذلك صاحب الأمر، في السماوات والأرض وفي حياة البشر سواء.

وخذ هذه الآية من سورة الشورى المكية:

( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) ([72]).

فهي تقرر ذات المبدأ، وهو رد الحاكمية لله في كل شيء يعرض للناس في حياتهم، فقوله تعالى: “مِنْ شَيْءٍ” معناها جنس الشيء وعمومه، أي كل شيء على إطلاقه. وكل شيء على إطلاقه حكمه إلى الله في كونه حلالا أو حراما أو مباحا أو مكروها أو مندوبا. والآية السابقة لها تقرر ذات المعنى الذي قررته آية الأعراف: ( أَمِ اتَّخَـذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

فرد الحاكمية في كل شيء لله هو الإيمان، وخلاف ذلك هو اتخاذ الأولياء – أي الشـرك – وهو عمل باطل، لأن الله وحده هو الولي، وهو الذي يحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير.

كذلك قوله تعالى في سورة الشورى: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) ([73]).

ولكن آيات سورة الأنعام ربما كانت أكثر تفصيلا في القضية:

( أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) ([74])

وهي تبدأ بهذا السؤال الإنكاري: “أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً؟!” الذي يفيد أن الحاكمية لله وحده. هو الذي ينبغي أن يتخذ حكما، ولا ينبغي لأحد غيره أن يحتكم إليه في أمر من الأمور. ثم تفيد أن الله قد أنزل الكتاب مفصلا فلم تعد هناك حجة لأحد أن يتخذ حكما غير الله في أمر من الأمور.. ويلاحظ أن هذه آية مكية في سورة مكية. وأنه في مكة لم تكن قد نزلت كل التشريعات التي يحتاج إليها الناس في حياتهم، إنما كان ذلك في المدينة.

فالتفصيل الذي تشير إليه الآية ليس هو تفصيل الأحكام – أي تفصيل الفروع – إنما كان تفصيل القضية الكبرى – قضية الحاكمية – وأنها من أصل الاعتقاد. وأن الاعتقاد لا يتم ولا يصح إلا إذا كان معناه ومؤداه هو الالتزام – من حيث المبدإ – بما جاء من عند الله، كثيرا كان ما جاء من عنـد الله أم قليلا، ومختصـا بالاعتقاد كان أم مختصـا بالأخلاق، أم مختصـا بالأحكام.. ([75])

ثم تمضي الآيات في تقرير أن كلمة الله هي الكلمة الفاصلة، وهي الصدق والعدل، وأن من لا يتبعها هم الضالون الذين يتبعون الظن، ومن ثم لا يهتدون، وأن الله يعلم من يضل عن سبيله ويعلم من يهتدي إليه.

ثم تأتي القضية التي تأتي هذه المقدمات كلها توكيدا لها، وتأصيلا لقاعدتها، وهي قضية التحليل والتحريم، ومن الذي يقرر الأمر فيها، وموقف المؤمنين منها وموقف المشركين، وما يجعل الإنسان في شأنها مؤمنا أو يجعله مشركا. ومدارها أن المشركين في مكة كانوا لا يذكرون اسم الله على الميتة ثم يحلون أكلها، ويعطون هذا الأمر شرعية من عند أنفسهم بغير إذن من الله وبغير برهان.

فينهى الله المؤمنين أن يأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه – وهو الميتـة التي حرمها الله – وينذرهم أنهم إن أطاعوا المشركين فهم مشركون مثلهم، لأنهم يطيعون تشريعا جاهليا ما أنزل الله به من سلطان.

ومن ذلك يتبين أن قضية الحاكمية لم تبدأ في المدينة بعد نزول التشريع، إنما بدأت في مكة في وقت تأصيل العقيدة وبيان مقتضيات “لا إله إلا الله”، وجاءت الأحكام القاطعة بعد ذلك في المدينة تقرر أنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وأنه لا يعتبر أحد مؤمنا حتى يحتكم إلى الله ورسوله، تطبيقا وتوكيدا لما تقرر في مكة وقت تأصيل العقيدة.

*     *     *

فإذا كان هذا من جانب التكليف الرباني، فلننظر إلى الجانب التطبيقي في حياة المؤمنين في المدينة.. كيف تلقوا الأمر الرباني وكيف نفذوه..

لم يكن أحد في ذلك الجيل المتفرد يتلبث حتى يسأل: هل هذه الأوامر الربانية – سواء منها ما جاء في كتاب الله أو في السنة المطهرة – مُلْزِمَة؟! هل هي داخلة في مسمى الإيمان أم زائدة عليه؟ هل يكفي التصديق بأنها من عند الله، أم ينبغي تنفيذها كذلك؟!! وهل يكون الإنسان مؤمنا إذا لم يعمل بِشَيْءٍ منها على الإطلاق؟!!

لم يكن أحد يصنع ذلك، سواء كان من المؤمنين الذين شهد لهم الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – بالإيمان، أم كانوا حتى من المنافقين، الذين يتظاهرون بالإيمان وهم في دخيلة أنفسهم كافرون.

فقد كان هؤلاء وهؤلاء يعلمون أن “لا إله إلا الله” ليسـت كلمة تنطق باللسان وينتهي الأمر، وإنما هي كلمة ذات مقتضيات، وكانوا يؤدون هذه المقتضيات بالفعل، مع فارق أساسي بين المؤمنين والمنافقين، أن الأولين يؤدونها إيمانا بها، وطاعة لله الذي أمر بها وأنزلها، وطمعا في جنته ورضوانه، وأما الآخرون فيؤدونها نفاقا بغير إيمان، ويؤدونها بفتور ظاهر أو خفي، أو يتحايلون للتفلت منها:

( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ) ([76]).

(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) ([77]).

ولم يكن أحد من أولئك المنافقين – فضلا عن المؤمنين! – يتصور أنه يستطيع أن يحصل على مظهرية الإسلام في الحياة الدنيا بمجرد نطق لا إله إلا الله، دون أن يعمل عملا واحدا من مقتضياتها.. ولا كان هذا – في المجتمع المسلم – ممكن الحدوث!!

إن تصور وجود فرد واحد في المجتمع المسلم – أي المجتمع الذي يتحاكم إلى شريعة الله – يسمى “مسلما” ويحتفظ بهذا الاسم – سواء كان في حقيقته مؤمنا أو منافقا – دون أن يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام.. هو تصور مستحيل!

فهناك على أقل تقدير مسألة الصَّلاة!

لا يستطيع فرد واحد في المجتمع المسلم – أي المجتمع الذي يتحاكم إلى شريعة الله – أن يبقى ثلاثة أيام متوالية لا يقيم الصلاة دون أن توقع عليه عقوبة القتل! ويستوي أن يقتل حدًّا أو يقتل كفرا. فليست العبرة هنا! إنما العبرة – كما قال الإمام ابن تيمية بحق – أنه لا يمكن في الواقع العملي أن يوجد إنسان في قلبه ذرة واحدة من الإيمان يتعرض للقتل بسبب عدم أدائه الصلاة ثم يظل مصرا على عدم الصلاة حتى يقتل بالفعل!! مستحيل!!

وهناك أيضا الإقرار الواقعي العملي بحاكمية شريعة الله، والتحاكم إليها وحدها، وعدم التحاكم إلى أي شريعة سواها.. وإلا، فلو أنَّه خرج عليها -في المجتمع المسلم- أو أنكر شيئا منها، فهل يظل “مسلما”؟ وهل يظل حيا؟ أم يصبح مرتدا يوقع عليه حد الرِّدَّةِ؟!

وهكذا يتبين أنه من المستحيل – في المجتمع المسلم – أن يوجد فرد واحد لا يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام، ثم يظل يسمى مسلما ويحتفظ بهذا الاسم، فضلا عن أن تظل له حياة في ذلك المجتمع!! إنما تثار مثل هذه الدعوى الفارغة في المجتمعات الجاهلية التي تَدَّعي الإسلام، مستندة إلى الفكر الإرجائي، الغريب غربة كاملة عن روح هذا الدين..

*     *     *

ولننظر الآن في هذه القضية الخطيرة – قضية مقتضيات “لا إله إلا الله” – من ثلاثة منطلقات مختلفة، تؤدي كلها إلى نتيجة واحدة في النهاية:

أولا: هل يمكن أن يؤدي هذا الدين أهدافه التي نزل من أجلها إذا كان المطلوب كله هو التصديق والإقرار، أو إذا كان التصديق والإقرار – وحده – يكفي لإعطاء صفة الإسلام، لا في الدنيا وحدها، بل في الآخرة كذلك؟!

ثانيا: هل كان ما يفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام في تطبيق مقتضيات “لا إله إلا الله”، تطوعا من عند أنفسهم، غير واجب عليهم؟!

ثالثا: هل يمكن في واقع النفس البشرية أن يؤمن إنسان بشيء ثم يكون سلوكه الواقعي كله مغايرا لمقتضيات ذلك الإيمان، أو مناقضا له؟!

*     *     *

ونبدأ بالمنطلق الأول فنسأل أولا: لماذا يرسل الله الرسل إلى البشرية، ولماذا ينزل معهم الرسالات؟

ولا نجيب من عند أنفسنا في هذا الأمر الخطير، فإنَّه لا ينبغي لأحد أن يجيب من عند نفسه في هذا الأمر، لأن الله – سبحانه وتعالى – قد تكفل بهذا في كتابه المنزل الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِه: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ([78]).

( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيـدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْـلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ([79]).

وقبل أن نتحدث عن الرسالة الخاتمة – ذات الوضع الخاص والأهداف الخاصة – نتدبر هاتين الآيتين اللتين تتحدثان عن الرسالات عامة من لدن آدم ونوح إلى محمد – صلى الله عليه وسلم -.

فإحدى الآيتين تقرر أن إرسال الرسل لا يتم من عند الله لمجرد التبليغ والإعلام، بحيث يسع أي إنسان أرسل إليه رسول أن يقول: لقد بلغني الأمر وعلمته ([80]). إنما ينبغي أن يقول: لقد بلغني الأمر وعلمته وأطعته، ليكون بذلك قد استجاب للرسول المرسل إليه، وحقق الهدف الذي من أجله أرسل.

والآية الأخرى تبين ذلك الهدف وتحدده ، وهو إقامة حياة الناس بالقسط. وهي عبارة موجزة شاملة جامعة تفصلها آيات القرآن الأخرى (والسنة المطهرة كذلك) تفصيلا دقيقا محـددا غير متروك لأهواء البشر. ذلك أن تحديد القسط لو ترك لأهواء الناس لفسد كل شيء:

( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) ([81]).

ومقتضى الآية المشار إليها آنفا إن إرسال الرسل وإنزال الكتاب ليس لمجرد التبليغ والإعلام، إنما لتحقيق هدف عملي واقعي في حياة الناس هو إقامة شريعة الله ومنهجه، وإخضاع الناس لهذه الشريعة وذلك المنهج، لأن هذا هو السبيل الوحيد الذي يؤدي إلى قيام الناس بالقسط. أي أن هناك عملا ينبغي أن يتم في واقع الأرض بعد التصديق والإقرار. وبغيره لا يكون الهدف من إرسال الرسل وإنزال الدين قد تحقق، إنما يظل الدين شعارات مرفوعة بغير رصيد واقعي، أو أمانيّ في الضمائر، لا تقدم ولا تؤخر، ولا تغير شيئا في حياة الناس، والإشارة – في الآية – إلى الحديد والبأس، ونصرة الله ورسله، واضحة الدلالة في أن من بين الأعمال المطلوبة الجهاد في سبيل الله لكي “ يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ “.

فـإذا كان هذا الأمر شاملا للرسالات كلها حتى رسالة الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ الرسالة الأخيرة – الخاتمة – التي أرسل بها لها شأن آخر وتكاليف إضافية غير بقية الرسالات.

يقول – سبحانه وتعالى – عن الرسالات السابقة وأهلها:

( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) ([82]).

لقد كان في قدر الله ومشيئته ألا يرسل رسولا بعد محمد – صلى الله عليه وسلم -:

( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) ([83]).

“ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ “ ([84]).

وكان في قدر الله ومشيئته أن يتم الدين بهذه الرسالة الخاتمة، وأن تكون للبشرية كافة:

“ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً “ ([85]).

( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) ([86]).

( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) ([87]).

( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) ([88]).

وقد اقتضى ذلك جميعه أن تكلف الأمة الخاتمة ذاتُ الرسالةِ الخاتمة تكليفين اثنين لا تكليفا واحدا كبقية الأمم المؤمنة من قبل!

فإذا كانت الأمم المؤمنة كلها قد كلفت أن تعبد الله “مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ”، وتستقيم على الدين وتكاليفه في حدود ذاتها فحسب، فإنَّ الأمة المسلمة قد كلفت فوق ذلك أن تنشر هذا الدين في كل بقاع الأرض، خلفاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وامتدادا له، وأن تجاهد حتى يكون الدين كله لله.

( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) ([89]).

( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) ([90]).

ومقتضى ذلك أن يكون “العمل” المطلوب من هذه الأمة بعد التصديق والإقرار أضخم بكثير، وأخطر بكثير من كل عملٍ طلب من أمة سابقة في التاريخ.

وإذا كان التصديق والإقرار وحدهما، بغير عمل، لا يفيان بالتكليف الرباني لأي أمة من الأمم السابقة، لأن الله فرض على كل واحدة منها تكاليف، وأرسل إليها رسولا ليطاع بإذن الله، لا ليبلغ فحسب، فهذه الأمة – بصفة خاصة – لا يمكن أن يفي التصديق والإقرار بالتكليف الرباني الملقى على عاتقها، وقد كلفت تكليفين في آن واحد: أن تستقيم لله في ذات نفسها، ثم تنشر الهدي الرباني في كل الأرض..

وهل كان يتصور – لو أن المطلوب كله هو التصديق والإقرار ولا زيادة – أن تطهر الكعبة وحدها من أوثان الشرك، ولا نقول مكة وحدها، ولا الجزيرة العربية، فضلا عن بقية العالم الإسلامي الذي امتد إليه النور بجهاد المجاهدين في سبيل الله.

وهل كان يتصور – لو أن المسلمين فهموا أن المطلوب كله هو التصديق والإقرار – أن تُثَبَّت دعائم الدولة في المدينة، واليهود يكيدون لها من داخلها، ومشركو قريش يكيدون لها من خارجها، فضلا عن أن تثبّت دعائمها في الجزيرة بأكملها، فضلا عن أن تزال إحدى دولتي الشرك العظميين عن آخرها (فارس) وتزلزل الدولة الأخرى (الروم) عن عرشها وسلطانها ويتقلص ظلها في الأرض.. وفضلا عن أن تكون هذه الدولة فيما بعد؛ هي مركز الدنيا ومحورها، فيها الحضارة، ولها القوة والتمكين في الأرض؟!

*     *     *

من هذا المنطلق الذي أسلفنا الحديث عنه ننتقل إلى المنطلق الثاني، وقد اقتربنا منه، فنسأل: هل كان ما يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في تطبيق مقتضيات “لا إله إلا الله”، تطوعا من عند أنفسهم، غير واجب عليهم؟

وهنا نقطة قد تختلط على الأذهـان، فيما بين التطوع والتكليف بالنسبة لجيل الصحابة رضوان الله عليهم

وقد بينت في كتاب “واقعنا المعاصر” أن الذي تفرد به الجيل الفريد لم يكن هو قيامه بالتكاليف الربانية، فذلك أمر مفروض على كل الأجيال، ومطلوب من كل الأجيال، إنما تفرد ذلك الجيل بالدرجة العالية العجيبة التي نَفَّذَ بها تلك التكاليف.

فقد فرض الله القتال، أما ذلك (عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ) الذي خرج من بيته يريد القتال، وَفِي يَدِهِ تَمَرَاتٍ يَأْكُلُهُنَّ فقال: بَخْ بَخْ، أَفَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا أَنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَذَفَ التَّمَرَاتِ مِنْ يَدِهِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ.. فهذه درجة فذة في تنفيذ التكليف الرباني، تفرد بها وبأمثالها ذلك الجيل الفريد. أما القتال في ذاته، استجابة للتكليف الرباني، فأمر مطلوب من الأجيال كافة، لم يتفرد به ذلك الجيل.

وقد أمر الله أن يشترك المجتمع الإسلامي كله في الخير العام الذي يفيضه الله على ذلك المجتمع، وجعل أداة ذلك الزكاة يدفعها الأغنياء من فائض أموالهم – أي ما يزيد على النصاب – فتوزعها الدولة على المحتاجين إليها، الذين بينتهم الآية الكريمة: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) ([91]) كما جعل أداتها الإنفاق في سبيل الله بغير نِسَبٍ معينة كما هو الحال في أنصبة الزكاة. عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنْهَا سَمِعَتْهُ – تَعْنِي النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) – يَقُولُ: “لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ”؛ وفي حديث آخر: “قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ، قَالَ: «نَعَمْ»“ ([92]).

ولم يكن هذا الإنفاق في سبيل الله أمرا تفرد به الجيل الأول، لأنه تكليف لكل الأجيال. أما الذي خرج من كل ماله.. وأما الرجل الذي أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ” ([93])، فهذا وذلك تطوع نبيل لم يفرضه الله – سبحانه وتعالى – وهو هو الذي تفرد به وبأمثاله الجيل الفريد.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ” ([94]) فطلب من المؤمنين أن يتقوا الشبهات ليستبرئوا لدينهم، وأن يقفوا عند حدود الحلال البين، ويبتعدوا عما سوى ذلك. وهو تكليف لجميع المسلمين في جميع العصور.

أما الذين قالوا: “كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام أو مخافة الربا” فهذا تطوع نبيل لم يفرضه الله، وهو الذي تفرد به ذلك الجيل…

وهكذا نفرق تفريقا حاسما بين أمرين يختلطان أحيانا في أذهان بعض الناس. بين ما قام به ذلك الجيل الفريد تكليفا من عند الله، لا يختص بهم وحدهم، إنما هو للأجيال كافة، يأثمون إذا تركوه، وبين ما تطوعوا به من الالتزام بالمندوبات كأنها فروض، منطلقين في ذلك من عمق إيمانهم ورسوخه، وحساسية ضمائرهم المرهفة تجاه ما كلفهم به الله..

فلننظر الآن في التكاليف التي قاموا بها لأنها تكاليف، لا المندوبات التي التزموا بها وفرضوها على أنفسهم كأنها فروض..

هل الالتزام بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ والرجوع إلى الله ورسوله في كل أمر من الأمور، كان تطوعا من الجيل الأول لم يكلفوا به؟

هل صدق الجهاد في سبيل الله كان تطوعا لم يكلفوا به؟

هل تحقيق معنى الأمة في صورته الحقيقية، بما يشتمل عليه من التكافل بين فئات المجتمع، والأخوة الصادقة بين المؤمنين، والتعاون على البر والتقوى، وحرمة الأموال والدماء والأعراض وصيانتها.. هل كان هذا كله تطوعا لم يكلفوا به؟

هل كان تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض تطوعا لم يكلفوا به؟

هل كان التخلق بأخلاقيات “لا إله إلا الله” تطوعا لم يكلفوا به؟

هل كان الوفاء بالمواثيق تطوعا لم يكلفوا به؟ ([95])

وهل كان في حسهم أنهم يقومون بهذا كله تطوعًا زائدا على أصل الإيمان، وأن الإيمان متحقق في نفوسهم وفي واقع حياتهم بمجرد التصديق والإقرار وإن لم يقوموا بشيء من هذا كله على الإطلاق؟

أم كان يمـلأ نفوسهم – كما تعلموا من كتاب الله ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القيام بهذه التكاليف هو مقتضى الإيمان بأنَّه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. ثم كانوا – في الأداء – يرتفعون إلى تلك القمم السامقة تقربا إلى الله؟!

وهل يعقل أن يكون الواقع العملي للإسلام كله زيادات على الأصل، غير داخلة في ذلك الأصل؟!

ما قيمة هذا الدين إذن؟ ما المهمة التي يؤديها في حياة الناس؟!

وهل ينزل الله الكتب، ويرسل الرسل، ويكلفهم بالصبر والمصابرة، والجهاد المرير، من أجل تلك الحصيلة السلبية التي تظل مستسرة في القلوب، كامنة في الضمائر، لا تغيّر شيئا من واقع الناس، ولا تحق حقا ولا تزهق باطلا، ولا تقيم معروفا ولا تبطل منكرا؟!

وهل لهذا أخرجت تلك الأمة إلى الوجود؟!

( كُنْتـُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ([96]).

هل يعقل أن يكون الهدف الرئيسي من إخراج هذه الأمة أمرًا زائدًا، بمعنى أن تحققه أو عدم تحققه لا يؤثر على الأصل؟!

أم يقولون إنَّ الارتبـاط بيـن “لا إله إلا الله” ومقتضياتهـا كان خاصا بجيل الصحابـة – رضـوان الله عليهم – وأما من أتى بعدهم فلا عليهم من العمل إذا تحقق منهم التصديق والإقرار؟!

فهل لهذا القول من سند حقيقي من كتابٍ أو سنةٍ أو منطقٍ عاقل؟!

هل هناك نص – أو منطق – يقول: إن جيلا معينا أو أشخاصا بأعيانهم هم الذين ينبغي أن يتقيدوا بمقتضيات “لا إله إلا الله”، أما من عداهم فليس عليهم إلا أن يصدقوا بقلوبهم، وينطقوا بألسنتهم أنه “لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله”، فإذا نطقوا بها – مصدقين بها – فقد تم المطلوب منهم كله، ولم يعد لأحد أن يطالبهم بعد ذلك بشيء! فإنَّ هم “تفضلوا” من عند أنفسهم فعملوا بِشَيْءٍ من مقتضيات “لا إله إلا الله” فلهم الفضل، وإن لم يفعلوا فلا تثريب عليهم.. فقد حازوا الإيمان!!

حقيقة إن الجيل الأول قد قام بتحقيق مقتضيات “لا إله إلا الله” في ذات نفسه وفي واقع حياته بصورة فذة لم تتكرر في التاريخ، بينما الأجيال التالية ظلت تتفلت تدريجيا من تلك المقتضيات خلال القرون الطويلة حتى كادت تنفلت منها جميعا. ولكن ذلك لم يكن بسبب أن الجيل الأول كان بذاته مكلفا تكاليف خاصة غير بقية الأجيال، ولا بسبب أنَّ الأجيال التالية كانت معفاة من التكاليف التي فرضت على الجيل الأول.

إنما كانت الظروف التي أحاطت بنشأة الجيل الأول هي التي جعلت منه ذلك الجيل المتفرد في التاريخ. فقد شهد الجاهلية ثم شهد الإسلام، فأحس بالنعمة الربانية وقدرها حق قدرها فحرص عليها. وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يعيش بين ظهرانيهم، يتلقون منه تلقيا مباشرا، ويتربون على عينه – صلى الله عليه وسلم – فيرتفعون إلى أقصى طاقة البشر في الارتفاع.

بالإضافة إلى ما تصنعه النشأة الجديدة في النفوس من شحذ العزائم والطاقات إلى أقصى درجاتها، بخلاف الأجيال التي تولد بعد تمام البناء، كما أن الجيل الذي ينشىء البناء بيديه، ويتعب في إقامته، يكون حريصا عليه ألا يصيبه خدش يفسد جمال رونقه.. ([97])

هذه الظروف مجتمعة جعلت ذلك الجيل الفذ يصل في تطبيق مقتضيات “لا إله إلا الله” إلى ذلك المرتقى السامق الذي وصل إليه دون بقية الأجيال. أما التكاليف فهي التكاليف.. هي هي كما احتواها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وأما كون القيام بها هو مقتضى الإيمان بلا إله إلا الله، فحقيقة لا علاقة لها بكون أي جيل من الأجيال هو الأول أو الأوسط أو الأخير! ([98]).

*     *     *

ونأتي الآن إلى المنطلق الأخير فنسأل: هل يمكن في واقع النفس البشرية أن يؤمن إنسان بشيء، ثم يكون سلوكه الواقعي كله مغايرا لمقتضيات ذلك الإيمان أو مناقضا له؟!

هناك حالة واحدة يعرفها المشتغلون بعلاج الأمراض النفسية هي حالة “انفصام الشخصية” يكون للمريض فيها شخصيتان منفصلتان تماما إحداهما عن الأخرى – كأنه لا صلة بينهما على الإطلاق – إحداهما – مثلا – خيرة والأخرى شريرة، يتنقل المريض بينهما في نوبات عصبية لا سلطان له عليها. وهي حالة مرضية تسقط التكليف عن صاحبها.. ومع ذلك فإنَّ هذه الحالة ذاتها تكتشف من التصرفات المصاحبة لها والدالة عليها! أي من سلوك عملي يصاحب الحالة النفسية!

أما الحالة المفترضة، وهي وجود إنسان في حالة طبيعية – أي في وعيه وإرادته – يؤمن في دخيلة نفسه بشيء ما، ثم لا يبدو في مجموع تصرفاته كلها أمر واحد يدل على وجود ذلك الإيمان المستسر في الضمير – في غير حالة القهر التي توجب التستر الكامل عن عيون الأعداء المتربصين – فهي حالة مستحيلة في واقع النفس البشرية، لم يتحدث عن مثلها أحد في التاريخ!!

إنما الذي يمكن أن يوجد بالفعل هو وجود إيمان بشيء ما، ووجود بعض التصرفات مخالفـة لمقتضى ذلك الإيمان. هذه حالة طبيعية.. بل هي الحالة الغالبة على تصرفات البشر! ولكنها لا تقع اعتباطا بغير أسباب! وليست خالية من الدلالة كذلك.

أما أسبابها فهي الجنوح الموجود في النفس البشرية نحو التفلت من التكاليف استجابة لدوافع تعتمل في باطن النفس. إذ التكاليف – كما هو ظاهر – قيد على الرغبات، سواء في تحديد مقدارها أو تحديد مسارها. ومن ثم تجنح النفس إلى التفلت من تلك التكاليف حين تركن إلى الاستجابة للرغبات دون ضوابط. ولكن يبقى شيء – ملحوظ من الدراسات النفسية – هو أن “الإيمان” – وهو فطرة، إذ من فطرة النفس البشرية أن تؤمن بشيءٍ ما – هو ذاته قيد على الرغبات، يحدد مقدارها أو يحدد مسارها. ومن ثم لا تنطلق الرغبات مع وجود الإيمان بنفس القدر وفي نفس المسار كما يحدث في حالة عدم وجود ذلك الإيمان. ويكون التصرف الواقعي للإنسان هو محصلة القوى والضوابط التي تعتمل داخل نفسه. فيكون أكثر استجابة لمقتضيات الإيمان أو أكثر تفلتا منها بحسب مقدار هذه القوى وتلك الضوابط معا في ذات الوقت. وتختلف أحوال الإنسان الفرد ما بين لحظة ولحظة حسب اختلاف المقادير بين هذه وتلك، ولكن لا تكون حصيلة الإيمان صفرا في أي حالة من الحالات، بحيث يصبح وجوده وعدمه سيان..

تلك طبيعة النفس البشرية.. ولذلك قال العلماء المستبصرون بنور الله إن الإيمان يزيد وينقص.. ينقص بالمعاصي ويزيد بالطاعات..

والدين قيد لا شك فيه.. سواء على القدر المسموح به من الاستجابة للرغبات، أو في تحديد مسارها.

يقول الله سبحانه وتعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا) ([99]) (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا) ([100])

فيحدد الحدود التي يستجيب فيها الإنسان لرغائبه التي تعتمل في كيانه، والتي تلخصها الآية الكريمة: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ([101]).

ويقول سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) ([102]).

ويقول سبحانه: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِـنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ..) ([103]).

ويقول تعالى: (وَأُحِـلَّ لَكُـمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُـمْ أَنْ تَبْتَغُـوا بِأَمْوَالِكُـمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ..) ([104]).

فيحدد مسار الرغبات كذلك.

والحلال والحرام كله هو القيود التي يضعها الدين في طريق الشهوات ليحدد مقدارها أو يحدد مسارها.

وفضلا عن ذلك فهناك تكاليف أخرى تضع قيودا من نوع آخر في طريق الشهوات فتحدد مقدارها ومسارها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وأخلاقيات لا إله إلا الله، وعلى القمة من ذلك كله الجهاد في سبيل الله.

والشهوات – أو “الدوافع” – لم يضعها الله قي الكيان البشري عبثا، تعالى الله عن العبث. وكذلك القيود لم يضعها الله في طريق الدوافع لغير غاية..

فقد علم الله – سبحانه وتعالى – أن مهمة الخلافة في الأرض التي خلق الإنسان من أجلها تحتاج إلى دوافع تدفع الإنسان إلى العمل والحركة والإنتاج من أجل تعمير الأرض، وهو أحد الأهداف المطلوبة من الإنسان، والمقدرة له في مقامه في الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ([105]).

(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) ([106]).

كما أنها من وسائل “المتاع” الذي قدره الله للإنسان في الأرض:

( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) ([107]).

وهي في الوقت ذاته نقطة الابتلاء التي خلق الإنسان لها:

( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) ([108]).

أما القيود والضوابط فقد علم الله كذلك أنها ضرورية للكيان البشري ليقوم بمهمة الخلافة الراشدة المطلوبة منه. فالاستجابة الكاملة للدوافع، التي تتعدى بها الحدود المأمونة مهلكة للإنسان ومفسدة له، وصارفة له عن الرفعة التي قدرها الله للإنسان الصالح، الذي خلقه الله في أحسن تقويم، متميزا تميزا حاسما عن الحيوان، والتي بها هُيِّىء لحمل الأمانة التي أبت أن تحملها السماوات والأرض والجبال وأشفقت من حملها لأنها لم تهيأ لها، وحملها الإنسان..

وتؤدي القيود مهمة مزدوجة في حياة الإنسان.

تحدد المقدار الذي يستجيب به الإنسان لدوافعه وشهواته، فتحبس قدرًا من الطاقة أن يتبدد كله في المجال الحسيّ. ثم تحدد مسار هذه الطاقة فترفعها عن المجال الحسيّ الخالص إلى مجال “القيم”، التي ترسم الوجود الأعلى للإنسان، وهي هي الأمانة التي تميز الإنسان عن الحيوان..

وهكذا.. بين الدوافع والضوابط يتوازن كيان الإنسان، ويحقق غاية وجوده وهو في أحسن تقويم ([109]).

ولكنه لا ينضبط تماما في كل حالة. ولا يستمر على توازنه في كل حالة:

( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) ([110]).

“ كُلُّ بَني آدمَ خَطَّاءٌ؛ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ “ ([111]).

وهنا تحدث المعصية..

تحدث بأحد سببين، أو بهما معا في وقت واحد.. إما اشتداد ضغط الدوافع على الإنسان، وإما ضعف الضوابط في لحظة من اللحظات، أو باجتماع السببين معا في وقت واحد: شدة الدافع، وضعف الإرادة الضابطة التي تحدد المقدار والمسار.. وعلى قدر اشتراك العوامل المسبِّبة تكون النتيجة.. فحين يكون الدافع ضعيفا يمكن ضبطه بسهولة. أما حين يكون عنيفا فيتوقف الأمر على مدى قوة الإرادة. فإن كانت قوية فقد تكفي لرد الدافع تماما فلا تحدث المعصية، أو تحدث خفيفة عابرة مما عبر عنه القرآن باللمم. أما حين تكون ضعيفة فإنها تنهار أمام الضغط..

والإيمان بالله واليوم الآخر هو أقوى الأدوات المعينة للإنسان على مقاومة ضغط الشهوات. وبمقدار ما يكون الإيمان قويا وراسخا تكون قدرة الإنسان على الانضباط في داخل الحدود التي رسمها الله، أي تكون الطاعة لأوامر الله، والقيام بالتكاليف التي فرضها الله. وليس معنى هذا أن يخرج الإنسان من بشريته ويصبح ملكا لا يَعْصِي! ولكن معناه أن الطاعة والانضباط والقيام بالتكاليف تصبح في حياته هي الأصل، وغيرها هو الشُّذُوذ العابر الذي لا يتلبث عنده ولا ينغمس فيه، فيشمله هذا الوصف الرباني:

( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) ([112]).

أما حين يضعف الإيمان بالله واليوم الآخر – وبمقدار ما يضعف – فإن العكس يصبح هو الأصل، وتصبح الاستقامة على أمر الله هي الحالة العابرة التي ينتكس بعدها إلى المعصية والغيّ والفساد.

وفي جميع الأحوال لا تكون حصيلة الإيمان صفرا، ولا يكون وجوده وعدمه سواء، بحيث لا يعمل الإنسان عملا واحدا من أعمال الإسلام!!

والمعصية – بإجماع العلماء – لا تخرج الإنسان من الإسلام.. ([113]).

إنَّما يخرجه من الإسلام استحلال المعصية – ولو لم يقترفها – والاستحلال عمل ([114]) يختلف اختلافا تاما عن الوقوع في المعصية.

فالوقوع في المعصية هو لحظة الضعف التي تنتاب الكائن البشري فينسى، كما نسي آدم من قبـل، وتخور عزيمته، فلا يكون الإيمان مذكورا في حسه، وإن يكن ما زال في قلبه، ولعل هذا ما أشار إليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “ لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.. “ ([115]) ثم يفيق الإنسان من لحظة الضعف فيتذكر، ويستغفر، فيغفر الله له.

أما الاستحلال فهو الاستكبار عن عبادة الله والخضوع لأمره، فكأنما يقول صاحبه بلسان الحال أو بلسان المقال: هذا ما يقوله الله، أما أنا فلي في الأمر حكم آخر، كما قال الشيطان وهو يعلن عصيانه لأمر الله – عز وجل – بالسجود لآدم: ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) ([116]) أو قال:

( لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَـهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَـأٍ مَسْنُونٍ ) ([117]) وهذا الذي لا يغفره الله سبحانه لأنه شرك:

( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) ([118]).

ولكن ما حدود المعصية في المجتمع المسلم؟

هل يمكن أن تمتد فتشمل كل المجتمع، ثم تمتد فتشمل كل عمل من أعمال الإسلام؟!

ويبقى مجتمعا “مسلما” بعد ذلك؟! بمجرد التصديق والإقرار؟!

إنَّنا إن أبحنا مبدأ “التصديق والإقرار” بوصفهما هما “الإيمان”.. وجعلنا الإيمان متحققا بهما ولو لم يعمل الإنسان عملا واحدا من أعمال الإسلام، بدعوى أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، وقررنا – بناء على ذلك – أنَّ هذا القدر يكفي لإعطاء صفة الإسلام في الدُّنْيَا ودخول الجنة في الآخرة.. إذا أبحنا ذلك لفرد واحد فهل نملك أن نمنعه عن أي فرد؟ وعن كل الأفراد إن أرادوا؟!

فكيف يكون الحال لو وجد عندنا مجتمع كله “مسلم” “مؤمن” على هذا النحو؟!

هل يتحقق فيه شيء مما أراده الله ببعث الرسل وإنزال الكتب؟

من باب التذكير نعود إلى الآية التي تحدد الهدف من بعث الرسل وإنزال الكتب:

( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) ([119]).

فهل يقوم الناس بالقسط على هذا النحو؟!

ومن باب التذكير مرة أخرى نعود إلى الآية أو الآيات التي تحدد الهدف من إخراج هذه الأمة بالذات:

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُـمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُـوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُـونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) ([120]).

( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ([121]).

فهل يتحقق شيء من هذه الأهداف على هذا النحو؟!

أليس من مثل هذا الوهم – أو هذا السلوك الخاطئ – حذرنا الله – جل وعلا – بذكر حال بني إسرائيل لكي لا نقع فيه:

( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ([122]).

أم إنَّ هذا تكليـف يقع على عاتق بني إسرائيـل وحدهم بينمـا تعفى منه “الأمة المسلمة”؟!

لدرء هذا الوهم قال حذيفة رضي الله عنه: نِعْمَ الْأُخْوَةُ لَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِنْ كَانَ لَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ وَلَهُمْ كُلُّ مُرَّةٍ ([123])!!

لا جرم أن يصبـح “المجتمع” الذي تنتشر فيه هذه الأفكار الفاسدة عن “الإيمان” وعن “مقتضيات “لا إله إلا الله”“ هو الغثـاء الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذرا محذرا: “يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا”. قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: “ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ.. “! ([124])

وتتداعى الأمم بالفعل على ذلك الغثاء، وهو قانع بالتَّصْدِيق والإقرار، توهما منه أنه بذلك حائز على الإيمان!!

أما المجتمع المسلم – أي الذي يحكم بشريعة الله – فتحدث منه المعاصي ما قدر الله لها أن تحدث، ولكن يبقى في جميع الأحوال عملان اثنان على أقل تقدير لا يكف عنهما أي إنسان ليظل يعامل في المجتمع المسلم على أنه مسلم، وحسابه على الله، ولكي ينجو من العقاب الماحق في الحياة الدنيا، هما الصلاة والتحاكم إلى شريعة الله، وهما العملان اللذان ظلا ثلاثة عشر قرنا من بديهيات عمل المسلم في المجتمع الإسلامي – ولو كان في دخيلة نفسه كافرا منافقا -؛ رغم كل الانحراف الذي وقع فيه المسلمون خلال الأجيال، ورغم كل التفلت الذي تفلتوه من تكاليف الإسلام.. ولم يتخل الناس عنهما جهارا نهارا إلا في القرن الأخير..

*     *     *

إذا تبين أنه من المستحيل أن يتخلى الإنسان عن كل “مقتضيات “لا إله إلا الله”“، ثم يظل مؤمنا بلا إله إلا الله.. مستحيل بالنسبة للأهداف التي من أجلها أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتاب، ومستحيل بالنسبة لواقع المجتمع المسلم الذي يحكم بشريعة الله، ومستحيل بالنسبة لواقع النفس البشرية، فإلى أي شيء استند الذين يقولون: إنَّ التصديق والإقرار هما كل متطلبات الإيمان، وإنَّ الأعمال – إن قام بها الإنسان بعد ذلك – فهي رفعة في الدَّرَجَاتِ، وإن لم يقم بها فلا بأس على إيمانه، الذي يتحقق كاملا بمجرد التصديق والإقرار؟!

لا شك أنها قولة المرجئة ومن لفّ لفّهم.. وأبسط مراجعة لتاريخ الفرق تدلنا على المصدر الذي جاءت منه هذه القولة الغريبة على روح الإسلام. وإن كان الحق أن المرجئة القدامى – على كل ما أحدثـوه من انحراف في فهم الإسلام – لم يتطرقوا قط – ولم يصلوا قط – إلى إسقاط الصَّلاة أو التَّحاكم إلى شريعة الله كما أسقطها المرجئة المحدثون، لأنَّه لم يكن يدور بخلد أحد خلال القرون الثلاثة عشر الأولى أن هناك إنسانًا واحدًا في الأرض الإسلامية يمكن أن يسمى مسلمًا في الحياة الدُّنْيَا، ويظل على قيد الحياة، وهو يهمل الصَّلاة ثلاثة أيام متوالية، أو يتحاكم إلى غير شريعة الله..

ولكن المرجئة القدامى – مع ذلك – هم الذين وضعوا البذور السامة التي التقطها المرجئة المحدثون، واستنبتوا منها إسلاما جديدا لم يتنزل به كتاب ولم يُرْسَلْ به رسول.. إسلاما بلا تكاليف! أو قل: إسلام بلا إسلام!!

إلى أي شيء استند المرجئة – القدامى أو المحدثون سواء – في أنَّ كل المطلوب لإثبات الإيمان هو الإقرار اللساني بالنسبة للحياة الدنيا، والتصديق والإقرار بالنسبة للحياة الأخرى؟!

أول ما استندوا إليه هو المدلول اللغوي للإيمان، فقالوا: هو التصديق. ثُمَّ قالوا: إنَّ عمـل الصَّالحات يرد في الآيات القرآنية معطوفا على الإيمان: “الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ” والواو تقتضي المغايرة، وإذن فالإيمان شيء وعمل الصَّالحات شيء آخر، ليس من جنسه وليس داخلًا فيه.

فأمَّا الاستدلال بالمدلول اللغوي فهو مغالطة مكشوفة!

فالمدلول الاصطلاحي – الذي اتخذته ألفاظ معينة في القرآن كالإيمان، والصَّلاة، والزكاة – يدخل في عموم المعنى اللغوي، ولكنه يكتسب باستخدام الإسلام له معنى خاصا وصفة خاصة، لا يصلح أن يحتج فيها بالمعنى اللغوي.

فالصلاة لغةً هي الدعاء. ولكن هل يمكن أن نقول عن الصلاة – بمعناها الخاص في المصطلح الإسلامي – إنها مجرد الدعاء، بحيث يغني الدعاء – في أي صورة – عن الصلاة بركوعها وسجودها، وما تشتمل عليه من التلاوة، وما لها من الضَّوابط من وجوب الطهارة قبلها ووجوب أدائها في أوقاتها.. الخ.. الخ؟!

كذلك الإيمان.. هو في اللغة التَّصديق. ولكنه – بمعناه الاصطلاحي الإسلامي – صورة معينة من التصديق ذات مقتضيات معينة، من عملٍ قلبيّ كالحب والخشوع والإخبات والخضوع والإذعان، ووجوب الرجوع إلى الله عند الحكم على أي أمر من الأمور، أو موقف من المواقف، أو تصرف من التصرفات، بأنه حلال أو حرام أو مباح أو مكروه أو مندوب، وعمل بالجوارح يشمل أداء الشعائر التعبدية، والالتزام بأخلاقيات “لا إله إلا الله” في السلوك العملي، والخضوع العملي لأحكام الشريعة فيما يشجر في حياة الناس في كل لحظة من لحظات حياتهم:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) ([125]).

( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ([126]).

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.. ) ([127]).

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ([128]).

تلك كلها من مقتضيات “التَّصديق” بمعناه الاصطلاحي الخاص الذي يعبر عنه القرآن بالإيمان، والتي لا يحتج فيها بالمدلول اللغوي، كما لا يحتج به في معنى الصلاة ومعنى الزكاة وغيرها من المصطلحات الإسلامية، التي حددت الاستعمال اللغوي، وألحقت به مقتضيات معينة لا يحملها المعنى اللغوي بالضَّرورة. وأما الاحتجاج بورود عمل الصالحات في التعبير القرآني معطوفا على الإيمان، والاستدلال من ذلك على أنَّ العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان لأنَّ “الواو” تقتضي المغايرة، إذ أنَّ الشَّيْءَ لا يعطف على نفسه.. فهو لا يقل تهافتا ولا مغالطة عن الاحتجاج الأول!

يقول سبحانه وتعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) ([129]) ومعلوم أن جبريل وميكال هما من الملائكة المذكورين من قبل، ولم يمنع ذلك من عطف جبريل وميكال على الملائكة، لأنَّ عطف الجُزْءِ على الكُلِّ، أو عطف الخاص على العام جائز ومعروف في اللغة التي نزل بها القرآن لمعانٍ بلاغية معروفة.

ويقول سبحانه وتعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) ([130]).

فالتَسبيح المقدم في اللفظ، هو من مقتضيات الإيمان، أو من الأعمال المقترنة به، ولم يمنع ذلك من عطف الإيمان عليه، لأنَّ عطف الكُلِّ المؤخر على الجزء المقدم جائز ومعروف في اللغة لمعانٍ بلاغية.. ولا يقتضي شيء من ذلك المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، لا في المثال الأول ولا المثال الثاني، بل هما مقترنان اقتران الاحتواء: احتواء أحدهما على الآخر، أو اقتران العموم بالخصوص.

كما أن الاستدلال بالعطف الوارد في الآيات القرآنية بين الإيمان وعمل الصالحات على استقلال كل منهما عن الآخر وعدم دخوله في مسماه ولا في معناه ساقط من جهة أخرى بالآيات التي ورد فيها ذكر الإيمان مقترنا بعمل الصالحات لا معطوفا عليه.

(وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) ([131]) فجملة الحال هنا “قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ” لا تحتمل إلا أحد معنيين: إما أن يكون عمل الصالحات هو مقتضى الإيمان ومضمونه، بمعنى أنه من كان مؤمنا فحاله أنه يكون قد عَمِلَ الصَّالِحَاتِ. وإما أن يكون عمل الصالحات – مع الإيمان – هما شرط دخول الجنة. وفي الحالين يكون الإيمان وعمل الصالحات مقترنين في المبدإ أو المصير أو في كليهما جميعا.

فإنْ قيل: إنَّ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ شرط للوصول إلى “الدَّرَجَاتُ الْعُلَى” وحدها لا مجرد دخول الجنة، وإنَّ دخول الجنة لا يشترط له إلا التصديق والإقرار فحسب، فالآية الواردة في سورة النساء تدحض ذلك:

( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) ([132]).

فهنا تقدم ذكر العمل الصالح وجاء القيد – أو الشرط – في جملة الحال “وَهُوَ مُؤْمِنٌ” وكان المصير هو دخول الجنة لا درجاتها العليا!

كذلك قوله تعالى: ( وَيُبَشِّـرَ الْمُؤْمِنِيـنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَـاتِ أَنَّ لَهُـمْ أَجْراً حَسَناً ) ([133]).

فلا يخرج المعنى عن أن يكون أن عمل الصالحات هو شأن المؤمنين، أو أن يكون عمل الصالحات شرطا مع الإيمان لنيل الأجر الحسن.

والآيات كلها ذات دلالة واضحة تدحض كل ما قاله المرجئة في شأن انفصال الإيمان عن العمل، واعتبار الإيمان المقبول عند الله، المستوجب لدخول الجنة هو التصديق والإقرار فحسب!

*     *     *

احتج المرجئة كذلك بالمعصية..

فالمعصية في عمل الجوارح لا تخرج من الإيمان كما اتفق علماء الإسلام. فلا بد إذن أن يكون الإيمان شيئا قائما بذاته، غير مرتبط بالعمل، وإلا لزالت صفة الإيمان عمن يرتكب المعصية ولم يعد مؤمنا..

والاحتجاج بالمعصية على هذه الصورة فيه – ككل حججهم – مغالطة مكشوفة!

فالمعصية حقا لا تخرج من الإيمان. ولكنها بالتأكيد تؤثر فيه!

وتأثير المعصية في حال الإنسان حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد، لأنها ملحوظة مشهودة معهودة. ولكن يكفينا هذا التقرير من رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بحقيقة الإيمان، وحقيقة القلب البشري، وحقيقة ما يحدث من أثر المعصية فيه.

“ إنَّ الْعَبْدَ إِذَا أخْطَأ خَطِيئَةً، نَكَتَتْ فِي قَلْبهِ نُكْتَةٌ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَر وَتَابَ، صُقِلَتْ، فَإنْ هُوَ عَادَ، زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ فَهُوَ “الرَّانُ” الَّذِي ذَكَرَ الله: “كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ” ([134]).

والقلب هو محـل الإيمان.. فكيف يستوي القلب الأسود مـع القلب الأبيض في الإيمان؟!

إنما يتأثر الإيمان بالطاعة والمعصية فيزيد وينقص، ولا يتصور بحال أن يكون حاله في الزيادة كحاله في النقصان.

ومع ذلك فينبغي – كما أشرنا من قبل – أن نضع حدودا للمعصية لا تتعداها مهما اتسع نطاقها، وهي حدود لا نضعها من عند أنفسنا، إنما هي مستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم.

فالمعصية غير الاستحلال. والاستحلال يخرج من الإيمان ولو لم يقترف الإنسان العمل المنهي عنه.

والمعصية لا يدخل فيها ما ينقض أصل الإيمان. والتشريع بغير ما أنزل الله – أي التحليل والتحريم من دون الله – من نواقض الإيمان.

والمعصية لا يمكن أن تشمل كل مقتضيات “لا إله إلا الله” في الآن الواحد، أو في الشخص الواحد. ومن لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام في حياته كلها يستحيل أن يكون في قلبه ذرة من الإيمان!!

*     *     *

واحتجوا بأنه لم يكن يطلب من الناس للدخول في الإسلام إلا النطق بالشهادتين. فمن نطق بالشهادتين اعتبر لتوه مسلما، وأجريت عليه الأحكام الظاهرة في الحياة الدنيا، وحسابه على الله في الآخرة.

وتلك من أكبر مزالق الفهم في شأن مقتضيات “لا إله إلا الله”! لأنها في ذاتها حقيقة، ولكن دلالتها ليست على النحو الذي يذهبون إليه.. وإليك الدليل!

حقيقة إنه من كان يجيء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله – أو ما في معناها – كان يعتبر لتوه مسلما، ويدخل في عداد المجتمع المسلم، ولو قالها نفاقا.

ولكن الاستدلال بهذا على أن نطق “لا إله إلا الله” باللسان – وحده – هو الذي أعطى صفة الإسلام في الحياة الدنيا، وأنه لا يُطْلَبُ من الإنسان غيره ليصبح مسلما في الحياة الدنيا وحسابه على الله في الآخرة هو استدلال مردود!

والذي يحسم في هذا الأمر هو الردة.. فالمرتد الذي ما يزال ينطق بلسانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكنه أنكر شيئا من مقتضيات “لا إله إلا الله”، فأنكر الصَّلاة أو الصِّيام أو الزَّكَاة أو الحج، أو تحاكم مريدًا راضيًا إلى غير شريعة الله، عقوبته في الحياة الدنيا هي القتل، وعقوبته في الآخرة الخلود في النار ( ما لم يتب ).. فهل يتصور من عدل الله سبحانه، أن يأمر بقتل إنسان في الحياة الدنيا، وأن يدخله النار خالدا فيها في الآخرة على أمر لم يطلبه منه ولم يلزمه به ولم يُعْلِمْهُ به؟!

إذا أخذنا ظاهر الحال – الذي يستدل به المرجئة ومن لفّ لفّهم – فإنه لم يُطْلَبْ من ذلك الإنسان إلا أن يقول بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله.

ولكن لا تستقيم عقوبة المرتد في الدنيا والآخرة وهو ما يزال ينطق بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا يستقيم تصور عدل الله – سبحانه وتعالى – في الدنيا والآخرة، إلا أن يكون هذا النطق باللسان قد تضمن مقتضى معينا، علمه الناطق، وعلم أنه مُلْزَمٌ به، فلما نكل عنه – مع أنه ما يزال ينطق الألفاظ بلسانه – حكم عليه بالقتل في الحياة الدنيا، والخلود في النار في الآخرة.

هل يمكن أن يكون الأمر غير ذلك؟

أعني هل يمكن أن يكون كل المطلوب هو أن ينطق بلسانه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، بغير مقتضىً متضمنٍ في هذا النطق، وملزمٍ للناطق به، ثم يعاقب هذا العقاب الشديد، وهو ما يزال قائما بما طلب منه؟!

كلا! لا يستقيم الأمر إلا على أساس واحد.. هو أنه حين طلب منه أن يقول بلسانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قد طلب منه ضمنا أن يلتزم بمقتضى الشهادتين، وهو الالتزام بما جاء من عند الله، والتحاكم إلى شريعة الله.

فإذا قال قائل: لو كان هذا الالتزام مطلوبا لاكتساب صفة الإسلام لنص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم نَصَّاً، كما نص على ضرورة النطق بلا إله إلا الله.. ولكنا لا نجد شواهد على ذلك..

فنقول: صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينص على هذا الأمر. فلم يقل لمن جاءه يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله: وتتعهد أيضا أن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، وتتعهد كذلك بالتحاكم إلى شريعـة الله وعدم التحاكم إلى شرائع الجاهليـة ( وهذا كله هو المقتضى المرتبط بلا إله إلا الله ).

بل قال صلى الله عليه وسلم: “ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ “ ([135]).

نعم، لم ينص – عليه الصلاة والسلام – إلا على النطق، ولم ينص على المقتضى المتضمن في النطق إلا في مرحلة التعليم. فقد قال لمعاذ – رضي الله عنه – وهو يبعثه إلى أهل اليمن:

“إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ..”([136]).

فلما تم التعليم أصبح هذا الأمر “من المعلوم من الدين بالضرورة” كما يقول علماء هذا الدين.

أي أصبح من المعلوم عند من ينطق بلا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أنه مطلوب منه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. وأصبح من المعلوم عنده أن الله قد أنزل أحكاما وفرضها على من يعتنق هذا الدين، وأن هذه الأحكام هي التي يجري العمل بها في المجتمع الإسلامي وما سواها باطل. وبناء على هذا العلم، أصبـح من نكـل عن مقتضى “لا إله إلا الله” يعاقب هذا العقاب الشديد في الدنيـا والآخرة: ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) ([137]).

وهناك أمر آخر مستمد من واقع المجتمع الإسلامي له نفس القوة في شأن الالتزام بمقتضيات “لا إله إلا الله”. فقد كان للإسلام منذ وجد المجتمع الإسلامي كيان قائم بالفعل، له صورة واقعة، معلومة وذائعة، لا مفترضة افتراضا ولا متخيلة خيالا. فمعلوم سلفا عند كل من جاء يقول لا إله إلا الله أن “المسلم” يصلي صلوات معينة في اليوم والليلة، ويصوم صياما معينا كل سنة، ويؤدي زكاة أمواله، ويحج إلى بيت الله الحرام إن استطاع، ويتقيد بأحكام معينة منزلة من عند الله حدد فيها للمسلمين الحلال والحرام. ومعلوم عنده سلفا أن المسلم ملتزم بهذا كله، وأن هذا هو مقتضى كونه مسلما، وأنَّه إنْ نكل عن شَيْءٍ من ذلك فهو مرتد يوقع عليه حد الرِّدَّة. فلا يعقل أن يجيء لينطق بالشهادتين وهو يعتزم في دخيلة نفسه أن يعرض نفسه للقتل من قبل سلطان الشريعة القائم في الأرض بالفعل! إنما المنطقي والمعقول، أن يكون – وقد جاء ينطق بالشهادتين – قد اعتزم الالتزام بسلطان الشريعة القائم وعدم الخروج عليه.

ولا ينفي هذا بطبيعة الحال أن يكون جاهلًا بكثير من الأحكام الفرعية. فكثير منها لا يعلمه إلا المتفقهون في أمر الدين ولكن الذي لا يمكن أن يجهله هو مبدأ الالتزام بما جاء من عند الله، وأنَّ هذا الالتزام – على الجملة – هو مقتضى نطقه بلا إله إلا الله.

من أجل هذا كان يطلب ممن جاء يدخل في الإسلام أن ينطق بالشهادتين، ولا يطلب منه أن يقر بالصلاة والصيام والزكاة والحج، ويقر بالالتزام بأحكام شرع الله، لأنَّ هذا كله صار “من المعلوم من الدين بالضَّرورة” بعد أن انتهت فترة التعليم في مبدإ الإسلام. وأصبح الذي ينطق بلسانه “لا إله إلا الله محمد رسول الله” ثم ينكل عن شيءٍ من مقتضياتها يوقع عليه حد الردة في الحياة الدنيا، ويخلد في النار في الآخرة، بالتزام واضح لا لبس فيه.

ولم يكن هذا الالتزام بمقتضيات “لا إله إلا الله” في المجتمع المسلم شأن المؤمن بهذا الدين وحده كما يتوهم بعض الناس، بل هو شأن كل إنسان ينطق بلا إله إلا الله ولو كان كافرًا منافقًا ممن هم في الدرك الأسفل من النار! فإنَّ المنافق – الذي قد يُعرف في لحن القول وقد يعرف من فتوره في أداء الصَّلاة أو غير ذلك من العلامات – لا يحتفظ بحياته في المجتمع المسلم، ولا تجري عليه أحكام الإسلام، إلا بنطقه بلا إله إلا الله، والتزامه بالتحاكم إلى شريعة الله، والتزامه – على أقل تقدير – بإقامة الصلاة.

إنما يفترق المؤمن عن المنافق لا بالالتزام بأحكام الله وأداء الصلاة – على أقل تقدير -؛ فهذا هو الحد الذي يستوي فيه الناس جميعا ليحصلوا على صفة الإسلام وليحافظوا على أنفسهم من توقيع حد الردة عليهم في المجتمع المسلم.. إنما الفارق أن المؤمن يصنع ذلك كله إيمانا وتصديقا وطاعة وقربى إلى الله بينما يفعل المنافق ذلك كله نفاقًا، وحرصا على الحياة!

أي أن مظهرية الإسلام ذاتها في المجتمع المسلم – أي الذي يتحاكم إلى شريعة الله – لا تنال إلا بنطق الشهادتين والالتزام بمقتضاهما، وأداء الصلاة على أقل تقدير. وهي الأمور التي ظل الناس متعارفين عليها، وملتزمين بها – مؤمنهم ومنافقهم سواء – طيلة ثلاثة عشر قرنا من تاريخ الإسلام!

*     *     *

يحتجون كذلك بحادثة أسامة بن زيد حين قتل رجلا قال لا إله إلا الله بعد أن علاه أسامة بالسيف، وأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غضب منه غضبًا شديدًا وعاتبه عتابا قاسيا، وظل يكرر عليه: قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟! ولم يقبل منه اعتذاره بأنَّ الرجل قالها متعوِّذَاً – أي من السيف -، يعني لم يكن مؤمنا بها. وقال له: “قَالَ: لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ قَتَلْتَهُ فَهَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا مِنَ السِّلاَحِ؟!”.

والحجة في هذه الحادثة لا توصل إلى ما يستدلون به.

إن لا إله إلا الله ترفع السيف قطعًا. أي تمنع قتل من نطق بها. ولكن هل تعطيه صفة الإسلام؟! هنا موضع اللبس في الاستدلال بحادثة أسامة.

فحكم الله في القضية أنَّه من قال لا إله إلا الله ولو كان متعوِّذَاً لا يجوز قتله. ولكن إذا لم يلتزم بأحكام الإسلام فهل يظل يعامل على أنه مسلم؟!

يعني جاء وقت أول صلاة بعد قوله لا إله إلا الله فلم يَقُمْ للصلاة، وأبى، فما حكمه؟ حكمه أنَّه مرتد يوقع عليه حد الردة!

فنطق لا إله إلا الله قد رفع عنه السيف، نعم، ولكنه وضعه موضع المراقبة للتبين. فإن تبين أنه التزم بمقتضيات “لا إله إلا الله” – ولو كان منافقا – فهو مسلم في الحياة الدُّنْيَا وحسابه على الله في الآخرة،  وإلا احتسبت عليه قولته، ووقع عليه حد الردة لنكوله عن مقتضيات “لا إله إلا الله” التي نطقها بلسانه!

وفي جميع الأحوال يكون ثبات صفة الإسلام لأي إنسان في الحياة الدنيا موكولا بالالتزام بمقتضيات “لا إله إلا الله” بعد نطقه بالشهادتين، سواء كان مؤمنا حقا أم كان من المنافقين.

ثم تحدث المعاصي في المجتمع المسلم، وتمتد وتمتد، ولكنها تقف عن نقطتين أساسيتين لا تتعداهما بحال: التحاكم إلى شريعة الله، وإقامة الصلاة.

*     *     *

ويحتجون بحادثة الجارية التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَيْنَ اللهُ؟” فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: “مَنْ أَنَا؟” قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: “أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ”. ويقولون: لو كان المطلوب لإثبات الإيمان شيئا آخر وراء النطق بالشهادتين ما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة الإيمان بمجرد النطق ( أو ما يدل عليه ).

وتلك من أكبر القضايا التي أثارها المرجئة – قدماؤهم ومحدثوهم – ليثبتوا أن كل المطلوب في الحياة الدنيا هو النطق بالشهادتيـن، وكل المطلوب للآخرة هو الإقرار والتصديق.

ومن قديم رد العلماء عليهم استدلالهم ورفضوه..

وسواء أخذنا بقول الإمام الشاطبي – رحمه الله – أن قضايا الأعيان لا تنقض النص، لأن النص أقوى دلالة منها وأوثق، أي أنها صحيحة في ذاتها ولكن لا يقاس عليها ([138]).

أو أخذنا بقول الإمام ابن تيمية – رحمه الله – أن نطق الشهادتين كافٍ لإجراء الأحكام في الحياة الدنيا – والعتق من بينها – ولكنه ليس دليلا على الإيمان ([139]).

سواء أخذنا بهذا القول أو ذاك، فالقضية الأصلية ما تزال واحدة. فالذي ينطق بلا إله إلا الله يفترض فيه أنه ملتزم بمقتضيات “لا إله إلا الله”، ولا يفترض فيه ابتداء غير ذلك، لأن هذا الالتزام هو من المعلوم من الدين بالضرورة، وبهذا الالتزام المفترض يأخذ صفـة الإسلام، أي بالمقتضى المتضمن في النطق لا بالنطق وحده. فإن نكل عن المقتضى وإن كان ما يزال مستمرا في النطق فهو مرتد عن الإسلام، لا ينجيه من توقيع حد الردة عليه في المجتمع المسلم أن يقول: لم أكن أعلم! ولم يحدث مرة واحدة في تاريخ الإسلام خلال الثلاثة عشر قرنا التي كانت تطبق فيها شريعة الإسلام أن أحدًا من الناس قال: لم أكن أعلم أن للإسلام مقتضيات!! وإن جهل أحكام الفروع كلها واحتاج إلى السؤال عنها ليتعلمها!!

*     *     *

ويحتجون أخيرًا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ” وقال عليه الصلاة والسلام: “ مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ “ أو ما في هذه المعاني.

وليس من الضروري أن نقول في شأن هذه الأحاديث إنها قيلت في مكة قبل نزول التكاليف وإنها نسخت في المدينة بعد نزولها كما يقول بعض العلماء.

يقول الحافظ المنذري: “وَقد ذهب طوائف من أساطين أهل الْعلم إِلَى أَن مثل هَذِه الإطلاقات الَّتِي وَردت فِيمَن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة أَو حرم الله عَلَيْهِ النَّار وَنَحْو ذَلِك إِنَّمَا كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين كَانَت الدعْوَة إِلَى مُجَرّد الْإِقْرَار بِالتَّوْحِيدِ فَلَمَّا فرضت الْفَرَائِض وحدت الْحُدُود نسخ ذَلِك والدَّلائل على هَذَا كَثِيرَة متظاهرة، وَإِلَى هَذَا القَوْل ذهب الضَّحَّاك وَالزهْرِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيرهم وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى لَا احْتِيَاج إِلَى ادِّعَاء النّسخ فِي ذَلِك فَإِن كل مَا هُوَ من أَرْكَان الدّين وفرائض الْإِسْلَام هُوَ من لَوَازِم الْإِقْرَار بِالشَّهَادَتَيْنِ وتتماته فَإِذا أقرّ ثمَّ امْتنع عَن شَيْء من الْفَرَائِض جحدا أَو تهاونا على تَفْصِيل الْخلاف فِيهِ حكمنَا عَلَيْهِ بالْكفْر وَعدم دُخُول الْجنَّة” ([140])

ويقول ابن القيم: “وَلَيْسَ التَّوْحِيدُ مُجَرَّدَ إِقْرَارِ الْعَبْدِ بِأَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ، كَمَا كَانَ عُبَّادُ الْأَصْنَامِ مُقِرِّينَ بِذَلِكَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ، بَلِ التَّوْحِيدُ يَتَضَمَّنُ – مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ، وَالذُّلِّ لَهُ، وَكَمَالِ الِانْقِيَادِ لِطَاعَتِهِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَإِرَادَةِ وَجْهِهِ الْأَعْلَى بِجَمِيعِ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَالْمَنْعِ، وَالْعَطَاءِ، وَالْحُبِّ، وَالْبُغْضِ – مَا يَحُولُ بَيْنَ صَاحِبِهِ وَبَيْنَ الْأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْمَعَاصِي، وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، وَمَنْ عَرَفَ هَذَا عَرَفَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» وَقَوْلَهُ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشْكَلَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى ظَنَّهَا بَعْضُهُمْ مَنْسُوخَةً، وَظَنَّهَا بَعْضُهُمْ قِيلَتْ قَبْلَ وُرُودِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَاسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ، وَحَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى نَارِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ، وَأَوَّلَ بَعْضُهُمُ الدُّخُولَ بِالْخُلُودِ، وَقَالَ: الْمَعْنَى لَا يَدْخُلُهَا خَالِدًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَكْرَهَةِ. وَالشَّارِعُ – صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ – لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حَاصِلًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِ اللِّسَانِ فَقَطْ، فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَهُمْ تَحْتَ الْجَاحِدِينَ لَهَا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَوْلِ الْقَلْبِ، وَقَوْلِ اللِّسَانِ، وَقَوْلُ الْقَلْبِ يَتَضَمَّنُ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، وَالتَّصْدِيقِ بِهَا، وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ مَا تَضَمَّنَتْهُ – مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَنْفِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، الَّتِي يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُهَا لِغَيْرِهِ، وَقِيَامُ هَذَا الْمَعْنَى بِالْقَلْبِ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَيَقِينًا، وَحَالًا – مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ قَائِلِهَا عَلَى النَّارِ.. وَتَأَمَّلْ مَا قَامَ بِقَلْبِ قَاتِلِ الْمِائَةِ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ الَّتِي لَمْ تَشْغَلْهُ عِنْدَ السِّيَاقِ عَنِ السَّيْرِ إِلَى الْقَرْيَةِ، وَحَمَلَتْهُ – وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ – عَلَى أَنْ جَعَلَ يَنُوءُ بِصَدْرِهِ، وَيُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، فَهَذَا أَمْرٌ آخَرُ، وَإِيمَانٌ آخَرُ، وَلَا جَرَمَ أَنْ أُلْحِقَ بِالْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، وَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا “ ([141])

ونقول بعد ذلك: إنه لا حرج على فضل الله. فإن شاء – سبحانه وتعالى – أن يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من خير.. أو إن أخرج – بفضله – من النار قومًا لم يفعلوا خيرًا قط.. فهذا شأنه سبحانه، وهذا فضله، وتلك رحمته..

ولكن يبقى بعد ذلك أمر ينبغي النَّظر فيه..

فهذا المصير الذي يصير إليه فئة من الناس – بعد أن يذوقوا العذاب على معاصيهم وآثامهم، وبعد أن يقضي الله في حق العباد، فيدخل الجنة – بفضله – من يستحقها من العاملين بمقتضيات “لا إله إلا الله”، وبعد أن يشفع الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يشفع من عباد الله.. هذا المصير الذي يصير إليه هؤلاء، فينجون – بفضل الله ورحمته – من الخلود في النار بعد أن يمكثوا فيها ما شاء الله لهم أن يمكثوا.. هل ينبغي أن يكون هو غاية السعي التي يسعى الإنسان إليها، ويحدد جهده من أول لحظة على مقاسه؟!

نضرب مثلا للتقريب.. ولله المثل الأعلى.

تشكل لجان في الاختبارات تسمـى “لجان الرأفة” تنظر في شأن الراسبين في الاختبار، فتحاول أن تستنقذ من الرسوب من تجد مسوغا لاستنقاذه. ثم تظل تراجع وتراجع حتى تنتهي في النهاية إلى التعطف على من تجد أدنى مبرر لإخراجه من قائمة الرسوب.

فلو أن الطلاب قالوا لأنفسهم من مبدإ الطريق: هناك لجان الرأفة سترأف بحالنا وتمنحنا النجاح على أدنى جهـد نقوم به، بل إنها قد تمنحـه لقوم لم يبذلوا جهدا على الإطلاق.. فهل يكون لعملية التعليم كلها قيمة؟ وهل تؤدي أي هدف من أهدافها؟ وهل يكون للاختبار ذاته أي مهمة يؤديها؟!

إنما تبقى هذه اللجان تقـوم بعملها، فتستنقذ فريقـا من الضعفاء حقا، الذين حاولـوا – بصدق – ولكن لم يحصلوا، فتكافئهم على صدق النية وصدق المحاولة رغم ضعف الحصيلة. ولكنها حين تجد الأقوياء القادرين – الذين تعـرف منهم قوتهم وقدرتهم – قد تواكلوا، وبددوا في اللهو والعبث طاقتهم التي كان يمكـن أن يصرفوها في التحصيل والدرس، استهانة منهم بالتبعة، واستخفافا بالاختبار، واعتمادا على أن لجان الرأفة ستنجحهم مهما تكن نتيجة عملهم.. فهل تقوم لجان الرأفة عندئذ بإنقاذهم؟!

مرة أخرى نقول: لا حرج على فضل الله.. وسعت رحمته كل شيء سبحانه.. ندعوه أن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا، ويرحم ضعفنا، ويقيل عثرتنا، ويسدد خطانا.

ولكنا نحسب أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قد قصد به ألا ييأس أحد من رحمة الله، ولم يقصد به أن يفصّل منه المرجئة إسلاما بلا تكاليف، ثم يزعموا أن هذا ما أراده الله بهذا الدِّين! ودليلنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأله معاذ رضي الله عنه: أَفَلاَ أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: «لاَ تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا» “ ([142]).

ثُمَّ إنَّه إن سامح الله أولئك المذنبين في الآخرة بعد أن يذوقوا العذاب على ما اقترفوا من الذُّنُوبِ، فلم يخلدهم في النار، إنما شملهم برحمته الواسعة فأنقذهم من الخلود فيها وأدخلهم الجنة.. فهل يصلح أمر هذا الدين في الحياة الدنيا حين يصبح أهله – كلهم أو غالبيتهم – من الساقطين الذين يتهافتون في النار، حتى تنقذهم رحمة ربهم من الخلود فيها؟!

إن الواقع الذي نعيشه اليوم خير شاهد في هذه القضية. فالذل والهوان والضعف، وغلبة الأعداء الذين لا يرقبون في المسلمين إلاًّ ولا ذمة، وعدوانهم المستمر على كراماتهم ودمائهم وأعراضهم وأموالهم، هو الحال حين يكون الناس غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ.. وهم لا يكونون كذلك إلا حين يكون إسلامهم هو إسلام التصديق والإقرار، بلا عمل يعمل من مقتضيات التصديق والإقرار.. فهل يقبل الله من عباده أن يضيعوا دينه، وينكلوا عن المهمة التي أخرجهم من أجلها، ثم يكون هذا هو الأصل الذي يفصَّل الدين كله على مقاسه؟!

إن المجتمع القوي الإيمان، الراسخ القدم في العمل بمقتضيات “لا إله إلا الله”، يستطيع أن يحمل في تياره ضعاف الإيمان، والكسالى والمتباطئين والمتثاقلين، ويمضي في طريقه يحقق أهدافه. ولكن حين يصبح كله – أو حتى غالبيته – من ضعاف الإيمان والكسالى والمتباطئين والمتثاقلين، فهل يقدر على شيء، وهل يصل إلى شيء؟!

تستطيع الشجرة القوية أن تحمل بعض الأوراق الذابلة المصفرة، بل بعض الأغصان المتهاوية كذلك، ثم تؤتي ثمارها لا تضيرها تلك الوريقات ولا الأغصان. ولكن حين تطالب كل ورقة في الشجرة بحقها في أن تكون ذابلة مصفرة، وأن يحتسب لها مع ذلك حقها في الوجود على هذه الصورة ما دامت لم تسقط من الشجرة بعد، فهل لهذه الشجرة من مصير إلا الفناء والموت؟!

فإذا كان الله – من رحمته بعباده – يتقبل أولئك الضعفاء، بعد أن يطهرهم من أرجاسهم بالمكوث في نار جهنم ما شاء الله أن يمكثوا، فهل يجوز لنا أن نقول: إن هذا هو المطلوب من المؤمنين ولا زيادة، ومن قال إنَّهم مكلفون بأكثر من ذلك فهو متزيد على دين الله؟!

مرة ثالثة نقول: لا حرج على فضل الله، يدخل في رحمته من يشاء. ولكن الله هو الذي أنزل هذه التكاليف وفرضها على المؤمنين. وهو الذي قال: إن دخول الجنة لا يكون بالتمني مع القعود:

( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) ([143]).

ثم يتفضل الله من بعد ذلك على من يشاء من عباده بغير حدود!

*     *     *

على أن أهم ما يهمنا في شأن هذه الأحاديث هو ما وصّلها إليه المرجئة المحدثون!

لقد كان المرجئة القدامى على كلِّ ما حرفوا في مفهوم لا إله إلا الله، قد وقفوا – كما أسلفنا – عند نقطتين اثنتين، لا يتجاوزونهما في كل ما يخرجونه من “العمل” من مقتضى الإيمان: الصَّلاة والتَّحاكم إلى شريعة الله، وإن كانوا – نظريا – يقولون: إن العمل كله خارج من مقتضى الإيمان، إلا أنهم حين يتكلمون في الفقه – وكثير منهم كانوا فقهاء – يعرفون جيدًا أن هناك أعمالًا لا بد من أن يحافظ عليها الإنسان لكي تظل له صفة الإسلام في المجتمع المسلم، أهمها الصَّلاة والتَّحاكم إلى شريعة الله.

أما المرجئة المحدثون فلم يقفوا عند حد..

لقد ولدوا في مجتمع لا يحكم بشريعة الله.. وفي مجتمع لا تُؤَدَّى فيه الصلاة – ولا غيرها من العبادات -، ثم تناولوا الجرعة المسمومة من الفكر الإرجائي، فمدوا فكرهم حتى شملوا به كل شيء من مقتضيات “لا إله إلا الله”، فقالوا: من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام.. فتجاوزوا الحاجزين الأخيرين اللذين كان المرجئون القدامى قد وقفوا عندهما: حاجز الصلاة وحاجز الشريعة.. فوصفوا المجتمعات التي لا تحكم بما أنزل الله بأنها مجتمعات إسلامية، ووصفوا الناس – كل الناس – بأنهم مسلمون، ما داموا يقولون بأفواههم لا إله إلا الله محمد رسول الله!

ونحب أوَّلًا أن نرجع إلى الحديث الذي يستندون إليه: “مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ”.

أسلفنا القول أننا لا نحتاج أن نقول إنَّه نُسِخَ بنزول التكاليف في المدينة. ولكنا نقول فقط إنه خصص بأحاديث أخرى من قول الرسول صلى الله عليه وسلم فاشترط فيها البراءة من الشرك.

يقول عليه الصلاة والسلام: “مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ” ([144]).

وقال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ” ([145]).

وبالمقابلة والجمع بين الحديثين يتحدد لنا في شأن لا إله إلا الله أن البراءة من الشرك هي شرط قبولها عند الله في الآخرة. وقد حدد الله ذلك تحديدا قاطعا في كتابه المنزل:

( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) ([146]).

والشرك أنواع.. يتحدث الخطباء والوعاظ عن بعضها – الذي لا يُغْضِب ذوي السلطان – ويهملون الحديث عن بعضها الآخر!

فالتوجه لغير الله بشيءٍ من ألوان العبادة كالدُّعاء أو الاستعانة أو الاستغاثة أو النذر أو الذبح.. شرك لا شك فيه. وما أكثر ما يتكلم الخطباء في هذا اللون من الشرك!

والظن بأنَّ مع الله من يرزق أو يضر أو ينفع.. شرك لا شك فيه.. وما أكثر ما يتكلم فيه الخطباء!

والتشريع – أي التحليل والتحريم – بغير ما أنزل الله، والرضى بذلك التشريع، شرك لا شك فيه. ولكن الناس في قرنهم الأخير هذا قد جَهِلُوا – أو جُهِّلُوا – هذه الحقيقة الخطيرة، فلم يعودوا يفرقون بين المعصية والشرك، وصاروا ينظرون إلى هذا اللون من الشرك على أنه معصية مغفورة.. إن لم ينظروا إليه على أنه “ضرورة” مباحة لا إثم فيها. بل إن لم يكن في حسهم – من وراء ذلك – أنها تقدم وتحضر وانعتاق من الأغلال!!

*     *     *

كيف حدث ذلك؟!

لقد جاء الغزو الصليبـي بادئ ذي بدء فنحّى الشريعة الإسلامية من كل بلد دنستها قدماه. ثم قيل للناس: لا بأس عليكم! ما دمتم تصلون وتصومون فأنتم مسلمون وإن لم تتحاكموا إلى شريعة الله!

ثم سلط الغزو الصليبي (واليهودي في أطوائه) على الناس ما يصرفهم حتى عن الصَّلاة والصَّوم. ثم قيـل للناس: لا بأس عليكم! ما دمتم تقولون لا إله إلا الله فأنتم مسلمون!

وهكذا بقي الإسلام معلقا بذلك الخيط الرفيع، وهو نطق لا إله إلا الله باللسان، بغير مقتضى في حياة الناس على الإطلاق. ثم جاء المرجئة المحدثون – بما تناولوا من سموم الفكر الإرجائي – فقالوا: لا بأس على الناس! فالإيمان هو التصديق والإقرار. ومن قال لا إله إلا الله فهو مؤمن، ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام!

*     *     *

وما بنا أن نكرر كل ما قلناه من قبل..

ولكنا نحتاج أن نتذكر قضية ذات أهمية بالغة.. إن لا إله إلا الله تظل مقبولة عند الله طالما هي بريئة من الشرك – بصرف النظر مؤقتا عن قضية “العمل” وما دار حولها من ضلالات المرجئة المحدثون – فإن أصابها الشرك فقد نُقِضَتْ نقضًا، ولم تعد مقبولة أي قبول عند الله..

ومن مصائبنا التي ابتلينا بها في قرننا الأخير هذا أننا نحدّث الناس عن نواقـض الوضوء وندرسها للطلاب في معاهدنا الدينية مئات المرات وفي مئات الصفحات.. و لا نحدثهم عن نواقـض لا إله إلا إلله! فإن حدثناهم فعن شرك الاعتقاد وشرك العبادة وحدهما دون شرك الاتباع، على أساسٍ خاطئٍ من أساسه، هو أن شرك الاتباع هو من “كفر العمل” الذي لا يخرج من الملة!!

دخل عدي بن حاتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ([147]) قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ. قَالَ: «أَجَلْ وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيَسْتَحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَيُحَرِّمُونَهُ فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ» ([148])!

هكذا يقول الله سبحانه وتعالى، وهكذا يقول رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ثم هم يقولون هذا من كفر العمل، وكفر العمل لا يخرج من الملة!!

*     *     *

مرّ بنا القول أن قضية التشريع هي من قضايا العقيدة الرئيسية، وأن السور المكية تحدثت عنها حتى قبل نزول الأحكام التفصيلية التي تحكم حياة المجتمع الإسلامي. فقال تعالى للناس في مكة يدعوهم للإسلام:

( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ) ([149])

( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) ([150])

( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) ([151])

وقال للمؤمنين في مكة: ( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) ([152])

ثم لما نزلت الأحكام التفصيلية في المدينة، وصار للإسلام صورة تطبيقية عملية، ملتزمة بأحكام الله بالإضافة إلى العبادات، الحلال فيها هو ما أحل الله، والحرام هو ما حرم الله، نشأت قضية جديدة في المدينة هي قضية المنافقين الذين يتظاهرون بقبول الإسلام ولكن نفوسهم غير مذعنة لأحكام الله، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت – وكل حكم غير حكم الله طاغـوت – ويريدون أن يكون الحلال والحرام حسب أهوائهم أو أعرافهم لا حسب ما أنزل الله.

وهنا نزل حكم الله فيهم حاسما قاطعا: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ([153]).

( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) ([154]).

فتبين من ذلك أن محك صدق الإيمان – بعد اكتمال الدين – أصبح هو التحاكم إلى شريعة الله بعد سلامة الاعتقاد وأداء العبادات؛ وأن “لا إله إلا الله” صارت ذات مقتضيات أكثر مما كان لها من المقتضيات في مكة. والإيمان بلا إله إلا الله يقتضي الالتزام بكل ما لها من المقتضيات (مع وقوع المعصية التي لا تنقض أصل الالتزام). فحين كان كل مقتضى “لا إله إلا الله” في مبدإ الدعوة في مكة هو الإيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى والإيمان بأنه أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلغ عنه، كان الإيمان بذلك هو كل المطلوب من أي إنسان يدخل في دين الله. ولما فرضت بعض العبادات صار المقتضى المطلوب هو الإيمان بوحدانية الله وإرساله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأداء تلك العبادات. فلما تمت العبادات في المدينة وأنزلت الأحكام صار المقتضى المطلوب هو الإيمان بالله ورسوله والقيام بالعبادات المفروضة، والالتزام بشرع الله. ولم تعد واحدة من هؤلاء تغني عن أختها أو تجزئ عنها.

ولكن المنافقين لم يكونوا يجادلون في قضية التوحيد، ولم يكونوا يجادلون كذلك في أمر العبادات (وإن أدوها في فتور وكسل) ولكنهم كانوا يَزْوَرُّون ويعرضون عن الأحكام التي تضبط تصرفات المؤمن في حياته الدنيا، فيميلون عنها إلى حكم الطاغوت (وهو كل حكم غير حكم الله كما أسلفنا).

لذلك ركزت الآيات القرآنية في المدينة – بمناسبة الحديث عن المنافقين – على قضية الحكم بما أنزل الله، لأنها هي القضية التي كانت مثارة يومئذ ([155])، ونزل قول الله الحاسم:

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ … فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ … فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ([156])

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ([157])  

*     *     *

من أعجب العجب أن يقول لك قائل: إن الله قد أنزل فيهم هـذا الحكم لأنهم كانوا منافقين! فقال عنهم: إنهم لا يؤمنون حتى يحتكموا إلى شريعة الله!! أما لو كانوا مؤمنين فلم يكن الله ليشترط عليهم هذا الشرط!!

عجبا! وكيف أصبح المؤمنون مؤمنين؟!

ولماذا صار المنافقون منافقين؟!

هل كان المؤمنون مؤمنين إلا بأنَّهم تحاكموا إلى شريعة الله مع سلامة الاعتقاد وأداء العبادات؟!

وهل كان في وسعهم أن يكونوا مؤمنين بغير ذلك؟!

( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ([158])

( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَـى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ([159])

إنما أصبح المؤمنون مؤمنين لأنهم التزموا – منذ قالوا لا إله إلا الله محمد رسول الله – أن يقروا ويذعنوا لما جاء من عند الله. فلما دعاهم أن يحتكموا إلى شريعته قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فاستمرت لهم صفة الإيمان لأنهم ظلوا عاملين بمقتضى “لا إله إلا الله”.

ولم يكن وجـوب التحاكم إلى شريعة الله مفروضـا على المنافقين وحدهم لأنهم منافقون!! بل هو مفروض على كل من يقول “لا إله إلا الله محمد رسول الله”. فإن التزم بذلك مع التسليم النفسي والرضى فأولئك هم المؤمنون. أما إن أذعن إذعانا ظاهرا وهو في دخيلة نفسه غير راض ولا مُسَلّم فأولئك هم الذين قال الله عنهم إنهم منافقون (وهم مع ذلك لم يكونوا ممتنعين امتناعا ظاهرا لأنهم حينئذ يصبحون مرتدين لا منافقين، ويكون جزاؤهم في المجتمع المسلم هو القتل).

*     *     *

وخلاصة الأمر أن قضية التشريع ترتبط ارتباطا مباشرا وثيقا بلا إله إلا الله. وأن هذا الارتباط لا يمكن أن ينفصم في أي حال من الأحوال.

إنما قال الفقهاء في قوله تعالى: “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” “إنه لا يكفـر إذا كان مُسْتَحِلَّاً؛ وإنَّه إنْ لم يكن مُسْتَحِلَّاً فهو كفر دون كفر.. كفر لا يخرج من الملة”.

فالقاضي الذي يحكم بغير ما أنزل الله في القضية المعروضة عليه لأنَّه ارتشى من أحد الخصمين لا يكفر بذلك وإن كان آثما يتعرض لسخط الله وغضبه.

والمتأول الذي اجتهد فأخطأ فحكم في الأمر المعروض عليه بغير ما أنزل الله لا إثم عليه، بل له أجر اجتهاده ما دام قد أخلص النية فيه.

إلى آخر تلك الحالات التي عَدَّدَها الفقهاء..

نعم.. ولكن ذلك كله لا ينصرف إلى التشريع بغير ما أنزل الله. فالحكم في قضية معروضة بغير ما أنزل الله، بدافع من الدوافع المذكورة في كتب الفقه، بغير استحلال لذلك الحكم، هذا شيء، والتشريع بغير ما أنزل الله شيء آخر مختلف بالمرة. لأنه في الحالة الأولى لا ينقض اعترافه وإقراره بأن شرع الله هو المرجع الذي يرجع إليه في الحكم؛ وإن خالف في التنفيذ. أما في الحالة الثانية فهو يضع من عند نفسه – بغير سلطان من الله – شرعا آخر مخالفا لشرع الله، ثم يقول – بلسان الحال أو بلسان المقال – لا تنفذوا شرع الله، ولكن نفذوا هذا الشرع الذي وضعته لأنه مماثل لشرع الله، أو لأنه أفضل من شرع الله، أو لأنه أنسب من شرع الله!

وهذا الأمر لم يختلف الفقهاء في تاريخ الإسلام كله على أنَّه كفر مخرج من الملة.

وأمر آخر لم يختلف الفقهاء في تاريخ الإسلام كله على أنه كفر مخرج من الملة، هو الرضى عن علم وإرادة بشرع غير شرع الله، ولا يدخل في ذلك الإكراه بطبيعة الحال لأنَّ الإكراه ينتفي فيه الرضى، ولذلك قال تعالى: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ([160])

فالتشريع بغير ما أنزل الله، والرضى بتشريعٍ مخالفٍ لما أنزل الله، كلاهما – في حكم الله – نقض لـ”لا إله إلا الله”، لذلك نزل فيه الحكم القاطع الحاسم: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)([161]).

يقول الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ”: “يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَم الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يَحْكُمُ بِهِ التَّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمَلَكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَلِكِهِمْ جِنْكِزْخَانَ، الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ اليَاسق وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قَدِ اقْتَبَسَهَا عَنْ شَرَائِعَ شَتَّى، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَهَوَاهُ، فَصَارَتْ فِي بَنِيهِ شَرْعًا مُتَّبَعًا، يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَحْكُمُ سِوَاهُ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ” ([162]

*     *     *

هذا الارتباط الوثيق بين لا إله إلا الله وتحكيم شريعة الله، ظل ثلاثة عشر قرنا متوالية بديهية في حس المسلمين، لا يتصورون الإسلام من غيرها، ولا يتصورون في “مسلم” أنَّه يكون مسلمًا من غيرها. وكان حكم الشريعة القائم بالفعل في الأرض يعطي القضية ثقل الأمر الواقع، فلا يفكر الناس في غيره، ولا يفكرون في أن غيره يمكن أن يقع!

وكان الفارق – في حس المسلمين – بين الإسلام والكفر، وبين المسلمين والكفار أمران رئيسيان، فضلا عن أمور كثيرة أخرى، هما الصلاة وشريعة الله. فالمسلمون يصلون، ويتحاكمون إلى شريعة الله، والكفار لا يصلون، ولا يتحاكمون إلى شريعة الله. ولكن الأمر تغير كثيرا في حس المسلمين بعد الاحتلال الصليبي لبلادهم وتنحية شريعة الله عن الحكم، ثم تسليط كل العوامل التي تخرج المسلمين من الإسلام.

فأما الجيل الأول فقد كان يرى الحقيقة “الشرعية” واضحة..

فتنحية الشريعة – من حيث المبدأ – كفر. والذين يقومون بذلك – من حيث الواقع – هم الكفار الصليبيون المغتصبون لأرض الإسلام.

ولكن الأمر اختلط كثيراً على الأجيال التالية..

وفي غير هذا المكان تحدثت عن عملية التغريب، وعن الغزو الفكري، وعن مناهج التعليم، وعن وسائل الإعلام، وعن الإفساد الذي تم في عالم الفكر والأدب، وفي عالم السياسة، وفي قضية المرأة، وفي مجال الأخلاق.. لإخراج المسلمين من الإسلام ([163]).

ثم جاء حكام يحملون أسماء إسلامية، ويحكمون بغير ما أنزل الله، ينوبون عن الاحتلال الصليبي في تنفيذ كل أهدافه، ويقال للناس إنهم مسلمون، وإن “الضَّرُورة” تقتضي أن يحكموا بغير ما أنزل الله([164])!

ثم يزداد الناس بعدا عن الإسلام – بفعل كل العوامل المُسْلَطَةِ عليهم – فيقال لهم صراحة إنَّ الرُّقِيَّ والتحضر والتقدم والتحرر والانطلاق يقتضي تنحية شريعة الله عن الحكم، واستيراد النظم والمبادئ والدساتير والقوانين من أوربا المتحضرة – من غربها أولا ثم من شرقها بعد ذلك – وإن الشريعة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنا لا يمكن – ولا يجوز – أن تحكم حياة الناس اليوم. وإن “التطور” لا بد أن يأخذ طريقه، وإنَّ الدِّينَ هو “الأغلال” التي تعوّق الناس عن الانطلاق، وإنَّ مصيرنا – رضينا أم أبينا – هو مصير أوربا، التي لم تتقدم إلا بعد أن نبذت الدين، وإنَّ “الرجعية” لا يمكن – حسب قوانين التطور – أن تبثت في مكانها، فضلا عن أن تقف عجلة التطور عن الانطلاق!

ويقال للناس في أثناء ذلك كله إنهم “مسلمون”.. ما داموا يقولون “لا إله إلا الله”!!

*     *     *

هذا هو واقع “المسلم المعاصر”!

لقد أُفْرِغَت “لا إله إلا الله” من محتواها كله، ومقتضاها كله، وأصبحت كلمة تطلق في الهواء، ويتعلق بها ذلك “الغثاء” الذي تحدث عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيجرفه السيل، لا يملك نفسه منه.. لأنَّه بلا جذور!

إن جذور هذه الأمة التي تمكّن لها في الأرض هي “لا إله إلا الله محمد رسول الله”. فإن أفرغت هذه الجذور من محتواها الحقيقي، وظلت القشرة خاوية من المحتوى الحيّ، فهل يمكن أن تمسك بشيء؟ وهل يمكن أن تقاوم الدَّوامة الضارية التي يصنعها السيل؟ وهل تكون هي ذات الجذور التي أنبتت من قبل “خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ”؟!

لقد عملت عوامل كثيرة خلال التاريخ الإسلامي الطويل لإفراغ “لا إله إلا الله” من محتواها الحقيقي..

فالتفلت من التكاليف، وعدم كفاية التذكير، والترف المتلف، والسلبية الصوفية، والاستبداد السياسي، والفكر الإرجائي، كل واحد من هؤلاء قد فعل فعله في إفراغ لا إله إلا الله من محتواها الحي على المدى الطويل ([165]).

التفلت من التكاليف طبع في البشر، تمده ثقلة الأرض.. ثقلة الشهوات.. وعلاجه هو التذكير:

( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) ([166])

فحين لا يكون التذكير كافيا – في الدرجة أو في النوع – فإن التفلت من التكاليف يظل مستمرا.. ثم يزداد.

والترف الذي أصاب المسلمين حين مكّنوا في الأرض، أرخى قبضتهم من حبل الله المتين.. فتفلتوا من التكاليف بحكم الرغبة في المتاع الأرضي، فكثرت البدع والمعاصي، وكلها خروج على مقتضيات “لا إله إلا الله”.

وجاء الفكر الصوفي ردّ فعل للترف، فخلص المتطهرون بأنفسهم من الدنس المستشري في المجتمع المترف، ولكنهم – من جانب آخر – انعزلوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأفرغوا “لا إله إلا الله” من جانب مهم من محتواها الحي..

وأسهم الاستبداد السياسي في إفراغ “لا إله إلا الله” من محتواها في الجانب ذاته، حين أصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يغضب المستبديـن من ذوي السلطـان، فيفتكون “بالمعارضين” الذين يعترضون على انحرافاتهم وتجاوزاتهم، فينحسر الناس إلى ذوات أنفسهم ويتحول “الدين” إلى ممارسة فردية، تركز على الجانب العبادي وحده، وينحسر عن صورته الجماعيـة، أي عن جانبه السياسـي بصفـة خاصة.. وينفصل ما بين “الدين” و “السياسة” وتصبح السياسة لا علاقه لها بـ”لا إله إلا الله”!

ثم يجيء الفكر الإرجائي فيغطي هذا الانحسار كله.. ويقول للناس: إن الإيمان هو التصديق والإقرار!

*     *     *

وحين جاء الغزو الصليبي كانت “لا إله إلا الله” قد وصلت في نفوس المسلمين إلى حدها الأدنى الذي يحفظ المسلمين في داخل إطار الإسلام، مع وقوعهم في المعاصي والآثام، أي في حدود إقامة الصلاة وتحكيم شريعة الله.. وكان انحسارها في نفوس المسلمين إلى ذلك الحد هو الذي جاء بالصليبييـن ومكّن لهم في أرض الإسلام، فما كان لهم أن يغامروا بالمجيء، وما كان لهم أن يتمكنوا في الأرض، لو أن المسلمين كانوا على ذكر بمقتضيات “لا إله إلا الله”، عاملين بتلك المقتضيـات في عالم الواقـع. فإن من بيـن تلك المقتضيـات – الكثيرة – إعداد العدة لأعداء الله، والإنفاق في ذلك السبيل:

( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) ([167]).

ومن مقتضياتها – الكثيرة – طلب العلم الذي يؤدي إلى التمكين في الأرض.. فلا تمكين بغير علم:

“طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ” ([168])

ومن مقتضياتها التخلق بأخلاقيات “لا إله إلا الله” من الصدق والأمانة والإخلاص وإتقان العمل واحترام حقوق الغير والتعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان.. الخ.. الخ.. وهي من أكبر أدوات التمكيـن في الأرض، كما أن فقدانها من أكبر عوامل البوار..

( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ([169])؛ ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) ([170])

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) ([171]).

ومن مقتضياتها.. ومن مقتضياتها..

وكان الفراغ من تلك المقتضيات هو الذي أصاب المسلمين “بالتخلف العقيدي” الذي نشأ عنه التخلف العلمي والحضاري والمادي والاقتصادي والحربي والسياسي.. الذي أغرى الصليبيين بالمجيء، ثم مكن لهم في أرض الإسلام ([172]).

*     *     *

ولكن الحد الأدنى الذي كان يحفظ المسلمين داخل إطار الإسلام – مع كل هذه المعاصي والآثام – لم يكن ليرضي الصليبية الحاقدة وفي أطوائها اليهودية الشريرة، ولم يكن ليطمئنهما على مصير مخططاتهما تجاه الإسلام: ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) ([173]).

( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) ([174]).

نعم.. فوجود المسلمين في داخل إطار الإسلام، في هذا الحد الأدنى منه، مع كل البعد الذي ابتعدوه عن حقيقته الشاملة الهائلة، لا يُؤْمَن معه أن يعودوا إلى تلك الحقيقة مرة أخرى، إذا بعث الله لهذه الأمة من يُجَدِّد لها أمر دينها، كما تتجدد الشجرة الذَّابلة حين تُتَعهد بالرِّعاية والسَّقْي، ما دامت الجذور ما تزال في حيز الحياة: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا.. ) ([175]).

قال “جلادستون” رئيس الوزارة البريطانية وقت دخول الإنجليز مصر مشيرا إلى المصحف: “طالما كان هذا الكتاب في أيدي المصريين فلن يقر لنا قرار في تلك البلاد”.

وقال “توماس بين” – المستشرق الأمريكي – في مقدمة كتابه “السيف المقدس”، بعد أن لخص تاريخ المسلمين وانتصاراتهم في آسيا وأفريقيا وأوربا: “والآن تغير الحال، وصار المسلمون في قبضة أيدينا، ولكن ما حدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى. وإنَّ الشعلة التي أشعلها محمد (صلى الله عليه وسلم) في قلوب أتباعه، لهي شعلة غير قابلة للانطفاء..”

من أجل هذا عمل الصليبيون (واليهود في أطوائهم) لإخراج المسلمين نهائيا من الإسـلام لكي يأمنوا، ويطمئنوا، ويستريحوا، وإن كانوا ساروا على مخططهم المعروف: “بطيء ولكنه أكيد المفعول Slow but sure   “، كما قال “ كرومـر” أول “معتمد بريطاني” في مصر:

“إن مهمة الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية (!) على رأس هذه البلاد هي تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن، بحيث تصبح هي أساس العلاقات بين الناس([176])، وإن كان من الواجب – منعا من إثارة الشكوك – ألا يعمل على تنصيـر المسلمين، وأن يراعي من منصبه الرسمي المظاهر الزائفة للدين الإسلامي، كالاحتفالات الدينية وما شابه ذلك”!

وتم لهم – في غفلة المسلمين – كل ما أرادوه، فبدأوا بتنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم، وانتهوا بتنحية المسلمين عن الصلاة، وانسحب “المسلمون” بذلك من كل ما كان قد بقي لهم من الإسلام، على المخطط البطيء.. الأكيد المفعول.

ولم يجد الفكر الإرجائي صعوبة كبيرة في تغطية الانسحاب.. فسمى المجتمعات الجاهلية – التي لا تحكم بما أنزل الله – مجتمعات إسلامية، وأطلق صفة الإسلام على كل من يقول بلسانه: “لا إله إلا الله”! إذ الإسلام هو مجرد التصديق وعلامته الظاهرة هي مجرد الإقرار!

*     *     *

حين نصل في حديثنا إلى هذه النقطة، يتصور قوم أننا مُقْدِمُون لا محالة على إصدار الحكم على الأجيال الحاضرة من الناس بالكفر، لأنَّهم لا يتحاكمون إلى شريعة الله، فيستشعر القوم في أنفسهم “الخطر” من هذه القضية كلها، فيسارعون إلى معارضتها من حيث المبدإ، خشية أن يجرهم إقرار المبدإ إلى إصدار الحكم!

وقد أكدنا في غير هذا المكان أن قضيتنا ليست هي إصدار الحكم على الناس([177])! وأننا نهدف إلى قضية أخرى، أبعد كثيراً، وأخطر – في نظرنا – كثيراً من محاولة إصدار حكم على هذا الجيل من الناس!

إن حكمنا على الناس الذين يعيشون اليوم في الأرض الإسلامية بالإسلام أو الكفر ليس هو الذي سيدخلهم الجنة أو النار! فالله سبحانه وتعالى هو المتصرف في شأنهم وشأن الكون كله (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) ([178]). ولسنا الآن دولة حتى توقع حد الردة على المرتدين من أولئك البشر.. إنما نحن دعوة، نحاول أن نقوم بالأمانة الملقاة على عاتقنا تجاه هذا الدين. والمهمة التي نسعى إليها، ونحاول جاهدين أن نصل إلى شيء منها، هي مهمة “البيان” للناس. فنحاول أن نبين لهم ما غاب عنهم – في غربة الإسلام الثانية ([179]) – من حقائق هذا الدين.

والذين يظنون أننا حين نطلق على المجتمعـات التي تعيش اليـوم في الأرض الإسلامية ([180]) أنها “مجتمعات جاهلية” نقصد بذلك أنَّ أهلها ليسوا مسلمين، أو أنَّ الأصل فيهم هو الكفر إلا إذا تبين منهم غير ذلك.. هؤلاء نقول لهم هنا – كما قلنا في غير هذا المكان – إنَّ حكم المجتمع لا ينصرف إلى الأفراد – أي الأعيان – إنما هو شبيه بالحكم على الدَّار بأنَّها دار كفر أو دار إسلام. والفقهاء مجمعون على أن وصف الدار بأنها “دار كفر” أو “دار إسلام” لا يتعلق بعقائد القاطنين فيها إنما يتعلق بغلبة الأحكام فيها، فالأرض التي تحكمها شريعة غير شريعة الله هي “دار كفر” مهما تكن عقائد أهلها.

وقد كانت مصر “دار إسلام” حين فتحها المسلمون مع أن غالبية أهلها كانوا على غير دين الإسلام، وظلوا كذلك فترة من الوقت. وكانت الهند “دار إسلام” حين فتحها المسلمون مع أن غالبية أهلها كانوا – وما زالوا – على غير دين الإسلام. إنما اعتبرت “دار إسلام” لكون أحكام الشريعة هي الحاكمة فيها بصرف النظر عن عقائد أهلها.

وكذلك كانت الدُّويلات التي أقامها الصليبيون في الشام – واستمر بعضها مائتي عام – “دار كفر” مع أنَّ أهلها ظلوا مسلمين، لأنَّ الصليبيين كانوا يحكمون فيها بغير ما أنزل الله.

فالمجتمع المسلم هو المجتمع الذي تحكمه شريعة الله، وتحكمه تصورات الإسلام ومفاهيمه وآدابه وأنماط سلوكه، بصرف النظر عن عقائد أهله. والمجتمع الجاهلي هو المجتمع الذي لا تحكمه شريعة الله، ولا تصورات الإسلام ومفاهيمه وآدابه وأنماط سلوكه، بصرف النظر عن عقائد أهله، وعن حكم الله عليهم في الآخرة بالدخول إلى الجنة أو الدخول إلى النار.

والناس الذين يعيشون اليوم في الأرض الإسلامية هم خليط لا يجمعه حكم واحد. فمنهم مسلمون بلا شبهة – بحسب الظاهر من أحوالهم، وحسابهم على الله في الآخرة – لأنهم يقولون “لا إله إلا الله”، ويؤدون العبادات، وينكرون حكم الجاهلية، ويرغبون في تحكيم شريعة الله، ويتحاكمون إليها فيما يقدرون عليه من أمورهم. ومنهم كفار بلا شبهة – بحسب الظاهر من أحوالهم، وحسابهم على الله في الآخرة – لأنَّهم – حتى إن قالوا “لا إله إلا الله” ([181]) – ينكرون أن تكون شريعة الله واجبة التحكيم، ويقولون في ذلك مقالات شتى! فمنهم من يقول: ما للدين والسياسة؟! ومنهم من يقول: كيف تحكم الشريعة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنا حياة الناس المتطورة اليوم؟ لا بد من أنظمة متطورة تحكم الحياة المتطورة. فلنأخذ الديمقراطية أو فلنأخذ الاشتراكية بديلا من الإسلام! ومنهم من يقول: إن الدين قد استنفد أغراضه ولم يعد له مكان في الحياة اليوم! ومنهم من يقول: إن الدين رجعية وتأخر ينبغي نبذه والانسلاخ منه من أجل أن نصبح تقدميين! ومنهم من يقول: إن الدين علاقة بين العبد والرب، محلها القلب ولا علاقة له بواقع الحياة!

ومنهم كتلة متميعة غير واضحة السمات، يختلط فيها الحابل بالنابل، ولكن مظهرها العام بعيد عن مقتضيات الإسلام، وهي التي يختلف الناس في حكمهم عليها، وهي كذلك التي نقول إننا لا نهدف إلى إصدار حكم عليها؛ إنما نهدف إلى أن نبين للناس جميعا حقيقة “لا إله إلا الله”، لأننا نعتقد أن هذا البيان – فضلا عن كونه أمانة لله – فإنه هو الذي يمكن أن يقنع الناس بتغيير واقع حياتهم، فيغير الله لهم – حين يغيرون ما بأنفسهم ويستقيمون على أمر الله – فيخرجهم من الذل والهوان والضياع الذي يعيشونه اليوم في كل الأرض، ويرد لهم العزة والتمكين كما وعد الله عباده المؤمنين:

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ([182])

هذا أمر الناس – أعيان الناس – أما “المجتمع” فله – كما بيّنّا – حكم آخر..

إنَّ “المجتمع” ليس هو مجموع الأفراد فحسب. إنما هو كذلك “النظام” الذي يربط أولئك الأفراد، ويتعاملون من خلاله بعضهم مع بعض، وعلى أساسه يقيمون علاقاتهم وينشئون ارتباطاتهم.

فهل يمكن – على هذه القاعدة – أن نقول -: إن هذه المجتمعات القائمة اليوم مجتمعات إسلامية؟! هل النظام الذي يحكمهم هو الإسلام: شريعته ومنهجه وتوجيهاته؟ هل الذي يحدد علاقاتهم وينشىء ارتباطاتهم هو الإسلام؟ هل الذي يشكل تصوراتهم ويرسم مناهجهم التعليمية وبرامجهم الإعلامية وأنماطهم السلوكية هو الإسلام؟

لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أَجِلّة الصحابة رضوان الله عليهم: “إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ”، لكلمة واحدة خرجت من فمه في لحظة غضب، فقال لرجل أسود: “يا ابْن السَّوْدَاءِ!!” فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ! ([183])

فكيف يمكن أن يسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم مجتمعاتنا؟!

إن الذين يسمون هذه المجتمعات مجتمعات إسلامية، ويطلقون على كل من قال “لا إله إلا الله” أنه مسلم، مهما يكن واقع حياته، ومهما يكن هذا الواقع مناقضا لمقتضيات “لا إله إلا الله”، إن هؤلاء  يرتكبون في حق الدعوة خطيئة ضخمة دون أن يدروا ولا يقصدوا؛ فإذا كانت هذه المجتمعات إسلامية، وإذا كان هؤلاء الناس كلهم مسلمين، فما الذي يدفع الناس إلى اعتناق الإسلام او البقاء فيه؟!

إن الواقع الذي تعيشه هذه المجتمعات – بكل ما يشتمل عليه من سوء – لهو أشد ما يصد الناس عن الإسلام! فإذا أضفينا عليه صفة الإسلام، وقلنا: إن الإسلام يتغاضى عن كل ذلك السوء، ويظل يضفي صفته على الناس مهما فعلوا، ما داموا ينطقون بألسنتهم: لا إله إلا الله، فما الذي يمنعه من الشيوعية والاشتراكية والديمقراطية ([184]) والفوضوية والعدمية والعبثية وغيرها من المذاهب الهدامة والأفكار الهدامة؟

إذا كنا نطلق صفة الإسلام على كل هذا القدر من السوء والانحراف الذي يقوم اليوم في الأرض الإسلامية من باب التورع والتقوى، فلنتق الله في الشباب الذين نصدهم عن الإسلام، حين نَصِفُ هذا السوء كله بأنه داخل في إطار الإسلام!!

إذا اتضحت لنا هذا الأمور..

إذا اتضح لنا أن إطلاق صفة الجاهلية على هذه المجتمعات لا ينصرف إلى أعيان الناس..

وأنَّ الذي نسعى إليه من وراء هذا البحث ليس إطلاق الحكم على أعيان الناس، إنما بيان ما جهله الناس في غربة الإسلام الثانية من حقيقة الإيمان المتعلقة بلا إله إلا الله، ودعوة الناس – من ثم – إلى تصحيح أوضاعهم بمقتضى هذه الحقيقة.

إذا اتضح لنا هذا نعود – مطمئنين – إلى وصل ما انقطع من الحديث عن مقتضيات “لا إله إلا الله”.

*     *     *

إن مهمة الدعاة ليست أن يعطوا الناس شهادات مزورة بالإسلام! وليست أن يدلوهم كيف يحافظون على مظهرية الإسلام في الحياة الدنيا ولو كانوا مرفوضين عند ربهم! إنما مهمتهم أن يبينوا للناس كيف يكونون مؤمنين حقا، مقبولين عند الله في اليوم الآخر، (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) ([185])

وحتى مظهرية الإسلام في الحياة الدنيا لها شروط غير قول “لا إله إلا الله”، كما سيأتي بيانه.. ([186])

إن الحد الأدنى الذي يعطى صفة الإسلام عند الله حين لا تكون شريعة الله قائمة في الأرض، قد بينها الحديث الصحيح بصورة حاسمة لا تحتمل التأويل. يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:

“ مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ “ ([187])

ويقول – صلى الله عليه وسلم -:

“ إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ “ ([188]).

فالحديث الأول يثبت الإيمان – بدرجات مختلفة – لكل من جاهد حكم الجاهلية بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، وينفيه نفيا حاسما عما وراء ذلك. والحديث الثاني ينفي الإيمان كذلك عن كل من رضي عن حكم الجاهلية وتابعه.

ومن المعلوم جيدا عند كل من يتدبر كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – أنه إذا ذكر لفظ الإيمان والإسلام معا في نص واحد فالمقصود بالإيمان عمل القلب وبالإسلام عمل الجوارح. أما إذا ذكر أحدهما فهو شامل لكليهما سواء في الإثبات أو النفي. أي أن النفي الحاسم المذكور في الحديث ينفي الإسلام والإيمان معا في ذات الوقت، لا كما يقول المتمحكون إنه ينفي الإيمان ولكنه لا ينفي الإسلام، مخالفين بذلك ما أجمع عليه علماء هذا الدين!

أما مظهرية الإسلام في الحياة الدنيا فشرطها – إلى جانب قول لا إله إلا الله محمد رسول الله – عدم التحاكم إلى الطاغوت عن رضى ومتابعة، لأن ذلك التحاكم ينقض لا إله إلا الله نقضا، ولا يبقي لها واقعا يعتد به حتى في إثبات مظهرية الإسلام.

فهناك إذن مظلة جاهلية تظلل الناس في واقعهم المعاصر.. هي الحكم بغير ما أنزل الله. والناس جميعا واقفون تحت هذه المظلة، تشملهم بظلها الكئيب الناشز عن أمر الله، ولكنهم في ميزان الله فريقان مختلفان: فمن رضي بالمظلة الجاهلية فهو منها، ومن أنكرها وكرهها وجاهدها فهو المقبول عند الله، بحسب درجته من المجاهدة، ودرجته من الإنكار.

هذا هو الميزان الرباني الذي لا يملك أحد تغييره بحسب هواه.

( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِـنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ([189])

ولكن هذا القدر من المعرفة بميزان الله لا يكفي حتى نعرف معنى المجاهدة بالقلب، وهي الحد الأدنى من العمل الذي يحفظ الناس في إطار الإيمان حين تكون شريعة الله غير قائمة في الأرض، والذي ليس وراءه من الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ، فإن كثيرا من الناس – بتأثير الفكر الإرجائي – صارت تحسب أنه يكفي في المجاهدة بالقلب – أو الإنكار بالقلب – أن يقول الإنسان بلسانه: اللهم إن هذا منكرا لا يرضيك! أو أن يعتقد في قرارة قلبه أن هذا منكر لا يرضي الله، ثم يكون سلوكه مع هذا المنكر بعد ذلك هو نفس سلوك الراضي به، المقبل عليه!

ذلك أن الفكر الإرجائي كما فعل بالإيمان، فجعله مجرد التصديق والإقرار، وجرّده من العمل، فكذلك فعل بالإنكار بالقلب فجعله أمرا مستسرا في داخل القلب ليس له واقع سلوكي يعرف به.

يقول الإمام الغزالي – مع أنه رجل صوفي – في بيان حقيقة الإنكار بالقلب:

“وعن عكرمة عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُقْتَلُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا، فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ; حَيْثُ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ”(2). قال: وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “ لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به، فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقا هو له “

وهذ الحديث يدل على أنَّه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة، ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره، فإنَّه قال: اللعنة تنزل على من حضر. ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذاراً بأنه عاجز “ ([190])

ومن أجل هذا المعنى استحقت المجاهدة بالقلب أن تسمى “مجاهدة” – أي أن تدخل في باب الجهاد – واستحقت أن تكون “إيمانا” ولو في الحد الأدنى منه، واستحقت أن تكون حاجزًا بين الإنسان وبين غضب الله. أمَّا الإنكار بالقلب على طريقة المرجئة، فهو كالإيمان على طريقة المرجئة، لا يستحق أن يلتفت إليه، ولا يسمن ولا يغني من جوع!

*     *     *

والآن نأتي إلى النقطة الأخيرة في هذا الفصل، وهي طريق الخلاص..

حين نقول للناس إنَّ طريق الخلاص هو تصحيح المفاهيم الإسلامية – وبصفة خاصة مفهوم لا إله إلا الله – يفتح كثير من الناس أفواههم من العجب.. وينكر كثيرون!

فعند بعض القوم أن طريق الخلاص هو محاربة الفقر والجهل والمرض. هو البناء الاقتصادي المتين. هو إيجاد الطعام لكل جائع، والعمل لكل عامل. والتعليم لكل متعلم..

وعند بعضهم هو إزالة التخلف الحضاري والمادي والعلمي والتكنولوجي..

وعند بعضهم هو إصلاح الأخلاق المنهارة: الرشوة المتفشية. والكذب والنفاق. والغش والإهمال. والجبن والتقاعس، وموت الضمير وعدم المبالاة..

وعند بعضهم هو جمع الكلمة وإزالة الفرقة وتوحيد الصف وإزالة البغضاء وتغليب المصلحة العامة..

وعند بعضهم.. وعند بعضهم.. وعند بعضهم..

ونحن نقول: نعم لهذا كله! كله إصلاح! وكله مطلوب! ولكن كيف السبيل؟!

لقد جربنا خلال قرن كامل من الزمان أن نصلح هذا كله. وفتحنا مدارس وفتحنا معاهد وفتحنا جامعات. وأنشأنا طرقا وأنشأنا مصانع. وملأنا الطرق بالسيارات، وملأنا البيوت بالثلاجات والسخانات والتليفزيونات..

وصنعنا من ذلك كله قدرا غير قليل..

ثم..؟!

زادت مشاكلنا كلها حـدة. وزادت أزماتنا كلها تعقيدا. وزدنا ضعفا وهوانا على الناس. ولم تعد “الأمم“ وحدها هي التي تتداعى علينا كما يتداعى الأكلة إلى قصعتهم.. وإنما صار شذاذ الآفاق، الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة أول المتداعين إلى القصعة، وأول الناهشين في الأموال والأعراض والدماء..

ونحن نقول: إن طريق الخلاص هو تصحيح المفاهيم الإسلامية بدءا بمفهوم لا إله إلا الله، وإن فغر الناس أفواههم من العجب.. وإن أنكر المنكرون..

إن الذين يظنون أن لا إله إلا الله هي الكلمة المنطوقة باللسان، سيفتحون أفواههم عجبا وإنكارا ولا شك.. لأنهم يرون الكلمة منطوقة كل يوم بمئات الملايين، ويرون السوء مع ذلك لا يتزحزح من مكانه، بل يرونه يمتد ويتسع ويشتد، ويتضاعف حجمه بمرور الأيام..

والذين يظنون أن المطلوب من لا إله إلا الله هو التصديق والإقرار، سيفتحون أفواههم عجبا وإنكارا دون شك.. لأنهم يرون التصديق قائما – حسب رؤيتهم – ويرون الإقرار، ثم لا يجدون مشكلا واحدا قد انحل، ولا أزمة واحدة قد آذنت بالانفراج.

والذين يرون عموما أن “العقيدة” من “المسلمات”، وأن التسليم حاصل بالفعل، يسعون جاهدين إلى شيء آخر غير العقيدة، لأنهم يرونها – حسب رؤيتهم – قائمة، ومع ذلك لا تغيّر شيئا من الواقع، ولا يبدو أنها قادرة على تغيير شيء في المستقبل القريب أو المستقبل البعيد..

وهؤلاء وهؤلاء وهؤلاء هم ضحايا الفكر الإرجائي الذي أفرغ لا إله إلا الله من مضموننها الحيّ، وحولها كلمة تنطق باللسان، لا مدلول لها، ولا وزن لها في واقع الحياة.

ونحن حين ننكر ذلك الفكر الإرجائي، وندعو إلى تصحيحه وتقويمه، لا نصنع ذلك لمجرد الجدل الذهني، ولكن لأننا نرى آثاره السامة في حياة الأمة، ومقدار بعده – في الوقت ذاته – عن روح الإسلام.

ونحب أن نسأل، لنتعرف على الطريق: هل الأمراض التي يعانيها المسلمون اليوم: التخلف العلمي والحضاري والفكري والأخلاقي والاقتصادي والسياسـي والمادي.. الخ.. الخ.. هل هي أمراض “إسلامية”؟ بمعنى أنها نشأت من اعتناق الإسلام، وممارسة الإسلام، والمحافظة على الإسلام؟!

ولكي نجيب إجابة علمية واقعية لا تصدر عن الهوى ولا تحركها العصبية، نسأل: هل المجتمع الأول الذي اعتنق الإسلام ومارسه وحافظ عليه كان متصفا بشيء من هذا كله؟ أم كان النقيض الكامل لهذا الصورة التي نراها في واقعنا المعاصر؟!

ثم نسأل لنصل إلى النتيجة: أي الجيلين كان يحقق لا إله إلا الله بكل مقتضياتها؟ وأيهما أخرج لا إله إلا الله من محتواها، وحوّلها إلى كلمة تنطق باللسان؟

فإذا عرفنا الإجابة عرفنا السر في كل الأمراض التي أصابت العالم الإسلامي في تاريخه الحديث..

حقيقة إنه ليست لا إله إلا الله وحدها هي التي فسد مفهومها في حس الأجيال المتأخرة، إنما هي المفاهيم الإسلامية كلها بلا استثناء. وحقيقة إن الواقع المعاصر هو حصيلة الفساد في المفاهيم كلها في وقت واحد، كما سيتبين من قراءة “مفهوم العبادة” و “مفهوم القضاء والقدر” و “مفهوم الدنيا والآخرة” و “مفهوم الحضارة وعمارة الأرض”..

ولكن لا إله إلا الله هي ركن الإسلام الأول والأكبر كما أسلفنا القول، ولذلك كان تأثيرها هو الأكبر والأخطر، سواء في حالة تطبيقها الصحيح أو في حالة الانحراف عن حقيقتها. ومن أجل ذلك كانت العناية الشديدة التي أولاها الإسلام لهذه القضية خلال ثلاثة عشر عاما في مكة، ثم في العهد المدني كله.. ولا بد أن نستعيد في ذاكرتنا مقتضيات “لا إله إلا الله” كما وعاها الجيل الأول، من تعليم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:

مقتضاها الأول هو توحيد الربوبية والألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات (أي توحيد الاعتقاد).

ومقتضاها الثاني هو توجيه العبادة لله وحده بلا شريك (أي توحيد العبادة).

ومقتضاها الثالث هو تحكيم شريعة الله وحدها دون غيرها من الشرائع (أي توحيد الحاكمية) ([191])

ومقتضاها الرابع هو القيام بالتكاليف التي فرضها الله على المؤمنين – غير ما سبق – ومن بينها طلب العلم، وعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، وإعداد العدة لأعداء الله، ونشر الدعوة في الأرض، وعلى رأسها جميعا الجهاد في سبيل الله.

ومقتضاها الخامس هو التخلق بأخلاقيات “لا إله إلا الله”، الواردة تفصيلا في الكتاب والسنة. ([192])  

هل هذا تفسير مفتعل لمقتضيات “لا إله إلا الله” أقحمناه من عندنا إقحاما بغير دليل؟!

قال لي أحد العاملين في حقل الدعوة ذات مرة – وكنت ألمح الإخلاص في تساؤله – لقد أخبرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن الإسلام بني على خمس: شَهَادَةُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فمن أين جئت أنت باشتراط التحاكم إلى شريعة الله، وعلى أي شيء بنيت كونها من مقتضيات “لا إله إلا الله”، والرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يطلب إلا النُّطْقَ بها فحسب؟! وقلت له على الفور: أمَّا اشتراط التحاكم إلى شريعة الله فمنصوص عليه في كتاب الله: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ([193]) وأما إدخال هذا الأمر في مقتضيات “لا إله إلا الله” فهو أمر بديهي في هذا الدين. فما دمنا أقررنا أن الإيمان لا يتحقق إلا بالتحاكم إلى شريعة الله فأين يدخل التحاكم في أركان الإسلام: هل يدخل في الصلاة؟ هل يدخل في الزكاة؟ هل يدخل في الصوم؟ هل يدخل في الحج؟

فإذا لم يدخل في واحد من هذه الأركان كلها، فهل بقي إلا أن يدخل في الركن الأول، ركن لا إله إلا الله، الذي يعني الالتزام بكل ما جاء من عند الله، فيدخل فيه شرط التحاكم إلى شريعة الله، كما تدخل فيه كل التكاليف التي فرضها الله؟

إن الإسلام كله في الحقيقة هو مقتضى “لا إله إلا الله”. لأن مقتضى الإقرار بأن الله واحد لا شريك له في ملكه، ولا في خلقه ولا في تدبيره، ولا في هيمنته، ولا في رزقه، ولا في قدرته سبحانه، هو عبادته وحده بلا شريك، أي طاعته فيما أمر به، ومجموع ما أمر به هو “الإسلام”!

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أبرز عبادات معينة فجعلها أركانا قائمة بذاتها، فإن ما بقي من التكاليف التي أمر بها الله لا بد بداهة أن يدخل في الركن الأول الشامل، الذي يشمل الإسلام كله، وكل ما يحتويه الإسلام!

فإذا لم يكن الأمر كذلك، فليقل لنا المرجئة – القدامى أو المحدثون – في أي أركان الإسلام تدخل تلك التكاليف؟! وإن لم تكن تدخل في أي ركن من أركانه فأين موقعها من الإسـلام، وهي تكاليف مفروضة، وبعضها – كتحكيم شريعـة الله – داخل في أصل الاعتقاد؟!

إن معنى الإقرار بالشهادة – كما أسلفنا مرارا – هو الالتزام بما جاء من عند الله. ومن ثم يدخل فيها كل التكاليف الربانية بلا استثناء.

ولسنا هنا في مجال تصنيف المخالفات التي تقع من البشر في نحقيق مقتضيات “لا إله إلا الله”، وأيها يقع في دائرة اللمم وأيها يقع في دائرة الكبائر، وأيها يقع في دائرة الشرك، لأننا في مجال بيان الأثر الذي يحدثه في حياة البشر قيامهم بمقتضيات “لا إله إلا الله” – كلها – على وجهها الصَّحيح، والأثر العكسي الذي يحدث من إفراغ لا إله إلا الله من مضمونها، وجعلها كلمة تنطق باللسان بغير مقتضى واقعي، سواء كان ذلك شركا أو معصية فحسب.

ولكن هذا لا يمنعنا من إشارة عابرة إلى أن أي انحراف في توحيد الاعتقاد (أي توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات) هو شرك، وأي انحراف في توحيد العبادة (أي توجيـه كل ألوان العبادة لله وحده بلا شريك) هو شرك، وأي انحراف في توحيد الحاكميـة (أي التحاكم إلى شريعة الله وحدها دون غيرها من الشرائع) هو كذلك شرك. وكلها – الثلاثة – على ذات المستوى من الدخول في أصل العقيدة، والشرك في أيها هو الشرك الأكبر المخرج من الملة:

(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) ([194])

فهذه تشمل شرك العبادة وشرك الحاكمية.

( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ([195]).

وهذه تشمل شرك الحاكمية وشرك الاعتقاد.. وكلها سواء.

*     *     *

حين كانت الأجيال الأولى من المسلمين تدرك مفهوم لا إله إلا الله على حقيقته، وتحققه في واقع حياتها، كانت “خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ” وكانت هي الأمة الممكنة في الأرض، وكانت هي أمة العلم والحضارة، وأمة القيم والأخلاق، وحدثت على يديها تلك المعجزات التي يعرفها التاريخ في شتى المجالات..

وحين انحسر مفهوم لا إله إلا الله في نفوس الأجيال المتأخرة من هذه الأمة – مع غيره من المفاهيم – وحين لم يعد له واقع في حياتها، تحقق فيها نذير رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:

“ يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا. قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: “ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ “ ([196])

وصارت هذه الأمة ألعوبة في يد أعدائها، يجرونها إلى الهلاك بكل مهلكة من القول والعمل، ويفتنونها عن دينها، (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) ([197]) ويزيدونها غيا كلما اتبعتهم على طريق الغيّ!

واليوم تبحث الأمة عن طريق الخلاص..

وحين نقول للناس: إن طريق الخلاص يبدأ بتصحيح مفاهيم الإسلام كلها بدءا بمفهوم لا إله إلا الله، يظن بعض الناس – بسذاجة حقيقية أو سذاجة مفتعلة – أننا نضع تصحيح المفاهيم بديلا من توفير الخبز للجائعين، أو توفير العلم للمتعلمين، أو إقامة المصانع أو تسليح الجيوش!

وهذا أمر لا يتصوره عاقل!

ولم يكن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهو يصحح اعتقاد الناس في مكة، ويدل المؤمنين على المفهوم الحقيقي للا إله إلا الله، لم يكن يقول لهم: لا تأكلوا حتى تصححوا اعتقادكم، ولا تبيعوا ولا تشتروا، ولا تبحثوا لأنفسكم عن مصدر رزق حتى تفهموا جيدا معنى لا إله إلا الله!

هذا أمر لا يتصوره عاقل!

ولكنه كان يربيهم – وهم يأكلون ويشربون، ويبيعون ويشترون، ويمشون في مناكب الأرض – كان يربيهم على المقتضيات الحقيقية للا إله إلا الله، بحسب تنزلها من عند الله، حتى يستقيم سعيهم كله، ويصبحوا في النهاية “خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ“

وحين نقول اليوم: إنه لا بد من تصحيح مفاهيم الإسلام بدءا بمفهوم “لا إله إلا الله” نقصد هذا الذي صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مرة. ولا نقصد تعطيل البحث عن الخبز، أو تسليح الجيوش، أو إنشاء المصانع، أو فتح المدارس حتى يتم تصحيح مفهوم لا إله إلا الله!

نشكو اليوم – ونحن نحاول “الإصلاح” – من فقدان روح “الإحساس بالواجب” عند الناس. فلا أحد يتحرك أو يعمل انطلاقا من إحساسه بأن عليه واجبا يجب أن يؤديه. إنما يعمل – إذا عمل – لتحقيق مصلحة شخصية، لا يبالي أن تجيء من طريق حلال أو حرام. فلا يعمل الموظف الصغير إلا أن يرتشي، ولا يعمل الموظف “الكبير!” إلا أن ينهب من المال الحرام.. فكيف الطريق إلى إصلاح ذلك؟

ونشكو من الارتجالية والفوضى في أعمالنا كلها مما يضيع علينا أموالا كثيرة وأوقاتا عزيـزة وفرصا نادرة، ويؤدي إلى بوار كثير من مشروعاتنا.. فكيف الطريق إلى الإصلاح؟

ونشكو من النفاق والكذب والغش والخديعة وقلة الأمانة عند الناس.. فكيف الطريق إلى الإصلاح؟

ونشكو من الكسل والتواكل وانعدام الجدية في أخذ الأمور.. فكيف الطريق إلى الإصلاح؟

ونشكو من فقدان الروح العلمية في تناول مشكلاتنا، لأننا نفتقد النظرة الموضوعية – التي لا تتدخل فيها الأهواء – ونكره التخطيط والتنظيم.. فكيف الطريق إلى الإصلاح؟

ونشكو من فقدان “الروح الجماعية”، وغلبة الروح الفردية الأنانية الضيقة البغيضة.. فكيف الطريق إلى الإصلاح؟

ونشكو من خيانة “زعمائنا”، وعمالتهم لأعدائنا، وتسخيرهم أوطانهم لمصلحة أعدائهم لقاء شهوة الحكم والسلطان.. فكيف الطريق إلى الإصلاح؟

ونشكو.. ونشكو.. ونشكو.. ومر ما يزيد على قرن من الزمان ونحن نوهم أنفسنا – خادعين أو مخدوعين – أننا نسعى إلى الإصلاح، ونبحث عن طريق الخلاص..

والحصاد المر هو نهاية الطريق!

*     *     *

يحسب الذين يفكرون في فتح المدارس، وإقامة المصانع، وتقوية الجيوش، وتوفير الخبز بلا قاعدة من عقيدة، أنهم هم القوم “العمليون” “الواقعيون” “العلميون” الآخذون بالوسائل الصحيحة، المتنزهون عن “الغيبيات”، البعيدون عن الخيالات، الواصلون – لا محالة – إلى “الحلول العملية” التي تنقذ الناس من مشكلاتهم..

ونحن لا نقول لأحد لا تفتحوا المدارس، ولا تقيموا المصانع، ولا توفروا الخبز، ولا تقووا الجيوش.. ولكنا نقول لهم بملء أفواهنا: إن صنعتم هذا كله بغير عقيدة صحيحة، فالنتيجة هي ما ترونه بأنفسكم من أحوال أمتكم بعد جهد ما يزيد على قرن كامل من الزمان!

نفتح المدارس.. فماذا ندرس فيها لأبنائنا؟!

ننشئ وسائل الإعلام “الحديثة” فماذا نبث فيها لشعوبنا؟!

ننشئ المصانع فكيف يعمل مديروها وموظفوها وعمالها؟! وأين يذهب إنتاجها؟!

ونسلح الجيوش.. فكيف يصنع قادتها وزعماؤها؟!

حدثني اللواء “عبد المنعم حسني”، حاكم غزة في زمن النكسة، وقد جمعني به معتقل واحد لعدة شهور ([198] عن استجواب اليهود له يوم وقع أسيرًا في أيديهم بسبب دخول سيارته إلى الأرض اليهودية – خطأ – صبيحة النكسة. قال: “إن أول سؤال وجهوه إليه – بعد أن أعلموه بخبر الحرب والهزيمة ولم يكن يعلم بأيهما! – كان هو السؤال الآتي: أما زال يوجد إخوان مسلمون في الجيش المصري؟!

قال لهم: بكل تأكيد لا! ولكن لماذا تسألون؟!

قالوا: إننا لا نستطيع أن ننسى ما حدث في عام 1956، حين قام اثنان من ضباط الإخوان المسلمين بتعطيل الزحف اليهودي ست ساعات كاملة عند ممر “مِتْلاَ” حتى قتلا على مدفعيهما!” اهـ.

وهكذا لا يفزع اليهود من المدفع في ذاته، فعندهم – دائما – ما هو أفتك منه!

ولكنهم يفزعون من عقيدة الرجل الذي يقاتـل وراء المدفع.. يفزعـون من لا إله إلا الله.. لأنها أفتك من كل ما يملكون من سلاح فتاك!

والروس في أفغانستان لا يفزعون من السلاح.. فليس لدى المجاهدين الأفغان سلاح يذكر أمام الطائرات الفتاكة والدبابات المدمرة والقنابل الحارقة والغازات السامة وكل وسائل الإبادة الوحشية التي يستخدمها الروس. ولكنهم يفزعون من “لا إله إلا الله”، لأنها هي التي حفظت عزيمة المجاهد الأفغاني سبع سنوات متوالية أمام هجومهم الوحشي، بصرف النظر عن النتيجة النهائية التي يمكن أن تسفر عنها المعركة في هذا الجانب أو ذاك.

ومرة أخرى لا نقول أعطوا الجندي “لا إله إلا الله” ولا تعطوه المدفع، كما قد يفسر كلامنا صاحب سذاجة حقيقية أو سذاجة مصطنعة! إنما نقول: إن المدفع وحده لا يكسب المعركة، ما لم يكن الرجل الذي يقاتل وراءه صاحب عقيدة.. فلنشتر المدفع نعم، ولكن فَلْنُقِمْ إلى جواره رجلا يؤمن حقا بلا إله إلا الله.. عندئذ لا تستطيع الذئاب أن تنهش الوطن الإسلامي وهي آمنة كما تصنع اليوم! ولهذا السبب ذاته يحرص الأعداء – وعملاؤهم في الداخل – أن يخرجوا من الجيوش كل من يؤمن إيمانا حقيقيا بـ”لا إله إلا الله”، لأنهم يعرفون جيدًا حقيقة هذا الدين، ويعرفون ماذا يمكن أن تصنع “لا إله إلا الله” حين يعود لها في القلوب مقتضاها الحقيقي الذي كان لها يوم أنزلت من عند الله!

( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ.. ) ([199])

*     *     *

ونعود إلى “ مشاكلنا “..!

يقول “الواقعيون” “العمليون” “العلميون”: دعونا بالله من حديث العقيدة! تعالوا ننظر إلى الواقع! تعالوا إلى ملايين الأفواه المفتوحة والمعدات الجائعة.. ابحثوا معنا عن “حلول عملية” للمشاكل الاقتصادية التي يعانيها العالم الإسلامي في تخلفه المزري وفقره المدقع وكثرة سكانه وقلة موارده..

ونقول: نعم! ابحثوا! ما زلتم تبحثون منذ قرن كامل أو يزيد.. فبأي شيء خرجتم؟!

إننا نحن – الخياليين، الغيبيين، الحالمين، المثاليين ([200]) – نقول: إن الأرض الإسلامية – ببترولها، بمعادنها، بحاصلاتها الزراعية، بمواردها المائية، بمساحتها الشاسعة المتصلة، بقوتها البشرية – هي – بفضل الله – أغنى بقعة في الأرض! ولكن أهلها هم أفقر أهل الأرض اليوم وأكثرهم مشاكل..

لماذا؟! هل كان المسلمون فقراء يوم كانوا مسلمين حقَّاً، يحققون في واقع حياتهم مقتضيات “لا إله إلا الله” كلها، ومن بينها عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، وطلب العلم، وإعداد القوة للأعداء؟!

أم كان المسلمـون هم أكثر أهل الأرض ثراء وأكثرهـم تقدما وأكثرهم تمكنا في الأرض؟

ثم لما تخلفوا عقيديا ([201] فتخلفـوا علميـا واقتصاديـا وحربيا وسياسيا وفكريا وأخلاقيا.. ([202]) غلبت عليهم أوربا الصليبية فعدت على أرضهم، وسرقت خيراتهم، وأذلتهم واستعبدتهم، وامتصت دماءهم، فتضخمت أوربا على حسابهم، وزادوا هم هزالا حتى صاروا إلى حالتهم التي صاروا إليها اليوم.

واليوم يسعون إلى تخليص أنفسهم مما حَلَّ بهم، رافضين الرجوع إلى المنهج الرباني، باحثين عن الاشتراكية مرة، وعن التصنيـع مرة، وعن الاقتراض من الدول “الكبرى” مرة.. ثم تزداد المشاكل تعقدا في كل مرة. وتهبط عملات البلاد إلى الحضيض، وتثقل الديون الميزانيـات، وينحط الإنتاج، ويزداد الجوع.. وتفسد معه الأخلاق، أو تزداد فسادا إلى فساد!

ولن نقول للناس: هلموا استردوا سيادتكم على أرضكم ومواردكم، واطردوا الغاصبين الذين استعبدوكم وسرقوكم وامتصوا دماءكم، فهذا هو السبيل لاستعادة ما كان لكم ذات يوم من قوة وتمكن..

فمع أن هذا صحيح في ذاته.. ولن يعود المسلمون إلى ما كانوا عليه من قوة وثراء وتمكن إلا حين يستردون سيادتهم على أرضهم ومواردهم، ويمنعون عمليات السطو الضخمة التي مارسها العدو على كيانهم الاقتصادي كله وما زال يمارسها حتى اللحظة..

مع أن هذا صحيح في ذاته، إلا أن بيننا وبين تحقيق ذلك جهادا طويلا قد يمتد إلى أجيال.. والأفواه الجائعة لن تصبر أياما معدودة فضلا عن أن تصبر مدى أجيال!

ولسنا نقول للقوم “العمليين” “الواقعيين” “العلميين”: كفوا عن التصنيع، أو كفوا عن البحث عن موارد لميزانياتكم المرهقة المدينة المفلسة..

ولكنا نقول لهم: إن أي جهد يبذل في هذا السبيل دون رد الناس إلى المفهوم الصحيح للعقيدة، وتربيتهم على المفهوم الصحيح، سيظل كالإناء المملوء بالثقوب، كلما حاولنا ملئه عاد إلى الفراغ!

إن التصنيع – كما يقولون في لغتهم – جهد “حضاري” وليس مجرد جهد آلي تقوم به الآلة..

أما نحن فنقول: إن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني هي أحد مقتضيات “لا إله إلا الله” الكثيرة المتنوعة الشاملة. وحين يقوم التصنيع على منهج “لا إله إلا الله” فلن يسرق العمال الوقت كما يسرقونه اليوم في ظل “الاشتراكية!” معتمدين على التقرب إلى ذوي السلطان بالملق والنفاق والتجسس على إخوانهم! ولن يسرق كبار الموظفين إنتاج المصنع ويبيعوه في السوق السوداء ليحصلوا على الثروة الحرام من أيسر سبيل! ولن يغمض الحكام عيونهم عن كبار اللصوص لأنهم شركاؤهم في الغنائم كلها في نهاية المطاف!

وعندئذ فقط يؤدي التصنيع دوره الحقيقي في دفع الفقر وزيادة الدخل ورفع قيمة العملة المحلية وتوفير وسائل القوة للبلاد فضلا عن “البركة” التي تصيب حياة الناس حين يرفعون من حياتهم لعنة الربا، فيرفع الله عنهم المحن، ويفتح عليهم بركات من السماء والأرض..

*     *     *

يشكو “المصلحون” كما قلنا من روح الفوضى والارتجال وفقدان الروح العلمية والعملية في تناول المشكلات..

وهذا كله صحيح.. ولكن ما سببه؟

ألم يحاول أولئك “المصلحـون” خلال قرن كامل من الزمان أن يصلحوا كل هذه العيوب؟

فلماذا خابوا؟!

إن المنطقة التي انتشر فيها الإسلام بقدر من الله، يقع معظمها؛ كما أوضحنا في كتاب “واقعنا المعاصر” – في المنطقة الحارة والمنطقة المعتدلة الحارة – إلا ما ندر منها -، وهذه البيئة – بطبيعتها – بيئة فوضوية تكره النظام، عفوية تكره التخطيط، قصيرة النفس تشتعل حماسة ثم تنطفئ حماستها بعد قليل قبل أن تكمل إنجاز ما تحمست له!

ومن هناك التقطها الإسلام، فأنشأ منها “خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ”.

وما أحب أن أكرر هنا ما قلته هناك..

ولكن هذه الأمة تعلمت من دينها الانضباط والنظام وطول النفس والروح العملية والنظرة الموضوعية في خط مضاد تماما لأثر البيئة الفوضوية الارتجالية المبعثرة.. وكان ذلك أثرا من آثار العمل بمقتضيات “لا إله إلا الله” الكثيرة المتنوعة الشاملة. فلما انحسر تأثير الإسلام، حين أفرغت “لا إله إلا الله” من مضمونها الحقيقي، وأصبح كل المطلوب منها هو التصديق والإقرار، عاد أثر البيئة هو المسيطر على الناس، وعاد الناس إلى فوضويتهم، وعفويتهم، وتبعثرهم، وقصر نفسهم..

ويشكو “المصلحون” من ذلك، ولهم الحق..

ولكن كيف السبيل إلى إصلاح هذا الأثر الطاغي للبيئة في نفوس الناس، في غيبة العنصر الواحد الذي يمكن أن يتغلب على أثر البيئة، وهو العقيدة بمفهومها الحقيقي، كما أنزلها الله أول مرة، وكما أدت أول مرة مهمتها كاملة في حياة الأمة ([203])؟!

هل من سبيل؟!

*     *     *

حين نقول للناس: إن طريق الخلاص يبدأ بتصحيح مفاهيم الإسلام كلها بدءا بمفهوم لا إله إلا الله.. فنحن نعني ما نقول على وجه التحديد..

إننا ندرك جيدا أن لنا مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وأخلاقية ضخمةً إلى حد يدعو كثيرا من الناس إلى اليأس من الإصلاح.

ولكنا ندرك كذلك أن أي محاولة للإصلاح لا تضع في حسابها عودة الناس إلى حقيقة الإسلام، هي محاولة فاشلة من أول الطريق..

وتجربة قرن كامل كافية للإثبات..

إن الذين يطمعون في الإصلاح على الطريقة الغربية – الرأسمالية أو الشيوعية – بدعوى أن أوربا – بقسميها – تملك كل أسباب القوة والتمكين التي نحن محرومون منها، فعلينا أن نتبع طريقهم لنصل إلى ذات النتائج التي وصلوا إليها من القوة والتمكين.. هؤلاء يغفلون عن مجرى السنن الربانية في حياة البشر، لأنهم محجوبون عن نور الله، فيفكرون وهم محجوبون.

إن الذي يجري في أوربا الكافرة الجاحدة هو تحقيق لسُنَّتَيْنِ اثنتين على الأقل من سنن الله:

( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ.. ) ([204]).

( مَنْ كَانَ يُرِيـدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهـَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُـمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُـونَ ) ([205]).

فقد كفرت أوربا، وفي الوقت ذاته رغبت في الحياة الدنيا وزينتها، وبذلت في سبيل ذلك جهدها، فمكن الله لها في الأرض حسب هاتين السنتين مجتمعتين.

ولكن يغفل “المصلحون” ذوو العقول المترجمة، عن أمرين معاً هما كذلك من سنن الله:

الأمر الأول: أن الله لا يمكّن للمسلمين بالطريقة ذاتها التي يمكّن بها للكفار! إنما يمكّن لهم فقط حين يستقيمون على طريقه:

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ([206]).

أما حين يبعدون عن طريقه فلا يمكّن لهم حتى يعودوا مرة أخرى إلى الطريق.

والأمر الثاني: أن هذا التمكين – على الكفر – لا يستمر إلى الأبد.. إنما هو مرحلة زمنية محدودة يقدرها الله – سبحانه وتعالى – ثم تكتمل السنة بالتدمير على الكافرين:

(  فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ([207]).

وقد بدأ اليوم يظهر للغرب ذاته أن حضارته آخذة في الانهيار، مهما بدا أن ذلك بعيد الحدوث!

( فَهَـلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِيـنَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) ([208]).

وذلك كله فضلًا عن حقيقة ضخمة تغفل عنها أوربا الكافرة – لأنَّها كافرة – أمَّا الذين يقولون إنَّهم مسلمون فلا ينبغي لهم أن يغفلوا عنها، وإلا أصبحوا – مثل “إخوانهم” – كافرين!

إن الذي تستمتع به أوربا – على أنه محدود الأمد، وخالٍ من البركة التي يخص بها الله المؤمنين وحدهم – هو متاع الحياة الدنيا وحدها، وليس لهم في الآخرة إلا النار: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ([209]).

(  وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) ([210]).

أما المسلمون فإنهم لا يسعون لهذا! إنما وعدهم الله الاستخلاف والتمكين والتأمين في الأرض – وهو أقصى ما يطمع فيه الذين يريدون الحياة الدنيا -؛ ووعدهم كذلك أن يفتح عليهم في الحياة الدنيـا بركات من السماء والأرض، محجوبة عن الكفار مهما كثرت عندهم الخيرات. مع طمأنينة القلب التي يفتقدها الكفار لأن طريقها هو ذكر الله وهم لا يذكرونه.. ووعدهم فوق ذلك كله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ورضوان من الله أكبر:

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ([211])

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) ([212]).

( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ([213]).

( وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ([214]).

فمن ذا الذي يستبدل النار بالجنة، ويزعم بعد ذلك أنه من المسلمين؟!

*     *     *

طريق الخلاص هو تصحيح المفاهيم الإسلامية كلها بدءا بمفهوم لا إله إلا الله..

ولسنا نزعم للناس أن هناك عصا سحرية ستمتد إليهم فتحل لهم مشكلاتهم بمجرد أن يصححوا في نفوسهم مفاهيم الإسلام، ويعودوا إلى ممارسته في عالم الواقع..

بل نحن ننذرهم حربا ضروسا يشنها العالم كله عليهم، كما يشن الكفر حربه على المسلمين اليوم في أفغانستان.. فضلا عن الجهد “الموضوعي” الذي يجب أن يبذلوه لإيجاد الحلول العملية لمشكلاتهم، مستمدة من شريعة الله، ومنهجه الذي ينبغي أن يحكم الحياة، سواء في إزالة التخلف الاقتصادي أو العلمي أو الحضاري أو التكنولوجي أو الحربي أو الفكري أو السياسي.. الخ.. الخ.. الخ..

وهنا قد يقول قائل: إذا كنا سنبذل الجهد في الحالتين، فلماذا نتعب أنفسنا فوق الحد.. لماذا لا نأخذ الحلول الجاهزة من أوربا – غربها أو شرقها على مزاج كلٍّ منا – ونوفر على أنفسنا عداء العالم كله لنا، والجهد الذي سنبذله في مواجهة ذلك العداء؟!

والجواب على هذا التساؤل هو تجربة قرن كامل! قرن كامل لم تحل فيه المشاكل الأساسية بل زادت تعقدا وحدّة، فضلا عن المزيد من الهوان والذل والضياع والتيه..

وإنها لحماقة مرة أن يستزيد الإنسان من السم، ويتوهم في كل مرة أنه مقبل على الشفاء!

أما طريق الإسلام فهو طريق شاق نعم.. مجهد نعم.. محفوف بالمخاطر نعم.. ولكنه طريق الأحرار..

أما طريق العبيد.. فهو طريق العبيد!

*     *     *

ولا إله إلا الله التي ندعو إليها ليست هي التي دعا إليها المرجئة القدامى أو المحدثون!

إن التي دعا إليها المرجئة – القدامى والمحدثون – وهي “التصديق والإقرار”، لا تغير شيئا من الواقع المر الذي يعيشه الناس اليوم، فضـلا عن كونها هي التي تصد الشباب “المثقف” عن الإسلام، وتبعده عن الطريق الأوحد الذي يتحقق فيه الخير الحقيقي.. خير الدنيا والآخرة على السواء، لأننا حين نقول لذلك الشباب المفتون بالغرب إن المجتمعات القائمة اليوم إسلامية، وإن هذا الغثاء الذي يعيش اليوم هو “المسلمون”.. فكيف نتوقع منه أن يتجه إلى الإسلام لحل مشكلة واحدة من مشكلاته؟! وكيف نطمع في أن يقيم وجهه ([215])، ويقيم رقبته الملوية نحو الغرب؟!

إنما لا إله إلا الله التي ندعو إليها هي التي أنزلها الله في كتابه المنزل، وعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم – لأصحابه، ومارسها السلف الصالح رضوان الله عليهم.

إنها “لا إله إلا الله” ذات المقتضيات..

توحيد الاعتقاد. توحيد العبادة. توحيد الحاكمية. التخلق بأخلاق “لا إله إلا الله”. القيام بالتكاليف الربانية التي تشمل طلب العلم، وعمارة الأرض بمفتضى المنهج الرباني، وإعداد العدة لأعداء الله، ونشر الدعوة في الأرض، والجهاد في سبيل الله.

وحين تبرأ “لا إله إلا الله” في قلوب الناس مما أصابها من الفكر الإرجائي، خاصة فكر المرجئة المحدثين الذي أفرغها من كل مقتضياتها على الإطلاق..

حين يصبح مقتضاها في حياة الناطقين بها أن يعبدوا الله وحده بلا شريك، وأن يقيموا حياتهم على شريعة الله ومنهجه، وأن يجاهدوا في الله حق جهاده..

يومئذ ستتغير حياتهم كلها.. وينفضون عنهم الهوان والذل، والضياع والتيه، والفقر والجهل والمرض، ويمكّن الله لهم مرة أخرى في الأرض كما وعد الله سبحانه.. لا بعصا سحرية، ولكن بالجهد والعرق والدماء والدموع.. ولكنه لن يكون كالجهد الذي يبذلونه اليوم في التيه، والعرق الذي يبذلونه في الذل، والدماء التي يبذلونها ضريبة لذلك الذل، والدموع التي يسكبونها حسرة على الضياع..

إنما ستكون كلها في سبيل الله.. فيبارك الله بها في الحياة الدنيا.. ويجزي عليها في الآخرة بالجنة والرضوان.

مَفهُوم العبَـادة

من أخطر الانحرافات التي وقعت فيها الأجيال المتأخرة من المسلمين – بعد انحرافهم في فهم لا إله إلا الله – انحرافهم في تصور مفهوم العبادة.

وحين يعقد الإنسان مقارنة بين المفهوم الشامل الواسع العميق الذي كانت الأجيال الأولى من المسلمين تفهمه من أمر العبادة، والمفهوم الهزيل الضئيل الذي تفهمه الأجيال المعاصرة، لا يستغرب كيف هوت هذه الأمة من عليائها لتصبح في هذا الحضيض الذي تعيشه اليوم، وكيف هبطت من مقام القيادة والريادة للبشرية كلها، لتصبح ذلك الغثاء الذي تتداعى عليه الأمم تنهشه من كل جانب، كما تنهش الفريسةَ الذئابُ. ويعلم الإنسان في الوقت ذاته الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الصحوة الإسلامية وهي تجاهد لرفع هذا الغثاء من حضيضه الذي يعيش فيه، ليعود كما أراده الله أن يكون: (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ) ([216]).

كان المفهوم الصحيح للعبادة في حسن الأجيال الأولى أن عبادة الله هي غاية الوجود الإنساني كله، كما فهموا من قوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ([217]).

إن هذه الآية الكريمة كانت تمثل في حسهم معنى هائلا جدا، وعميقا جدا، وشاملا لكل حياة الإنسان. فالقرآن نازل بلغتهم، وهم يفهمون إيحاءات تلك اللغة، ويدركون أسرار بلاغتها. فيدركون من معنى الآية أن غاية الوجود الإنساني كله محصورة في العبادة لا تتعداها إلى شيء غيرها على الإطلاق. فالنفي والاستثناء هما أقوى صور الحصر والقصر في اللسان العربي. ومعناهما النفي البات من جهة والحصر الكامل من الجهة الأخرى: نفي أي غاية للوجود البشري غير عبادة الله، وحصر غاية هذا الوجود كله في عبادة الله! ([218])

وكانوا إلى جانب ذلك يحسون إحساسا صادقا بعظمة الله – جل جلاله – فيحسون تبعا لذلك بما ينبغي للعبد – في مقام عبوديته – تجاه الله – في مقام ألوهيته – من إخلاص العبودية له، وإخلاص العبادة.. سواء.

ومن ثم لم ينحصر مفهوم العبادة في حسهم في نطاق الشعائر التعبدية وحدها، كما انحصر في حس الأجيال المتأخرة التي جاءت بفهم للإسلام غريب عن الإسلام.

إن شعائر التعبد لا يمكن بداهة أن تكون هي كل “العبادة” المطلوبة من الإنسان. فما دامت غاية الوجود الإنساني كما تنص الآية الكريمة محصورة في عبادة الله، فأنّى يستطيع الإنسان أن يوفي العبادة المطلوبة بالشعائر التعبدية فحسب؟!

كم تستغرق الشعائر من اليوم والليلة؟ وكم تستغرق من عمر الإنسان؟

وبقية العمر؟ وبقية الطاقة؟ وبقية الوقت؟ أين تنفق وأين تذهب؟ تنفق في العبادة أم في غير العبادة؟ وإن كانت في غير العبادة فكيف تتحقق غاية الوجود الإنساني التي حصرتها الآيـة حصرا كاملا في عبادة الله؟ وكيف يجوز للإنسان – من عند نفسه – أن يجعل لوجوده – أو لجزء من وجوده – غاية لم يأذن بها الله؟

*     *     *

إن الإنسان لا يستطيع – مهما حاول – أن يقضي واجب العبادة المفروض عليه نحو الله من خلال الشعائر التعبدية وحدها، من صلاة وصيام وزكاة وحج..

ليس الإنسان مَلَكاً.. ولن يكون.

والملائكة – وحدهم فيما نعلم – هم ذلك الخلق النوراني الشفيف الذي يسبح الليل والنهار لا يفتر: (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) ([219]) وهم – وحدهم – الذين لا يعصون الله في أمر من الأمور: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ([220]).

أما الإنسان، ذلك الكائن المخلوق من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، المشتمل – إلى جانب روحه الشفيفة – على جسد يكدح وينزع، ويأكل ويشرب، ويتعب وينام، وعقل يفكر في تدبير مطالب الحياة الحسية والمعنوية، ويسرح بخواطره في شتى المجالات، فإنه لا يستطيع أن يعبد الله على طريقة الملائكة التي تسبح الليل والنهار لا تفتر، ولا تنشغل عن التسبيح..

ولو شاء الله أن يكلف الإنسان العبادة على طريقة الملائكة لمنحه طاقة الملائكة في التَّسْبيح الدَّائم بغير فتور، ولركبه منذ البدء تركيبا آخر، لا يفتر ولا يكل ولا يمل، لأنَّ الله من رحمته لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ويجعل العبادة المفروضة على كل كائن من خلقه متناسبة مع طبيعة ذلك الكائن، ومع حدود طاقاته..

والكون كله – بما فيه من كائنات – عابد لربه بأمر ربه([221]).. وكلُّ على طريقته الخاصة كما هيأه الله:

( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) ([222]).

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.. ) ([223])

( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) ([224]).

ولكن الله – سبحانه وتعالى- قد شاء أن يخلق الإنسان على نمط متفرد بين جميع الكائنات..

( ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ) ([225]).

فعدّد مواهبه، وعلمه من العلم ما يناسب المهمة التي خلقه من أجلها:

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ([226]).

( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ([227]).

وسخر له من الأدوات ما يعينه على هذا الأمر:

( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) ([228])

وهيأه من خلال ذلك كله لحمل الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض:

( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ.. ) ([229])

وهو في ذلك كله – ومن ذلك كله – في كبد دائم وفي كدح:

( لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) ([230])

( يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) ([231])

ثم إن الله فرض عليه عبادة تناسب تكوينه وتناسب مهمته: تناسب طاقاته المتنوعة، والكبد الذي يعانيه، والكدح الذي يلازمه، وتناسب في الوقت ذاته مواهبه التي اختص بها بين الكائنات، ومجالات نشاطه الواسعة، والأمانة التي يحملها.. عبادة لا تعنته في شيء، ولا تكلفه ما لا يطيق، وتتسع في الوقت ذاته حتى تشمل وجوده كله وعمره كله من لحظة التكليف إلى لحظة الموت، لا تند عنها لحظة واحدة من لحظات الوعي، ولا لمحة ولا خاطر ولا لون من ألوان النشاط:

( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ.. ) ([232])

تلك هي العبادة التي كلف بها الإنسان، تشمل الصلاة والنسك – أي الشعائر التعبدية – وتشمل معها كل الحياة.. وكذلك فهم الجيل الأول – رضوان الله عليهم – معنى العبادة..

لم يحصروها قط في داخل الشعائر التعبدية، بحيث تصبح اللحظات التي يقومون فيها بأداء الشعائر التعبدية هي وحدها لحظات العبادة، وتكون بقية حياتهم “خارج العبادة”!

إنما كان في حسهم أن حياتهم كلها عبادة، وأن الشعائر إنما هي لحظات مركزة، يتزود الإنسان فيها بالطاقة الروحية التي تعينه على أداء بقية العبادة المطلوبة منه، ولذلك كانوا يحتفلون بها احتفالا خاصا، كما يحتفل المسافر بالزاد الذي يعينه على الطريق، وباللحظة التي يحصل فيها على الزاد.

كانوا كما وصفهم ربهم: ( يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ) ([233]) أي في جميع أحوالهم..

وكما في قلنا في أكثر من موضع في أكثر من كتاب، لم يكن ذكرهم مجرد الذكر باللسـان، ولا مجرد الذكر بالقلب، إنما كان إلى جانب هذا وذاك عملا يؤدى بروح العبادة لله.

فأما الذكر على طريقة الطقطقة بالمسابح فلم يؤثر عنهم – رضوان الله عليهم -. وأما الذكر على طريقة الخلوة التعبدية التي يغيب فيها الإنسان عن الواقع المحسوس، وينقطع عن الدنيا من أجل أن يخلو إلى ربه، فينقطع بذلك عن العمل في واقع الأرض.. فهذا أيضا لم يؤثر عن ذلك الجيل الفريد..

ولما همّ بذلك قوم من المسلمين نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان:

“ جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي “.

إنما كانوا يقومون بالعبادة وهم يمارسون الحياة في شتى مجالاتها، وكانت عبادتهم الكبرى هي العمل في شتى مجالات الحياة. كانوا يذكرون الله فيسألون أنفسهم: هل هم في الموضع الذي يرضى الله عنه أم فيما يسخط الله؟ فإن كانوا في موضع الرضى حمدوا الله، وإن كانوا على غير ذلك استغفروا الله وتابوا إليه:

( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) ([234]).

وكانوا يذكرون الله فيسألون أنفسهم: ماذا يريد الله منا في هذه اللحظة؟ أي: ما التكليف المفروض علينا في هذه اللحظة؟ فإذا كان التكليف: ( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ) ([235]) كان ذكر الله مؤديا إلى القيام بالجهاد في سبيل الله.

وإذا كان التكليف: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ([236]) كان ذكر الله مؤديا إلى القيام بهذا الواجب الذي أمر به الله تجاه الزوجات.

وإذا كان التكليف: ( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ) ([237]) كان ذكر الله مؤديا إلى القيام بتربية الأهل والأولاد على النهج الرباني الذي يضبط سلوكهم بالضوابط الربانية، ويوجه مشاعرهم وأفكارهم وأعمالهم إلى ما يرضي الله.

وإذا كان التكليف: ( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) ([238]) كان مقتضى ذكر الله هو المشي في مناكب الأرض وابتغاء رزق الله في حدود الحلال الذي أحله الله، لأنه إليه النشور، فيحاسب الناس على ما اجترحوا في الحياة الدنيا.

وإذا كان التكليف “طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ“ ([239]) كان مقتضى ذكر الله هو السعي إلى طلب العلم من أجل عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، سواء كان العلم هو العلم الشرعي الذي يعرف به الإنسان الحلال والحرام، والمباح والمندوب المكروه، أو العلم بما في الكون من طاقات، لتحقيق التسخير الربانـي الذي سخر الله به ما في السماوات والآرض للإنسان: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) ([240]) وهو تسخير لا يتم إلا بجهد علمي يبذله الإنسان في التعرف على خواص المادة ومدخرات الطاقة في الكون، وجهد بدني يبذله في تحويل الخامات والطاقات إلى عمران يحقق حاجات الناس في الأرض، كما يحقق لهم فوق ذلك الجمال والزينة التي أباحها الله.

وقد مرت بنا في الفصل السابق تلك الآيات التي وصفهم فيها ربهم، والدِّلالة الواضحة لتلك الآيات:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) … إلى قوله تعالى: وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) ([241]).

ودلالتها – كما أشرنا من قبل – أن الله سبحانه قد استجاب للتفكر والتدبر والدعاء والضراعة حين تحول هذا كله إلى عمل في واقع الحياة.

ومن مثل هذه التوجيهات المبثوثة في كتاب الله، ومن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم فهم المؤمنون من الجيل الأول والأجيال التالية له، أن العبادة المطلوبة لا تنحصر في الشعائر التعبدية، وأنها أوسع من ذلك وأشمل.. وفهموا أن الصلاة والنسك – أي الشعائر – إنما هي المنطلق الذي ينطلق منه الإنسان ليقوم ببقية العبادة، التي تشمل الحياة كلها، بل الموت كذلك!

والموت في حد ذاته لا يمكن أن يكون عبادة بطبيعة الحال لأنه لا خيار للإنسان فيه، ولكن المقصود في قوله تعالى: “ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ “ هو أن يموت الإنسان غير مشرك بالله، وذلك هو الحد الأدنى الذي يكون به الإنسان – في موته – عابداً لله. أما الحد الأعلى فهو أن يكون موته استشهاداً في سبيل الله.. وتلك قمة العبادة..

وبهذا النهج وحده.. أي بأداء تلك العبادة الشاملة المتكاملة، التي تشمـل الحياة والموت، تتحقق غاية الوجود الإنساني، ويكون الإنسان قد قام – قدر جهده – بالعبادة المطلوبة تجاه الله..

ولقد يبدو هذا المعنى غريبا في حس “المسلم المعاصر”، أو معتسفا، بعد إذا تعودنا منذ أجيال أن ننظر إلى الشعائر التعبدية على أنها هي كل العبادة المطلوبة من المسلم، وأنه إذا أداها فقد أدى كل ما عليه من العبادة، ولم يعد لأحد أن يطالبه بالمزيد!

ولكن مرجعنا في تحديد المفاهيم الإسلامية ينبغي أن يكون هو الكتاب والسنة، والصورة التطبيقية الصحيحة للكتاب والسنة كما مارسها الجيل الأول – رضوان الله عليهم – الذين شهد لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأنهم خير القرون قاطبة: “خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ “ ([242])

هذا هو المرجع.. وليس ما طرأ على المسلمين خلال مسيرتهم التاريخية الطويلة من قصور أو انحراف..

ووقوع القصور أو الانحراف خلال تلك المسيرة الطويلة أمر قد لا يستغرب من البشر من أبناء آدم:

( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) ([243]).

ولكن العجب – في الغربة التي يعيشها الإسلام اليوم – أن تتبدل بالصورة الصحيحة صورة خاطئة، ثم نصر على أنها هي الصورة الصحيحة!

.. فإذا جاء أحد يعرض علينا الصورة الصحيحة كما هي في الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، اتهمناه بالغلو، وامتنعنا عن التصحيح!

*     *     *

جاء في الكتاب المنزل – كما بينا من قبل – أن الله قد خلق الجن والإنس ليعبدوه:

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ([244])؛ ثم إن الله سبحانه وتعالى فرض على الناس تكاليف:

( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ([245])

( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ([246]) وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)([247]).

( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) ([248]).

( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) ([249])

( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) ([250]).

( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ.. ) ([251])

( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ) ([252]).

وعشرات غيرها من التكاليف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية والاعتقادية والأخلاقية..

كما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم تكاليف: “ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ.. “ ([253])

“ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ “ ([254])

“ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ “ ([255])

“ إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ “ ([256])

“ يَا غُلاَمُ! سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ “ ([257])

“ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الفِضَّةِ، أَوْ قَالَ: آنِيَةِ الفِضَّةِ، وَعَنِ المَيَاثِرِ وَالقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالإِسْتَبْرَقِ “ ([258])

“ مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ “ ([259]).

وعشرات غيرها من التكاليف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية والاعتقادية والأخلاقية..

فما موضع ذلك كله من العبادة التي بيّن الله سبحانه وتعالى أنها هي وحدها الغاية من خلق الجن والإنس؟ هل تقع تلك التكاليف كلها في داخل العبادة أم في خارجها؟

وإذا كانت في خارجها فكيف يستقيم المعنى في الآية الكريمة التي تحصر التكليف كله في العبادة وحدها، ولا شيء سواها؟

لا بد إذن – بداهة – ألا تنحصر العبادة في الشعائر التعبدية وحدها كما ظنت الأجيال المتأخرة من المسلمين، وأن يكون معنى العبادة هو المعنى الشامل الواسع الذي تحمله الآيتان الكريمتان:

( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) ([260]).

وواضح أن الخطاب في الآيتين موجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه موجه للأمة كلها من ورائه، وأن الخصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي في كونه أول المسلمين، وليست في التكليف ذاته، الذي هو تكليف لكل مسلم يشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.

وكذلك فهمت الأجيال الأولى معنى العبادة كما فرضها الله..

كان إحساس المسلم في تلك الأجيال بواجبه في الجهاد في سبيل الله كإحساسه بواجبه في الصلاة. هنا يعبد الله وهناك يعبد الله. ولا تغني إحدى العبادتين عن الأخرى، لأن كلا منهما – بمفردها – لا تحقق المعنى الكامل للعبادة التي يريدها الله.

وكان إحساسه بضرورة الزواج لكي يحصن نفسه من الفاحشة، ولكي يتخذ السبيل إلى تكثير الأمة المسلمة التي تجاهد لاقتلاع الشرك من الأرض، ونشر التوحيد وإقامة شريعة الله في ربوعها، هو إحساس العبادة. ولا يتناقض في حسه معنى العبادة مع الإحساس بمتعة الجسد ما دامت في حلال أباحـه الله. ولما قال لهـم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ” دهشوا بادئ الأمر، وقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟! فبين لهم الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ“ ([261]) ومن ثم لم يعودوا بعد ذلك يدهشون. وعلموا أن نشاط الجسد الطبيعي هو في الإسلام عبادة ما دام يبتغي فيه وجه الله، ويلتزم فيه بأوامر الله.

كذلك كان إحساس المسلم بسعيه في طلب الرزق، وطلبه للعلم، وعمارته للأرض، وكل نشاط جسده وعقله وروحه.. كلها عبادة. عبادة على الحقيقة لا على المجاز. عبادة يقوم بها بذات الإخلاص الذي يؤدي به الصلاة.

ومن ثم حققت تلك الأمة ما حققته من منجـزات في كل اتجاه، وما حققته من معجزات..

وما كانت تلك الأمة لتقدر على دك حصون الشرك واقتلاعها بمثل هذه السهولة، وبمثل هذه السرعة التي لا مثيل لها في التاريخ.

وما كانت لتقدر على إبراز تلك المثل الرفيعة التي أبرزتها في عالم الواقع، من إقامة العدل الرباني في الأرض، ونظافة التعامل، والوفاء بالمواثيق، وشجاعة النفس، والبطولة الفذة في ميدان القتال وميدان السلم سواء..

وما كانت لتقدر على إنشاء حركتها العلمية الضخمة، ولا حركتها الحضارية الفائقة..

ما كانت لتقدر على ذلك كله، ولا على شيء منه، لولا هذا الإحساس العميق لديها بأنها في ذلك كله تقوم بالعبادة التي خلق الله الإنسان من أجلها، وتقوم به بذات الحس التي تؤدي به الصلاة..

*     *     *

على أي صورة إذن ينبغي أن يعبد المسلم ربه ليحقق غاية وجوده التي خلقه الله من أجلها، وحصر فيها غاية وجوده؟

يعبده بادئ ذي بدء بتوحيده جل وعلا..

أي بالإقرار بأنه لا إله إلا هو – سبحانه – المتفرد بالربوبية والألوهية، المتفرد في أسمائه وصفاته وأفعاله:

( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ([262]).

( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) ([263])

وهذه العبادة الأولى – كما أسلفنا في الفصـل السابق – لها مقتضياتها التي لا تتم إلا بها، وليست مجرد كلمة تنطق باللسان وينتهي الأمر و “تسدد الخانة”، كما زعم الفكر الإرجائي للناس بغير سند من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومقتضياتها – كما مر بنا من قبـل – هي الإسلام كله! مع اختلاف في درجة “الإلزام”.. فمن مقتضياتها ما يتعلق بأصل الإيمان – كالاعتقاد بوحدانية الله بلا شريك، والتوجه بالشعائر التعبدية إليه وحده بلا شريك، وتحكيم شريعته وحدها بلا شريك – فهذا لا يكون العبد مؤمنا إلا به، ومنها ما يتعلق بكمال الإيمان – وهو أخلاقيات “لا إله إلا الله”، وبقية التكاليف التي فرضها الله – فلا يكون العبد كامل الإيمان إلا به ([264]).

ثم تأتي الشعائر التعبدية في موضعها بعد الإقرار بـ”لا إله إلا الله”، الذي يعني – كما أسلفنا القول – الإقرار بكل ما جاء من عند الله والالتزام به..

وقد احتفى الإسلام حفاوة ظاهرة بالشعائر التعبدية لحكمة ظاهرة، فهي التي تربط القلب ربطا دائما ومتجددا بالله، وهي – كما بينا – محطات التزود التي يتزود فيها الإنسان بالزاد الذي يعينه على بقية الطريق.

وقد أحس المسلمون – دائما – بالأهمية الخاصة التي أولاها الإسلام لهذه الشعائر، فاحتفلوا بها وركزوا عليها. ولكن الأجيال المتأخرة وقعت بشأن هذا التركيز في مجموعة من أخطاء التصور وأخطاء السلوك.

وكان الخطأ الأول – والأخطر – هو حصر العبادة المطلوبة كلها في الشعائر التعبدية.

وقد ترتب على هذا التصور الخاطئ إخراج “لا إله إلا الله” بكل مقتضياتها الاعتقادية والسلوكية من دائرة العبادة، فأصبحت العبادة تبدأ في – حس الناس – بالصَّلاة، ولا تبدأ بلا إله إلا الله!

ولقد كان مبدأ التفرقة في أول الأمر قضية “اصطلاح”. فلا إله إلا الله “عقيدة”، والشعائر “عبادات” ومع خطورة هذه التفرقة الاصطلاحية في ذاتها – كخطورة التفرقة الاصطلاحية بين “العبادات” و “المعاملات” – ([265]) فإن الخطر كان محدود الأثر في بادئ الأمر حين كانت “العقيدة” تؤخذ بمعناها الحقيقي الذي نزلت به من عند الله، وفهمه السلف الصالح، وهو توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وما يقتضيه ذلك في حياة الإنسان اعتقادا وفكرا وسلوكا.. فأما حين عمل الفكر الإرجائي على اختزال عقيدة التوحيد، وإفراغها من مضمونها الحيّ كلـه، وحصرها في مجرد التصديق للنجاة في الآخرة، والإقرار اللفظي للنجاة في الدنيا.. فقد تقلص جانب ضخم من “العبادة” الحقيقية التي افترضها الله على العباد، وأصبح الباقي منها – حتى لو أُدِّيَ على أكمل صورة – قاصرا على أن يوفي المعنى الحقيقي للعبادة التي خلق الله الخلق من أجلها، وقال عنها سبحانه:

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ([266])

وقد يبدو لأوَّلِ وَهْلَةِ أن الأمر ليس بهذه الخطورة! وأن المسلمين – وإن اصطلحوا على أن مفهوم العبادة هو أداء الشعائر – لا يمكن أن يكونوا في دخيلة أنفسهم قد أغفلوا ركن الإسلام الأول وهو الإقرار بالشهادتين!

ولكن الحقيقة الواقعة في حياة “المسلم المعاصر” تؤكد خطورة الأمر..

فحين يوجد إدراك صحيح للعبادة، وأنها تبدأ بالإقرار بالعبودية لله وحده دون شريك، قبـل الصلاة والصيـام والزكاة والحـج، لا يمكـن أن توجد الظاهرة القائمة اليوم في حياة “المسلم المعاصر” وهي وجود ملايين من البشر يعتقدون أن الإنسان إذا أدى الشعائر التعبدية فهو مؤمن كامل الإيمان، ولو تحاكم راضيا إلى شريعة غير شريعة الله، وأن قضية التحاكم منفصلة تماما عن العبادة كما هي منفصلة تماما عن الإيمان.. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ” ([267])! فذكر في الحديث اعتياد المساجد ولم يذكر التحاكم إلى شريعة الله!!

وأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة حق كلها.. ولكن الاجتزاء بحديث معيـن من أحاديث الإيمان منقطعا عن بقية الأحاديث التي تحدد حقيقة الإيمان أو تحدد نواقضه، لا يمكن أن يؤدي إلى إدراك صحيح.. وإلا فهل يعقل بداهة أن يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهادة لرجل بالإيمان – إن صح الحديث – لمجرد أنه يعتاد المساجد، إذا كان الرجل واقعا في شرك صريح ينقض لا إله إلا الله من أساسها، وينقض أصل الإيمان؟! أليس الإقرار بلا إله إلا الله – ومن مقتضياتها التحاكم إلى شريعة الله – شرطا لازما للإيمان قبل اعتياد المساجد وإقامة الصلاة وإن لم يذكر ذلك في الحديث الآنف الذكر، لأنه من المعلوم من الدين بالضرورة، الذي بينته أحاديث أخرى للرسول صلى الله عليه وسلم كما بينته الآيات المحكمات من كتاب الله؟

ولقد كان المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه يقيمون الصلاة ويعتادون المساجد، ومع ذلك لم يشهد لهم أحد بالإيمان! بل قوتلوا وحوربوا لأنهم أعرضوا عن حكم واحد من أحكام الله، مع إقرارهم – وتنفيذهم – لبقية الأحكام.. فكيف بمن يعرضون عن حكم الله كله، ويُقْبِلُون راضين على حكم غير حكم الله؟!

والناس اليوم قد يجهلون أن التحاكم إلى غير شريعة الله عن رضا وإرادة هو ارتداد عن الإسلام ينقض أصل الإيمان. وما نريد أن ندخل في قضية الحكم على هذا الجيل من الناس، وهل هم معذورون بجهلهم أم غير معذورين، فتلك قضية لا نخوض فيها أصلا للأسباب التي بيناها في غير هذا الكتاب ([268]).

ولكنا الآن في معرض البيان..

إن إخراج لا إله إلا الله – ومقتضياتها – من دائرة العبادة، وتوهم أن العبادة تبدأ بالشعائر، وتنحصر في الشعائر، قد أحدث اختلالات ضخمة في حياة المسلم المعاصر لا يستقيم معها إسلام. ولا بد من تصحيحها في التصور وفي السلوك معاً لتصحيح حياة المسلمين، وإخراج الناس من الوهدة التي سقطوا فيها، وأصبحوا – بسبب سقوطهم هذا – غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ.

*     *     *

وكان من بين ما خرج من مفهوم العبادة حين انحصرت في الشعائر التعبدية: “العمل“ بجميع أنواعه، بدءا بالعمل السياسي المتمثل في رقابة الأمة على الحاكم، وتقديم النصح له، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ليستقيم على أمر الله وشريعته، ويطبق العدل الرباني كما أمره الله، فيتمتع المجتمع بنعمة الإسلام التي منّ الله بها على عباده:

( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ) ([269])

يقول تعالى جل شأنه:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُـمْ تُؤْمِنُـونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْـرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) ([270])

ويقول صلى الله عليه وسلم:

“ مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ “ ([271])

فتحدد الآية الكريمة مصدر السلطة في المجتمع المسلم: الله ورسوله. وتأمر بطاعة الله وطاعة الرسول طاعة مطلقة في كل أمر أو نهي جاء في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم تأمر الآية بطاعة أولي الأمر لا قائمة بذاتها، ولا مطلقة كطاعة الله ورسوله، ولكن معطوفة على طاعة الله والرسول، أي فيما أمروا به غير مخالف لما جاء من عند الله والرسول، إذ أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: “لَا طَاعَة لمخلوقٍ فِي مَعْصِيّة الله، إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف” ([272])

ثم تبين الآية المرجع الذي يرجـع إليه المسلمون في أي نزاع يعرض لهم: الله والرسول. ولا أحد غير هذا المرجع. كما تربط الآية هذا الأمر، وهو الرجوع إلى الله والرسول في أي نزاع يعرض، بالإيمان بالله واليوم الآخر، أي بالعقيدة مباشرة. وهكذا تصبح القضية السياسية الكبرى وهي تحديد مصدر السلطة، والمرجع الذي يرجع إليه في حالة النزاع، قضية عقيدية مرتبطة بالأصل الذي تقوم عليه العقيدة كلها، وهو: “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”.

أما الحديث الذي أوردناه فيحدد سلوك الأمة حين تقع مخالفة لحكم الله، فيقرر أن تلك المخالفة تستوجب المجاهدة باليد أو باللسان أو بالقلب لرد الأمور إلى الأصل الذي تردّ إليه الأمور كلها، وهو ما جاء من عند الله ومن عند رسوله صلى الله عليه وسلم. ويربط هذا السلوك ربطا مباشرا بقضية الإيمان، وذلك بنفي الإيمان نفيا باتا عمن يرى المخالفة ولا يقوم بمجاهدتها بدرجة من الدرجات الثلاث وأدناها الكراهية بالقلب، إذ يقول عليه الصلاة والسلام: “وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ”.

وهكذا يصبح “العمل السياسي” جزءا من العقيدة وجزءا من العبادة، لا خارج هذه الدائرة ولا تلك. وهكذا فهمت الأمة وهي تراجع عمر رضي الله عنه فيقول له واحد من رعيتـه: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به! وتقول له امرأة من رعيته حين أمر بعدم المغالاة في المهور: لقد حجرت واسعا! الله يقول: “وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً“ وأنت تضيق على الناس؟! فيقول: أخطأ عمر وأصابت امرأة!

ولكن الاستبداد السياسي الذي بدأه الأمويون في حياة الأمة الإسلامية منذ وقت مبكر، مضافا إليه التفلت التدريجي من التكاليف، والصوفية التي أنشأتها ظروف معينة في حياة الأمة، والفكر الإرجائي الذي حصر الإيمان – الذي يدخل به الناس الجنة – في التصديق والإقرار.. كل هذه العوامل مجتمعة حصرت العبادة في حس الناس في الشعائر التعبدية فحسب، وأصبح الإسلام في حس الناس أقرب إلى أن يكون ممارسة فردية يقوم بها كل إنسان بمفرده، حين بعد الناس عن ممارسة “العمل السياسي” الإسلامي، وهو أبرز ما تقوم به الجماعة المسلمة من الأمور، وهو الذي استحقت من أجله وصف الله لها بأنها خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ.

( كُنْتـُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ([273])

وحين خرج العمل السياسي من دائرة العبادة تخلخلت أول عروة من عرى الإسلام – عروة الحكم – وإن كانت لم تنقض تماما في مبدأ الأمر، فقد بقي الناس في المجتمع الإسلامي يتحاكمون إلى شريعة الله، لا يرون غيرها شريعـة واجبة الطاعة ولا واجبة التنفيذ. ولكن صحب تحكيم شريعة الله جور من الحكام ومظالم تجعل التطبيق غير كامل كما أوجبه الله ونفذه السلف الصالح.. ومرت قرون من هذا التحكيم المصحوب بالجور والظلم حتى نقضت تلك العروة تماما في العصر الحديث حين نحيت شريعة الله عن الحكم أصلا واستبدلت بها شرائع البشر، فكانت أول عرى الإسلام نقضا كما قال الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم: “ لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةٌ عُرْوَةٌ، فَكُلَّمَا انْتُقِضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ “ ([274])

*     *     *

ومع وجود العوامل التي أشرنا إليها، والتي أخرجت العمل السياسي من دائرة العبادة، لم يكن من المتوقع أن يقف الانحسار في مفهوم العقيدة ومفهوم العبادة عند هذا الحد. إنما كان المتوقع أن يسري الانحسار تدريجيا إلى بقية أنواع العمل، فأُخرجت تدريجيا من دائرة الإيمان ودائرة العبادة، لا بمعنى أن الناس لم يعودوا يعملون، فالإنسان لا يمكن أن يكف عن العمل في الحياة الدنيا، وقد خلقه الله للكدح الدائم فيها: ( يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) ([275])

إنما بمعنى أن العمل في الحياة الدنيا انفصل في حس الناس عن دائرة الإيمان حين انحصرت هذه في التصديق والإقرار، وعن دائرة العبادة حين انحصرت هذه في الشعائر.. فصار للعمل ركيزة أخرى غير العبادة، لتكن هي الكسب، أو هي الاقتناء والملك، أو هي الغلبـة والسيطرة، أو هي المتـاع الحسي أو المتـاع المعنوي.. أو أي دافع من الدوافـع “الذاتية” التي تدفع الإنسان للإنتاج والعمل غير مرتبطة بالإيمان بالله أو التعبد إليه.. وصار في حس الإنسان أنه حين “يعبد” ينقطع عن العمل، وحين “يعمل” ينقطع عن العبادة، وصارت له ساعتان منفصلتان تماما لا يربط بينهما رابط: ساعة العمل وساعة العبادة، فضلا عن ساعة ثالثة خارج العمل والعبادة جميعا، هي ساعة اللهو أو الترويح – بريئا أو غير بريء! – فصارت كل واحدة من هذه الدوائر الثلاث منفصلة عن الأخرى، “مقفلة” على ما فيهـا، ولم يعد الإنسان يصل إلى أي واحدة منها إلا بالخروج من الدائرتين الأخريين!

*     *     *

لم يكن الجيل الأول الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم يفهم الأمر على هذا النحو الشائه الذي انحرفت إليه الأجيال المتأخرة. إنما كان – كما قدمنا – يفهم الحياة كلها على أنها عبادة، تشمل الصلاة والنسك وتشمل العمل كله، وتشمل لحظة الترويح كذلك. فلا شيء في حياة الإنسان كلها خارج من دائرة العبادة التي تنحصر فيها غاية الوجود الإنساني على هذه الأرض. وإنما هي ساعة بعد ساعة في أنواع مختلفة من العبادة، كلها عبادة وإن اختلفت أنواعها ومجالاتها ونطاقاتها.

الصلاة والنسك عبادة.

والكدح عبادة، سواء كان كدحا سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو فكريا أو علميا.. الخ.

والترويح عن القلوب لكي لا تكل ولا تمل عبادة.

فأما الصلاة والنسك فأمر العبادة فيها واضح لا يحتاج إلى بيان.

وأما الكدح فقد كان الأمر فيه واضحا تماما للجيل الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه. الذين كانوا يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، على النحو الذي أشرنا إليه من قبل.

كان الكدح – وهو العمل في واقع الحياة – هو العبادة الدائمة التي يقوم بها المسلم، والتي يتزود – من أجل القيام بها – بذلك الزاد الروحي العميق الذي تمنحه إياه الشعائر التعبدية، حين يقوم بها على صورتها الحقة، من الخلوص إلى الله، والتجرد إليه، والخشوع والخشية والإخبات.

وكانت العبادة في ذلك الكدح تتمثل في أمرين رئيسيين:

التوجه به إلى الله، والالتزام فيه بما أنزل الله، ومن ثم يتحول لتوه إلى عبادة يتقرب بها إلى الله، ويستحق عليها الثواب من عند الله.

وأما الترويح فقد كانوا يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يداعب أزواجه ويدخل السرور على أهله، ويتبسط مع أصحابه رضوان الله عليهم ويصحبهم إلى جلسة في بستان أو رياضة إلى خارج المدينة، وتقام بين يديه مباريات في الفروسية.. وكان يدعوهم ويوجههم إلى ما يجلو الكلل والملل عن قلوبهم في غير مأثم ولا استغراق يطغى على الواجبات، فكانوا يستشعرون أن الترويح على هذه الصورة – حين تسمح به ظروفهم المكتظة بالأعباء – منشّط للعبادة ومعين عليها، ومن ثم فهو داخل في إطارها..

وهكذا يقضون الحياة كلها في عبادة.. عبادة تشمل نشاط الروح كله، ونشاط العقـل كله، ونشاط الجسد كله، ما دام هذا كله مُتَوجَّهاً به إلى الله، وملتَزَماً فيه بما أنزل الله.. وهي في الوقت ذاته عبادة لا تعنت الإنسان ولا تكلفه ما لا طاقة له به، لأنها تأخذ نشاطه الطبيعي، الذي يمكن أن يصدر عنه بحكم تكوينه ذاته، فتحوله إلى عبادة بتلك اللمسة البسيطة العميقة في ذات الوقت، التي توجهه إلى الله، وتبتغي به مرضاة الله.

وهذا هو المفهوم الصحيح للعبادة كما أنزله الله.. المفهوم الشامل الواسع العميق:

( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ.. ) ([276])

*     *     *

وحين كان الأمر على هذا الفهم الذي فهمه الجيل الأول من كتاب الله ومن تعليم رسوله – صلى الله عليه وسلم – لم تكن هناك دوائر مغلقة في حياة المسلم ينتقل من واحدة إلى الأخرى ساعة بعد ساعة.. ولم تكن “العبادة” مجرد ساعة من الساعات، يخرج المسلم منها إلى غيرها.. إنما كانت هناك دائرة واسعة شاملة، ينتقل الإنسان في مختلف جوانبها من نشاط إلى نشاط، وهو في جميع الأحوال قائم أو متحرك في داخلها يعبد الله:

( يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ.. ) ([277])

ولم يكن ذلك تطوعا منهم يتفردون به، ويعفى غيرهم منه.. إنما كان هو الفهم الصحيح للعبادة، والممارسة الصحيحة لها، ثم يتفاضلون فيما بينهم لا في هذا الجوهر المشترك، وهو شمول العبادة لكل ألوان نشاطهم، إنما يتفاضلون في القدر الذي يجتهد كل منهم في تحقيقه في شتى مجلات العبادة، بمقدار ما يوفقهم الله.

وكانت الشعائر تلقى منهم حفاوة بالغة كما قلنا، لا باعتبارها هي مجال العبادة الأوحد فيصبّوا فيها كل وجداناتهم، وكل مشاعرهم، وكل حضورهم الروحي، وكل خشوعهم وإخباتهم لله.. إنما لأنها في حسهم – كما هي في الحقيقة – محطات التزود، التي يتزود فيها الإنسان بالزاد لبقية الطريق.. أو النبع الذي يجدد الطاقة للقيام ببقية العبادة المفروضة على الإنسان.. وكلما نفد الزاد أو كاد يكون المسافر قد أتى إلى المحطة التالية يتزود فيها للمشوار الجديد..

الصلاة زاد يومي يتكرر خمس مرات في اليوم والليلة. والصيام زاد سنوي مركّز مجمّع يستغرق شهرا كاملا يتقلب فيه الإنسان من عبادة إلى عبادة إلى عبادة. والزكاة موسم أو مواسم سنوية يتطهر فيها الإنسان من الشح، ويمارس العطاء الروحي والمادي. والحج موسم في العمر يتجرد فيه الإنسان من متاع الأرض الزائل كله، ويقبـل على الله.. وكلها زاد.. لبقية الطريق.. والعبادة تشمل كل الطريق..

ولننظر في بعض النماذج من سلوك الصحابة – رضوان الله عليهم – لندرك هذه الحقيقة العميقة الدقيقة، وهي شمول العبادة في حسهم لكل عمل وكل فكر وكل شعور، وكل لحظة من لحظات العمر، وعدم اقتصارها على لحظات معينة هي التي تؤدى فيها الشعائر التعبدية..

خذ هذا الأعرابي الذي أعطاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قسمه من الغنائم فقال: “ مَا عَلَى هذا اتَّبَعْتُكَ، ولكن اتَّبَعْتُكَ على أنْ أُرْمى إلى هَا هُنا – وأشارَ إلى حَلْقِهِ – بِسَهْمٍ فأموتَ، فأَدْخلَ الْجنَّةَ، فقال: «إنْ تَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْكَ» ([278]).

ألم يكـن في قمة العبادة وهو يفعل ذلك؟! وما كان في لحظتها يؤدي شعيرة من الشعائر! إنما كان يؤدي عبادة اللحظة القائمة، في المناسبة القائمة، ويؤديها على مستوى القمة في الأداء!

وخذ هذه المرأة التي كانت تصرع فتتكشف، فسألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يدعو لها بالشفاء. “قَالَ: “إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ” قَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا”..

ألم تكن في قمة العبادة وهي تقول كذلك؟! وما كانت في لحظتها تؤدي شعيرة من الشعائر! إنما كانت تؤدي عبادة اللحظة القائمة، في المناسبة القائمة، وتؤديها على مستوى القمة في الأداء!

وخذ سلمان الفارسي حين قام عمر – رضي الله عنه – على المنبر يقول: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فقال له سلمان: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة! فقال عمر – ولم يغضب – ولمه؟ قال: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به! فلم يغضب عمر، ونادى ابنه عبد الله بن عمر فقال له: نشدتك الله! هذا البرد الذي ائتزرت به أهو بردك؟ قال: نعم!.. قال سلمان: الآن مر! نسمع ونطع!

هل كان أيهما يؤدي شعيرة من الشعائر؟ إنما كان يؤدي كل منهما عبادة! سلمان يتعبد الله بالرقابة على أعمال الحاكم للتأكد من جريان العدل الرباني مجراه، وعمر – بروح العبادة في قمتها – لا يغضب من مساءلة الرعية له على متر زائد من القماش!

وخذ هذا الرجل الفقير وامرأته، إذ همّ الرجل أن يشكو فقره إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليعطيه ما يذهب عنه فاقته، فتقول له امرأته: أتشكو الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم؟! فيحجم الرجل ويصبر!

ألم تكن هذه لحظة عبادة؟ وفي القمة من العبادة؟!

وخذ هذا الرجل الذي خرج للقتال وفي يده تمرات، فأعجلته ريح الجنة فلم يصبر، فرمى التمرات من يده وهو يقول: لئن بقيت حتى أنتهي من هذه إنه لأمر يطول!!

كيف تُسَمَّـى هذه اللحظات الفائقة.. إن لم تكن لحظات عبادة في أعلى القمة من العبادة؟!

*     *     *

كذلك كان الصحابة – رضوان الله عليهم – يعبدون ربهم..

يعبدونه بالصلاة والنسك..

ويعبدونه بالعمل..

ويعبدونه بالترويح النظيف الطاهر الذي يمنع العمى عن القلوب..

وفرق كبير بين أن تقتصر العبادة على الصلاة والنسك والشعائر، ويخرج منها العمل والترويح، وبين أن تكون كلها عبادة، يتنقل الإنسان فيما بينها ساعة بعد ساعة، ولكنه لا يخرج في أي ساعة من دائرة العبادة التي يتوجه فيها القلب إلى الله، ويلتزم فيهـا بأوامـر الله..

فارق في النظافة النفسية والسلوكية..

وفارق في نوع “الإنجاز” الذي يقوم به الإنسان في الأرض، فردا كان أو جماعة..

أما فارق النظافة فواضح.

فحين يكون العمل عبادة فلن يدخله الغش، ولا الخيانة، ولا الكذب، ولا الخديعة، ولا الافتئات على حقوق الناس بالجور والظلم، ولا ارتكاب المحرمات من أجل الكسب أو التسلط أو المتاع..

وحين يكون الترويح عبادة فلا يمكن أن يسفل، وأن يتفه، وأن يسفّ، ولا أن يهبط بإنسانية الإنسان كما هو حادث في الجاهلية المعاصرة في ألوان “اللهو” المبذول في كل مكان، والذي يزين كل فاحشة سوية أو شاذة للناس.

وأما الإنجاز فقد يخيل لبعض الناس اليوم أن أضخم إنجاز في التاريخ هو الإنجاز الذي قامت به أوربا في عصرها الحاضر.. وقد قامت به وهي بعيدة تماما عن “الدين” وعن عبادة الله..

وهنا لا بد من التنبه إلى مجموعة من الحقائق..

فقد أنجزت الحضارة المادية المعاصرة إنجازا ضخما لا شك فيه في بعض جوانب الحياة، أبرزها التقدم العلمي الهائل، والتقدم التكنولوجي الذي استخدم ثمار العلم في تيسير الحياة وتخفيف الجهد عن الإنسان، وعبقرية التنظيم التي تسهم بدورها في تيسير الحياة وتخفيف الجهد وتوفير كثيـر من الوقت، وبعض الجوانب “الإنسانيـة” الأخرى المتمثلة في “الحقوق” و “الضمانات” التي يتمتع بها الناس هناك.

ولكن الحصيلة النهائية لهذه الحضارة المادية بعيدة كل البعد عن أن تكون صورة مشرقة “للإنسان” أو صورة مشرّفة له، رغم كل الجوانب المضيئة فيها، بسبب ما تحمله من جور سياسي واقتصادي واجتماعي، واستعمار، وانتهاك للحرمات، وقذارة حسية ومعنوية، وتحلل أخلاقي، وانطماس روحي، وانتكاس نفسي، وهبوط بالإنسان من مكانه اللائـق الذي خلقه الله له، وكرمه به، لكي يصبـح في النهاية عبدا ذليلا لكل شيء.. إلا الله! ([279])

وهذا هو مفرق الطريق بين الإنجاز الأوربي المعاصر وإنجاز الأمة الإسلامية حين كانت حياتها قائمة على التطبيق الصحيح للإسلام..

إن ما تقوم به أوربا اليوم ليس هو الذي قامـت به الأمة الإسلامية الأولى، ولا قريبا منه، وإن اختلطت بعض أجزاء الصورة في بعض الأذهان.

إن الذي قامت به الأمة الإسلامية الأولى لم يكن مجرد التوسع والفتح، والغلبة والسلطان، ولا مجرد إقامة حركة علمية أو حركة حضارية أو عمارة مادية للإرض.. فهذا كله من العطاء الرباني الذي يمنحه الله للكفار وللمؤمنين سواء:

( كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) ([280])

وقد كان لكثير من الجاهليات التاريخية نصيب منه:

( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) ([281])

( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) ([282])

إنما الذي صنعته الأمة الإسلامية هو إقامة هذه العمارة وهذه الحضارة وهذه القوة الغالبة الساحقة على أساس من القيم والمثل لم تتحقق في صورة واقع عملي سلوكي إلا في تاريخ هذه الأمة الفريدة في التاريخ.

ومن شاء فليعقد مقارنة بين حركة الفتح الإسلامي وبين الغزو الاستعماري، وبين العدل الرباني كما طبقه المسلمون في الأرض و “عدالة” الجاهلية المعاصرة بين البيض والسود في أمريكا وفي جنوب أفريقيا، وبين الصليبية الصهيونية وبين المسلمين في فلسطين أو الحبشة أو أرتيريا أو تشاد أو الفلبين أو العالم الشيوعي، أو أي صقع من الأرض كان فيه مسلمون تحت سيطرة غير المسلمين! وليعقد المقارنة بين وفاء المسلمين بمواثيقهم وبين مواثيق الدول التي تبرمها وهي تتحين الفرصة المناسبة لنقضها! وبين تمحض الحركة العلمية الإسلامية للخير، وبين استخدام العلم في الجاهلية المعاصرة لفتنة الناس عن عقيدتهم في الله، واستخدامه في التدمير الوحشي، واستخدامه في إفساد الأخلاق ([283])، وبين شمول الحضارة الإسلامية “للإنسان” من كل جوانبه، الروحي منها والمادي، وتركيز هذه الحضارة على جوانب الحياة الحسية وإهمال جانب الروح.

إن هذا بالضبط هو الفارق بين ممارسة الحياة بحس العبادة، أي عبادة الله، وممارستها – بوعي أو بغير وعي – عبادةً للشيطان، على تعدد الصـور التي تمارس بها عبادة الشيطان!

ولقد كانت الأمة الإسلامية في ذروتها حين كانت تمارس “العمل” بحس العبادة، فأما حين خرج العمل تدريجيا من مفهوم العبادة فقد بدأت تهبط من ذروتها درجات مختلفة من الهبوط..

*     *     *

ولم يكن العمل وحده – بجميع مجالاته – هو الذي خرج من مفهوم العبادة حين انحصرت في الشعائر التعبدية.. إنما كانت الطامة في خروج “الأخلاق” من دائرة العبادة..

إن من المزايا الكبرى لهذا الدين قاعدته الأخلاقية العريضة الشاملة، التي تشمل كل أعمال الإنسان.

لا شيء في حياة الإنسان يخرج من دائرة الأخلاق. لا سلوكه ولا فكره ولا مشاعره ولا أي لون من ألوان نشاطه، سياسيا كان أم اجتماعيا أم اقتصاديا أم فنيا.. الخ. بل كل نشاطه مرتبط بالأخلاق وقائم على قاعدة أخلاقية نابعة من الميثاق الذي يقر فيه الإنسان بعبوديته لله:

( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ) ([284])

والميثاق قد يكون هو ميثاق الفطرة الذي أخذ عليها في عالم الذر، أو يكون هو العهد الذي يأخذه كل رسول على الناس أن يعبدوا الله وحده بلا شريك:

( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) ([285])

( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ([286])

ولكـن المهم في السيـاق أن “الميثـاق” تفصل بعض مقتضياتـه فإذا هي مقتضيات “أخلاقية” في أساسها، وإن كانت تشمل أمورا اعتقادية، وأمورا سلوكية، وأمورًا نفسية: ( الَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَـاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُـوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.. )

فيتبين لنا من ذلك منشأ الالتزام الأخلاقي في الإسلام. إنه عبادة الله، بعد اليقين بألوهيته، وبأن ما أنزله على رسوله – صلى الله عليه وسلم – هو الحق. أي أنه مقتضى: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

ثم يتبين لنا من هذه الآيات ومن آيات أخرى في كتاب الله أن الميثاق مع الله، الذي تنشأ منه القاعدة الأخلاقية في الإسلام، يتسع حتى يشمل الأعمال كلها:

(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ) ([287])

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.. ([288]).

وتجيء أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – تربط الأخلاق ربطا وثيقا بالإيمان، وجودا وعدما:

“ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ “ ([289])

“ مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ.. “ ([290]).

“ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْرِ “ ([291]).

“ الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ “ ([292])

“ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ “ ([293])

“ سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: “ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ “. ([294])

عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ، قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ، ثم اسْتَقِمْ ([295]).. الخ.. الخ.. الخ.

ويتبين من هذا كله أن الأخلاق جزء أصيل من هذا الدين، ينبع نبعا مباشرا من الإيمان بالله، ويمارسها المؤمن عبادة لله، فلا هي أمور هامشية في حياة المؤمن، ولا هي – في حسه – خارجة عن نطاق العبادة التي يتقدم بها إلى الله.

ولكن انحسار مفهوم العبادة، وانحصارها في الشعائر، أخرج الأخلاق من العبادة تدريجيا.. فماذا كانت النتيجة؟

كانت النتيجة أنه أصبح أمراً مألوفا في العالم الإسلامي أن تجد الرجل يصلي في المسجد – ويعتاد المساجد – ثم يكذب! بينما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً؟

فَقَالَ: «نَعَمْ». فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلاً؟ فَقَالَ: «نَعَمْ». فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّاباً؟ فَقَالَ: «لاَ»! ([296])

وأصبح أمرا مألوفا أن يخرج الرجل من الصلاة بالمسجد ثم يغش المسلمين. بينما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا “ ([297])

وأصبح مألوفا أن يخرج الرجل من الصلاة وقد خان الأمانة التي اؤتمن عليها، أو أخلف الوعد الذي أعطاه، بينما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من علامات النفاق!

وليس الغريب أن يتفلت الناس من قيود الأخلاق. فهي قيود ثقيلة إلا على الذين هدى الله!

ولكن الغريب أن هذا التفلت – بكل آثاره المدمرة في حياة الأمة- غير موصول في حس الناس بأمر العبادة! فالعبادة هي الشعائر.. ومن أدى الشعائر فقـد أدى العبادة المطلوبـة.. وأما هذه السَّقَطَات الأخلاقية فهي معيبة نعم، والوعاظ يتكلمون عنها في كل خطبة، نعم، ولكنها في دائرة أخرى غير دائرة العبادة.. فهـذه “مقفلة” على الشعائر فحسب!

وأصبح من الخزي لهذه الأمة أن الجاهلية المعاصرة تصدق في الوعد في معاملاتها اليومية (وتحتجز الكذب للأمور السياسية!) وتؤدي الأمانة، ولا تغش، ولا تخون.. بينما الأمة “الإسلامية!” غارقة إلى قمة رأسها في الكذب والغش والخيانة وخلف الوعد.. إلا من رحم الله! (بخلاف ما يتظاهر به النصارى في مصر والبلاد الإسلامية من الصدق والأمانة والوفاء بالوعد والالتزام بالكلمة والأدب والاجتهاد في العلم والعمل والإخلاص فيهما؛ حتى يعملون دعاية لدينهم الباطل ويفتنوا غيرهم من المسلمين!).

إن أوربا – في اعتقادنا – ليست أمة ذات أخلاق حقيقية أصيلة..

وما يوجد من أخلاقيات في معاملاتها اليومية فهو أخلاق نفعية هدفها تحقيق المنفعة في الحياة الدنيا فحسب. ولقد تعلمت أوربا من التاجر اليهودي الذكي، الذي سيطر على مقدرات أوربا في القرنين الأخيرين، والأخير بصفة خاصة، أنَّ التَّوَدُّدَ اللطيف إلى “الزُّبون” والصدق معه، والتعامل الأمين، أدوم لكسبه، وأدوم للانتفاع منه، من الغش والكذب وخلف الوعد.. فراضوا أنفسهم على تلك الأخلاقيات النافعة، وربوا عليها أولادهم تربية جادة، يُبْذَل فيها جهد حقيقي مدروس منظم، وتؤدي يالفعل إلى صورة طيبة المظهر في واقع حياة الناس.

وهم يقولون – ويعتقدون – أنها “قيم حضارية”..

ونحن نشك في ذلك كثيرا لأن الرأسمالية كلها تحكم الغرب وتدير شئون قائمة على ألوان كثيرة من الغش والكذب والخداع من أجل الحصول على أكبر قسط من الربح. فالربح – من أي سبيل – هو هدفها الأول، وليس الصدق ولا الأمانة ولا غيرهما من الفضائل، إنما تجيء هذه – في الطريق -، كما قدمنا من خصال التاجر اليهودي عماد تلك الرأسمالية. وفي الوقت الذي لا تؤدي فيه هذه الفضائل إلى الربح، أو يتحقق النفع بأضدادها يتخلى الأوربي بسهولة عن كثير من “أخلاقياته” كما يحدث دائما في عالمهم السياسي المخادع، وكما يحدث في الاستعمار، وفي العلاقات الدولية، وفي تعامل البيض مع الملونين.. الخ.. الخ.

أما في الإسلام – في صورته الصحيحة – فقد كانت الأخلاق قِيَمَاً حقيقية أصيلة لأن هدفها لم يكن الربح المادي، ولا كانت قائمة عليه، إنما هدفها الوفاء “بالميثاق“ المعقود مع الله، وقائمة على قاعدة “العبادة“ لله. كما كانت كذلك قِيَمَاً حضارية أصيلة لأنها ذات صبغة “إنسانية” غير محصورة في جنس ولا لون، إنما هي صادرة من “الإنسان” بوصفه إنسانا – مؤمنا – وموجهة إلى “الإنسان” حتى ولو لم يكن مؤمنا بما يؤمن به المسلمون.

وحين كانت الأمة تمارس إيمانها الحق، وعبادتها الحقة، وكانت “الأخلاق” في حسها جزءا من العبادة المفروضة على المسلم المؤمن حدثت معجزات كثيرة لم تتكرر في التاريخ.

ففي أقل من نصف قرن امتد الفتح الإسلامي من الهند شرقا إلى المحيط غربا، وهي سرعة مذهلة لا مثيل لها في التاريخ كله. ولم يكن الكسب هو “الأرض” التي فتحت، فما خرج المسلمون من الجزيرة يريدون التوسع في الأرض! إنما كان هدفهم، كما قال ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس: “اللَّهُ ابْتَعَثَنَا، وَاللَّهُ جَاءَ بِنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلامِ“.

كان الكسب الأعظم هو “القلوب” التي اهتدت بنور الله فدخلت في دين الله. ولم يكن ذلك عن رهبة من سطوة الفاتحين، ولا قهرا قهرهم عليه الفاتحون! فقد أمنوهم على أنفسهم وعلى عقائدهم، وشهد الناس بأعينهم حقيقة الأمان الذي منحه المسلمون لمن بقي على دينه ولم يشأ أن يدخل في الإسلام.

إنما كانت “أخلاق” الفاتحين من أكبر الأسباب التي فتحت قلوب الناس لهذا الدين. ولا عجب فقد كانت أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل من أكبر الأسباب في هداية من اهتدى من الناس كما شهد له ربه: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ([298])

( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) ([299])

ولم تقف المعجزة عند السرعة المذهلة التي تم بها الفتح، ولا عند دخول ملايين من البشر طواعية وحُبَّاً في الدين الذي أتى به الفاتحون، ولا في تحول المهتدين إلى جنود مخلصين للعقيدة التي اعتنقوها يجاهدون لنشرها في الأرض مختارين متطوعين لا يدفعهم أحد ولا يضغط عليهم أحد.. إنما امتدت المعجزة إلى ظاهرة لم تتكرر قبل ولا بعد، هي دخول هذه الملايين في اللسان العربي، حتى من بقي منهم على دينه ولم يعتنق الإسلام، ونسي النصارى في مصر والشام وغيرها من البلاد المفتوحة لغاتهم التي كانوا يتكلمون بها، ويؤدون عباداتهم – على دينهم – بالعربية!

بل امتد الإسلام إلى رقاع واسعة من آسيا وأفريقيا – سِلْمَاً – على يد تجار جاءوا للتجارة لا للدعوة! ولكن أخلاقهم الإسلامية حبَّبَت الناس فيهم، وفي دينهم الذي رباهم على أخلاقياته، فدخلوا في هذا الدين!

ضَعْ في مقابل ذلك ما يحدث اليوم من صدٍّ عن سبيل الله يقوم به “المسلمون” بسبب سوء أخلاقهم!

إن أوربا، بامتدادها الغربي كله حتى أمريكا، قد وقعت اليوم في الضنك الذي أنذر به الله من أعرض عن ذكره: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) ([300])

وهو ضنك نفسي لا يخفف من آثاره كل التقدم المادي والعلمي والتكنولوجي والاقتصادي والعمراني الذي يعيشون فيه، بل إن “مجتمع الوفرة” الذي وصلت إليه بعض الشعوب متجاوزة به “مجتمع الرفاهية” ([301]) قد وصل فيه الضنك النفسي إلى الذروة، متمثلا في القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والعصبية وإدمان الخمر وإدمان المخدرات والجنوح والجريمة والشذوذ وفساد الفطرة…

والناس هناك يبحثون عن طريق الخلاص.. ومنهم من يعتنق “البوذية”، ومنهم من يدخل في عبادة كرشنا، ومنهم من يتخبط هنا وهناك..

والإسلام هو طريق الخلاص.. أنزله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور..

ومئات –وربما آلاف- من الناس في الغرب يدخلون في الإسلام كل عام..

ولكن هذه المئات كان يمكن أن تكون ألوفا وملايين لولا عوامل كثيرة تصد الأوربيين عن الإسلام، منها الحاجز الصليبي ولا شك، ومنها النفور من “الدين” عامة بسبب ما فعلته الكنيسة الأوربية في تشويه صورة الدين وتنفير الناس منه بفظاظتها وطغيانها.. ومنها كذلك واقع المسلمين!

إن كثيرا من الناس في الغرب يستمعون إلى الدعاة المسلمين يحدثونهم عن الإسلام، ثم يقولون لهم بلسان الحال أو بلسان المقال: إذا كان الإسلام بهذه الصورة الجميلة التي تعرضونها، فلماذا أنتم هكذا؟! لماذا أنتم كذابون غشاشون مخادعون مخلفون للوعد غير مستقيمين في تعاملكم (مخالفون جملة وتفصيلا لتلك الصورة التي تعرضونها علينا في سلوكياتكم وأخلاقكم وتشبهكم بنا في حياتكم وبيوتكم) .. فضلا عن كونكم – فيما بينكم وبين أنفسكم – متعادين متباغضين لا تجتمعون على شَيْءٍ؟! ([302])

وهكذا يقف واقع المسلمين في وجه الدعوة إلى الإسلام، يصد الملايين الحائرة عن طريق الخلاص!

ومع ذلك يمر كثير من الناس على هذا الأمر الخطير مرورا عابرا، لا يثير عندهم أكثر من أسفٍ عابر، ثم يهزون أكتافهم ويمضون.. ولا شك أن من أكبر أسباب ذلك حصر الأخلاق – في حسهم – على دائرتين مغلقتين، لا توابع لهما ولا مقتضيات!

وما زلت أذكر داعية مرموقا له في الدعوة جهود مشكورة يجزيه الله عنها خيراً إن شاء الله، قال محتدَّاً على أحد الطلاب في مناقشة لرسالة جامعية: ما علاقة الأخلاق بلا إله إلا الله؟! العقيدة – كما تعلمناها – إلهيات ونبوات وسمعيات، ولا شيء وراء ذلك! فمن أين جئت بهذه العلاقة التي تريد أن تقيمها بين لا إله إلا الله وبين الأخلاق؟!

وهكذا يُنْظَرُ إلى الأخلاق – بعد إخراجها من دائرة العقيدة ودائرة العبادة – على أنها أمر “إضافي” إن وجد فنعمّا هو! وإن لم يوجـد فلا بأس! فالإيمان مستقر بقول لا إله إلا الله، والعبادة مؤداة بالشعائر. أما هذه “النافلة” الأخلاقيـة فلا علينا إن أسقطناها من الحساب! ونحن طبعا لا نسقطها من الحساب! فنحن “نتحدث” عنها دائما في خطب الوعظ الأسبوعية، والدورية، والموسمية. وقد نعلم قبل أن نتحدث، وبعد أن نتحدث، أنه كلام ذاهب في الهواء. ومع ذلك لا نكف عن الوعظ الدائم طمعا في هداية الناس! ([303])

ترى كم شعبة من شعب الإيمان المنصوص عليها في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قد هدمت حين هدمت الأخلاق؟! ([304])

*     *     *

وحين ضاق مفهوم العبادة في الأجيال المتأخرة فانحصر في الشعائر، وخرج من دائرة العبادة النشاط اليومي العملي، سواء منه النشاط السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.. وخرجت منها أخلاقيات لا إله إلا الله كذلك، كثرت المعاصي بالطبع وكثر العصاة، واضطرب سير المجتمع، وكثرت فيه الانحرافات والمظالم، وسقط أكثر من مرة في اضطرابات عنيفة ونكبات.. ومع ذلك فلم يكن هذا القدر هو كل السوء الذي حل بمفهوم العبادة.. إنما كان مرحلة في طريق الهبوط!

لقد كان الذي مر بنا حتى الآن هو انحسار مفهوم العبادة حتى ينحصر في الشعائر التعبدية وحدها دون سائر الأعمال. ولكن هذا الأمر ذاته قد أدى – بالطبيعة – إلى مزيد من الانحسار.. على درجات!

فأما الدرجة الأولى فهي انحسار الشعائر ذاتها إلى أعمال مقصودة لذاتها، بغير مقتضيات لها! بحيث يصبح أداؤها في ذاتها هو كل “العبادة” المطلوبة من الإنسان!

ولا شك أن الجيل الأول الذي تلقى علمه من الكتاب والسنة لم يكن يفهم الأمر على هذه الصورة!

فالكتاب والسنة قد أعطيا لكل شعيرة من الشعائر التعبدية بعدا نفسيا وسلوكيا لا يقتصر على أدائها.. بل الأصح أن تقول إنه يبدأ بأدائها.. ثم يمتد ليشمل مساحة واسعة من حياة الإنسان!

يقول الله تعالى في محكم التنزيـل: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) ([305])

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ([306])

ويقول عليه السلام: “مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ”([307])

ويقول صلى الله عليه وسلم: “رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ“ ([308]).

وقال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) ([309])

وقال عليه الصلاة والسلا: “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!“ ([310]).

وقال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) ([311]).

وقال سبحانه: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ) ([312])

ويقـول صلى الله عليـه وسلم: “.. وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ- أي الذي لا إثم فيه – لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ“ ([313]).

ويقول صلى الله عليـه وسلم: “مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ “ ([314])

وخلاصة هذه الآيات والأحاديث أن الشعائر التعبدية ذات مقتضيات، وأنها لا تنتهي بذات نفسها، أي بمجرد أدائها، إنما تصحبها وتتبعها مقتضيات، هي التي تعطيها معناها الحقيقي، ومهمتها الحقيقية في حياة الأمة المسلمة.

صحيح أن الله سبحانه وتعالى تَعَبَّدَ هذه الأمة بهذه العبادات بالذَّات. والله يقضي بما يشاء لا معقب لحكمه، وهو سبحانه يتعبد من يشاء بما يشاء (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) ([315]) وليس لأحد أن يتعبد إلا بما فرضه الله عليه من ألوان العبادة أو بما استحبه منه سبحانه. ومن هذه الوجهة نقول: إن هذه العبادات مقصودة بذاتها لا يغني شيء عنها، مهما اجتهد العبد من عند نفسه، ومهما زعم أنه يترضى الله بما ابتدعه من عند نفسه من ألوان العبادة.. ولكن الواضح من الآيات والأحاديث أن هذه العبادات لها غاية أبعد منها، منصوص عليها نَصَّاً صريحًا بحيث لا تحتاج إلى استنباط أو اجتهاد([316])، مما يقطع بأنها ليست غاية في حد ذاتها، وأنَّ القيام بها دون أداء مقتضياتها يضيّع الحكمة منها، والغاية من افتراضها..

والقول بأنَّ الله افترضها ليتعبد بها عباده فحسب، ولينظر من يطيعه بالغيب ومن يعصيه، وأنَّه ليس من الضَّروري أن تكون هناك حكمة معلومة للبشر من وراء افتراضها، لأنَّ حكمتها عند الله..

هذا القول لا يوفي العبادات قدرها، ولا يغطي كل مجالها، مع أنَّه صحيح في ذاته.. فما دام الله سبحانه وتعالى قد بين الحكمة – أو بعض الحكمة – من افتراض هذه العبادات، فليس لنا نحن أن نلغي ما نص الله ورسوله عليه من الحكمة، ونقول: إن العبادات مفروضة لذاتها، ولا شيء مطلوب وراءها!

مقصودة بذاتها نعم، ولكن لا لذاتها فحسب، وإنما لذاتها ولما وراءها من المقتضيـات.. فإذا قمنا بها لذاتها فحسب وأغفلنا مقتضياتها المنصوص عليها فهل نكون قد أدينا العبادة التي فرضها الله؟!

تلك هي القضية التي غفلت عنها الأجيال المتأخرة حين حصرت العبادة في الشعائر، ثم حصرت الشعائر في مجرد الأداء..

وصحيح أن الناس استنكروا ما حدث من نتائج هذا الانحسار، حين رأوا قوما يؤدون الشعائر ثم لا يعملون بمقتضاها بل يعملون بعكسه، فيصلون ولا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، ويصومون ولا يؤدي بهم الصوم إلى التقوى، ويزكون وأموالهم حرام أو مختلطة بالحرام، ويحجون فلا يزودهم الحج بالتقوى والإخبات إلى الله، ولا يمنعهم عن شهادة الزور!

استنكروا لأن النفس تستنكر ذلك بفطرتها..

ولكنَّه استنكار قاصر لا يصل إلى تغيير ذلك المنكر الضَّخم، لأنَّه قد وقر حتى في حس المنكرين أنفسهم أنَّ أولئك قد أدوا العبادة على أي حال!!

كلا! لم يؤدوا العبادة! لقد قاموا بالشعيرة نعم! ولكنْ فرق شاسع بين أداء الشعيرة وأداء العبادة!

إنه لا توجد عبادة واحدة في الإسلام يقتصـر المطلوب فيها على أدائهـا مجرد الأداء فحسب.. إنما الأصح -كما بينا من قبل- أن نقول: إن العبادة تبدأ بالأداء، ولا تتم إلا بوقوع المقتضى المطلوب من أدائها. أو نقول بعبارة أخرى: إن أداء الشعيـرة – أو العبادة – قائما بمفرده يمكن أن يعطي “مظهرية الإسلام” في الحياة الدنيا، فتجري الأحكـام على صاحبهـا أنـه مسلم.. ولكنه – وحده – غير مقبول عند الله.

لا إله إلا الله تبدأ بنطقها.. ولكن نطقها وحده لا يحقـق التوحيد، الذي هو حقيقة الإسلام، إلا أن يلتزم الإنسان التزاما سلوكيا واقعيا بما لا بد من الالتزام به، وهو عدم الشرك في الاعتقاد، وتقديم الشعائر التعبدية لله وحده بلا شريك، وتحكيم شريعة الله في كل أمر من الأمور.

والصلاة تبدأ بأدائها – على الصورة التي بينها الله ورسوله – وتعطي مظهرية الإسلام بالأداء، ولكنها لا تقبل عند الله حتى تؤدي مقتضاها من الانتهاء عن الفحشاء والمنكر. ومن هنا يقول سبحانه وتعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) ([317])

وكذلك بقية العبادات..

*     *     *

وحين وصل الفساد في مفهوم العبادة إلى الحد الذي بيناه، من حصرها في الشعائر، ثم حصر الشعائر في مجرد الأداء دون تحقيق ما يتعلق بها من المقتضيات.. فقد كان هذا فسادا ضخما ولا شك. ومع ذلك فلم يكن الأمر ليتوقف عند هذا الحد، فمن طبيعة الانحسار أنْ يزداد ما دام الناس لا يحسون أنَّه انحسار، وأنَّهم مقصرون في أداء الواجب، ومنحرفون عن الطريق الصَّحيح..

لقد كانت الأجيال الأولى تحتفل احتفالا ضخما بالشعائر التعبدية – وإن كانت لا تحصر العبادة فيها – لأنها تحس – كما أسلفنا – أنها محطات التَّزَوُّدِ بالزاد، وتحس بحاجة المسافر إلى ذلك الزاد. ([318])

لقد كانت الصلاة في حسهم – كما ينبغي أن تكون – وقوفا بين يدي الله، وخشوعا وإخباتا يناسب ذلك الموقف بين يدي الله. كان الله حاضرا في قلوبهم – وكان هذا الحضور يحكم الموقف كله. فالله قريب منهم مطّلع عليهم. يراهم وهم يتهيأون للصَّلاة، ويراهم وهم يؤدونها، وهم يتلون القرآن، وهم يركعون ويسجدون ويقومون. ويحسون في كل لحظة أنَّه قريب منهم، يرقب حركاتهم وسكناتهم، ويطلع على خفقات قلوبهم، ويتقبل إخباتهم، ويستجيب دعاءهم.. فيكون لهذا كله أثره في نفوسهم، فتؤدي الصلاة – من ثَمَّ – وظيفتها في حياتهم. تزيدهم قربا من الله؛ وتنهاهم عن الفحشاء والمنكر. وتزيدهم رغبة في طاعة الله ورسوله، لأنهم بهذه الطاعة ينالـون رضوان الله في الحياة الدنيا وفي يوم الموقف العظيم..

وكان الصيام في حسهم – كما ينبغي أن يكون – مهرجانًا هائلًا للعبادة، والتقرب إلى الله بالطاعات..

لم يكن مجرد جوع في النهار وشبع في الليل! كان موسما يستعدون له نفسيا وروحيا كمن يتهيأ لدخول حرم قدسي، يهيئ نفسه إليه بالخشوع والإخبات قبل أن تخطو إليه قدماه، ومن ثم تتأثر نفسه بكل خطوة يخطوها في محيطه، كأنَّما يتلقى منه إشعاعات تنفذ منه إلى الأعماق..

كان عبادة شاملة تطهر النفس من أدران كثيرة تترسب في النفس في معتاد حياة الإنسـان، فيخرج عنها حين يغير نظام حياته، ويدخل في نظام جديد للحياة.. فكما أن تغيير نظام الطعام يعيد النَّشاط إلى خلايا الجسم فيجدد حيويتها، فكذلك التغيير النفسي الذي يحدث في الصَّوم، يجدد حياة الروح، فتنطلق شفيفة رفافة إلى آفاق لم تكن ترتادها من قبل، أو كانت ترتادها فهجرتها تحت وطأة المشاغل اليومية التي تتعامل مع عالم الحس أكثر مما تتعامل مع عالم الروح، فيعيد ذلك الشهر المبارك إلى النفس طاقتها الروحية الشفيفة، فيتجدد بناء الإنسان، وتتوازن في نفسه المشاعر، وتتوازن الرغبات..

ثُمَّ إنَّ الصِّيام تجنيد للنفس وتدريب على الاستعلاء على الشَّهوات، ينمي في القلوب تقواها وإخباتها إلى الله؛ إنَّ التَّقْوَى لا تكون مع غلبة الشهوات.. إنما تكون مع الانضباط الذي يلزم النفس بالحدود التي حددها الله، وقال عنها: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا) ([319]) أو (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا) ([320])

والانضباط يحتاج إلى تدريب لكي يصبح عادة، حتى تستسلم شهوات النفس والجسد لإرادة الإنسان، ويصبح قيادها في يده، يطلقها – بقدر – حين يشاء، ويحبسها – بقدر – حين يشاء.

والصيام هو ذلك التدريب! وهو يتناول من الجسد والنفس أقوى دفعاتها: الطعام والشراب والجنس. ومن ثَمَّ فهو تدريب معين على التقوى:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُـوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِـبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُـمْ تَتَّقـُونَ ) ([321])

وكانت الزكاة في حسهم – كما ينبغي أن تكون – زكاة للنفس والمال معاً، وطُهْرًا للحياة كلها حِسِّيِّهَا ومعنوِيّها سواء. لم تكن “ضريبة” تؤدى للدولة.. ولكنها قربة تقدم إلى الله.

وفرق كبير بين أن تكون ضريبة مالية أو عينية، تمتزج في حس دافعيها بسطوة الدولة وقهرها، وبين أن يشعر من يؤديها بأنه يتطهر بأدائها.. يغسل أدرانه، ثم يبدأ صفحة جديدة من الكدح خالية مما يشوب بياضها. فيمشي في مناكب الأرض ليأكل من رزق الله، متطلعا لرضوان الله يوم يلقاه:

( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُـوا مِنْ رِزْقِـهِ وَإِلَيْهِ النُّشُـورُ ) ([322])

والتَّطَهُّـر الذي تشير إليه الآيـة الكريمـة: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) ([323]) ليس هو التَّطَهُّـر من الشُّحِّ وحده، وهو المعنى القريب الذي يتبادر إلى الذِّهْن حين تذكر زكاة المال؛ ولكنه تطهير السعي كله في مناكب الأرض من أن يدخله الحرام أو يُتَوَجَّه فيه بالحرام.

والإنسان الصَّالح الذي يهدف الإسلام إلى تنشئته ليقوم بدور الخلافة في الأرض، لا بد أن يستعلي على شهوة المال من ناحية، ولا بد أن يشعر برابطة الأخوة بينه وبين المؤمنين من ناحية أخرى. أخوة توجب عليه كفالة العاجزين منهم وإعانتهم على توفير الحياة الكريمة التي يكفلها الإسلام لجميع الناس.

وحين يتحرى الإنسان الطيب الحلال وهو يسعى إلى الرزق، ويتحرى هذه الأخوة بينه وبين المؤمنين فلا شك تسمو نفسه وترتفع فتزكو كما يريدها الله: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) ([324])

والسعي وراء الرِّزق من أكبر المزالق التي يتعرض لها الإنسان، لأنَّ هناك شهوات محببة إلى النُّفُوسِ:

( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. ) ([325])

والنُّفُوسُ عرضة للاستغراق في تلك الشهوات ما لم تلتزم بالطيب الحلال من ناحية، وما لم تنشغل من ناحية أخرى بالقيم العليا التي تستوعب مشاعر النفس وترتفع بها عن المتاع الحسّي الغليظ:

( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنـَا وَقِنَـا عَذَابَ النَّـارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ) ([326])

والحرص على التَّطَهُّـرِ في السعي وراء الرزق، مع الإنفاق من حصيلة ذلك السعي في سبيل الله – وهما حقيقة الزكاة – من أكبر المعينات للنفس البشرية لكي تستقيم على الأفق الأعلى، ولا تسقط في حمأة الشهوات:

ومن ثم كان اشتراط الطهارة في المال الذي تؤدى زكاته: “إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا“ ([327])

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) ([328])

ومن ثَمَّ كذلك كانت الزكاة تؤدي مقتضاها في حياة المسلم على اتساعها، لا في جانب المال فحسب:

( َالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) ([329])

أما الحج – على كونه مرة في العمر لمن استطاع إليه سبيلًا، وعلى كونه “أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ” – فهو عبادة عميقة الأثر في حياة المسلم حين يعيشه كما كانت تعيشه الأجيال الأولى، التي مارست العبادة بمعناها الشامل العميق.

إنَّه عبادة تشمل في طياتها كل العبادات.. بتركيز واضح على عبادة التوحيد بالذَّات..

إنَّه خلوص وتجرد إلى الله.. تجرد من كل ما تتعلق به النفس في الحياة الدُّنْيَا من أهل ومسكن وموطن ومتاع.. حتى الملبس الذي تعود الإنسان أن “يتزين” به ويتأنَّق بخياطته على قَدِّه..

تجرد من ذلك كله إلى الله.. وحده.. تلبية وذكرا وتوجها وصلاة ونسكا وعبادة..

وفي حشر يذكّر بيوم الحشر..

وفي شيء من الجهد والمشقة، ولكن في غير المعتاد من “الكدح” الذي ينفق فيه معتاد حياته.. في كدح من نوع آخر، يشد النفس إلى اليوم الآخر بقدر ما ينتزعها من متاع الأرض..

“أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ”.. ولكنها في حساب النفس حدث هائل عميق.. تغيير كامل شامل يتوغل في النفس حتى أعماقها ويلقي عنها خبثها كله.. لتعود كأنَّما هي خلق آخر.. ولد اللحظة، ليبدأ رحلة حياة جديدة غير التي كانت من قبل..

ومن هنا كان الحج يؤدي مقتضاه في حياة المسلم، مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” ([330])

*     *     *

كل هذا تغيّر تَغَيُّرَاً عنيفا حين تغيّر مفهوم العبادة..

فحين غفل النَّاس عن “مقتضيات” العبادة، من التوجه المخلص لله، والإخبات له والخشوع في حضرته سبحانه، وحين انقطعت العبادة عن لوازمها المتعلقة بها، ونتائجها التي ينبغي أن تترتب عليها..

حين انحسرت مساحتها في نفوس الذين يؤدونها..

حين صار المطلوب كله هو أداء الشَّعِيرَةِ، وانحصرت “العبادة” كلها في هذا الأمر، كان حَرِيَّاً بهذا اللون من العبادة أن ينحسر أكثر فأكثر، حتى يصبح المطلوب هو أداء الشعيرة بأي صورة كانت.. ولو كان أداءً آليًا بغير روح، أو أداءً تقليديًا يحركه الحرص على التَّقاليد أكثر مما يحركه الدَّافع إلى عبادة الله..

وتلك هي الصُّورة التي انتهت إليها العبادة في الجيل الذي شهد الانهيار..

وصلت الصلاة أن تكون مجرد حركات تؤدى بلا خشوع ولا إخبات، ولا التفات إلى معنى ما يتلى فيها من الآيات والذِّكْرِ، وينصرف منها المصلي لا تكاد تحس أنها قد تركت أثرا في نفسه، أو انعكست على تصرف من تصرفاته، هذا إن لم يكن قد انشغل عنها تمامًا – وهو فيها – بحساب خسائره وأرباحه، أو شيء من سائر مشاغله اليومية!

وأصبح الصيام مجرد امتناع عن الطعام والشراب ساعات النهار، مع نهم ضخم إلى الطعام بعد الإفطار يصل إلى حد الإسراف، كأنما هو شهر الطعام لا شهر الصوم! فضلًا عن البحث عن “المسليات“ في ليل الصوم، من عكوف على المذياع أو التلفاز، أو ما هو أعجب من ذلك وأسوأ، مما تنشره صحف “محترمة” في البلاد “الإسلامية” “المتقدمة” من إعلانات تقول: إنَّ الرَّاقصة الفلانية “تحيي ليالي رمضان!!” في المسرح الفلاني إلى ما بعد منتصف الليل، ويعج المسرح بـ“الصائمين” الذين صاموا من قبل الرقص ومن بعده، بلا حرج في صدورهم ولا تأثم، ولا إحساس بالتناقض بين ما يجري في الليل وما يجري في النهار، فإنَّما هي – حفظك الله – ساعة بعد ساعة!.. “ساعة لربك وساعة لقلبك” كما يقول التعبير الجاهلي المعاصر!

والزكاة – إن أداها صاحب المال – لا تمنعه من أكل الربا ولا تحرج صدره منه! فهذه عبادة وهذا عمل! ولا علاقة ولا تداخل بين العبادة وبين العمل! فضلًا عن الألاعيب والحيل التي يسترد بها “المزكي” جزءًا من المال الذي تصدق به بالتَّحايل على من أداه إليهم من الفقراء والمساكين!

والحج فرصة هائلة للحصول على لقب “الحاج”.. ولا حرج على “الحاج” بعد ذلك أن يحلـف اليمين المغموس إذا اقتضت ذلك “مصلحة” التِّجارة أو أي نوع من التعامل يقوم به! فضلًا عمَّا يقع في الحج ذاته من أمور يذهل لها العاقل، فضلًا عن المسلم المؤمن، من تدافع – مقصود – بالمناكب، ومن “حجاج” يدوسون فوق إخوان لهم في الإسلام وإخوان لهم في الحج حتى يزهقوا أرواحهم غير مبالين، من أجل الانتهاء من الرَّجْمِ بأية صورة أو الانتهاء من الطواف! وفضلا عن جهالة الجاهلين الذين يتركون أركانا لا يصح الحج إلا بها، أو يرتكبون مخالفات صريحة دون فدية ولا نسك.. لأنَّهم لا يعلمون!

*     *     *

يقول علماؤنا: سقط الواجب بالأداء، أيًّا كانت صورة الأداء.. حتى وإن لم يكن له ثواب!

أو – بلغة أخرى – سددت الخانة وانتهى الأمر!

ويقول علماؤنا: ما دام قد قام بالواجب على أي نَحْوٍ فهو مؤمن لا يخلد في النار.. بل قال المرجئة: “يدخل الجنة ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام”!

ونسلم بما يقوله علماؤنا توفيراً للجدل! بصرف النظر عن كون الآيات والأحاديث التي يستدلون بها تنطبق على واقعنا المعاصر أم لا تنطبق عليه!

ثُمَّ.. إذا بنا أمام أمة لا تبالي – إلا من رحم ربك – أن تدخل النار ما دامت لا تخلّد فيها.. وحسبها النَّجَاة من الخلود في النار!

وما يقول أحد إن البقاء في النار خمسين ألف سنة ثم الخروج منها برحمة من الله، مثل الخلود فيها بلا انقطاع..

ولكن الأمة التي لا تبالي أن تدخل النار ما دامت لا تخلّد فيها.. لا تبالي أن ترسب في الامتحان على أمل أن تلتقطها “لجان الرأفة“.. لا جرم تكون كما أسلفنا غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تتداعى عليها الأمم كما تداعى الأكله إلى قصعتها، لا يقام لها وزن ولا اعتبار، كتلك القبيلة التي هجاها الشاعر العربي القديم:           ويُقضَى الأمرُ حين تغيب تَيمٌ … ولا يُسْتَأذَنُونَ وهم شُهُودُ!

*     *     *

فرق شاسع بين مفهوم العبادة كما نزل من عند الله، وعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعاه الجيل الأوَّل ومارسه؛ وبين المفهوم الشَّائِهِ الهَزِيلِ الضَّامِرِ الذي فهمته الأجيال المتأخرة.. مارسته أم لم تمارسه!

المفهوم الأول هو الذي أخرج “خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ“..

والمفهوم الأخير هو الذي أخرج “غُثَاءَ السَّيْلِ“..

ولا بد من تصحيح المفاهيم.. ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ([331])

( قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) ([332]).

إنَّ المسألة ليست هامشية ولا ثانوية.. ولا هي مسألة هينة يكفي لحلها شَيْءٌ من الوعظ والإرشاد.. أو حتى سيل من الوعظ والإرشاد.. إنَّها مسألة تحتاج إلى بناء من جديد..

إنَّ العبادة على هذا النحو الشَّائِهِ الهَزِيلِ الضَّامِرِ، ولو قام بها الألف مليون كلهم الذين يعيشون اليوم من المحيط إلى المحيط، لن تنقذهم مما هم فيه، ولن ترفعهم من وهدة الهوان والذل التي تحيطهم من كل مكان.

لأمر بسيط… لأنَّها ليست هي العبادة التي كتبها الله، وكتب معها العزة لمن يقومون بها في صورتها الصَّحيحة.. وكتب لهم التمكين والاستخلاف في الأرض..

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ([333]).

والمَعول كله كما هو واضح من الآية هو على تلك “العبادة” حين تؤدى على النحو الذي كتبه الله..

أما العبادة التي يقوم بها الغثاء الموجود اليوم من المحيط إلى المحيط – إلا من رحم ربك – العبادة التي تُفْرِغ “لا إله إلا الله” من مقتضياتها، وتجعلها مجرد كلمة تنطق باللسان، وتخرج التكاليف كلها من دائرة العبادة، وتُفْرِغ الشعائر من شحنتها الحية الدَّافعة، وتتركها أداء شائها هزيلا لا روح فيه، فإنها لا تحقق إلا هذا الخسران الذي يمارسه ذلك الغثاء في واقع الأرض..

والغثاء – بهذه العبادة الهزيلة الشائهة الضامرة – لا يعجز عن إنقاذ نفسه فحسب، بل هو كذلك يصد عن السبيل! والذين يدافعون عنه ويقولون: مؤمن وسيدخل الجنة، ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام، يغفلون في حرارة دفاعهم – ونعتقد فيهم الإخلاص – يغفلون عن الأثر السيئ الذي يتركه ذلك الدِّفاع!

الأثر السيئ في الغثاء نفسه، إذ يملي له في الخدر الذي يعيش فيه، ولا يجعله يغير ما بنفسه فيغيّر الله له، والأثر السيئ في الشباب “المثقف” الذي ندعوه إلى الإسلام!

فحين نقول لذلك الشبـاب “المثقف”: إنَّ “الإسلام هو الحل”، وإنَّ “لا إله إلا الله” هي الحل، وإنَّ العبادة الصَّحيحة لله هي الحل.. يهز كتفيه ساخرًا ويقول: ها هو ذا الإسلام موجوداً، وها هي ذي “لا إله إلا الله” موجودة، وها هي ذي العبادة قائمة، ومع ذلك فأكثر الناس تأخرا هم المسلمون، وأكثر الناس مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية هم المسلمون، وأسوأ الناس خلقا هم المسلمون! فلنبحث عن الحل إذن خارج الإسلام، لأنَّه – وهو قائم – عديم الأثر في حياة الناس! غير قادر على حل مشاكل الناس!

ولا بد لنا أن نكون صرحاء مع أنفسنا ومع الناس، ونقول لهم – بعيدًا عن قضية إصدار الحكم على هذا الجيل من الناس([334]) -: إنَّ الموجود اليوم في حياة الناس ليس هو الدِّين الذي أنزله الله، ولا العبادة التي أمر بها الله. وإنَّه لا بد لنا من تصحيح المفاهيم أوَّلًا، ثم إقامة بناء جديد على المفاهيم الصحيحة للإسلام.

ثم نقول لهم: إن ما حل بالمسلمين من تأخر حضاري وعلمي وعسكري وسياسي ومادي واقتصادي واجتماعي وفكري وروحي.. الخ لم يكن سببه أنهم مسلمون ([335])! ولم يكن سببه حتميات تاريخية ولا أطواراً اقتصادية! ([336]) إنما سببه الأصيل هو فساد سلوك المسلمين أولا، ثم فساد تصورهم ثانيا، وإفراغ الإسلام أخيرا من كل محتواه.

فيوم كانت “وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ“ عبادة لم يجرؤ أحد على احتلال أرض المسلمين واستلاب خيراتهم!

ويوم كان “طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ“ لم يكن هناك تخلف علمي، بل كانت الأمة المسلمة هي أمة العلم، التي تعلمت أوربا في مدارسها وجامعاتها!

ويوم كانت “فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ“ عبادة، كانت المجتمعات الإسلامية أغنى مجتمعات الأرض!

ويوم كانت “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ“ عبادة، وكان ولي الأمر يستشعر أنه راع ومسئول عن رعيته، لم يكن للفقراء في المجتمع الإسلامي قضية، لأنَّ العلاج الرَّبَّاني لمشكلة الفقر كان يطبق في المجتمع الإسلامي عبادة لله! ([337]).

ويوم كانت “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ“ عبادة، لم تكن للمرأة المسلمة قضية! لأنَّ كل الحقوق والضَّمانات التي أمر الله لها بها كانت تؤدى إليها، طاعة لله، وعبادة لله!

ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها..

تصحيح المفاهيم أوَّلًا، ثم إقامة بناء جديد على المفاهيم الصحيحة للإسلام.. ([338])

ولن يكون هناك سحر يمحو الضعف والتخلف في لحظات ويبدلهما تقدما وقوة..

إنَّما هناك سنن ربانية تقوم عليها حياة الناس في الأرض..

وحين نعمل حسب السنن الصحيحة يأتينا الحل الصحيح..

وليس من السُّنَنِ الصَّحيحة أن نفسد ديننا ثم نقول: يا رب! يا رب!

إنما قال تعالى عن الحياة الدنيا: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ([339]).

وقال عن الحياة الآخرة: ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) ([340]).

وواضح من الآيات أنَّ طريق الفوز في الدُّنْيَا هو ذاته طريق الفوز في الآخرة بلا افتراق.

فالمستخلفون الممكّنون في الدنيا هم: “الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ“؛

“وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ“ فأولئك هم الفائزون في الآخرة.

ولا غرابة في ذلك في الدِّينِ الذي يجعل الدُّنْيَا مزرعة الآخرة، ويجعل إقامة حكم الله في الأرض، وتحقيق العدل الرباني، وطلب العلم، والمشي في مناكب الأرض سعيا وراء الرزق، ومعاشرة الأهل بالمعروف، وإعداد العدة لأعداء الله، والتخلق بالأخلاق الفاضلة.. جزءا من العبادة، مطلوبا كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ ([341])

أمَّا طريـق المرجئة، الذي يخرج العمل من مسمى الإيمان، ويخرجه من مفهوم العبادة، فهو الطريق الخاسر في الدُّنْيَا والآخرة على السَّواءِ:

( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) ([342])

( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) ([343])

 

مَفهُوم القضَاءِ وَالقَدَر

 

الإيمان بالقضاء والقدر جزء رئيسي من عقيدة المسلم، كما بينها حديث جبريل عليه السـلام: “مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ“ ([344]).

وهو من مميزات هذه الأمة في تاريخها الطويل.

ولَكِنَّه كان في حس الأجيال الأولى من هذه الأمة قوة دافعة بناءة محركة، بقدر ما صار في حس الأجيال المتأخرة منها قوة سلبية هَدَّامة مخذّلة، حين انحرف مفهوم القضاء والقدر في حسها عن صورته الصحيحة التي عاشت بها الأجيال الأولى وبنت وعَمَّرت وتحركت. والصورة الظاهرة واحدة في الحالين، ولكن شتان ما بين هذه وتلك في حقيقة الأمر.. كما حدث في كل شَيْءٍ في حياة هذه الأمة!

إنَّ ألفاظ الشَّهَادَةِ التي كانت تنطقها الأجيال الأولى من المسلمين هي ذات الألفاظ التي جرت على لسان الأجيال المتأخرة “أَشْهَدُ أَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ“ ولكن الأولى كانت تهز الأرض كلها وتحركها لأنَّها كانت تعمل في واقع الأرض برصيدها الكامل وشحنتها الكاملة، والأخيرة لم تعد تصنع شيئا في الأرض، بل لم تعد تستطيع حتى أن تحافظ على الوجود الإسلامي أمام الغزو العسكري والسياسي والاقتصادي، وأمام الغزو الفكري الذي هو أخطر من هؤلاء جميعًا، لأنَّها صارت كلمة بغير شحنة ولا رصيد!

وحركات الصَّلاةِ من قيام وقعود وركوع وسجود، وقرآن يتلى، وألفاظ تردد، هي هي منذ كانت إلى اليوم لم يتغير فيها شَيْءٌ. ولكنها كانت تقام فتعلن عن وجود أمة حية قوية مهيبة، لأنَّها كانت تؤدَّى على حقيقتها، وتؤدِّي مقتضاها، فتعلن عن وجود الأمة التي حققت في عالم الواقع غاية الوجود الإنساني، فكان لها من ثَمَّ الغلبة على أية أمة أخرى لا تحقق هذا الوجود على صورته الصحيحة، تحقيقا لسنة الله في الأرض: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) ([345]).

وتحقيقا لوعد الله لهذه الأمة خاصة: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ .. الآية ) ([346]).

وكذلك عقيدة القضاء والقدر.. صورتها الظاهرة هي الإيمان بأن كل ما يحدث في هذا الكون وفي حياة الإنسان يتم بقضاء من الله وقدر، وأنه لا يحدث في هذا الكون العريض كله ولا في حياة الإنسان إلا ما قدَّره الله: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) ([347]).

( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ) ([348]).

( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَـةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِـنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَـهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيـمٌ ) ([349]).

( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ([350]).

ولكن الفارق الضخم في حقيقة هذه العقيدة بين الأجيال الأولى والأجيال المتأخرة هو الفارق بين التوكل على الله كما مارسته الأجيال الأولى؛ والتواكل الذي حدث في عصر الانحسار، ثم عصر الانحدار، وهو فارق لا يقل ضخامة عن فارق “لا إله إلا الله”؛ وفارق الصَّلاة وسائر العبادات ما بين هذه الأجيال وتلك الأجيال!

كان المسلم الأول يؤمن بأنَّ كل ما يحدث له أو يحدث في الكون هو بقضاء الله وقدره، وأنَّ شيئا لن يغيّر ما قدره الله منذ الأزل في اللوح المحفوظ؛ ثم كانت نتيجة إيمانـه بـذلك أن يقول لنفسه، أإذا ذهبت إلى ميدان القتال أُقْـتَلُ بسـبب ذهـابي إلى هناك؟ أم إنَّه يجري عليّ ما قـدره الله لي، فإن كان كـتب لي الشهادة هناك فسـأقتل – بقضاء من الله وقدر – وإن كان كتب لي العودة فسأعود؟ ثُمَّ إنَّني إن كان الله قد كتب عليّ المـوت فسأموت ولو كنت في مكاني هذا ولم أذهب إلى القتال.. إذن فما الذي يقعدني عن القتال؟ خـوف المـوت وهـو مقدر على أي حال؟ أم خوف الأذى ولـن ينـالني منه إلا ما قدره الله في كل حال؟

كـلا فـلنذهب إلى أداء فريضـة ربنـا، ولن يصيـبنا إلا ما كـتب الله لنـا. ثم يذهب إلى القتال بنفس شجاعة فيستبسل، فيُمضي الله به قدره في الأرض، وينصر به هذا الدين ويمكن له، ثم يكـون من أمره ما قدره الله له، إما الشهادة وإما النصر:

( قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ) ([351]).

ولما اضطربت نفوس المنافقين وضعاف الإيمان بعد هزيمة أحد نزلت آيات بينات تقرر هذه الحقيقة وتؤكدها وترسخها في نفوس المؤمنين: ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ([352]).

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)([353]).

كذلك كان المسلم الأوَّل يفعـل وهو يكشف مجاهيل الأرض لنشر الدَّعوة، ولطلب العلم، وللسعي وراء الرِّزق، ويمشي في مناكب الأرض ويتعرض للأخطار والمشقات.

كانت القاعدة في حسه: أن أقْدِم.. وتوكل على الله.

كيف تحَوَّل هذا الإقدام إلى تقاعس وقعود في انتظار ما قدَّره الله؟!

*     *     *

كذلك كان في حس المسلم الأول أنَّ إيمانه بالقضاء والقدر لا ينفي مسئوليته عن عمله حين يرتكب خطأ يعرّضه للجزاء. وفي وقعة أحد كان الدَّرس هائلا وعميقا في نفوس المؤمنين.

لقد خالف الرماة أمر قائدهم ورسولهم صلى الله عليه وسلم إذ أمرهم ألا يبرحوا أماكنهم ولو رأوا المسلمين تتخطفهم الطير. ولكنهم حين رأوا النصر، وظنوا أن المعركة قد انتهت إلى غايتها، شغلتهم الغنائم عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغادروا أماكنهم ونزلوا مخافة ألا يحسب لهم نصيب من الغنائم! ومن هنا كرّ المشركون بخيلهم على جيش المسلمين مطمئنين إلى انصراف القوة الضاربة من فوق جبل الرماة. وكانت الهزيمة والاضطراب العنيف في صفوف الجيش، وإصابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أشاع الكفار من قتله عليه الصلاة والسلام، وأثر ذلك في تفريق وحدة الجيش..

ونزل القرآن بعتاب شديد للمؤمنين على ما فعلوا. ونزل كذلك بالشرح والبيان.

وكان من هذا الشرح تلك الآيات:

( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا.. ) ([354])

إنه من عند أنفسكم.. وفي ذات الوقت هو بإذن الله.

المسئولية عن الخطأ قائمة، والإيمان بأنه من قضاء الله وقدره قائم.. لا يتعارضان.

ولقد كان هذا من أعظم ما تعلمته هذه الأمة ومن أعظم ما تميزت به: إزالة التعارض بين إيمان الإنسان بمسئوليته عن عمله، وإيمانه بقضاء الله وقدره، وإقرار الأمرين معا في القلب البشري ليتوازن بينهما، ويتوازن بهما في مسيرته في هذه الأرض، فلا يزايله الإحساس الدَّائم بقدر الله والتَّطلع إليه في الكبيرة والصغيرة، ولا يزايله كذلك مراقبته لأعمال نفسه ووزنها بميزان الخطأ والصَّواب.

كبف تحول هذا التوازن البديع إلى تنصل من كل مسئولية بدعوى الإيمان بقضاء الله وقدره؟

*     *     *

كذلك كان في حس الأمة الأولى أن إيمانها بالقضاء والقدر لا يتعارض مع اتخاذ الأسباب.

لقـد كانوا يدركون من جانب أن لله سننا في هذا الكون وفي حياة البشر غير قابلة للتغيير. ومع أنَّ لله – سبحانه وتعالى – سنة خارقة تملك أن تصنع كل شَيْءٍ، ولا يعجزها ولا يقيدها شَيْءٌ، لأَّن مشيئة الله طليقة من كل قيد، إلا أنَّ الله جلت قدرته قد قضى بأن تكون سُنَّته الجارية ثابتة في الحياة الدنيا، وأن تكون سنته الخارقة استثناء لها، وكلتاهما معلقة بمشيئة الله.

لذلك كان في حسهم أنه لا بد لهم من مجاراة السنن الجارية إذا رغبوا في الوصول إلى نتيجة معينة في واقع حياتهم، أي أنَّه لا بد من اتخاذ الأسباب المؤدية إلى النتائج بحسب تلك السُّنن الجارية.

وبيّن الله لهم ذلك بيانا صريحا في كتابه المنزل

فلقد قدَّر الله لدينه أن ينتصر ويمكّن في الأرض، وقدر لكيد الكفار أن يحبط:

( هُوَ الَّذِي أَرْسَـلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ([355]).

( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) ([356]).

لا يعجزون الله الذي كتب لدينه النصر، ولا يسبقون قدره؛ فقدره هو السابق وإرادته هي النافذة. ومع ذلك فهل قال لهم: ما دمت قدَّرت لديني النَّصْر والتَّمْكين فاقعدوا وانتظروا نفاذ قدري، وهو لا بد نافذ؟ كلا! إنما قال لهم – في نفس الوقت الذي عرَّفهم فيه بقدره المكتوب لهذا الدِّين، وبأنَّه نافذ لا محالة – إنَّه لا بد لهم أن يجاهدوا ويُعِدُّوا:

( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) ([357]).

( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ([358]).

فلا بد من اتخاذ الأسباب للنصر، وإن كان النصر قدرا مقدورا من عند الله.

وهكذا تجاور في حس المسلم إيمانه بقدر الله، وإيمانه بأنَّه لا بد أن يتخذ الأسباب المؤدية إلى النتائج بحسب السُّنَّة الجارية، وإن كانت هذه الأمة لم تترك لتفتن بالأسباب، تظنها مؤدية – بذاتها – إلى النتائج بمعزل عن قدر الله كما تصنع الجاهلية المعاصرة، فقد كان درس حنين لتثبيت هذا المعنى في نفوس المؤمنين.

(.. وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ) ([359]).

وكان هذا كذلك من أبدع ما تعلمته هذه الأمة وتربّتْ عليه، لتتوازن في مسيرتها الأرضية بين التواكل بغير اتخاذ الأسباب، وبين الاتكال على الأسباب.

كيف تحول هذا التوازن الرائع إلى سلبية كاملة، وقعود عن اتخاذ الأسباب بدعوى الاتكال على الله؟

*     *     *

ثُمَّ إنَّه لم يكن في حس الأمة الأولى تعارض بين التَّسْليم لقدر الله، والعمل على تغيير الواقع السيئ حين يكون. إنَّ كُلَّ شَيْءٍ في هذا الوجود وفي حياة البشر واقع بقضاء الله وقدره. لا جدال في ذلك ولا شك فيه في نفوس المؤمنين.

وحين يوجد واقع سيئ في حياة الناس فهو واقع بقضاء الله وقدره، سواء بسبب من عند الناس كما حدث للمؤمنين يوم أحد بسبب مخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأمر لا مسئولية لهم فيه كما كان الحال في طاعون عمواس أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (ولم تكن أسباب الطاعون معروفة يومئذ ولا وسائل علاجه، فلا مسئولية على أحد في ذلك الحين) أو ابتلاء من عند الله للمؤمنين ليمحصهم كما يحدث في فترات الابتلاء التي تجري بسنة من سنن الله:

( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ([360]).

هذا وغيره مما يصيب الناس في الأرض يحدث كله بقضاء الله وقدره..

ولكن الله لم يأمر الناس أن يستسلموا لقدر الله بمعنى عدم العمل على تغيير الواقع السيئ الذي هم فيه. إنما أمرهم بالتسليم (أو الاستسلام) لقدر الله بمعنى الرضى بما وقع بالفعل على أنه قدر محتوم لم يكن يمكن تلافيه. أما القعود عنده، وعدم تغييره أو محاولة تغييره فأمر آخر لم يأمر الله به ولا حث عليه، ولا علاقة له بالرضى بما وقع على أنَّه قدر محتوم من عند الله.

ولنأخذ النَّمَاذج الثلاثة التي أشرنا إليها على سبيل المثال.

فحين وقعت هزيمة أحد، بسبب من عند المؤمنين وبقدر من عند الله في الوقت ذاته:

( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ) ([361]).

طلب الله من المؤمنين أن يسلموا لهذا القدر المقدور:

( فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ.. ) ([362]).

ولكن هل طلب منهم أن يستسلموا للهزيمة ويقعدوا، ولا يحاولوا تغيير الموقف السيئ الذي وجدوا أنفسهم فيه، بحجة أنه قدر مقدور لم يكونوا ليفلتوا منه مهما حاولوا؟!.

كلا! إن الرسول صلى الله عليه وسلم، القائد والصاحب والمربي، تصرف في ذلك الموقف تصرفا يدل على اتجاه مغاير تماما لهذا الظن. فقد جمع المسلمين – بجراحاتهم – للقاء العدو مرة أخرى، والهزيمة لما تنته آثارها من الأجساد ولا من النفوس! وامتدح الله موقف المؤمنين ( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) ([363]).

فهـؤلاء هم الذين هزموا بقدر من الله – وإن كان بسبب من عند أنفسهـم في الوقت ذاته – يقولون: “حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ”. فهم يتوكلون على الله ليخرجوا من الواقع السيئ إلى واقع جديد! ولا يمنعهم قدر الله السابق من التطلع إلى قدر جديد! وإذا كان قدر الله الأول قد أصابهم بخطأ ارتكبوه، فهم يتطلعون إلى قدر الله الآخر بعمل يقدمونه بين يدي ذلك التطلع، وهو الاستجابة لله والرسول، أي بسلوك صحيح بعد السلوك الذي وقعت فيه الأخطاء؛ وهو اتخاذ الأسباب مع التوكل على الله. وهكذا لم يتعارض في حسهم التسليم بقدر الله الواقع مع العمل على التغيير.

وفي طَاعُونَ عَمَوَاسَ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ، علم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بخبر الطاعون فأمر الجند بالانصراف، فقال له أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَتَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ! “ وهي عبارة بليغة تدل على عمق فهم أمير المؤمنين – رضي الله عنه – لقضية القضاء والقدر. إنَّ الطاعون قدر واقع على الناس بالفعل، ولكن لم يقع بعد على عمر وجيشه. فالعمل على تحاشيه أمر واجب. وهو يتم – حين يتم – بقدر من الله كذلك. فقدر الله بالطاعون لا يمنع قدر الله بالنَّجَاةِ من الطاعون! ولقد اتخذ عمر الأسباب التي ظنها مؤدية إلى النجاة، فتمت النجاة بقدر من الله.

وفي الابتلاء الذي أصاب المؤمنين على يد قريش – وهو سنة من سنن الله لم تتخلف مع أي جماعة من المؤمنين تواجه الجاهلية في بدء الدعوة قبل التمكين – كان الابتلاء واقعا بقدر من الله، ولحكمة كذلك يعلمها الله ويريدها:

( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ([364]).

فهل منع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من محاولة التغيير؟ بطلب الجوار من بعض المشركين حينا، وبالهجرة إلى الحبشة حينا، حتى جاء الإذن بالهجرة إلى المدينة آخر الأمر؟

كلا! إن وقوع الابتلاء بقدر من الله، وبمقتضى سنة من سنن الله الحتمية، لا يمنع الاجتهاد في تحاشي الابتلاء أو التخلص منه، وحين يتم شيء من ذلك فإنَّه يتم بقدر من الله، وحين يخفق الجهد فسيكون ذلك أيضًا بقدر من الله!

لذلك لم يتعارض في حس الأمة الأولى واجب التسليم لقدر الله مع محاولة التغيير تطلعا إلى قدر جديد من عند الله. وكان هذا من روائع ما تربّتْ عليه الأمة لتتوازن به بين سلبية الاستسلام التي تحطم الإرادة وبين الرغبة الجامحة التي لا تعرف التَّسليم.

كيف تحول هذا التَّوازن إلى قعود عن التَّغيير بدعوى الاستسلام لقدر الله؟

*     *     *

إنَّ عقيدة القضاء والقدر في صورتها الصَّحيحة تمثل نقط توازن هائلة ورائعة في حس الإنسان المسلم الذي يسيّر حياته بمقتضى هذه العقيدة. ففضلًا عن كونها حقيقة متعلقـة بذات الله – سبحانه وتعالى – وبأسمائه وصفاته وأفعاله، فهي على ذلك من أصل العقيدة، ومن جوهر “لا إله إلا الله”، لأَّن أي تصور بأنَّه يمكن أن يقع في ملك الله شَيْءٌ لم يقدره الله هو شِرْكٌ لا شك فيه.. فضلا عن ذلك فإنَّها عقيدة ذات مقتضى ضخم جدا في حياة الإنسان المؤمن.. إنها نقطة توازن بين اتجاهات شتى يتعرض لها الإنسان حين لا ينضبط سلوكه وفكره وتصوره بالمنهج الرباني الصحيح..

فشعور الإنسان بعظمة الله التي لا تحدها حدود، وهيمنته سبحانه على كل شيء، وجريان الأمر كله بمشيئته، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى سلبية منحسرة لا تعمل شيئا ولا تتطلع إلى إنجاز أي شيء!

وشعور الإنسان بذاتيته، ومقدرته على العمل والتصرف، ورؤيته لإنتاجه الذي ينتجه بفكره وجسمه، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى التأله والجحود والطغيان، إعجابا منه بإيجابيته وفاعليته!

ومن ناحية أخرى فإنَّ شعور الإنسان بعظمة الله وهيمنته، وجريان الأمر كله بمشيئته، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى نسيان الأسباب جملة، ونسيان السنن الربانية الجارية التي أودعها الله في بنية الكون وفي حياة الإنسان، تطلعا إلى تلك المشيئة التي لا يحدها حد ولا يقيدها قيد!

كما أنَّ شعور الإنسان بانتظام السُّنَن التي يجري بها الكون وتجري بها حياة الناس، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى نسيان قدر الله جملة أو إغفاله، والتعلق بالأسباب على أنها قوانين حتمية لا بد أن يؤدي السبب فيها حتما إلى النتيجة.

ومن ناحية ثالثة فإنَّ شعور الإنسان بجريان الأمـر كله بمشيئة الله، عمل هو أو لم يعمل، وأراد أم لم يرد، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى ترك العمل جملة، يأسا من أن يؤثر عمله في مجرى الأحداث، أو ضنا بجهد لا يوصل – بذاته – إلى نتيجة!

كما أنَّ شعور الإنسان بتأثير عمله في مجرى الأحداث، وبأنَّ الأحداث مترتبة على مقدار ما يعمل ونوع ما يعمل، عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى الفتنة بعمله، والظن بأنَّه هو الذي يصنع قدره بنفسه، ويتحكم فيه كما يشاء!

وإذا كانت الهندوكية والرهبانية نموذجا للنوع الأول من الانحراف: السلبية، ونسيان الأسباب جملة، والزهد في العمل والإنتاج، فإنَّ الجاهلية المعاصرة عنوان حاد على النوع الثاني من الانحراف: شعور الإنسان المضخم بذاتيته، وفتنته بالأسباب. وفتنته بعمله، وتوهمه أنَّه يصنع قدره بنفسه.

*     *     *

لقد بدأت أوربا “نهضتها” على عداء مع الكنيسة والدين. أي أنها في الحقيقة خرجت من جاهلية المسيحية الكنسية المحرفة إلى الجاهلية المعاصرة التي وصلت ذروتها في القرن الأخير.

كان “الإنسان” مسحوقا في جاهلية القرون الوسطى، المظلمة عندهم، تحت ضغوط كثيرة متنوعة منها: ضغط الكنيسة بطغيانها الروحي والفكري والمالي والسياسي([365]). ومنها: ضغط الإقطاع بطغيانه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومنها: الجهالة المتفشية، وضحالة التصورات، وضيق الآفاق، وتفاهة الاهتمامات..

ثُمَّ انفتحت أوربا على علوم المسلمين من ناحية، واحتكت بهم في حروبها الصليبية معهم من جهة أخرى، فتغير الحال، وبدأ “الإنسان” هناك يحس بوجوده، ولكن على غير استقامة الإسلام وانضباطه، فقد أخذوا من المسلمين علومهم وأسس حضارتهم المادية، ولكنهم رفضوا أن يأخذوا الإسلام.

ومن ثم انقلبوا من النقيض إلى النقيض دون التوقف عند نقطة الوسط الموزون.

فعلى قدر انْسِحاق الوجود الإنساني في جاهلية العصور الوسطى كان شعور الإنسان بذاتيته في الجاهلية المعاصرة؛ وعلى قدر الجهل بالأسباب عامة، وجدت فتنة بالأسباب.

وعلى قدر تفاهة العمل، وتفاهة آثاره في الحياة الواقعة، وجدت فتنة بالعمل، وفتنة بآثاره في حياة الناس.

وجاء التقدم العلمي والمادي الذي ولد مع “النهضة“، والذي استمدت أوربا أصوله من المسلمين، فنفخ في هذه الفتنة الطامة، وَخَيَّلَ للناس في جاهليتهم المعاصـرة أنَّ العلم هو الإله، وهو القدر، وهو الذي ينشئ كل شيء ويحكم كل شيء.

والأوربي الجاهلي المعاصر قد نبذ الدين بكل مضمونه وإيحاءاته، ولم يعد لله صلة في حسه بحياته الواقعة على الأرض. إنَّما صار في حسه أنَّه هو – الإنسان – هو الذي يصوغ حياتـه كما يحلو له، وهو الذي يكتب قدره بنفسه، وهو الذي يصنع التاريخ ويصنع الأحداث ([366]).

وإلى جانب فتنته بنفسه إلى هذا الحد كانت فتنته في الوقت ذاته بالأسباب الظاهرة. فلقد قال له “العلم” إنَّ هناك قوانين حتمية سموها في أوربا “قوانين الطبيعة”، لأنهم – وقد نبذوا إله الكنيسة – رفضوا أن ينسبوا السنن الكونية إلى الله، ونسبوها إلى إله جديد لا كنيسة له ولا تكاليف، سموه “الطبيعة” ونسبوا إليه الخلق والتَّدْبِير.

وما دامت القوانين في حسهم حتمية فلا مجال للقدر إذن في تصورهم! فماذا يصنع القدر إذا كان لا يملك أن يغير ما هو حتمي الوقوع؟! ونسوا – في غفلتهم – أنَّ ثبات السُّنن الجارية في الكون هو ذاته قدر مقـدر من عند الله الخالق يوم خلق سبحانه السماوات والأرض! ونفوا من حسهم – في غفلتهم كذلك – إمكان تغيير هذه السنن بإرادة من الله حين يشاء، فنفوا المعجزات والخوارق من جهة، ونفوا إمكـان تغير نظام الكون كله حين يشاء الله!

ثُمَّ بدا لهم حين اتسع “علمهم” – أو اتسعت غفلتهم – أنَّ الحياة البشرية – بل النفس البشرية – تحكمها قوانين حتمية كتلك التي تحكم الكون المادي. وسرت هذه الحتمية في التفسير المادي للتاريخ([367])، والتفسير الجثماني للمشاعر([368])، والتفسير الجنسي للسلوك البشـري([369])، وفي كثير من النظريات الاجتماعية والاقتصادية، وكلها تضع الإنسان تحت رحمة هذه الحتميات…. بل تحت طغيانها الجائر.

ثُمَّ أغفلوا – في عناد جاهلي – كل فترات الهدى في حياة البشرية، التي كانت كلها بقدر من الله، ولم تكن “حتمية” بأي تفسير من تلك التفسيرات الجاهلية التي تحاول أن تفسر الحياة والتاريخ بمعزل عن قدر الله، كما أغفلوا – عن عمد – كل أثر لفترات الهداية تلك في حياة البشرية، وخاصة فترة الهداية الكبرى على يد الإسلام!

*     *     *

ومن الجانب الآخر وجدت – كما أشرنا من قبل – جاهليات كثيرة في التاريخ تمثل الانحراف الآخر: انحراف السلبية والانكماش والتقوقع، انتظارا لما تصنعه “الآلهة”، وما تحدثه في حياة الأفراد والجماعات من أقدار.. في البوذية والهندوكية والرهبانية ألوان من تلك السلبية والقعود وعدم إيمان الإنسان بنفسه على أنه قوة فاعلة في الأرض، أو أن لعمله أثرا في الحياة..

كلها تطلعت إلى “فناء” الإنسان.. سواء كان الفناء في “الكائن الأعظم” الذي يمثل الإله في حسهم، أو في تناسخ الأرواح المؤدي في النهاية إلى الفناء الأكبر في ذلك الكائن الأعظـم، أو فناء الجسد بكبته وقمعه لتنطلق الروح من إساره، أو فناء السلبية في داخل الدير.. أو أي نوع من أنواع الفناء! (وليس بعيدًا عن ذلك مسعى الصُّوفية إلى “الفناء” في الذَّات الإلهية ليحدث من ذلك “الوجود”!).

والطابع الغالب على هذه الانحرافات كلها هو الأسى والكآبة والانحسـار إلى داخل النفس، بقدر ما كان الطابع الغالب على الانحراف الآخر هو المرح المجنون، والبحث عن لذائذ الحس، والبعد عن إصلاح النفس من الدَّاخل، والانطلاق إلى خارج اللذات.

*     *     *

بين هذين الطرفين المتناقضين تجيء عقيدة القضاء والقدر في صورتها الصحيحة في الإسلام، تقرر هيمنة الله الشاملة على كل ما يجري في الكون وفي حياة الإنسان، ولا تلغي في الوقت ذاته فاعلية الإنسان، ولا تلغي العمل، ولا تلغي اتخاذ الأسباب.

في توازن كامل يؤمن المسلم بأنَّ كل ما يحدث في الكون وفي حياته هو قدر مقدور من عند الله من قبل أن يحدث ذلك بالفعل في الواقع البشري: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ([370])

وفي الوقت ذاته يؤمن بأنَّ عليه أن يعمل، وأن يتخذ الأسباب، وبأن ما يجري من المقادير في الأرض مرتبط بالأسباب التي يتخذها ( أو يدع الأخذ بها )، وبنوع العمل الذي يقوم به:

( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) ([371])

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) ([372])

(وَإِذَا أَرَدْنَـا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَـا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) ([373]).

ومن ثَمَّ يحس بوجوده الذَّاتي، ويعمل، ويتخذ الأسباب، دون أن يفتن بنفسه ولا بعمله؛ ودون أن يفتن بالأسباب. وفي الوقت ذاته يؤمن بأنَّ كل ما يحدث له مقدر من عند الله دون أن يقعده ذلك عن الإيجابية والعمل واتخاذ الأسباب.

وحين يبدو هذا في حس بعض الناس تناقضًا، فإنَّه يُحدث في حس المؤمن توازنًا جميلًا رائعًا يعينه على القيام بدور الخلافة الرَّاشدة في الأرض، ويجعله يعمل في الأرض وقلبه متطلع إلى الله في السَّماء.

إنه يتخذ الأسباب عبادة لله، وانطلاقا مع سنة الله الجارية، ويحس في الوقت ذاته أنَّ النَّتيجة التي وصل إليها هي قدر قدَّره الله، وليست حصيلة أسبابه التي اتخذها، وأنَّ الأسباب لا تؤدي بذاتها أداءً حتميَّاً إلى النتيجة. إنما تؤدي إلى النتيجة بقدر من الله، ولو شاء الله ألا يوصل السبب إلى النتيجة فإنَّ الذي ينفذ بالفعل هو إرادة الله وليس حتمية الأسباب!

وهذا هو الفارق الأصيل بين المسلم وبين نظيريه من الجاهليين من هنا ومن هناك. أحدهما يقعد عن العمل، ولا يحس بقيمة وجوده الإنساني، والثاني يعمل مفتونًا بالأسباب، كأنَّها في حسه أرباب!

إن المسلم الحق لا يقل إيمانا بقدر الله عن أي مؤمن به في هذا الوجود، ولكنه لا يغفل عن عظم دوره في الأرض، لأنَّ قدر الله قد شاء أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض، وأن يسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وأن يكرمه ويفضله على كثير ممن خلق، وأن يجعله ستاراً لقدره في الأرض.

وهو من جانب آخر لا يقل اتخاذاً للأسباب، ولا إدراكا لقانون السَّبب والنَّتيجة عن أشد البشر اتخاذًا للأسباب. ولكنها في حسه ليست حتمية، وليست نهائية ما لم يقررها قدر من عند الله.

والجاهلي الأوربي المعاصر ينظر بسذاجة إلى العقلية الإسلامية فيقول إنها عقلية غيبية لا تؤمن بقانون السببية؛ وهو في قولته هذه يكشف عن جهله بأمر لا يستطيع حسه الضيق أن يلم به.

فالعقلية الإسلامية – الصَّحيحة – غيبية نعم، لأنَّها تؤمن بالغيب، وتؤمن بقدر الله. ولكنها في الوقت ذاته عقلية علمية أصيلة، بدليل أنَّها هي التي اهتدت إلى المنهج التَّجريبي في البحث العلمي، وأهدته إلى أوربا، وهو منهج قائم كله على الملاحظة والتجربة وعلاقة السبب بالنتيجة! ولكنها – وهي تتعامل مع سنة الله الجارية – لا تغلق قلبها عن مشيئة الله الطليقة التي لا يحدّها قيدٌ على الإطلاق ([374]).

ومزية هذه العقلية العلمية الغيبية في آن واحد، أنَّها لا تفاجأ حين تجد نتيجة لا تفسرها الأسباب الظاهرة، لأنَّها تعلم أنَّها تمت بقدر من الله. ولا يصيبها ما أصاب هتلر، حين اتخذ كل الأسباب التي كان في طوق بشر أن يتخذها، فلما خاب مسعاه انتحر، ولم يطق النتيجة التي قدرها الله من وراء كل الأسباب!

*     *     *

هذه العقيدة الرائعة التي أنشأت في حياة الأجيال الأولى من هذه الأمة ما أنشأت من منجزات تشبه المعجزات.. ماذا أصابها خلال القرون، فانحدرت إلى مثل ما انحدرت إليه البوذية والهندوكية والرهبانية؟

كيف صارت إلى تقاعس وقعود وتنصل من المسئولية وانصراف عن التغيير، أدى كله في النهاية إلى هذا الضعف الفكري والعلمي والمادي، وهذا التخلف الحضاري، الذي اجتذب قوى الشر من كل صوب تحاول اقتلاع جذور الإسلام من الأرض، وتندد بواقع المسلمين السيئ لتنفر من الإسلام ذاته، بزعم أنَّ هذا الواقع هو الإسلام!

إنَّ شكل العقيدة كما قلنا لم يتغير.. ولكن جوهرها تغير تغيرا هائلا بكل تأكيد.

لقد أصابه ما أصاب “لا إله إلا الله” وبقية العبادات.. أُفْرِغَ من محتواه الحقيقي، وأصبح صورة بلا رصيد.

وفي أثناء ذلك كانت عقيدة القضاء والقدر قد تحولت إلى مباحث كلامية تختلف الفرق من حولها، ولم تعد منهجا للتربية الإسلامية! قضايا فلسفية يجهد الذهن في إيجاد حلول لها، والأمة لا تُرَبَّى، ولا يلتفت أحد إلى القيمة التربوية الهائلة لعقيدة القضاء والقدر في صورتها الإسلامية الصحيحة! على نفس النحو الذي تحولت به عقيدة التوحيد إلى مباحث كلامية ذهنية تجريدية باردة، لا تحرك الوجدان الديني، ولا تؤدي إلى سلوك عملي، وتزرع في القلب الشبهات أكثر مما ترسخ الإيمان! ويتناولها الدارسون على أنها “العقيدة”، فينعزل الدارسون عن واقع الناس الحيّ، وعن مقتضيات الدعوة ومقتضيات التربية، ويدورون مع “الكلام” حيث دار!

ثم يجيء طور على “المسلمين المعاصرين” ينسلخون فيه من عقيدة القضاء والقدر كما انسلخ سادتهم الأوربيون من قبل، ويقولون: نريد أن نترك العقلية الغيبية التي كانت سبب تأخرنا، وتكون لنا عقلية علمية تقدمية! إن القضاء والقدر لا وجود له إلا حيث توجد الفوضى والجهل والانحطاط والتأخر. أما حيث يوجد النظام والعلم والتقدم والتخطيط العلمي والعقول الإلكترونية فأنّى للقدر أن يتدخل، وكل شيء محسوب له ألف حساب؟!

ويَغْفُلُ هؤلاء عن معنى قوله تعالى: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) ([375]).

بل يَغْفُلُون عما هو أقرب إلى المشاهدة الحسية من ذلك الغيب الذي يوشك أن يتحقق. يغفلون عن الأمراض التي تفاجئ أولئك الحاسبين المخططين الذين يحسبون أنهم أغلقوا بحساباتهم كل فرصة لقدر الله أن ينفذ إلى واقع الأمور! أمراض من كل نوع: نفسية وعصبية وعقلية وجثمانية وأخلاقية واجتماعية وفكرية وسياسية واقتصادية.. كلها لم تكن في الحسبان!

وهل كانت أمراض الحساسية في الحسبان؟

وهل كان مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) في الحسبان؟

وهل كان جنوح الأحداث الإجرامي في الحسبان؟

وهل كان انتشار الشذوذ والمخدرات في غرب أوربا وأمريكا في الحسبان؟

وكل هذه – وغيرها – بوادر لغيب يوشك أن يتحقق بقدر من الله: ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُـوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ([376])

*     *     *

والمسلمون اليوم في حاجة إلى تصحيح مفهوم القضاء والقدر الذي اختل في حسهم خلال القرون.

فلا هو بالسلبية التي غشت القرون الأخيرة، ولا هو الفتنة بالأسباب التي توشك أن تعم العالم الإسلامي اليوم مع الغزو الفكري القادم من جاهلية الغرب..

يحتاج المسلمون إلى إعادة ذلك التوازن البديع الذي تمثله تلك العقيدة في صورتها الصحيحة في حياة الإنسان.

ويحتاجون أن يكفوا عن دراستها في صورة مذاهب كلامية يحشون بها رءوس طلاب الشريعة والدراسات الإسلامية، لتصبح – ككُلِّ شيءٍ غيرها في هذا الدِّين – جزءا من منهج التربية الإسلامية، الذي يهدف إلى إخراج “الإنسان الصالح“ الذي يحقق المنهج الرباني في واقع الأرض، والذي يُنْفِذُ الله به قدره:

( هُوَ الَّذِي أَرْسَـلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَـقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ) ([377]).

مَفهُوم الدّنيَـا والآخرة

لم يكن في حس الأجيال الأولى من المسلمين ذلك الفاصل الحاد بين الدنيا والآخرة الذي أحسته الأجيال المتأخرة. لم يكن في حسهم أن هناك أعمالا معينة هي للدنيا وحدها منقطعة عن الآخرة، وأعمالا أخرى هي للآخرة وحدها منقطعة عن الدنيا.

صحيح أن هناك أعمالا – بطبيعتها – يغلب عليها الطابع الروحي، كالصلاة والدعاء والذكر، والشعائر التعبدية عامة، وأعمالا أخرى يغلب عليها الطابع الفكري، كطلب العلم والتبحر فيه، وتدبير شئون الحياة من سياسة واقتصاد وحرب وسلم.. الخ، وأعمالا يغلب عليها الطابع الحسي، كالطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس.. الخ.. ولكن ذلك لا يفصل بين بعضها وبعض من جهة، لأنها صادرة عن الكيان الإنساني المُوَحَّد المترابط، ومن جهة أخرى لا يجعل بعضها للآخرة خالصة من دون الدُّنْيَا، وبعضها للدنيا خالصة من دون الآخرة.

كان المفهوم الصَّحيح للعبادة هو الذي يحكم حياتهم، ويحكم تصورهم:

( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ.. ) ([378])

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ([379]).

وفي هذا المفهوم لا يمكن أن تنفصل الشعائر التعبدية عن العمل، ولا الدنيا عن الآخـرة. لذلك كانت الحياة في حسهم حلقة متصلة لا انفصام فيها بين جزء وجزء. الصَّلاة فيها والنسك، والطعام والشراب والجنس، والقتال في سبيل الله، والسعي وراء الرزق، وطلب العلم، وعمارة الأرض.. كلها عبادة، وكلها للدنيا والآخرة في آن. وكل لحظة واعية تمر بالإنسان في نهاره أو ليله، وكل عمل يقوم به – متوجها فيه إلى الله، وملتزما فيه بما أنزل الله – فهو لون من ألوان العبادة، متصل بعضها ببعض، وهو على الدَّوام يتنقل من عبادة إلى عبادة، تحقيقا لغاية الوجود الإنساني، التي تشمل وجوده كله، وتوجهه إلى الله.

وإذا كانت الشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصيام وحج ذات صبغة روحية غالبة، فليس معنى ذلك أنَّها هي وحدها العبادة، ولا أنها للآخرة منقطعة عن الدنيا، فلكل منها مقتضىً لا بد أن تحققه في الحياة الدنيا. الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهر النفس والمال، والصيام يدرب على التقوى، والحج يدعو إلى البر.. وهكذا تصبح كلها للدنيا والآخرة في آن.

وإذا كانت الأعمال الأخرى التي يقوم بها الإنسان في حياته ذات صبغة عقلية أو حسية غالبة، فليس معنى ذلك أنَّها خارجة من نطاق العبادة بمعناها الواسع الشامل، ما دام يتوجه فيها إلى الله، ويلتزم فيها بأوامر الله. ومن ثَمَّ فهي ليست للدنيا وحدها منقطعة عن الآخرة.

ومن مجموع حياة الإنسان، ومن مجموع نشاطه على الأرض، تتكامل العبادة التي يحقق بها غاية وجوده، وتتصل في حسه الدنيا والآخرة بلا افتراق ([380]).

*     *     *

هكذا كانت الأمور في حس الأجيال الأولى من المسلمين. كان الذي يجمّع حياتهم كلهم، ويؤلف بينها، ويوحد وجهتها، هو “لا إله إلا الله”، بمفهومها الهائل العميق.

فحين تكون “لا إله إلا الله” هي الاعتقاد اليقيني الجازم بوحدانية الله جل جلاله، وتكون من ثَمَّ هي الالتزام الجاد بمنهج الحياة الشامل المُنَزَّل من عند الله ليصحح مسيرة الإنسان في الحياة الدنيا ليصل به إلى مستقره الآمن في الآخرة.. فعندئذ لا يمكن الفصل بين أمر في هذا الدين وأمر، ولا يمكن الفصل بين جزء من هذا المنهج وجزء ([381])!

وحين كانت الجاهليـة تعبد آلهة شتى – حتى مع قولهم بألسنتهم إنَّ الله هو رب الأرباب، وإنَّهم لا يعبدون الآلهة الأخرى إلا لتقربهم إلى الله زلفى! – كانت حياتهم شتاتا لا يتجمع.

كانوا لا يؤمنون بالآخرة، ومن ثَمَّ فلا صلة في حسهم بين الدنيا والآخرة.

وكانت الأرباب المعبودة شتى، ومن ثَمَّ كانت العبادة مفرقة موزعة.

فالأصنام تعبد ساعة. والقبيلة تعبد ساعة. وعرف الآباء والأجداد يعبد ساعة. والهوى والشهوات تعبد ساعة. أو هي تعبد كلها جميعا ولكن بغير اتصال في الحس ولا ترابط. فالحياة تعاش ساعة بساعة بغير هدف حقيقي ولا غاية: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) ([382]).

وما دامت على هذا النحو فهي تعاش بمقتضى هوى اللحظة القائمة بغير حساب لما عداها: “اليوم خمر وغدًا أمر“!!

ومن ثَمَّ كان الشتات هو الطابع المميز لتلك الجاهلية ككل جاهلية في التاريخ، وإن اختلفت درجات التشتت ومظاهره بين جاهلية وجاهلية على مدار التاريخ! ([383]).

ثم آمنت تلك الجاهلية بـ”لا إله إلا الله” فأصبحت خلقا آخر..

تجمع الشتات المتناثر ليلتقي في وحدة شاملة.

تجمعت القبائل المتناحرة لتكوِّن “أمة” لأوَّلِ مرة في تاريخها، وكان قد مضى عليها من الزمن ما لا يحصيه إلا الله، ولا تقدر على هذه الوحدة لأنها تفتقد عنصر التجميع!.

وتجمعت أجناس وألوان ولغات وثقافات متباينة، فانصهرت كلها في بوتقة تلك الأمة الواحدة، على نمط غير مسبوق ولا ملحوق في التاريخ!

وتجمعت “النفس” في وحدة موحدة الاتجاه.

لم تعد لحظة الجسد تسير في اتجاه، ولحظة العقل في اتجاه، ولحظة الـروح في اتجاه.

فالإنسان كما فطره الله وحدة مترابطة متكاملة، لا ينفصل فيها جانب عن حانب، ولا يمارس الحياة تفاريق! وإنما فقد ترابطه الفطري حين تفرقت آلهته وتفرقت عبادته. فلما توحد معبوده، وتوحدت عبادته، تجمع الشتات المتناثر، وعاد كما خلقه الله، تلك الوحدة الشاملة التي يتألف منها “الإنسان”.

وتوحد سلوك الإنسان على منهج موحد..

لم يعد إنسان يقول: اليوم خمر وغداً أمر. فما الفرق بين اليوم والغد؟ هل اليوم لإله والغد لإله؟ أم هو إله واحد له اليوم والغد وجميع الحياة؟!.

ومن ثَمَّ تجمعت ألوان النشـاط المختلفة لينتظمها منهج واحد، مستمد من عند الله الواحد، وموجه إليه.

صارت حياة المسلم كلها: طعامه وشرابه، وكيله وميزانه، وبيعه وشراؤه، وصلاته وعمله، وحربه وسلمه.. محكومة كلها بدستور واحد هو شريعة الله. حرامه ما حرّم الله، وحلاله ما أحله الله، ومباحه ما أباحه الله. والمستحب عنده ما أحبه الله؛ والمكروه عنده ما كرهه الله. ومن ثَمَّ صار المُتَّجَهُ واحدا مهما اختلفت الأمور. واصطبغ السلوك كله بصبغة واحدة على اختلاف مفرداته: صبغة الالتزام بما جاء من عند الله. وصار هذا هو السَّمت العام لذلك “الإنسان”.

وتوحد – تبعاً لذلك كله – طريق الدنيا وطريق الآخرة..

كيف يكونان طريقين منفصلين؟ هل هذه لإله وتلك لإله آخر؟

هل الإله الذي يحكم الحياة الدنيا بشريعته، غير الإله الذي يحاسب الناس يوم القيامة ويجازيهم؟

وعلى أي أساس يحاسبهم ويجازيهم؟

هل ميزان الحياة الآخرة غير ميزان الحياة الدنيا؟ هل يكون العمل حَسَناً في ميزان الدنيا وقبيحا في ميزان الآخرة؟ أو قبيحا في ميزان الدنيا وحسنا في ميزان الآخرة؟

أليس هو ذات الميزان وذات المعيار: ما كان حسنا في الدنيا فجزاؤه الحسنى في الآخرة، وما كان شرا في الدنيا فجزاؤه العذاب في الآخرة؟ ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ([384]).

( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) ([385]).

( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ([386]).

( أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )([387]).

بلى! فكيف إذن تنفصل الدنيا عن الآخرة، ويصبحان طريقين منفصلين؟!

كلا! إنه طريق واحد، أوله في الدنيا وآخره في الآخرة.. وهو طريق ذو جانبين ولكنه موحد الاتجاه نحو الآخرة.. جانب منه يسلكه أصحاب العمل الصالح فيصل بهم إلى الجنة، والجانب الآخر يسلكه أهل السوء فيفضي بهم إلى العذاب. ولكنه موحد غير منقطع ما بين الدنيا والآخرة: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ([388]).

*     *     *

بل وصل من اتصال الدنيا بالآخرة في حس المسلمين الأوائل أنهم كانوا يعيشون بواقعهم في الحياة الدنيا، ولكن مشاعرهم وأفكارهم متعلقة بالآخرة، يعيشونها كأنها حاضر أمامهم مشهود.

لقد كان من شدة التركيز في القرآن على البعث والحساب والجزاء، ومن الحيوية الفياضة في عرض مشاهد القيامة في القرآن، أن عاش المسلمون بحسهم وخيالهم في اليوم الآخر كأنما يرونـه أمامهم اللحظة ويعيشون أحداثه، بل كأنما الدنيا بكل واقعها ماضٍ قد كان، والآخرة بأحداثها هي الحاضر الآن!

( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) ([389]).

وبهذا الإيمان الراسخ باليوم الآخر إلى درجة اليقين، وبهذه الحيوية في العرض، التي تهز الوجدان من أعماقه، كان الواحد منهم يعيش لحظته الحاضرة، ثم يعيش – في التوّ – جزاءها في الآخرة! ها هو ذا يعمل العمل في هذه اللحظة في الحياة الدنيا، ثم يتصور موقعه من الجنة حين يكون عمله في طاعة الله.

ثُمَّ ها هو ذا يعمل العمل في هذه اللحظة في الحياة الدنيا – أو يهم به – ثم ينظر – في خوف وإشفاق – ليرى موقعه من النار إذا كان العمل في معصية الله.

ومن ثم صلحت أعمالهم في الحياة الدنيا – في غالبيتها العظمى – بل ارتفعت إلى تلك الآفاق العالية التي تشبه المعجزات..

لم يكونوا ملائكة، ولا كان مطلوبا منهم أن يخرجوا عن بشريتهم.. والبشر كلهم عرضة للخطأ إلا المعصومين عليهم صلوات الله وسلامه. ولكنهم – إذا أخطأوا – سرعان ما يتوبون.

( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) ([390]). “ كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ؛ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ “ ([391]).

ومن ثَمَّ كذلك كانت الدنيا والآخرة في حسهم حسبة واحدة متصلة، لا حسبتين منفصلتين!

*     *     *

حقا إنَّ الدُّنْيَا ذُمَّتْ في القرآن، ولُعِنَتْ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصح الناس بالتخلي عن حبها والتعلق بها.. ولكن في أي مجال جاءت هذه التوجيهات في القرآن والحديث؟

لقد جاءت في مجالين اثنين: حين تكون الدنيا – أي حبها والتعلق بها – حاجزا بين الناس وبين الإيمان بالله واليوم الآخر، أو حاجزا بينهم وبين الجهاد في سبيل الله.

( وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ) ([392]).

( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ([393]).

( وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) ([394]).

( وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ([395]).

وهذه وأمثالها واردة في حب الدنيا الذي يصرف الناس عن الإيمان بالله واليوم الآخر.

أما حب الدنيا الذي يصرف عن الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال فقد جاء فيه أمثال هذه الآيات:

( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ([396]).

( وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَـا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ رَضُـوا بِأَنْ يَكُونُـوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِـعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) ([397]).

( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) ([398]).

والمُتَحَدَّث عنهم في تلك الآيات جميعا هم إمَّا من الكفار الخُلَّصِ، وإمَّا من المنافقين، الذين يتظاهرون بالإسلام نفاقا ورياء ولكنهم في دخيلة أنفسهم غير مؤمنين، وهم في الدَّرْكِ الأسفل من النار، وهم في حكم الله كافرون: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا ) ([399]).

( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ([400]).

وفي هذين المجالين تذم الدنيا للأسباب الواضحة المبينة في الآيات..

ولكن ما حقيقة الموقف في هذين المجالين؟ حقيقة الموقف أن الدنيا هنا منفصلة في حس صاحبها عن الآخرة، إما لأنه لا يؤمن بها أصلا، وإما لأن اعتقاده بها ضعيف مبهم متداخل، لا يكوّن في حسه صورة واضحة، ولا يؤثر – من ثَمَّ – في فكره ولا مشاعره ولا سلوكه الواقعي.

والقضية في حسه على هذا النحو: جنة يوعد بها – على غير إيمان منه، أو إيمان يستوي وجوده وعدمه – ذات تكاليف في النفس والمال، وقعها في حسه أنَّها حرمان من المتاع، لأنَّه لا يريد أن يكتفي بالقدر الذي أباحه الله، إنَّما يريد أن يسترسل مع شهواته، ولا يستخدم جهاز “الضبط” الذي وهبه الله إياه ليتحكم في هذه الشهوات. وفي مقابل ذلك متاع قائم بالفعل، هو مسترسل فيه إلى أقصى المدى، ويقال له إن استمتاعه به على النحو الذي يزاوله سيحرمه من الجنة.

وحين صارت القضية على هذا النحو، وصار الخيار بين الجنة الموعودة مع الحرمان من المتاع الزائد عن الحد، وبين المتاع الطاغي مع الحرمان من الجنـة في الآخرة الموعودة، فقد آثر الحياة الدنيا:

( فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) ([401]).

( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ([402]).

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) ([403]).

وقد آثر أن يستمتع بما بين يديه من المتاع الزائد عن الحد، لأنَّ الحرمان منه أشد لَذْعَاً في حسه من العذاب الذي توعده الله به، إما لأنه لا يؤمن بالآخرة أصلا، فالعذاب المتوعد به في حسه وَهْمٌ لا حقيقة له، وإما لأنه ضعيف الإيمان بالآخـرة، ومن ثَمَّ فإن ذلك العذاب، المنبهم في خياله، أخـف وزنا في حسه من العذاب القريب الـذي يحدثه حرمانه من المتاع.

وفي الحالين هي حالة غير سوية، تختل الموازين فيها في حس صاحبها، لأنه لا يؤمن إلا بما تدركه حواسه! ([404]) ويغفل عن الدِّلالة المعنوية لما تدركه حواسه:

( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) ([405]).

أو هو كالأعشى الذي لا تتضح في نظره إلا المشاهد القريبة، فتكون وحدها هي ذات الوقع الواضح على جهاز التلقي عنده، أما المشاهد البعيدة فهي مختلطة مبهمة متداخلة غير ذات وقع واضح على ذلك الجهاز:

( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) ([406]).

*     *     *

أما في حس الإنسان السوي فالقضية مختلفة تماما..

إن الإنسان السوي – بادئ ذي بدء – لا يغلق روحه دون عالم الغيب، ولا يحصر نفسه في محيط ما تدركه حواسه فحسب، فقد زوده خالقه سبحانه – لكي يعينه على القيام بمهمة الخلافة التي خلقه من أجلها – بقدرتين متقابلتين، يؤدي بكل منهما جانبا من مهمة الخلافة، ويتوازن بهما معاً فلا يفقد توازنه من هنا ولا من هناك. إحداهما هي الإيمان بما تدركه الحواس والثانية هي الإيمان بالغيب. وبالقدرة الأولى يتعامل مع واقع الحس القريب، ومع الكون المادي من حوله، فيتعرف على خواص المادة، ويستثمر علمه في تحقيق ما سخر الله له من طاقات السماوات والأرض من أجل تحسين أحواله على الأرض.

وبالقدرة الثانية يتعامل مع الحقائق التي لا يدركها حسه – وإن كان يدرك آثار وجودها – والتي هي مفطور على الإيمان بها، والتعامل معها، والارتباط بها، كحقيقة الألوهية، وحقيقة النبوة والوحي الإلهي، وحقيقة البعث والجزاء، ليقوم بالجانب الآخر – الأهم في الحقيقة – وهو إقامة العمارة المادية للأرض على مقتضى المنهج الرباني، فلا تكون مجرد عمارة مادية، ولا تكون محصورة في مطالب الجسد وملذاته، إنما ترتفع لتكون “حضارة” بالمعنى الحقيقي للحضارة. أي عمارة تحيط بها قيم عليا، توجهها الوجهة اللائقة “بالإنسان”، الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، ولا يتحقق مقتضى النفخة الروحية فيه إلا بهذه القيم المستمدة من الوحي الرباني، والتي يبقى الإنسان بدونها غارقا في الطين، لا يقدر على الارتفاع عنه، لأنه يعطل في نفسه جهاز الارتفاع والتحليق..

وهذا الإنسان السوي – المتوازن في تركيبه بين قبضة الطين ونفخة الروح، المستمد نظام حياته من المنهج الرباني – ترتسم القضية في حسه بصورة مختلفة..

ففي الحياة الدنيا قدر من المتاع أباحه الله.. أباحه منذ هبط آدم وزوجه إلى الأرض:

( وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) ([407]).

هذا القدر الذي حدده الله بعلمه وحكمته، يعلم سبحانه أنه هو القدر المناسب للكيان البشـري، الذي يعينه على القيام بدور الخلافة في الأرض دون أن يدمر هذا الكيان أو يعطبه؛ وفي الوقت ذاته يتمثل فيه الابتلاء الذي خلق الإنسان له. فقد خلق الله الكيان البشري محببة إليه الشهوات:

( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. ) ([408]).

وفي الوقت ذاته حدد الله الحدود: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) ([409]).

( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) ([410]).

ومن رحمته حدد له تلك الحدود التي علم سبحانه أنها تحقق القدر المعقول من المتاع دون أن تعطب كيان الإنسان، ولكن نقطة الابتلاء هي تزيين الشهوات له بحيث يرغب في الاستزادة منها، وتقييده – في الوقت ذاته – بهذا القدر المباح له، وعدم السماح له بتجاوزه ولو هَفَتْ نفسه إلى المزيد..

ولكن الله وقد حدد للإنسان هذا القدر من المتاع لمصلحـة الإنسان ذاته – والله هو الغني – لم يترك الإنسان ليتعذب بالحرمان، بين حب الشهوات المزين له، وبين القيود المفروضة عليه – ولو أنها لمصلحته – وإنما وهب له أداة عظيمة النفع، عظيمة التأثير، يستطيع بها أن “يضبط“ منطلق شهواته دون أن يحس بلذع الحرمان، بل يحس – عن طريقها – بالرفعة والاقتدار.. الرفعة عن مباذل الشهوة، والاقتدار على الضبط، فيعوضه هذا الإحساس العظيم عما قد يحسه في مبدإ الأمر من الحرمان، حتى يتعـود فلا يعود يحس به..

تلك الأداة العظيمة هي “القلب” أو “العقل” أو “الفؤاد” ([411]):

( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ([412]).

( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ([413]).

ونقطة الابتلاء في الأمر كله هي: هل يستخدم الإنسان هذه الأداة العظيمة التي وهبها الله له، فيضبط منطلق شهواتـه، ويرتفـع بذلك الضبط إلى المستوى اللائـق له، وينشئ “الحضارة” بمعناها الحقيقي، ويحقق دور الخلافة الراشدة؟.. وينال فوق ذلك كله الجزاء الأوفى في الآخرة، في الجنة التي “فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ”([414])؛ أم يلقي هذه الأداة العظيمة جانبا، وينساق مع شهواته، فيهبط وينتكس، ويدمر نفسه فردا وجماعة على المدى القريب أو المدى البعيد، ولا ينشئ “الحضارة” الحقيقية اللائقة به، ولا يحقق الخلافة الراشدة في الأرض، وفضلا عن ذلك كله يتعرض للعقاب الرهيب الذي لا تطيقه النفوس ولا تطيقه الأبدان:

( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ) ([415]).

وإذا كانت هذه هي القضية في حس الإنسان السوي فالموقف الذي تمليه الحكمة، ويتناسب مع “الفؤاد” الذي وهبه الله له، أن يكتفي بالقدر المباح من المتاع لا يتجاوزه إلى ما حرم الله، فتستقيم حياته في الدنيا، وينجو من عذاب الله الرهيب، ويستمتع في الآخرة بالجنة والرضوان.

وهكذا كان الأمر في حس الأجيال الأولى التي تربت على المنابع الصافية لهذا الدين، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكانت الدنيا والآخرة في حسهم – تبعا لذلك – طريقا واحدا وحسبة واحدة: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) ([416]).

( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُـوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُـوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُـورُ ) ([417]).

*     *     *

ولكن هذا التوازن الجميل الذي أنشأه الإسلام في النفس البشرية، وحققته الأجيال الأولى من المسلمين ذلك التحقيق الرائع. الذي وعاه التاريخ، والذي أثَّر في الواقع البشري بصورة لا يوازيها تأثير آخر في التاريخ..

هذا التوازن الجميل بدأ يختل بعد تلك الأجيال الأولى، وإن كان الخلل في هذه المرة قد وقع في الاتجاه المقابل تماما لما كان عليه في الجاهلية العربية..

كان الخلل في الجاهلية العربية هو انفصال الدنيا في حس الناس عن الآخرة، لعدم إيمانهم بالآخرة والبعث والجزاء، ومن ثَمَّ إيثار الحياة الدنيا؛ وهو الآن انفصال الدنيا في حس الناس عن الآخرة لاستصغارهم شأن الحياة الدنيا واحتقارها، ومن ثَمَّ إيثار الآخرة!

ولأول وهلة يبدو هذا الأمر هو عين الإيمان! وهو الواجب الذي ينبغي للمرء المؤمن أن يسعى إليه، وحين يصل إليه يكون قد بلغ الذروة التي ما بعدها ذروة، وحقق أروع ما في هذا الدين..

وهذا ولا شك هو الذي خطر في بال أولئك الذين آثروا الآخرة على الدنيا على الصورة التي قدَّمتها الصوفية، التي انتشرت قرونا طويلة على امتداد الأرض الإسلامية، وما تزال آثارها قابعة هنا وهناك..

أليس الله هو الذي يقول:

( فَمَنْ زُحْـزِحَ عَنِ النَّـارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّـةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَـاعُ الْغُـرُورِ ) ([418])؟

أَوَلَيس الذي يبتعد عن متاع الغرور، ويتعلق بالدار الآخرة وهي “الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” ([419]) هو الفائز حقا، والمُحَقِّق لجوهر الدين حقا، والضَّارب لأروع الأمثلة حقا؟!

ولكن عند التحقيق تتبين جوانب من الأمر قد تكون خافية لأوَّلِ وهلة..

أمَّا أنَّهم ابتغوا بذلك وجه الله.. فنعم!

وأمَّا أنَّهم سلكوا الطريق الذي فرضه الله.. فلا!

ولا نتكلم الآن عن شطحات الصوفية، ولا عن وحدة الوجود، ولا عن الحلول، ولا أمثال ذلك من انحرافات العقيدة..

ولا نتكلم الآن كذلك عن عبادة الأضرحة والأولياء، وما انتشر حولها من بدع وخرافات وأساطير، وعن اتخاذ وسطاء بين العباد وبين الله، وقد جاء هذا الدين لينفي الوساطة كلها، ويحرر القلب البشري منها، ويعقد صلته بالله مباشـرة بلا وسطاء ولا شركاء:

( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) ([420]).

لا نتحدث الآن عن هذه الانحرافات كلها، وعن الشرك الواقع فيها، لأنَّ مجال حديثنا الحاضر هو “مفهوم الدنيا والآخرة”، لذلك نتحدث هنا عمَّا أفسدته الصوفية في هذا المجال بالذَّات.

لقد اتكأ الصوفية كثيراً على الآيات التي وردت في ذَمِّ الدنيا، والأحاديث التي وردت في لعنها ([421]).

واتكأوا كذلك كثيراً على حال الزهاد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هجروا متاع الحياة الدنيا ولم يتعلقوا بشيء منه.

واتكأوا كذلك كثيراً على أن التعلق بالدنيا يؤدي في حياة المؤمن إلى المعصية التي تجلب عليه غضب الرب، وتعرضه للعذاب في الآخرة، وقالوا: إنه لا سبيل إلى درء المعاصي إلا باحتقار الدنيا وازدرائها، والخروج من زخرفها وزينتها، والبعد عنها قدر المستطاع..

فأما الآيات فقد وردت – كما قلنا – في حق الكفار والمنافقين..

وصحيح أنَّ المؤمن يناله نصيب منها إن وقـع في بعض ما يقع فيه الكفار – وإن كان لا يكفر بذلك ما دام محافظًا على أصل الإيمان – كما ورد في هذه الآية التي تخاطب المؤمنين:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ([422]).

وكما كان سيدنا عمر رضي الله عنه في خوفٍ دائـمٍ من أن يناله قول الله تعالى: ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) ([423]) وقوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) ([424]) مع علمه بأنَّهما نزلتا في حق الكفار..

ذلك صحيح..

والتعلق بالدنيا، الذي يؤدي إلى الغفلة عن الآخرة، أمر لا يقبله الله من مؤمن ولا كافر، وإن اختلف الجزاء بين هذا وذاك..

ولكن هذا كله شيء، واعتبار الدنيا والآخرة معسكرين متقابلين إن اتجه الإنسان لأحدهما انفصل – بالضرورة – عن الآخر، ومن ثَمَّ ينبغي الاختيار بينهما لاختيار أحدهما ونبذ الآخر.. هذه قضية مختلفة لا سند لها من دين الله!

ولنستمع لقول رب العالمين([425]): (.. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) ([426]).

وقوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِـهَا وَكُلُـوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُـورُ ) ([427]).

وقوله تعالى: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ([428]). وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “.. أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي “ ([429]).

ونقف وقفة خاصة عند قوله تعالى: “ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ.. “

فذكر الزينة في هذا المجال له دلالته الخاصة؛ إذ الزينة جمال. والجمال شيء زائد على الضرورة. أي أن الذي يبيحه الله – سبحانه وتعالى – لعباده ليس هو مجرد الضرورة التي تحفظ الحياة على أي صورة كانت، إنما هو شيء زائد على الضرورة، يصل إلى درجة الجمال.

وفي القرآن إشارات جمة إلى “الجمال” تحمل هذه الدلالة:

( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ) ([430]). ( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِـهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِـهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ([431]) إِنَّ فِي ذَلِكُـمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُـونَ ) ([432]).

(وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) ([433]).

أمَّا الحديث النبوي فيقرر أنَّ العبادة التي يرضاها الله لعباده لا يدخل فيها الامتناع البات عن متاع الأرض والانصراف الكامل عنه. وأن هذا الامتناع ليس هو التعبير الصحيح عن صدق العبادة والخشية لله. لأنَّ أعبد الخلق جميعًا – عليه الصلاة والسلام – وأخشاهم لله لا يفعل ذلك، ولا يأمر به، بل يعتبر من يقوم به راغبا عن سنته صلى الله عليه وسلم، وينذره بأنَّه حائد عن الطريق: “فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي“.

أما الزهاد الذين احتج بهم الصوفية فهم على طريق آخر غير طريق الصوفية! ولقد يشتبه المظهر لأوَّلِ وهلة بين الزَّاهد والصُّوفي من بعض الجوانب.كلاهما مترفع عن المتاع، منصرف عنه أكثر وقته. وكلاهما صارف همه إلى أنواع من العبادة لا تدع فرصة للاستمتاع بالمتاع المباح..

نعم.. ولكنهما يفترقان بعد ذلك! ويكاد يصل الافتراق بينهما إلى طرفي نقيض!

يفترقان في نوع العبادة التي يتجه كل منهما إليها.. أي أنهما في الحقيقـة يفترقان في “مفهوم العبادة”، ومن ثَمَّ يفترقان في منهج الحياة، وفي منهج السلوك.

*     *     *

إن الامتناع عن بعض الشهوات يحتاج بادئ ذي بدء إلى عزيمة قوية، لبناء “السد“ الذي يقف في وجه هذه الشهوات. ثم إن هذا الامتناع ذاته، حين يقف في وجه التيار المتدفق للشهوات، يجمّع في النفس طاقة هائلة، رفيعة في ذاتها، تتجه إلى مستويات أعلى، وتنطلق في تلك المستويات العالية، كما يقف السد في وجه تيار الماء فيحجز جانبا منه، فيرتفع مستواه، فيصل إلى مستويات لم يكن يصل التيار إليها في مجراه الأصلي..

وإلى هنا تتشابه “العملية النفسية” التي تنشأ عن الزهد، والتي تنشأ عن التصوف.. وتتجمع في نفس الزاهد وفي نفس الصوفي طاقة نفسية هائلة، رفيعة المستوى، قابلة للتوجه إلى آفاق لا يصل إليها قط صاحب النفس المنساقة مع الشهوات..

ثم تختلف الآفاق.. فأما زهاد الجيل الأول، وعلى رأسهم سيد الزهاد صلى الله عليه وسلم فقد علمنا طبيعة الآفاق التي رفعهم إليها زهدهم في متاع الأرض..

الجهاد في سبيل الله. الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. الجهاد ليكون الدين كله لله. الجهاد لإقامة العدل الرباني في واقع الأرض. الجهاد لإقامة المجتمع المثالي الذي يحقق في عالم الواقع ما يتخيله الناس في عالم المثال. الإيجابية الهائلة التي تغير الواقع المنحرف، وتنشئ بدلًا منه الواقع السوي. الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر، اللذان هما رسالة الأمة التي أخرجها الله لتكون خير أمة:

( كُنْتُـمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ([434]).

آفاق عالية، تنطلق فيها الطاقة المخزونة التي رفعها الزهد، فتنشئ في عالم الواقع بناءً شامخًا يبهر الأنظار، فيسري نوره في الأرض، فيضيء من ظلمات البشرية ما قدر الله أن يستضيء.. ويسري النور في نصف قرن فيضيء ما بين المحيط في الغرب إلى ما وراء الهند في الشرق، لا تقف في وجهه الحواجز، ولا تثبت في وجهه الظلمات.

هذا، وزهاد الجيل الأول – وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم – لا يحرّمون المتاع، إنما يرتفعون فوقه، فلا يعود يشغلهم عن الجهاد في تلك الآفاق العالية التي يجاهدون فيها، ولا عن الأهداف العالية التي يعملون بطاقتهم الإيجابية كلها لتحقيقها في عالم الواقع.

وحين تجد الزوج الودود عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام على عباءته فوق الأرض اليابسة فتشفق عليه، فتطبق له العباءة طبقتين لتكون ألين لجسده الشريف، يغضب عليه الصلاة والسلام ويأمرها أن تعيدها كما كانت، ليظل على درجته الرفيعة من التبتل إلى الله، لا يشغله هذا “اللين” النسبي عن توفير طاقته كلها للجهاد في سبيل الله. ومع ذلك فهو صلى الله عليه وسلم الذي قال: “ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي! “.

أما الصوفية فماذا صنعـوا بتلك الطاقة الهائلة التي وفرها في نفوسهم تَرَفُّعِهِم عن المتاع؟!

لقد صرفوها إلى نوع آخر من الجهاد.. جهاد الشيطان في داخل النفوس. وأوّلوا في سبيل ذلك كل آيات الجهاد الواردة في كتاب الله، حتى تلك التي تشمل ألفاظًا صريحةً تنص على قتال الكفار والمنافقين والغلظة عليهم!

وجهاد الشيطان مأمور به ولا شك.. ومن تحصيل الحاصل أن نقول: إن ذلك الجيل الفريد الذي حقق في عالم الواقع ما حقق من المُثُل الرفيعة، قد جاهد الشيطان وظفر في جهاده له بأكبر نصر عرفه التاريخ. ولكنهم ما جعلوا معركتهم مع الشيطان هي نهاية المطاف.. حتى بعد أن انتهى سلطانه من نفوسهم بشهادة العليم الخبير: ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) ([435]).

وهو وصف يصدق على المؤمنين جميعا، ولكنه يصدق بصفة خاصة على الذين شهد الله لهم بالإيمان:

( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ.. ) ([436]).

( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ([437]).

إنما كانت معركتهم مع الشيطان وظفرهم عليه هي نقطة الانطلاق التي ينطلقون منها إلى البناء..

إلى الجهاد.. إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. إلى إقامة العدل الرباني في الأرض.. إلى دك حصون الشرك وإقامة حصون الإيمان.. إلى إزالة الطواغيت وإقامة حكم الله.. إلى إنشاء القوة التي يرهبها أعداء الله..

وما كانوا يستطيعون أن يقوموا بشيءٍ من هذا كله لو لم يبدأوا بجهاد الشيطان داخل نفوسهم، أو لو بقيت معركتهم مع الشيطان معلقة بغير نصر حاسم عليه.. ولكنهم لم يتوقفوا قط عند معركتهم تلك مع الشيطان ليقولوا: هنا غاية الغاية ونهاية المطاف!

*     *     *

وأمر آخر في تلك المعركة مع الشيطان يلفت الانتباه.

لقد كانت سبيل الصوفية في معركتهم مع الشيطان هي قتل “النفس” التي يأوي إليها الشيطان حتى لا يجد له مأوى فينصرف! فإنَّما مأواه هو الَّشهوات المزينة للإنسان، يظل ينفث فيها وينفخ فيها حتى تشتعل، فيعجز صاحبها عن إطفائها فتزداد اشتعالًا! أمَّا إذا ماتت الشهوات فما عاد للشيطان مأوى في النفس يأوي إليه، وما عاد يستطيع أن يقوم بدوره الذي يضطلع به:

(.. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ.. ) ([438]).

( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ) ([439]).

لذلك يظل الصوفي “يجاهد”، ويتحمل في سبيل ذلك الجهد، حتى يظفر أخيرًا بقتل شهواته، لينصرف عنه الشيطان!

أمَّا الزاهد فليست سبيله في معركته مع الشيطان هي “قتل النفس” بقتل الشَّهوات؛ إنما سبيله التي يستمدها من المنهج الرباني، هي “تحصين النفس” من غواية الشيطان جهد الطاقة، مع الإبقاء على حيويتها من أجل عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، ومن أجل الجهاد في سبيل الله.

إن هذه الدوافع التي أوجدها الله في النفس الإنسانية لم يوجدها عبثا، إنما أوجدها سبحانه لغاية..

فلقد خلق الله الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وكلفه بعمارتها: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)([440]). (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) ([441]).

ولحكمة ما خلقه من قبضة من طين الأرض، ثم نفخ فيه من روحه، ولم يخلقه – كما خلق الملائكة – من نور خالص!

(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) ([442])؛ ومع قبضة الطين وجدت في النفس البشرية تلك الشهوات المزينة للإنسان:

( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. ) ([443]).

ولكنها بالنفخة العلوية لم تعد طينا معتما، ومتعة حسية غليظة كمتعة الحيوان، إنما صار لها – وهي طين بعد – شفافية روحية تقيها من عتامة الطين، وتشع فيها قيما ومبادئ وأهدافا وآفاقا جديرة “بالإنسان” الذي كرمه الله وفضّله: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) ([444]).

ويعلم الخالق اللطيف الخبير أن هذه “الشهوات” أو قل “الدوافع” لازمة للوجود البشري، لتدفعه إلى العمل والإنتاج والإنجاز والنشاط والحركة والبناء والتعمير – التي هي مقتضى الخلافة في الأرض – حتى لا تقف الحواجز والموانع – وهي كثيرة – دون تحقيق الدور المطلوب من الإنسان.

كما يعلم سبحانه أنه لا بد لها من الضبط لكي لا تتحول عن وظيفتها السوية وتصبح دمارا للإنسان.

والمنهج الرباني هو الذي يحدث التوازن المطلوب، الذي يضبط هذه الشهوات دون أن يقتلها، ودون أن يطلقها في الوقت ذاته عارمة تحطم السُّدود.

وصحيح أن هذه “الدوافع” أو قل “الشهوات” هي نقطة الابتلاء في حياة الإنسان:

( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) ([445]).

وهذا هو الجانب الذي لمحته الصوفية فركزت عليه.. إذ رأت أن الإنسان يسقط في الابتلاء من جانب شهواته، وأنه إذا استطاع أن يقضي عليها ويقتلها فقد نجح في الابتلاء..

ولكنهم أغفلوا الحكمة من إيجادها، ومن ضرورة الإبقاء عليها حية في نفس الإنسان، مع ضرورة ضبطها ما وسع الإنسان الجهد.. كما يقضي بذلك المنهج الرباني كما أنزله الله سبحانه وتعالى وكما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ .. ) ([446])

وحين أغفلوا هذه الحكمة فماذا كانت النتيجة؟!

إن الإنسان لا يستطيع أن يكون نورًا خالصًا كما تشتهي الصُّوفِيَّة من جهادها الضَّخم مع الشَّهوات!

وفي الوقت ذاتـه هل يكون الإنسان قد قام بالعبادة المطلوبة منه – المفصلة على قَدِّه هو ([447]) – لو نجـح في الوصول إلـى الشفافية النورانية الروحية بقتـل الجسد وإماتة الشهوات؟!

لا أحد ينكر أن الصوفي الحقيقي ([448]) يصل بالرياضة الروحية إلى آفاق شفيفة تحلق فيها روحه خفيفة من ثقلة الجسد، طليقة من جذب الشَّهوات، فترتاد عوالم لا يقدر عليها اللاصق بالطين، المستغرق في الشَّهوات..

لكن يقع الصوفي من جانب آخر في خدر لذيذ يخيِّل إليه أنه “واصل”.. ومن هنا لا يعمل! لأنَّه إذا كان العمل هو وسيلة الوصول للإنسان “العادي”، وهو قد وصل بالفعل، فما حاجته بعد إلى الوسيلة! إنَّما يسعى إلى الوسيلة من لم يتمكن من “الوصول”.. أمَّا الواصلون.. فحسبهم أنهم واصلون!

وهكذا تلتقي في نفس الصوفي عوامل كثيرة تصرفه عن العمل في واقع الحيـاة.. عن “الجهاد” الذي يخوضه الزاهد لإقامة منهج الله في الأرض.. لتكون كلمة الله هي العليا.. ليكون الدين كله لله.. لتحطيم الباطل وإزهاقه، وإقامة الحق وإعلائه.. للبناء والتعمير.. للزيادة والنماء.. لإعداد القوة لإرهاب عدو الله..

العامل الأول هو نظرته للدنيا – وهي في حسه منفصلة عن الآخرة – على أنَّها السجن الذي يسعى إلى الخلاص منه، بانطلاقة الروح التي تخلصت من ثقلة الجسد، فاتصلت بالنور الإلهي واتصلت بالآخرة – المنقطعة في حسه عن الدنيا..

وحين تكون الدنيا هي السجن.. فهل يسعى السجين قط إلى عمارة السجن، وهو يعاني منه ما يعانيه؟!

إنما ينصرف بفكره عنه.. ولا يعنيه ما تلف منه أو تهدَّم.. ولا يسعى إلى إصلاح شيء فيه.. بينما هو يتطلع إلى يوم الخلاص منه!

والعامل الثاني هو انعدام “الرغبة”.. بسبب انعدام “الدَّوافع” التي تحرك الرَّغَبَات..

إنَّما “يرغب” الإنسان في الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس.. أو “يرغب” في القوة.. أو “يرغب” في التملك.. أو “يرغب” في العلم.. أو “يرغب” في الغلبة.. أو “يرغب” في المكانة.. أو “يرغب” في السبـق.. أو “يرغب” في البناء الحسّي أو المعنوي.. فيتحرك.. يتحرك لتحقيق ما يعتمل في نفسه من رغبات، بصرف النظر عن كونها رفيعة أو هابطة، سوية أو منحرفة، ملتزمة أو طاغية..

فأما حين يكون هَمُّ الرياضة الروحية هو قتل تلك الرغبات “لتخليص” النفس منها.. فلأي شيءٍ يتحرك؟ لأي شيءٍ يسعى؟ وهو لا يطلب شيئًا من هذه الدنيا كلها.. وإن طلب فمجرد القوت الذي يحفظ الحياة.. وبأقل قدر من المئونة التي تحفظ الحياة؟!

وأما العامل الثالث فهو تلك الإشراقات الروحية، أو إن شئت قل ذلك الخدر الذي يخيِّل لصاحبه أنه “واصل”.. أو قل لذة الفناء التي تحدث الوجود!

وأيًّا سميتها.. فهي شعور يوحي للنفس بالرضى والاكتفاء.. الاكتفاء بما هو حاصل.. وعدم الرغبة في شيء بعد! أو إنْ رغب فإنَّما يرغب في “مقامات” أعلى.. فيبذل مزيدا من الرياضة الروحيـة.. مزيدا من قتل النفس لكي تحيا.. مزيدا من الفناء الذي يحدث الوجود!

وحين تجتمع تلك العوامل الثلاثة، مضافا إليها المفهوم السلبي لعقيدة القضاء والقدر، الذي لا يسعى إلى تغيير شيءٍ مما وجد بالفعل – أيا كان سوؤه – لأنه وجد بقدر من الله! ولأنَّ محاولة تغييره تعتبر في نظره تمردًا على قدر الله..

حين تجتمع تلك العوامل كلها في نفس الصوفي فأي شيء يدفعه للحركة في خضم الحياة الموّار؟! إنما قصاراه – إنْ تَحَرَّك – أن يتحرك ليتجنب اللجة، لكي ينعم في الأرض بالسلام!

*     *     *

وأخيرًا تتكئ الصوفية – كما أسلفنا – على فتنة الدنيا التي تؤدي إلى الوقوع في المعاصي، والتي لا تتقى إلا بقتل شهوات النفس، لكي تبتعد عن مزالق الشيطان..

ويجدون في هذا المجال وفرة من توجيهات القرآن، ووفرة من توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم:

( يَا أَيُّهَا النَّـاسُ إِنَّ وَعْـدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَـا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَـرُورُ ) ([449]).

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) ([450]).

( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) ([451]).

( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ([452]).

“… وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ “ ([453]).

وعن أبي ذر رضي الله عنه: ” كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ مَشَى فَقَالَ: «إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا – عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ – وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» “ ([454]).

ولقد سمع الصحابة رضوان الله عليهم هذه التَّحذيرات في كتاب الله المنزل، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وامتلأت بها قلوبهم، وعلموا يقينا أن متاع الدنيا زائل، وأن الآخرة هي النعيم الحقيقي الذي يستحق أن يحرص عليه، فزهدوا في كثير من متاع الأرض..

ولكنه – كما أسلفنا – ذلك الزهد الإيجابي المقدام البنّاء، الذي يدفع أصحابه إلى الجهاد والمجالدة والمواجهة، لا إلى الانحسار في داخل النفس. وهو – كما أسلفنا كذلك – الزهد الذي يحصِّنُ النفس ضد الفتنة لا الذي يقتل النفس للوقاية من الفتنة!

إنَّ هذه التَّحْذِيرَات جاءت للتذكير، حتى لا يفتن الناس بالدنيا وينسوا الآخرة، ولم تجيء لمنع ممارسة الحياة في الدنيا، أو منع الحركة والنشاط والعمل فيها..

إنها أشبه بلافتات تنبه الناس إلى الخطر عند منزلقات الطريق.. لا لكي يمتنعوا عن السير! وإنما ليحذروا الانزلاق! فإذا جاء قوم فقالوا: لا نسير في هذا الطريق لأن هناك لافتات تحذّر من الانزلاق، فقد بالغوا ولا شك في الحذر حتى وصل بهم الحذر إلى القعود! والواثق من نفسه يُقْبِلُ على السير ويحاول أن يتقي المزالق. أمَّا الخائف فإنَّه يكف عن المسير!

وانظر إلى هذا الحديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ “ ([455]).

هل هو حض على ارتكاب الذُّنُوبِ؟!

كلا بالقطع!

فما يكون من شأن رسول مرسل من عند الله – صلوات الله وسلامه عليهم جميعا – أن يحض الناس على إتيان الذنوب، وهو الذي يدعو الناس إلى طاعة الله والابتعاد – قدر الطاقة – عن الذنوب!

إنما هو حض على العمل!

فحين يمارس الإنسان العمـل في واقع الحياة فإنه يتعرض لوقوع الذنـوب منه لا محالة!

“ كُلُّ بَني آدَمَ خطَّاءٌ .. “ ([456])

وعندئذ يكون سبيل المؤمن الذي يعمل في واقع الحياة ثم يقع منه الذنب أن يستغفر:

( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) ([457]).

أما الذي لا يذنب أبدًا – إن وجد هذا الإنسان قط – فهو الذي لا يعمل أبدًا! وتكون خطيئته الكبرى – التي لا يتنبه لها – هي أنه لا يعمل!! وهي خطيئة ثقيلة في الميزان، لأنَّها تقصير في أداء واجبات مفروضة على الإنسان!

ليست البراعة أن يحمل الإنسان فوق رأسه سلة مملوءة بالأشياء، ثم يجلس ساكنا لا يتحرك أي حركة لكي لا يقع من السَّلَةِ شيءٌ! لأنه مهما بذل من الجهد وتحمل من المشقة في هذه الجلسة الساكنة فقد تعطل عن الحركة المطلوبة منه! ( كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) ([458])؛ إنَّما البراعة أن يتحرك الحركة المطلوبة والسلة فوق رأسه لا تقع على الأرض، ولا يتبعثر ما فيها من الأشياء! فإذا وقع منه شيء – رغم الجهد والمحاولة، والنية السليمة – فهنا يتفضل الله سبحانه بالعفو والمغفرة لمن لم يتهاون في الأمر، ولم يستصغر وقوع ما وقع منه، ولم يصرّ على ما فعل، بل سارع بالتذكر وسارع بالاستغفار.

وهنا تتبدى رحمة الله بالإنسان حتى وهو مذنب، ما دام قائما بالعمل المطلوب منه، وما دام الخطـأ يقع منه في أثناء أدائه للواجبات، لا في أثناء قعوده أو إعراضه عن الواجبات!

وتتبدى كذلك عظمة المنهج الرباني في التعامل مع “الإنسان”..

ليس المطلوب من الإنسان – في المنهج الرباني – أن يقتل رغباته لكي يسلم من ارتكاب الذُّنوب – وهو لا يسلم أبدا في الحقيقة! – لأنَّ ذلك يعطل جوانب كثيرة من مهمة الخلافة التي خلق الله لها الإنسان.

إنما المطلوب منه أن يعمل ويتحرك – في جميع المجالات المتاحة المباحة – ليعمر الأرض بمقتضى المنهج الرباني، وهو متقٍ لله جهد الطاقة: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) ([459]).

فتمتلئ الأرض بالنشاط والحركة، والنماء والقوة، مع النظافة بقدر ما يطيق البشر.. وهذا هو “إصلاح الأرض” كما ورد في التعبير القرآني: ( وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ) ([460]).

ثم يحدث الصراع والدفع في واقع الأرض، لرد الأرض إلى الصلاح إذا أفسد فيها المفسدون:

( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْـلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ([461]).

( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ([462]).

وهكذا يقوم الفرد المسلم والأمة المسلمة بمهمتهما في الأرض.. ولا تنتهي هذه المهمة ما دام الناس على الأرض.

وهكذا يكون الفرد المسلم والأمة المسلمة قد قاما “بالعبادة” المطلوبة – في نطاقها الواسع الشامل – وحققا غاية الوجود الإنساني كما أرادها الله..

فأما “الزهاد” فقد قاموا بالأمر على مستوى الإحسان:

“ قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» “ ([463]).

وأما الصوفية فقد انصرفوا إلى الصلاة والصيام و “الذكر”.. وقالوا: هذه هي الأعمال المطلوبة للآخرة.. أمَّا أمور “الدنيا” فلا حاجة لنا إلى الخوض فيها، لأنها الفتنة التي توقع في حبائل الشيطان!

ثم..! انصرفوا عن المشي في مناكب الأرض والسعي وراء الرزق، واكتفوا من ذلك بالكفاف.

وانصرفوا عن العلم الدنيوي من طب وفلك ورياضيات وهندسة وفيزياء وكيمياء.. لأنه متعلق بالدنيا الفانية!

وانصرفوا عن التقدم المادي لأنه زخرف الحياة الدنيا المؤدي إلى التهلكة!

وانصرفوا عن مصارعة الباطل ومحاولة إزهاقه، لأن الله قد أقام العباد فيما أراد، ولو أراد غير ذلك لكان، وحين يريد فإنه سيغير من عنده ويخلق الأسباب..

وكانت النتيجة هي ما أصاب العالم الإسلامي من الفقر والجهل والمرض، والضعف والتخلف في جميع الميادين!

ولا يستقيم أمر الدين على هـذا النحو، ولا يستقيم حال الأمة كـذلك، ولا تستطيع أن تؤدي رسـالتها الكبرى التي ناطـها الله بها، وهي أن تكون هـادية ورائـدة لكـل البشـرية:

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطـاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُـونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُـمْ شَهِيداً ) ([464]).

وكيف يكون حال أمة كلها قاعد، وكلها فقير، وكلها جاهل وكلها مريض؟!

وحين يسعى كل إنسان إلى الرزق بالقدر الذي يكفيه لعيشة الكفاف، فمن أين تجد الدولة “الفائض” الذي تنفقه في سبيل الله، والذي تنفذ به هذا الأمر الرباني:

( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُـمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْـلِ تُرْهِبُـونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ.. ) ([465])

وحيـن لا يكون هناك علم أرضي، ولا تقدم مادي، فكيف تعد القوة التي ترهب الأعداء؟

وحين ينتشر المرض فلا يُدَاوَى، جهلاً بالطب من ناحية، وقعودًا عن التداوي من ناحية أخرى بدعوى التسليم بقدر الله والرِّضا به، فكيف توجد الأجسام القوية التي تحمل السلاح في وجه الأعداء؟

كلا! إن هذا الأمر الرباني – وحده – فضلا عن أوامر ربانية كثيرة أخرى يستلزم منهجا للحياة مختلفا أشد الاختلاف.

يستلزم أن يقبل الناس على العلم الدنيوي فيتمكنوا فيه، ويتفوقوا فيه على الأعداء. وأن يسعوا إلى التقدم المادي ويتفوقوا فيه على الأعداء. وأن يكون في أيديهم مال وفير، ينشئون به القوة اللازمة للتغلب على الأعداء.. وأن يكون عندهم “إنتاج” وفير في كل مجال وفي كل ميدان.

حقا إنَّ الزهد في متاع الحياة الدنيا هو القمة في السُّلوك الإيماني، وهو أرفع ما يصل إليه المؤمن من المقامات.. ولكن الزهد في المتاع لا يعطل الإنتاج!

فالمؤمن الحق ينتج بأقصى طاقته في المجال الذي يعمل فيه، ثم يستهلك لنفسه أقل قدر من الطيبات، والباقي ينفقه في سبيل الله. وبذلك يتكافل المجتمع ويترابط، فيحمل القادرون منه غير القادرين، وتتقارب معيشة الناس فلا يوجد الغنى الطاغي ولا الفقر المدمر.. ثُمَّ تجد الدولة الفائض الذي يعينها على أداء رسالة الإسلام. ولن تؤدي رسالتها حتى تكون قوية مهيبة الجانب، يخشى بأسها الأعداء..

*     *     *

وما نريد أن نظلم الصوفية فنحملها وحدها وزر الضعف والتخلف الذي أغرى الأعداء بالهجوم من كل صوب، حتى تحقق النذير الذي أنذر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذه الأمة:

“ يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا “. قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: “ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ “ ([466]).

فقد كان مع الصوفية الفكر الإرجائي، والاستبداد السياسي، والتفلت من التكاليف، وغيرها من البدع والمعاصي والانحرافات ([467]). كما كان من بين الصوفية من جاهد بسيفه لنشر الدعوة، ومن قاد الجيوش لقتال الأعداء، ومن وقف للسلطان الجائر يرده عن ظلم الناس.. وهؤلاء زهاد في الحقيقة وإن ألحقوا بالصوفية..

كما أن رجال الصوفية وفرقها هم الذين أبقوا العامة مرتبطين بدين الله – رغم البدع والانحرافات – حين عـزّ العلماء، ولم يعد للعامة باب يلجون منه إلى الدين إلا باب الصوفية ([468]).

كما أنهم هم الذين حفظوا شيئا من ترابط الأمة المسلمة حين فرقتها السياسة والحرب، وجزأتها في دول متناحرة على الغلبة والسلطان..

ولكن هذا الجهد الذي بذلوه كله لا ينفي عنهم خطأ المنهج الذي أدى إلى فساد المفاهيم:

فصل الدنيا عن الآخرة، ووضعهما في موضع التضاد والتقابل، بحيث يصبح التعامل مع إحداهما بمثابة الامتناع عن التعامل مع الأخرى..؛ وحصر العبادة في الشعائر التعبدية، والتركيز عليها، وإهمال المفهوم الشامل للعبادة، الذي يشمل كل نشاط الإنسان..

ولا هذا من الإسلام.. ولا هذا من الإسلام!

حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أمر ببناء المسجد.. ثم وجه الصحابة رضوان الله عليهم إلى السوق.. وقد كانت السوق يومئذ في يد اليهود، ولهم هناك صولة الاقتصاد قائمةً على الربا وأكل أموال الناس بالباطل. فهل أمر الزاهد العظيم صلى الله عليه وسلم أصحابه الزاهدين أن يزهدوا في أمور الاقتصاد – وهي في حس المتأخرين من أمور الدنيا – ليفوزوا بالآخرة، ويدعوا السيطرة الاقتصادية لليهود، تزيد من قدرتهم على الإفساد في الأرض؟! إن توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصَّحابة أن يجاهدوا لنزع السيطرة الاقتصادية من اليهود أمر له دلالته..

فالمسجد، الذي بدأ ببنائه، هو الذي تقام فيه الصلاة المعلِنة عن قيام أمة لا إله إلا الله مُمَكَّنَـة في الأرض.. وهو الذي تتربى فيه الأمة على هدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ويقضى فيه بين المسلمين، وتقرر فيه سياستهم، وسلمهم وحربهم.. والسوق هي التي تقام فيها الحياة الاقتصادية التي تقوم عليها حياة الأمة المسلمة: ( أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً ) ([469])

ولا بد من هذه وتلك، ليتكامل كيان الأمة التي تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحصل على الفلاح:

( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ([470]).

أما استخلاص جانب من العبادة التي فرضها الله على الإنسان – وهو الشعائر التعبدية – والزعم بأنها وحدها هي المؤدية إلى الفوز في الآخرة، وإهمال الجانب الآخر من العبادة على زعم أنه جانب أرضي متعلق بالحياة الدنيا، وأن في إهماله قربى إلى الله.. فقد كان أهم ما تركوه، وأخطره أثًرا في حياة الأمة، هو المقتضى الواقعي لـ”لا إله إلا الله”! أو قل بعبارة أخرى: المقتضى السياسي والاقتصادي والاجتماعي لـ”لا إله إلا الله”!

مفهُوم الحَضارةِ وَعمارةِ الأرض

حين وقعت الأمة في هذه المجموعة من الانحرافات: تفريغ “لا إله إلا الله” من مقتضاها الحقيقي، وتحولها إلى كلمة تقال باللسان، بغير دلالة ولا رصيد واقعي. وحصر مفهوم العبادة في شعائر التعبد. وتحوّل عقيدة القضاء والقدر إلى سلبية وقعود عن الأخذ بالأسباب، وتخل عن دور الإنسان الإيجابي في الأرض. ووضع الدنيا والآخرة موضـع التقابل والتخيير، ثم اختيار الآخرة وإهمال الدنيا..حين وقعت كل هذه الانحرافات في حياة الأمة لم يكن غريبًا إذن أن يختل مفهومها عن الحضارة وأن تهمل عمارة الأرض.

لقد كان فهم الأجيال الأولى من المسلمين للحضارة مستمداً من روح الإسلام، ومتفردا ككُلِّ شيءٍ في هذا الدِّين.

فإذا كانت جاهليات معاصرة لمولد الإسلام وسابقة له ولاحقة قد ركزت على المعنى الروحي للحضارة، وأهملت الحياة الدنيا، وأهملت العمارة المادية للأرض، بوصفها أمورًا ألصق بالحس، وأقرب إلى متاع الجسد، والجسد ملعون ومحتقر ومستقذر..

وإذا كانت جاهليات أخرى معاصرة لمولد الإسلام وسابقة له ولاحقة قد ركزت على الجانب المادي للحضارة، وأهملت الآخرة، وأهملت عالم الرُّوح، بوصفهما أموراً شخصية لا علاقة لها بالواقع العملي، بل بوصفهما – في كثير من الأحيان – معوقات لانطلاق الحضارة (!) وأكبّت على عالم الحس وعالم المادة، تبدع فيهما كل عبقريتها، وتصب فيهما كل طاقتها، بصرف النظر عن القيم والمثل والمبادئ..

فإنَّ الإسلام – المنزل من عند الله اللطيف الخبير، خالق الإنسان والعليم بأحواله وحاجاته، وما يصلحه وما يصلح له – هو المنهج الشامل الكامل، الذي لا يهمل جانبا من جوانب الإنسان، ولا يلبي جانبا منه على حساب جانب آخر، والذي يستجيب للفطرة السوية كما خلقها الله: ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ([471]).

هذا التكوين الإنساني المترابط، الذي لا تنفصل فيه قبضة الطين عن نفخة الروح، ولا نفخة الروح عن قبضة الطين، له مفهوم حيوي شامل لعالم الجسد وعالم الروح، وينبغي أن يكون له واقع حيوي يتسم بذات الشمول والترابط المتمثل في تكوين “الإنسان”.

والمنهج الرباني هو الذي يرسم خطوط هذا الواقع الحيوي ويرسم تفصيلاته.

والشمول والترابط والتوازن هي أبرز سمات المنهج الرباني.

شمول لكل جوانب الإنسان والحياة البشرية، وربط وثيق بينها، وموازنة بين شتى جوانبها.

وتلك عظمة الإسلام، وتلك مزيته على المناهج الجاهلية التي تحكم حياة الناس في معزل عن العقيدة الصحيحة، أي في معزل عن “لا إله إلا الله”، والتي يشملها قوله تعالى:

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ([472]).

وحكم الله ليس مقصورا على إقامة الحدود، كما أن حكم الجاهلية ليس مقصورا على القوانين التي يتحاكم الناس إليها في المحاكم.. إنَّما حكم الله شامل لكل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان، سواء كان مما يصل إلى القضاء أو لا يصل إليه، بل سواء كان عملا ظاهرًا أو نية مضمرة في الضمير. وكذلك حكم الجاهلية ليس محصورا في تلك القوانين التي تحكم المخالفات والجنح والجنايات، أو المعاملات المدنية أو المعاملات التجارية.. الخ.. إنما هو كذلك نظم ومؤسسات وأفكار وسلوك ومشاعر، قائمة كلها بمعزل عن “لا إله إلا الله”، وعن الاستمداد من منهج الله.

ومن ثَمَّ فإن الحضارة وعمارة الأرض ذات صلة وثيقة بلا إله إلا الله، والمنهج المنزل من عند الله ليحكم الحياة.

*     *     *

إنَّ المفهوم الإسلامي للحضارة هو مفهوم العبادة..

هو تحقيق غاية الوجود الإنساني التي حددها قوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ([473]).

هذه هي الغاية.. وذلك هو المعيار..

تحقيق غاية الوجود الإنساني هو الذي تنشأ عنه الحضارة في الواقع البشري. وهو المعيار الذي تقوّم به صعودا أو هبوطا، واستقامة أو انحرافا. وحين تختلف النظرة إلى غاية الوجود الإنساني تختلف النظرة إلى الحضارة، وتختلف النظرة كذلك إلى التاريخ.

فحين تكون غاية الوجود الإنساني هي الفناء في الكائن الأعظم كما تقول “النرفانا”، أو الخلاص من ربقة الجسد وإطلاق الروح لتتحد مع الخالق.. تصبح الحضارة هي تحقيق عالم الروح على حساب الجسد، وعلى حساب الجانب المادي من عمارة الأرض.

وحين تكون غاية الوجود الإنساني هي الاستمتاع بما في الأرض من متاع، بصرف النظر عن القيم المصاحبة لهذا المتاع من حلال وحرام، وخير وشر، وفضيلة ورذيلة، ورفعة وانتكاس.. تكون الحضارة هي العمارة المادية للأرض، وهي تيسير الحياة الأرضية وتزيينها، والانكباب على متعها ولذائذها، وتكون في الوقت ذاته هي محاولة التغلب على الآخرين للاستئثار بأكبر قدر من المتاع، ومحاولة إخضاعهم بالقوة والقهر، سواء بالقوة المادية أو القوة العسكرية أو القوة السياسية أو القوة الاقتصادية أو القوة العلمية.. أو كلها جميعا..

وحين تكون الغاية هي عبادة الله – على المعنى الواسع الشامل للعبادة الذي بيناه من قبل([474]) – يكون مفهوم الحضارة مختلفًا عن هذا المفهوم وذاك، وكذلك يكون تفسير التاريخ، لأنَّ المعيار الذي يقوم على أساسه التفسير، هو مدى تحقيق الإنسان لغاية وجوده، ومدى تفوقه أو تخلفه في تحقيق هذا الوجود.

*     *     *

سبق أن بينا في فصل مفهوم العبادة أن الله – من رحمته – جعل النشاط الطبيعي للإنسان في جميـع مجالاته: الجسدية والعقلية والروحية عبادة ما دام يتوجه به الإنسان إلى الله، ويستمد فيه من منهج الله. بل إنه – سبحانه – قد جعل ذلك النشاط هو هو العبادة المطلوبة من الإنسان، والتي انحصرت غاية وجوده في أدائها.

وهذا النشاط ذاته هو الذي ينشئ الحضارة.. وما الحضارة إلا منجزات ذلك النشاط البشري في مختلف المجالات.

وحين ندقق في الأمر فليس كل نشاط للجسد أو العقل أو الروح يشكّل حضارة، أو يكون جزءًا من الحضارة – وهذا أمر واضح بالبداهة – إنَّما هو النَّشاط الهادف، الذي يهدف إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني.

فالمشي في الأرض أو الحفر فيها لا يشكل في ذاته نشاطا حضاريا. ولكن المشي الهادف، الذي يهدف مثلا إلى كشف مجاهل الأرض لسكناها وعمارتها، والحفر الهادف لإخراج كنوز الأرض وتصنيعها من أجل تلك العمارة، هذا هو الذي يمكـن أن يشكل حضارة، أو يكون جزءًا من حضارة.

وكذلك نشاط العقل ونشاط الروح، يشترط فيهما لكي يشكلا حضارة أن يكونا هادفين، وأن يكون هدفهما في الوقت ذاته متجها إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني، وليس معاكسًا لهذا الاتجاه.

ومن هنا نستطيع أن نقول – واثقين – أن ما تنتجه الجاهليات من منجزات مادية أو عقلية – أو روحية أحيانا – ليس حضارة حقيقية، وإن بدا رائعا وضخما أحيانا، وإن بهر أعيننا لأوَّلِ وَهْلَة، لأنه يفقد هذا الشرط الأساسي الذي يجعل من النشاط البشري والمنجزات البشرية حضارة، وهو أن يكون هدفها متجها إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني، وليس معاكسا لهذا الاتجاه.

إن تحقيق الجانب الروحي للإنسان وحده، على حساب الجانب الحسي والمادي، وفي عزلة عنه، لا يحقق غاية الوجود الإنساني كاملة كما بينها المنهج الرباني. وإن تحقيق الجانب الحسي والمادي من الإنسان والحياة البشرية على حساب الجانب الروحي وفي عزلة عنه، لا يحقق كذلك غاية الوجود الإنساني، بل يتجه به إلى الدَّمار والبوار.. ومن ثَمَّ فكلاهما لا يشكل حضارة بالمفهوم الصَّحيح للحضارة. أو إنه يشكل “حضارة جاهلية” إن صح هذا التعبير.

كما أن اجتماع الجانبين معا ولكن على غير قاعدة صحيحة – كما حدث في الجاهلية الفرعونية التي شملت عالم المادة وعالم الروح، ولكن على قاعدة تأليه الفرعون والعبودية له من دون الله – لا يشكل كذلك حضارة بالمفهوم الصَّحيح؛ أو إنه يشكل “حضارة جاهلية” إذا قبلنا هذا الاصطلاح.

إنما الحضارة الصحيحة هي التحقيق السوي لغاية الوجود الإنساني في الأرض، التي حددها قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ([475]) وفسرها قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ) ([476]). وهي في المفهوم الإسلامي شيءٌ شامل لكل النشاط الهادف للإنسان.

إن الصلاة والنسك جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة، بمدلولهما الحقيقي، ومقتضاهما الحقيقي([477]).

وإن إقامة شريعة الله في الأرض، والحكم بما أنزل الله، وهو المقتضى المباشر لـ”لا إله إلا الله”، جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة.

وإن إقامة العدل الرباني في الأرض كما أراده الله أن يكون، وأخرج هذه الأمة لتقيمه، وقال لها سبحانه في توجيهاته لها وإعداده إياها لحمل هذه الأمانة الكبرى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) ([478])  وقال سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ([479]).. إن إقامة العدل الرباني على هذه الصورة جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة.

وإن إقامة الحياة كلها – بكل ألوان النشاط فيها – على قاعدة أخلاقية مدارها تقوى الله وخشيته.. فتكون السياسة ذات أخلاق قائمة على حكم ولي الأمر بشريعة الله، والسمع والطاعة من الأمة لولي الأمر فيما يأمر به موافقًا لشريعة الله، والنُّصْح لله ورسوله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وإقامة الأمر على الشورى التي أمر بها الله.. ويكون الاقتصاد له أخلاق، قائمة على الالتزام بما أحله الله، وتحريم ما حرم الله من ربا واحتكار وغش وسلب ونهب، وسرقة وغصب، وأكل مال الأجير، وأكل أموال الناس بالباطل، وقائمة على تطهير المال بأداء الزكاة، والإنفاق في سبيل الله، وعدم الإنفاق في ترف أو سرف أو معصية أو مخيلة..

وتكون علاقات المجتمع ذات أخلاق قائمة على التواد والتحاب والتكافل، والتعاون على البر والتقوى، وحرمة الدم والعرض والمال، وكظم الغيب والعفو عن الناس، والكف عن الغمز واللمز والغيبة والنميمة والتجسس والاطلاع على العورات..

وتكون علاقات الأسرة ذات أخلاق.. وعلاقات الجنسين ذات أخلاق.. إن إقامة الحياة كلها على هذه القاعدة الأخلاقية جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة.

وإنَّ الوفاء بالمواثيق، يستوي في ذلك العقود الفردية أو المعاهدات والمواثيق الدولية، جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة.

وإنَّ طلب العلم، سواء العلم بدين الله وأحكامه، أو العلم بسنن الله في الكون وخواص المادة، الذي يعين على استخلاص ما سَخَّر الله للإنسان من طاقات السَّماوات والأرض، واستخدامها في عمارة الأرض، أو العلم بسنن الله في الحياة البشرية، التي يقوم على أساسها مجتمع صالح، أو العلم بالتاريخ البشري وما فيه من فترات الهدى والضلال، والنتائج المترتبة على كل منهما في واقع الحياة البشرية.. إنَّ هذا العلم بمختلف فروعه واتجاهاته، جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة.

وإنَّ إقامة فنون نظيفة، تلتفت إلى الجمال في الكون وفي الحياة البشرية وتعبر عنه في أداء جميل.. فنون لا تزين الفاحشة لأنَّ الفاحشة ليست جمالًا ولكنها هبوط. ولا تزين لحظة الضعف لأنَّها ليست جمالًا إنَّما هي لحظة غفلة عن إدراك غاية الوجود الإنساني، أو لحظة تقصير في تحقيق ذلك الوجود. ولا تزين الانحراف والشُّذوذ لأنَّه ليس جمالًا، وإَّنما هو نشاز نافر عن الجمال! ولا تزين عبادة الشيطان وعبادة الهوى والشهوات، لأنها ليست جمالًا، وإنما هي حِطَّةٌ للإنسان الذي كرمه الله وفضله، وأراد له أن يتحرر من كل عبودية زائفـة تزري بكيانه وتستذله..

إنَّ إقامة مثل هذه الفنون جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة ([480]).

وهذا كله، وما كان في مثل اتجاهه، هو الجانب المعنوي من الحضارة في المفهوم الإسلامي.

ثُمَّ إن هناك جانبا ماديا للحضارة الإنسانية يشمله المفهوم الإسلامي، وهو جانب ضخم كذلك.

فلئن كان الإنسان مخلوقا لعبادة الله، فإنَّ عمارة الأرض هي جانب من مفهوم العبادة الواسع الشامل، الذي يحقق خلافة الإنسان في الأرض.

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ([481]).

( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) ([482]).

وإذا اعتبرنا إقامة “لا إله إلا الله” في الأرض، أي إزالة الشرك، وإقامة التوحيد، وإقامة العدل الرباني والأخلاق الإيمانية جانبا من “العمارة”، لأنَّ الأرض لا تعمر حقَّاً إلا تحت المظلة الإيمانية التي تقيها من الانحراف والفساد والشر.. فإنَّ الجانب الآخر هو العمارة المادية، باستخلاص طاقات السماوات والأرض وتسخيرها لخير الإنسان.

وهذا الجانب من العمارة يحتاج إلى كدح ذهني وعضلي لتحقيقه. يحتاج إلى معرفة خواص المادة والسنن الربانية التي يُجْري الله بها هذا الكون – والتي يسمونها في الجاهلية المعاصرة “قوانين الطبيعة” ([483])؛ ثم استخدام هذه المعرفة في المجال التطبيقي في الفيزياء والكيمياء والطب والهندسة وسائر العلوم..

وحين تعتبـر الجاهلية المعاصرة هذا الجانب هو الحضارة، أو هو أهم ما في الحضارة، وأبرز منتجات الإنسان، فإنَّ الإسلام يشترط شرطًا واحدًا لإدخال هذه الإنجازات في مدلول الحضارة، هو أن تكون كلها قائمة وفق المنهج الرباني، غير حائدة عن مقتضياتـه..

إنَّ استخلاص الطاقات الكونية – على ضرورته – ليس هو أهم ما يقوم به الإنسان على الأرض، ولو وصل به إلى القمر أو إلى المريخ. إنَّما الأهم من ذلك هو الغاية الكامنة وراءه، والأسلوب الذي يتم به، والمنهج الذي يحكمه.

وحين نقول: “الأهم” يفهم بعض الناس أنَّنا نقول “البديل”! يعني أنَّنا نضع القيم المعنوية بديلًا من القيم المادية! ولا يقول بهذا عاقل! فالقيم المعنوية وحدها لا تملأ المعدات الخاوية إن لم يكن هناك خبز، ولا تسيّر السيارات والقطارات والطائرات إن لم يكن هناك وقود، ولا تصنع المدفع والدَّبابة والصَّاروخ إن لم تكن هناك مصانع وآلات.

تلك بديهيـة لا يحتاج الإنسان لذكرها.. ولكن هناك بديهية مقابلة لها لا تقل عنها بداهة، ولا تقل عنها أهمية، وإن جادلت فيها الجاهليات كثيرًا، والجاهلية المعاصرة بصفة خاصة، هي أنَّ الخبز والوقود والمصانع والآلات والسيارات والقطارات والصواريخ والدَّبابات والمدافع وحدها لا تصنع حضارة، ولا إنسانا متحضرا، ولا عمارة حقيقية للأرض، لأنَّها – وحدها – بدون “القيم” – تؤدي إلى الخراب!

وهذا الذي لا تصدقه الجاهلية المعاصرة أو لا تريد أن تصدقه رغم كل دلالة التاريخ، بل رغم النذر التي تحيط بها هي ذاتها وتكتنفها من كل جانب، وتشيع في صفوفها الخبال!

إنَّ الإنسان – بكل الإنتاج المادي الذي ينتجه – يمكن أن يهبط أسفل سافلين إذا تخلّى عن القيم التي تجعل الإنسان إنسانا وترفعه عن مستوى الحيوان.. والجاهلية المعاصرة هي عنوان ذلك ومصداقه..

إنَّ بين يديها أكبر قدر من “العلم” شهدته البشرية، وأكبر قدر من الإنتاج المادي في التاريخ.

كما أن بين يديها من المخترعات والتيسيرات المادية ما لم يتجمع قط لأي جيل من أجيال البشرية..

ضغطة زر واحدة صارت تصنع أشياء كثيرة ورائعة.. تدير آلة ضخمة. أو تنقل إليك أخبار العالم في الإذاعة المسموعة أو المرئيـة.. أو تنطلق بك في الفضاء إلى القمر أو المريخ.

نعم.. ولكن أين “الإنسان”؟!

ابحث عنه شاردًا في المراقص والحانات، أو غارقًا في شهوة جنس هابطة، أو مجرمًا يعتدي على الآمنين، أو نزيلًا في إحدى المصحات العقلية، أو مترددًا على إحدى العيادات النفسية، أو مصابا بالحيرة والقلق والضياع تفسد أعصابه وتدمر سعادته..

وليست القضية هي وجود “حالات” من ذلك كله. فإنه لا يوجد مجتمع في الأرض أيًّا كانت القيم التي يعيش عليها يخلو من حالات من تلك الأنواع. ولكن القضية هي النسب المخيفة التي ترتفع إليها تلك الحالات حتى تصبح ظواهر اجتماعية، ثُمَّ تصبح هي السِّمَة البارزة في جاهلية القرن العشرين!

*     *     *

ذلك إذن هو المفهوم الإسلامي للحضارة.. حضارة “الإنسان” الخليفة في الأرض، المخلوق من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله. إنَّه ليس ذلك الحيوان الدارويني الذي يلفظ – بحكم تكوينه – كل القيم والأخلاق والمبادئ، ولا ذلك الإله الزائف الذي يتبع هواه، ويتجبر به في الأرض مستكبرًا عن عبادة الله.

وعلى أساس هذا المفهوم قامت حضارة إسلامية متفردة في التاريخ.

قامت – عند مولدها – بأعظم قدر من القيم في تاريخ البشرية، وبأقل قدر من المظاهر المادية قامت عليه حضارة في التاريخ: مجموعـة من الخيام، وبيوت الطين، وبساتين النخل، والخيل والإبل والأغنام، والسهام والسيوف!

وكانت – بصورتها تلك – إحدى معجزات التاريخ!

فهذا القدر من العمارة المادية للأرض لا يتصور إنسان أنه ينشئ حضارة، فضلا عن تلك الحضارة السامقة الفريدة. ولكن الفيض الهائل من القيم، الذي لا مثيل له في التاريخ، مطبقا في صورة واقع، لا في صورة شعارات أو مُثُلٍ معلقة في الفضاء، هو الذي عوَّض هذا النقص في العمارة المادية وغَطَّاه، وأخرج “ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَـتْ لِلنَّاسِ “.

ومع أن هذه لم تكن الصورة النهائية لتلك الحضارة، إنما كانت هي “المُوَلِّد” فحسب، إلا أنَّ لنا وقفة عند هذه الصورة الفريدة التي شهدتها البشرية. وقفة تجيب على هذا التَّساؤل: أي جانبي الحضارة يمكن أن يغطي النقص في الجانب الآخر ويعوضه – حين يوجد نقص لسبب من الأسباب -: أهو الجانب المعنوي – جانب القيم – أم الجانب الحسيّ المادي؟!

إنَّ التَّجْرُبة الإسلامية الرَّائعة – في مقابل الجاهلية المعاصرة – تجيب إجابة حاسمة على هذا التساؤل. فقد استطاع الفيض الهائل من القيم أن يعوض التخلف المادي، ويخرج خير جيل شهدته البشرية، بشهادة الله وشهادة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ بينما لم يستطع الفيض الهائل من الإنتاج المادي والعلمي والتكنولوجي أن يعوض التخلف الروحي والمعنوي والأخلاقي، فأخرج شر جاهلية في التاريخ.

ولكن صورة “المُوَلِّد” لم تكن هي الصورة النهائية، وما كان ينبغي لها أن تكون.

لقد كان كامنا في هذا المُوَلِّد كل عناصر النَّماء والقوة التي برزت فيما بعد.

فهذا المُوَلِّد الفذ هو الذي دفع هذه الأمة تبحث عن “العلم” في كل مصادره، وتتعلم اللغة اليونانية واللاتينية، وكل لغة للعلم في ذلك العصر، لتترجم عنها، ثُمَّ تنشئ حركتها العلمية الذَّاتية فيما بعد، التي كان أروع ما ابتكرته المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي قامت عليه – فيما بعد – حركة أوربا العلمية المعاصرة، بما تعلمته في مدارس المسلمين.

وهو الذي دفع هذه الأمة إلى التعمير المادي والتنظيمي في الأرض، بما تشهد به المدن الإسلامية وما حفلت به من صناعة وتجارة وحركة موارة. وما تشهد به نظم الإدارة والقضاء والحسبة ونظم التعليم ونظام الوقف والتنظيمات الحربية وديوان المظالم وديوان الإنشاء.. الخ.. الخ..

وهو الذي دفع هذه الأمة أن تكشف مجاهل الأرض، وترسم الخرائط وتحدد المواقع، في حركة من أكبر حركات الكشف الجغرافي في التاريخ، والتي على أساسها قامت حركات الكشف الأوربي فيما بعد، بما فيها حركات “فاسكوداجاما”، و”كولومبوس”، و”ماجلان”.

وهو الذي أنشأ التراث الفكري الهائل الذي تعجب له الأجيال المعاصرة: كيف تم بهذه الأصالة وهذه الغزارة وهذا العمق.

وهو الذي أنشأ فنونا في الأدب وفي العمارة وغيرها من ألوان الفنون..

ولكن أهم ما تميزت به تلك الحضارة أنها قامت بكل ما قامت به من عمارة الأرض وهي تستظل بظل العقيدة الصَّحيحة، بل تنطلق من منطلقاتها، فتعمر ما تعمر في الأرض وهي تؤمن بالله واليوم الآخر، وتحقق مقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر من قيم وأخلاق ومبادئ، دون تناقض في حسها بين هذا الأمر وذاك.

*     *     *

ولئن كانت هذه الحضارة قد أصيبت بالتَّرف بعد ذلك فقد كان هذا بدء الاختلال في تاريخ هذه الأمة وبدء الانحسار..

وتلك مشكلة من مشاكل الكيان البشري والحياة البشرية ليس هنا مجال الحديث عنها، وإن كنا نلم بها إلمامة سريعة في مجال الحديث عن “مفهوم” الحضارة وعمارة الأرض..

إنَّ الأمم تبدأ نشأتها متجمعة العزيمة مشحوذة الهمة متوفرة الجهد، لأنَّها تواجه تَحَدِّيات جمَّة. ومن شأن التَّحَدِّيات أن تشحذ الهمة وتستنفر الجهد وتجمّع العزيمة. وتمضي بضعة أجيال حتى يتم “الإنجاز” بالصورة التي تحقق الوجود وتؤمّنه وتمكّن له، وتتغلب على التَّحَدِّيات.. وعندئذ يحدث نوع من الاطمئنان إلى ما تم إنجازه بالفعل، فيحدث معه نوع من التراخي، وفتور الهمة، والانصراف إلى الدِّعَةِ والترف، وخاصة مع كثرة الموارد المالية التي تصاحب النجاح المادي في أغلب الأحيان..

وحين يبدأ الترف يبدأ الانهيار..

وتجيء الأخطار والأمة لاهية في ترفها، مشغولة بمتاع الأرض القريب، غير مقدّرة للخطر الذي يقترب منها، مخدوعة بقوتها، أو مستنيمة لهواتف الراحة والسلامة والإخلاد إلى الأرض، مبعدة عنها صوت النذير! وتمضي السنة الربانية بتدمير المترفين:

( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيـراً ) ([484]).

والسنن الرَّبَّانِيَّة لا تحابي أحدًا من الخلق، مَهْمَا زعموا لأنفسهم من مسوغات تسوغ المحاباة!

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ..)([485])

ولقد جرت السنة الربانية على الأمة الإسلامية حين جنحت إلى الترف وأخلدت إلى الأرض، لأنَّ سنن الله لا تتبدل ولا تتحول: (.. فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) ([486]).

وكان الترف القتّال من جانب، مصحوبا – أو متبوعا – برد فعل خطر على الجانب الآخر، هو الانزواء والانصراف عن العمارة المادية للأرض، وعن اتخاذ أسباب القوة المادية، بحجة أن الدنيا ملعونة لأنها تصرف الناس عن الآخرة.

وبذلك كانت الحضارة تنهار من جانبيها في وقت واحد: الجانب الروحي والمعنوي – جانب القيم والأخلاق والمبادئ – يفسده الترف المنحلّ، والجانب المادي والحسيّ تفسده الصوفية المنصرفة عن تعمير الأرض.. فلا الترف مقبول من الأمة المسلمة، ولا الطريق الصحيح لتقويمه هو الانزواء والانصراف عن عمارة الأرض، فقد كان كلاهما من أسباب الضعف الذي أغرى أعداء الأمة الإسلامية، فجاءوا من الشرق والغرب يحاولون القضاء على دين الله.

لقد حدثت موجة من الانحسار الشامل في كل ميدان: ميدان الفكر والعلم. ميدان الأدب والفن. ميدان السياسة والاقتصاد والحرب. ميدان الإنتاج المادي الصناعي والزراعي. ميدان السلوك الخلقي.. وكذلك – وقبل كل شيء – في مجال العقيدة الصحيحة. في مفهوم العبادة ومفهوم “لا إله إلا الله” ([487]).

واستمر هذا الواقع عِدَّة قرون، والعالم الإسلامي ينحدر كل يوم، وأعداؤه يتقوون على حسابه، ويتحولون من الدفاع إلى الهجوم، ويقتطعون كل يوم قطعة من العالم الإسلامي، يستذلونها ويستعبدونها، ويحاولون القضاء على الإسلام فيها..

ثم استيقظ العالم الإسلامي على الصَّدْمَة، حين وجد كل شيء في داخله ينهار ويقع في قبضة الأعداء.

لقد كان الانهيار نتيجة طبيعية لكل ما حدث من انحراف خلال القرون.

الخواء الذي أصاب مفهوم “لا إله إلا الله”. الخواء الذي أصاب مفهوم العبادة. السلبية المتواكلة المريضة. الانصراف عن وسائل القوة التي أمر الله بإعدادها لأعداء الله.

ولكن الصَّدْمَةَ العنيفة – الموازية في شِدَّتِها لشِدَّةِ الخواء – أحدثت هزيمة داخلية عنيفة لم يفق منها “المسلمون المعاصرون” بعد، إلا الذين رجعوا إلى حقيقة هذا الدِّين، ومارسوا تلك الحقيقة في عالم الواقع.. تلك الهزيمة الروحية هي التي مهدت في نفوسهم لتقبل الغزو الفكري بلا مناقشة ولا تدبر ولا تفكير..

ومن بين المفاهيم الضَّالة التي أدخلها الغزو الفكري في قلوبهم ورءوسهم مفهوم الحضارة وعمارة الأرض.

لقد توهموا – بتأثير الغزو الفكري – أنهم تأخروا لأنَّهم كانوا مسلمين!

وما أبعد هذا الوهم عن الحقيقة! فيوم تأخروا ما كان أبعدهم يومئذ عن الإسلام! وإن بعدهم عن حقيقة الإسلام لَهُوَ الذي أدى بهم إلى ذلك التَّخلف المعيب ([488]).

ولكن هذا الوهم جعلهم يبحثون عن الحلول لا في إسلامهم – الذي انسلخوا منه – وإنما في الحضارة الغربية.. أي في الجاهلية المعاصرة!

وقالت لهم الجاهلية المعاصرة: إنَّ الحضارة هي التقدم المادي والعلمي والتكنولوجي، والتيسيرات المادية التي تأخذ عن عاتق الإنسان ما كان يحمله من جهد فتحمّله للآلة، وما كان يحمله من ألم فتغيبه بالعقاقير!

وقالت لهم تلك الجاهلية – بلسان حالها وإن أنكرت في مقالها – إنَّ القيم والأخلاق والمبادئ لغو ساقط من الحساب! وقام “المسلمون المعاصرون” يتحضرون! قاموا ينفضون عن أنفسهم غبار التخلف، ويحاولون أن يعوضوا في سنوات ما تخلفوه خلال عدة قرون!

“يتحضرون” على النهج الغربي، منسلخين أو نافرين من منهج الله.

قاموا يأخذون ببعض أسباب القوة المادية – على فتور ظاهر وتقاعس – بينما يغرقون في الترف الغربي إلى أذقانهم، في صورة بيوت حديثة، وفراش وثير، وسيارات وطائـرات، وأفران وثلاجـات، وملابس مزوقة.. وخمر وميسر، وفوضى جنسيـة تسمى “الانطلاق”!

ودع عنك المفاسد الخلقية التي يقر الجميع بأنها مفاسد، وإن كانوا في دخيلة أنفسهم مسرورين بها، راغبين في المزيد منها، متطلعين إلى اليوم الذي تصبح فيه هي “العملة السارية”، فيمارسوا – باسم التحضر والتَّقَدُّم – كل ما تصبو إليه نفوسهم من أرجاس..

وخذ الجانب الحقيقي من التقدم المادي الذي يصبون إليه: عملية التصنيع، وزيادة الإنتاج، ورفع مستوى المعيشة، وزيادة الاستهلاك في الكهرباء (!)

ما قيمة ذلك كله بغير قيم ولا مبادئ ولا أخلاق؟! ما قيمته بغير “الإسلام” الذي انسلخوا منه ونبذوه؟!

هل يحسبون أنهم سيخرجون بذلك من ذلتهم وهوانهم على الناس؟!

فليسمعوا مقالة المؤرخ المعاصر “توينبي” عن تركيا أتاتورك:

“ ولم يكتف الأتراك بتغيير دستورهم – وهو شَيْءٌ سَهْلٌ نِسْبِيَّاً في مجال الإصلاح الدستوري -، بل قامت الجمهورية التركية الوليدة بخلع المدافع عن الدين الإسلامي – الخليفة – وألغت منصبه – أي الخلافة – وجردت رجال الدين المسلمين وحلت منظماتهم، وأزالت الحجاب عن رأس المرأة، واستنكرت كل ما يرمز إليه الحجاب، وأجبرت الرجال على ارتداء القبعات التي تمنع لابسيها من أداء شعائر الصَّلاة الإسلامية التقليدية، بخاصة في السجود. وكنست ([489]) الشريعة الإسلامية بأكملها، وتبنت القانون المدني السويسري بعد أن ترجمته إلى التركية، وطبقت قانون الجرائم الإيطالي، وذلك بفرض هذين القانونين بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني. وغيرت الأحرف العربية بأحرف لاتينية، وهذا أمر لم يتم إلا بطرح القسم الأكبر من التراث الأدبي العثماني القديم.. ”

“.. ويجب على المراقب الغربي أن يراعي حدود اللياقة فلا يغالط ولا يسخر، لأنَّ ما يحاول “المقلدون” الأتراك القيام به هو تغيير وطنهم ومواطنيهم مِمَّا هم فيه، إلى حالة كنَّا نحن – منذ التقاء الغرب بالإسلام – ننتقدهم لعدم وجودها طبيعة فيهم. وها هم حاولوا – ولو متأخرين – إقامة صورة طبق الأصل لدولة غربية وشعب غربي ”.

“ وعندما ندرك تمامًا هدفهم الذي رموا إليه، لا نستطيع إلا التساؤل بحيرة: هل يبرر هذا الهدف حقَّاً الجهد الذي بذلوه في صراعهم لبلوغه؟؟؟

“ من المؤكد أننا لم نكن نحب التركي التقليدي المسلم “المتحمس” الذي كان يثير حنقنا عندما ينظر إلينا من علٍ على أنَّنا فريسيون زناديق! ويحمد – أي التركي – يحمد الله على أنَّه لم يجعله مثلنا. وبما أن التركي التقليدي القديم كان يعتبر نفسه من طينة خاصة، حاولنا أن نحـط من كبريائه، بتصوير هذه “الطينة الخاصة” شيئًا ممقوتًا، وسميناه “التركي النكرة”.. إلى أن استطعنا أخيرًا أن نحطم سلاحه النَّفْسي، وحرضناه على القيام بهذه الثورة (المقلدة) التي استهلكها الآن أمام أعيننا.

“ والآن وبعد أن تغيَّر التركي بتحريضنا ورقابتنا، وبعد أن أصبح يفتش عن كل وسيلة لجعل نفسه مماثلًا لنا وللشعوب الغربية من حوله.. الآن نحس نحن بالضيق والحرج، بل ونميل إلى الشعور بالسُّخْطِ والحنق… وبإمكان التركي أن يجيبنا أنَّه مهما فعل فهو مخطئ في نظرنا، وهو – أي التركي – قادر على ترديد مقطع من كتابنا المقدس على مسامعنا، يقول:

“ لقد نفخنا معكم في القِرَبِ فلم ترقصوا، وحزنا معكم فلم ترقصوا، وحزنا معكم فلم تبكوا “!

“ على كل حال قد يكون انتقادنا للأتراك فظَّاً وغير لائق.. ولكن ليس فيه أي تحامل، ولا هو خارج عن الموضوع. إذ ما الذي سيكسبه التراث الحضاري في حالة عدم ذهاب جهود الأتراك سدى؟ أي في حالة نجاحهم – فرضًا – النجاح المرجو؟؟ وهذه النقطة تكشف حركة “المقلدين” عن نقطتي ضعفها الأصيلتين فيها:

“ أولاهما: أن الحركة المقلدة متبعة وليست مخترعة مبتدعة، لذا ففي حالة نجاحها – جدلًا – لن تزيد إلا في كمية المصنوعات التي تنتجها الآلة في المجتمعات المُقَلَّدة، بدل أن تطلق شيئا من الطاقة المبدعة في النفس البشرية.

“ ثانيهما: أنَّه في حالـة النجاح الباهت – المفترض – هذا، وهو أقصـى ما يمكـن “للمقلدين” الوصول إليه، سيكون هناك خلاص – مجرد خلاص – لأقلية ضئيلة في أي مجتمع تَبَنـَّى طريق “التقليد”.. ومآل الغالبيـة: هو تضخيم عدد بروليتاريا الحضارة المقلَّدة “ ([490]) ( يقصد بذلك المستعبدين للحضارة الغربية )!

إنَّها الزِّراية الصَّريحة، والشَّمَاتَة الصليبية الواضحة. الشَّمَاتَة بالذين فقدوا ذاتيتهم، وعجزوا في الوقت ذاته عن تقديم شَيْءٍ أصيل للبشرية.

والمسلمون الحقيقيون عندهم الكثير الكثير يعطونه للبشرية الضَّالة في جاهلية القرن العشرين..

فليأخذوا العمارة المادية للأرض من أي مكان يريدون. ولكن فليقيموها على المنهج الرباني، لينشئوا الحضارة الحقيقية الأصيلة التي تستحق هذا الاسم.

فليأخذوا العلم والتقدم المادي والتكنولوجي، ولكن فليحددوا لأي شيء يستخدمون هذا كله..

في العبودية الذَّلِيلَةِ للشَّهَواتِ؟ في الاستغراق في الحياة الدنيا إلى حد نسيان الآخرة؟ في عبادة الشيطان بدلًا من عبادة الله؟ عندئذ لا هم سَيُخَلِّصُون أنفسهم من الهوان والذُّلِ. ولا هم يملكون أن يخلصوا البشرية من الضياع والتيه..

أم يستخدمونه في إقامة المنهج الرباني؟.. في إعادة شريعة الله لتحكم الأرض؟.. في إقامة العدل الرباني كما يريده الله؟ في إقامة الحياة على قاعدة أخلاقية في السياسة والاقتصاد وعلاقات المجتمع وعلاقات الأسرة وعلاقات الجنسين والفكر والأدب والفن..؟

بعبارة أخرى: يحققون غاية الوجود الإنساني؟ يحققون “لا إله إلا الله” في عالم الواقع؟ يحققون المفهوم الصحيح للعبادة؟

عندئذ سيخلصون أنفسهم مِمَّا حَلَّ بهم، ويمدون يد الخلاص إلى البشرية الضَّالة الضَّائعة التي تبحث عن طريق الخلاص.

وليس ذلك على الله بعزيز:

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ([491]).

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُـمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُـوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُـونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) ([492]).

( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) ([493]).

أضواءٌ علَى المُستقبَل

عرضنا فيما مضى من الكتاب بعض المفاهيم الرئيسية للإسلام، وبيّنا كيف كانت في حس الجيل الأول الذي تلقَّى الدِّين تلقِّيَاً مباشرا من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتربى على عينه، والأجيال التالية التي كانت على مقربة من منابع النور.. وكيف تحوّلت في حس الأجيال المتأخرة تحولًا خطيرًا عن صورتها الصَّحيحة.. وكيف أثَّر ذلك التَّحول في حياة المسلمين، فهبط بهم من الذِّروة التي كانوا عليها إلى الحضيض الذي يعيشونه اليوم، غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ.

ويأتي السُّؤال طبيعيا بعد هذا العرض.. وماذا بعد؟!

ماذا بعد أن وصلت الأمور إلى هذه الصُّورة، وبعدت الأمة كل هذا البعد عن حقيقة الإسلام؟!

فأما الإجابة على هذا السؤال فقد تكفل بها قدر الله الذي أخرج “الصحوة الإسلامية” إلى الوجود:

( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ([494]).

والصَّحوة الإسلامية هي قدر الله الغالب، الذي قدره الله ليخرج به هذه الأمة من حالة الضياع التي تكتنفها، وتجعلها غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، إلى الاستقامة على الطريق، ومد الجذور مرة أخرى، والقيام بدور جديد في حياتها، تنقذ به نفسها مما وقعت فيه من الهوان والذُّلِ، والشَّتات والتِّيه، وتطلق في الوقت ذاته بصيصا من النور للبشرية الحائرة، لعلها تهتدي إلى الطريق ([495]).

ولكن الطريق أمام الصَّحْوَةِ ذاتها مملوء بالعقبات. مملوء بالأشواك. مملوء بالعثرات. مملوء بالوحوش الضارية تتلقف السائرين فيه لتفتك بهم أولًا بأوَّلِ، لأنَّها تعلم جيدًا أنَّها إن لم تفتك بهم اليوم فغدًا يَسُّدُون عليها الطريق!

ولكن المبشرات – كما أشرت في كتاب “واقعنا المعاصر” أكبر من المعوّقات. وقدر الله ماضٍ إلى غايته لا يقف في طريقه شَيْءٌ!

( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) ([496]).

ولكن الصَّحوة في حاجة لأن تتعرف على عثرات الطريق لكيلا تتعثر، وعلى عقباته لكي تعد لها العُدَّة اللازمة، كما لا بد لها أن تعرف طبيعة الوحوش الضَّارية، لتعرف طبيعة المعركة معهم، وتعرف مجالاتهـا وميادينهـا، ولكيلا تتوهـم في الوقت ذاته أنَّ بعضها يمكن أن يكون أرأف بالمسلمين من بعض، أو أن بعضها يمكن أن يهادن السَّائرين في الطريق!

وعليها أن تعرف قبل كل شيء عدة النصر في المعركة الضارية التي تقوم بينها وبين أعداء الله، والتي عليها أن تخوضها لا محالة رضيت أو كرهت، لأنَّ أولئك الأعداء لا يمكن أن يرضوا عن الصحوة الإسلامية، ولا أن يكفوا عن قتالها: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ([497]).

(  وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) ([498]).

*     *     *

ينبغي أولا أن تدرك الصحوة جيدا أن المعركة ليست معركة هذه الجماعة ولا تلك، ولا معركة هذا العدو أو ذاك.. إنَّما هي معركة الأمة الإسلامية جميعًا مع أعدائها جميعًا.. فالخصـومة قائمة أصلًا بين أعداء الله وبين الإسلام، حيثما كان الأعداء، وحيثما كان الإسلام..

ومقتضى ذلك أن تعلم أنَّ النَّصْرَ لا يتم والمعركة قائمة بين الأعداء وبين جماعات منعزلة هنا وهناك، تستفرد بها الوحوش الضارية وتغتالها على تمكن.. ولكنه يتم – بتوفيق الله – حين تصبح المعركة هي معركة “الأمة الإسلامية” على اتساعها، إزاء الأعداء المتكتلين في حرب الإسلام كتلة واحدة، وإن تفرقوا في كُلِّ شيءٍ عدا ذاك!

وحين نقول الأمة على اتساعها يظن بعض الناس أنَّنا نقصد كل فرد من أفرادها، وهذا مستحيل! فلا يوجد مجتمع واحد في التَّاريخ – فضلًا عن أمة يبلغ تعدادها اليوم ألف مليون من البشر – يكون كله على قلب رجل واحد، وعلى مستوى واحد من الرِّفْعَة، أو الصَّلابة، أو التَّوجه إلى الخير..

ومجتمع الرسول ذاته لم يكن كذلك، كما أوضحنا في أكثر من موضع وفي أكثر من كتاب..

ولكنا نقصد أن توجد في هذه الأمة قاعدة صلبة – كالقاعدة التي قامت في مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم – يبلغ من قوتها وصلابتها أن تحمل ضعاف الإيمان، والمعوّقين، والمبطئين، والمتثاقلين، والمنافقين، وتسير بهم جميعًا إلى هدفها، كما سارت القاعدة الصُّلْبَة التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه، ولم يعوّقها وجود هذه الفئات كلها عن النصر الحاسم على أعداء الله..

*     *     *

وينبغي أن تدرك الصَّحوة جيدًا كذلك أنَّ المعركة ليست مجرد معركة بين فريق من البشر وفريق، أو بين شعب من الشعوب وشعب، أو بين نوع من السلاح ونوع.. إنَّما هي قبل ذلك كله – وأهم من ذلك كله – معركة بين عقيدة وعقيدة، ومنهج للحياة ومنهج.

عقيدة تؤمن بالله واليوم الآخر، وعقيدة تشرك في إيمانها بالله آلهة أخرى أو تنكر وجوده أصلا.. ومنهج للحياة قائم على عقيدة التوحيد ومتناسق معه، مستمد من المصدر الرباني المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهج مبني على الشرك أو الكفر ومتناسق معه، مستمد من أي مصدر إلا الوحي الرباني..

ومقتضى ذلك أنَّ النصر لا يتم حتى تتمحض تلك العقيدة في نفوس أصحابها وتصفو، وتتخلص من كل ما شابها من عناصر دخيلة عليها، أيًّا كان المدى الذي توغلته تلك العناصر الدخيلة، وأيًّا كان الزمن الذي استغرقته وهي متلبسة بعقائد الناس.

إنَّ الجاهلية لم تقف برمتها أمام عقيدة التَّوحيد وجها لوجه كما تقف اليوم، إلا مرة واحدة من قبل، أيام بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والصَّدر الأوَّلِ من الإسلام.. مع الفارق الذي أحدثه التقدم العلمي، والتقدم التكنولوجي، ووسائل النقل، ووسائل الإعلام، الذي جعل الكتلة المتكتلة ضد الإسلام أكثر ترابطا، وأكثر توحُّدَاً، وأكثر ضراوة.. ولكن المعركة في جوهرها لم تتغير..

معركة التوحيد والشرك.. معركة الإسلام والجاهلية..

ولقد واجه الإسلام – بعد تمكنه في الأرض – كثيراً من عداوات الجاهلية، مع الصليبيين مرة، ومع التتار مرة، ومع اليهود من قبل مرة.. ولكنه لم يقف في وجه جاهلية الأرض كلها مجتمعة إلا مرتين اثنتين: الأولى وقت البعثة المحمدية وصدر الإسلام، والثانية في الوقت الحاضر.

وهذا يستلزم كما ألمحنا أن تكون العقيدة من النَّقَاءِ في نفوس أصحابها، ومن رسوخ الإيمان بها، والتَّجَرُّد لله بها، كما كانت في المواجهة الأولى، لتكون كفؤا للجاهلية الواقفة أمامها، فضلا عن التغلب عليها في نهاية المطاف.

*     *     *

أمر ثالث ينبغي أن تدركه الصحوة جيدًا.. أنَّ الجاهلية تواجه الإسلام اليوم وهي في قمة حضارتها المادية، وقمة افتتانها بتلك الحضارة، والمسلمون في درجة شديدة من التخلف في هذا المجال..

ومقتضى ذلك أن يواجه المسلمون تلك الحضارة بمثل ما واجه المسلمون الأوائل الحضارة الفارسية والبيزنطية وهما في أوج تمكنهما المادي.. أي بالقيم الحضارية المواجهة تماما للحضارة الجاهلية.

لقد تمت المواجهة الأولى بين الإسلام والجاهلية والمسلمون يكادون يكونون مجردين من أدوات الحضـارة المادية وتنظيماتها، بينما الدولتان “العظميان” يومئذ – فارس وبيزنطة – في قمة من قمم الحضارة المادية والتنظيمية لم يكن قد بلغها أحد قبلهم في ذلك التاريخ..

وانتصر الإسلام.. انتصر بحسب السُّنن الجارية، لا بسنة خارقة..

وإن كانت هذه وتلك جميعا تتم بقدر من الله.

فمن سنن الله الجارية أن ينتفش الباطل في غيبة الحق. فإذا جاء الحق زهق الباطل..

( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ) ([499]).

ومن سنن الله الجارية أن يتدافع الحق والباطل ليتم إنقاذ الأرض من الفساد:

( وَلَوْلا دَفْـعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ([500]).

ومن سُنَّتِه أن يكون للحَقِّ جنود يؤمنون به، لأنَّ الحَقَّ المجرد من الجنود لا ينتصر، وأن يكون هؤلاء الجنود مخلصين لله، مترابطين على العقيدة، مؤتلفة قلوبهم عليها:

( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ([501]).

وأن يكون هؤلاء الجنود صادقي التَّوكل على الله:

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ([502]) )([503])

وأن يكونـوا مجاهدين في سبيل الله، إذا دعت دواعي الجهاد يقاتلون صابرين محتسبين:

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ([504])

ثُمَّ إنَّ من سُنَّتِهِ الجارية كذلك أنَّ الباطل المنتفش بقوته المادية – في غيبة الحق – لا أصالة له لأنَّه باطل، ومع ذلك يمكّن في الأرض فترة من الوقت لحكمة يريدها الله، وبسنة يجريها الله:

( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ([505])

فإذا جاء الحَقُّ – وهو وحده صاحب الأصالة – وتمت له مقوماته، أي الجنود المؤمنون به، المخلصون في إيمانهم، المجاهدون الصابرون المحتسبون، فإنَّه ينتصر بما فيه من أصالة، ولو كان أقل جنودًا وأقل عُدَّةً، لأنه يحمل القيم الأصيلة التي كتب الله لها البقاء والصَّلاحية:

( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) ([506])

( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) ([507])

( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَـا لِعِبَادِنَـا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُـمْ لَهُـمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ([508]).

تلك – وأمثالها من السنن الجارية – هي التي قررت في علم الله انتصار الإسلام في مواجهته الأولى مع الدولتين “العظميين” يومئذ، فضلًا عن سائر الجاهليات القائمة في ذلك الحين.. ولم يكن للقوة المادية الساحقة، الخاوية من “القيم”، الخاوية من “الحق” أصالة تحميها من غلبة الإسلام عليها، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته، فانتصر الحق وزهق الباطل وذهب طيّ النسيان..

واليوم تقف الجاهلية – بدولتيها “العظميين” – ذات الموقف مرة أخرى..

قمة في القوة المادية والتقدم العلمي والمادي والتكنولوجي لم يبلغها أحد من قبل..

ولا أصالة..

فالأصالة هي الحق..

وحين يكون الإنسان في عرف الجاهلية المعاصرة حيوانا كما أراده “داروين”، وحين يكون في وهم نفسه – في الوقت ذاته – إلها متجبرا طاغيا مستكبرا عن عبادة الله.. فكلاهما وهم لا ظل فيه للحق.. ومن ثَمَّ فلا أصالة فيه..

وحين تكون الحضارة هي حضارة “قبضة الطين” منقطعة الصِّلة “بنفخة الروح”، فهي حضارة غير أصيلة، لأنَّ قبضة الطين المنفصلة عن نفخة الرُّوح لا وجود لها في الحقيقة، وكل بناء يبنى على أساس وجودها فهو مجافٍ للحَقِّ، ومن ثَمَّ لا أصالة فيه..

ولا ينفي هذا أن يكون لهذه الحضارة المجافية للحَقِّ منجزات ضخمة نافعة، كمنجزاتها العلمية والتنظيمية، فهذا من العطاء الرباني المتاح للبشر جميعًا: مؤمنهم وكافرهم، وكان للجاهليات التاريخية كلها نصيب منه:

( كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) ([509])

ولا ينفي كذلك أن تكون بعض الأفكار والقيم ذات قيمة ونفع، فإنَّ النفس البشرية لا تتمحض للشَّرِّ الخالص مهما بعدت عن الحَقِّ، ولا يتمحض مجموع الناس في الجاهليات للشَّرِّ بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ، إِذَا فَقِهُوا “ ([510]).

ولكن العبرة في النهاية – في صراع الحق والباطل – ليست بالمنجزات المادية مهما يكن من ضخامتها ونفعها، وليست بالأفكار والقيم الجزئية التي يمكن أن تكون في الجاهليـات.. إنما هي بالقاعدة التي يقوم عليها البنيان كله..

فلا شك أن كُلَّاً من الجاهلية الفارسية والجاهلية الرومانية كان لها منجزات مادية وتنظيمية ضخمة ونافعة، ولا شك أن بعض القيم وبعض الأفكار النَّافعة كان موجودًا في كل من الجاهليتين..

ولكن ذلك كله لم يحمِ هاتين الجاهليتين من الانهيار أمام الإسلام، الذي يقوم كله على القاعدة الصحيحة السليمة، التي تحقق الغاية الحقيقية للوجود الإنساني، وهي عبادة الله، بالمعنى الواسع الشامل للعبادة الذي بيناه من قبل ([511])، رغم قلة العدد والعدة في جانب المسلمين يومئذ، ورغم الفراغ من المنجزات المادية والتنظيمية إلا القليل الذي لا يكاد يذكر.

وتلك – كما بينا – سنة جارية. ومعنى كونها جارية أنها يمكن أن تتحقق – بقدر من الله – في كل مرة تتحقق مقوماتها وعناصرها، وتتم المواجهة بمقتضاها..

ومن جانب الجاهلية فكل المقومات والعناصر قائمة.. قوة مادية هائلة، وفراغ هائل في عالم القيم والمبادئ والأخلاق..

ويسلتزم سريان السُّنَّةِ الجارية – وهي تجري في كل مرة بقدر من الله – أن يكون المسلمون في المواجهة قائمين على الشرط، كما كان المسلمون في المواجهة الأولى، فيتم النصر – بقدر من الله – كما تَمَّ أوَّل مرة، ويتغير وجه الأرض كما تغيّر من قبل..

ولا شك عندي – من وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم… أن ذلك سيحدث..

ولكن الصَّحوة ينبغي أن تدرك شرط النَّصر في تلك المواجهة..

إنَّ المسلمين لن يسبقوا الجاهلية المعاصرة في التَّقَدُّم العلمي والمادي والتكنولوجي والتنظيمي في الوقت الحاضر.

ولكنهم – مع ذلك – يملكون ما لا تملك الجاهلية اليوم ولا غدًا ولا في أي وقت.. يملكون العقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح.. المنهج الشامل الكامل المتوازن المترابط، الذي أنزله الله العليم الخبير ليصلح به الأرض، ويصلح حياة الناس.

وحين يحققون العقيدة الصَّحيحة في ذوات أنفسهم، ويحققون المنهج الصحيح في واقع حياتهم، تجري السنة بقدر من الله، وينتصر الإسلام في المواجهة الحاضرة بينه وبين الجاهلية.. ويتغير وجه الأرض.

ولكن العقيدة ينبغي أن تكون في صفائها كله، وفي بهائها كله، وفي أَلَقِهَا كله، لتحدث في واقـع الأرض الفارق الحقيقي الذي يلمسه الناس في صورته الأخّاذة – كما حدث أول مرة – فيهرعون إليه، ويدخلون في ظله.. والمنهج – بما يشتمل عليه من قيم فذة، وأخلاقيات عالية، وصدق وعمق، ورسوخ وتمكن، وشمول وتوازن – ينبغي أن يكون مُحَقَّقَا في نماذج بشرية فذَّة، تُبْرِزُ للناس في عالم الواقع الفارق الهائل بين الإسلام والجاهليـة، كما حدث أول مرة، فيحب الناس المنهج ويدخلون فيه..

عندئذ ينتصر الحق بجدارة – حسب السنن الجارية – لأنَّه يثبت جدارته بالفعل. ويكون له دور حقيقي يؤديه في حياة الناس لأنه يعطي الناس بالفعل ما هم في حاجة حقيقية إليه، ولو لم يشعروا بتلك الحاجة وهم سادرون في غيهم، بل ولو كانوا رافضين للخير والهدى في مبدإ الأمر كما يكون الناس في كل جاهلية.. ولكن الفطرة البشرية تقدره، حين تراه مطبقا في عالم الواقع – في الصورة الباهرة التي يلتقي فيها

الواقع بالمثال – وعندئذ يشعر الناس بما يشتملون عليه من نقص، ويهرعون إلى الكمال..

وسيزيدهم طمأنينة إلى المنهج الرباني وإقبالًا عليه، أن يروا – من خلال التجربة الواقعية – أنَّ الإسلام لن يهدم تقدمهم العلمي والتكنولوجي والتنظيمي، إنَّما سيقيمه فقط على القاعدة الإيمانية الصحيحة، ويمنحه “الأخلاق” التي تسلبه إياها الجاهلية، ويمنحه “الروح” التي تجعل منه إنْجَازَاً لائقًا “بالإنسان”.

*     *     *

من أجل ذلك كله ينبغي للصحوة أن تقدر الأمر حق قدره، وتمنحه الطاقة اللازمة لإنجازه..

إنه أمر جاد.. وهو كذلك أمر خطير..

إنه ليس نزهة قريبة.. ولا هو أمر يخصهم وحدهم في ذوات أنفسهم..

إنه أمر الأمة الإسلامية بأكملها.. وأمر البشرية كذلك، من شاء منهم أن يستقيم..

أمر خلاص “الإنسان” من حمأة الطين التي يتمرغ فيها اليوم، والتي انساق “المسلمون” إليها – أو ساقهم أعداؤهم إليها – حين تخلفوا عن عقيدتهم، فتخلوا عن ذاتيتهم، فأصبحوا كغثاء السيل ([512]).

أمر جاد.. لا تكفي فيه جهود هامشية مبعثرة، ولا يكفي فيه جهد يبذل لمجرد ممارسة الإسلام على أي مستوى من المستويات.

أمر يحتاج إلى كل الطاقة مُجَمَّعَة.. ويحتاج إلى محاولة الصُّعود إلى القمة التي صعد إليها المسلمون أول مرة، حين عوضت القيم الفَذَّةِ، والممارسة الفَذَّةِ لهاتيك القيم، كل الفروق المادية بين المسلمين وأعدائهم، وكتبت النصر لأصحاب القيم الفَذَّةِ الأصيلة على أصحاب الباطل المنتفش بالقوة المادية وعبقرية التنظيم.

*     *     *

إن على “الصحوة” في كل بلد إسلامي أن تربي القاعدة الصُّلْبَة على المستوى الفائق، ثم تدعو إليها الجماهير.. وليس هنا بيان منهج التربية اللازم لبناء القاعدة الصُّلْبَة على ذلك المستوى الفائق، ولا منهج الدعوة التي توجه إلى الجماهير ([513])..؛ ولكنَّا نشير هنا إلى أمر أساسي، سواء في بناء القاعدة أو في دعوة الجماهير.. إنه لا بد أولا من تصحيح المفاهيم.. إذ كيف تبنى القاعدة على المفاهيم الخاطئة للإسلام؟!

كيف تبنى قاعدة صلبة على الفكر الإرجائي الذي يقول: إن الإيمان هو التصديق والإقرار؟! وإن العمل ليس داخلا في مسمى الإيمان؟ وإنه من قال “لا إله إلا الله” فهو مؤمن ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام؟!

كيف تبنى قاعدة صلبة على مفهوم قاصر للعبادة يحصرها في الشعائر التعبدية، ويخرج العمل كله من دائرة العبادة، ويخرج الأخلاق، ويقسم الحياة إلى “ساعة لقلبك وساعة لربك”  فتنقلب ساعة القلب إلى لهو عابث، وساعة الرب إلى مجرد أداء للشعائر بغير مقتضى واقعي في سلوك الناس؟!

وكيف تبنى على عقيدة للقضاء والقدر سلبية مخذّلة متواكلة لا تأخذ بالأسباب؟

وكيف تبنى على تصور خاطئ يفصل ما بين الدنيا والآخرة، ويجنح بالسلوك سواء لحساب هذه أو حساب تلك؟

وكيف تبنى على إهمالٍ لعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني الشامل المتكامل الذي ينشئ الحضارة الخليقة بالإنسان؟

وماذا تستطيع مثل هذه القاعدة في الصراع الهائل مع الجاهلية؟ وماذا تمنح الناس لتحبب إليهم اعتناق الحق والدخول فيه؟!

وكذلك الدعوة الموجهة إلى الجماهير، لتكون سندا للقاعدة الصلبة بدلا من أن تكون حملا عليها..

لماذا نقوم بالدعوة أصلا إن لم نغير عند الناس مفاهيمهم الخاطئة عن الإسلام؟!

لأي هدف ندعوهم إذا قلنا لهم إن الإيمان هو التصديق والإقرار، وإن العمل ليس داخلا في مسمى الإيمان، وإنه من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن، ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام؟!

هل ندعوهم لنثبت فيهم الأسباب التي أدت بهم إلى الضياع والتيه، وجعلتهم غثاء كغثاء السيل؟ سواء ما وقعوا فيه من شرك الاعتقـاد عن طريق عبادة الأولياء والأضرحة والمشايخ، أو شرك الاتباع، باتباع غير ما أنزل الله، واتخاذ البشر – المشرعين من عند أنفسهم – أربابا من دون الله؟

أم ندعوهم ليغيروا ما بأنفسهم فيغير الله لهم؟!

*     *     *

لا بد في جميع الأحوال من تصحيح المفاهيم.

وحين تصحح المفاهيم بالفعل، وتتربى على المفاهيم الصحيحة قاعدة صلبة، تساندها الجماهير المؤمنة الواعية التي تمارس الإسلام في عالم الواقع.. عندئذ يتحقق الوعد الذي وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ “ ([514]).

وعندئذ يتغير وجه الأرض.. وتتحقق للإسلام جولة جديدة، يخرج فيها الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة..

( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ([515])

 

الفهْرسْ

مقدمة                                                                                                3

مَفهُومُ لا إله إلاّ الله                                                                      7

مَفهُوم العبَادة                                                                                          78

مَفهُوم القضَاءِ وَالقَدَر                                                                               115

مَفهُوم الدّنيَا والآخرة                                                                     128

مفهُوم الحَضارةِ وَعمارةِ الأرض                                                              151

أضواءٌ علَى المُستقبَل                                                                            164

([1])  في كتاب “واقعنا المعاصر”. وقد كان الأصل أن يصدر كتاب “المفاهيم” قبل “واقعنا المعاصر” لأنه مكتوب قبله بعدة سنوات ولكن شاء الله أن يتأخر كتاب المفاهيم كل هذه السنوات، وتصدر قبله كتب أخرى كتبت بعده بسنوات! وكل شيء عنده بمقدار.

([2])  سورة فاطر [43].

([3])  سورة الأنفال [53].

([4])  سورة البقرة [124].

([5])  سورة النور [55].

([6])  سورة الأعراف [169].

([7])  سورة مريم [59].

([8])  سورة الأعراف [96].

([9])  أخرجه أحمد وأبو داود.

([10])  تحدثت عنه وعن آثاره في كتاب “واقعنا المعاصر”.

([11])  أخرجه مسلم.

([12])  سورة النساء [136].

([13])  أشرت إلى هذا المعنى في كتاب “دراسات قرآنية”.

([14])  أخرجه مسلم.

([15])  سورة إبراهيم [8].

([16])  سورة فاطر [3].

([17])  حتى الذين يقولون إنهم “ملحدون” لا يؤمنون بشيء ولا يعبدون شيئا هم عابدون لأهوائهم وشهواتهم كما يقول سبحانه وتعالى: “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ؟” [سورة الجاثية: 23].

([18])  سورة يس [60 – 61].

([19])  سورة آل عمران [14].

([20])  هي من “الدوافع” التي يعلم الله أنها لازمة للإنسان ليقوم بدور الخلافة في الأرض ولكن في الحدود التي أباحها الله، وهي في الوقت ذاته نقطة الابتلاء في حياة الإنسان. انظر الفصل القادم ” مفهوم العبادة “.

([21])  أخرجه الشيخان.

([22])  سورة الأعراف [16 – 17].

([23])  سورة الملك [22].

([24])  سورة الرعد [16].

([25])  سورة محمد [12].

([26])  سورة الزمر [17].

([27])  سورة هود [25 – 27].

([28])  سورة هود [50 إلى 53].

([29])  سورة هود [61 – 62].

([30])  سورة هود [84 – 87].

([31])  سورة ص [4 – 5].

([32])  سورة لقمان [21].

([33])  سورة الأنعام [148].

([34])  سورة النحل [35].

([35])  سورة الشورى [11].

([36])  سورة النحل [17].

([37])  سورة فاطر [3].

([38])  انظر إن شئت فصل “الديمقراطية” من كتاب “مذاهب فكرية معاصرة” حيث بينا كيف تحكم الرأسمالية من خلال الديمقراطية، وكيف تحقق جميع مصالحها بينما يتوهم “الشعب” أنه هو مصدر السلطات.

([39])  في الديمقراطية بالذَّات يستجاب لكثير من شهوات الجماهير الهابطة، كجزء من اللعبة الضخمة، لتمرير مصالح الرأ سمالية الحاكمة وإيهام الجماهير أنها هي صاحبة السلطان!

([40])  سورة غافر [26].

([41])  سورة يونس [75 – 78].

([42])  سورة الزخرف [54].

([43])  سورة الأنعام [33].

([44])  فصل “نظرة إلى الجبل الفريد”.

([45])  سورة لقمان [21].

([46])  كان العرب في جاهليتهم يؤمنون بحرمة الأشهر الحرم الأربعة التي حرمها الله، ولكنهم كانوا إذا اقتضتهم أهواؤهم يحلون ما شاءوا من هذه الأشهر، ويحرمون بدلا منها ما شاءوا بحيث يظل مجموع الأشهر الحرم أربعة في العام! وإلى هذا تشير الآية الكريمة.

([47])  سورة التوبة [37].

([48])  سورة الأنعام [136 – 140].

([49])  سورة البقرة [1 – 5].

([50])  سورة البقرة [177].

([51])  انظر بالتفصيل إن شئت كتاب “دراسات قرآنية”.

([52])  سورة آل عمران [1 – 4].

([53])  سورة آل عمران [190 – 195].

([54])  أشرت إلى هذا المعنى في كتاب “دراسات قرآنية” في عرض سورة آل عمران.

([55])  هي المورايث.

([56])  سورة النساء [13 – 14].

([57])  سورة النساء [59].

([58])  سورة النساء [64].

([59])  سورة النساء [123 – 124].

([60])  سورة المائدة [3].

([61])  سورة المائدة [50].

([62])  سورة المائدة [44].

([63])  سورة المائدة [45].

([64])  سورة المائدة [47].

([65])  سورة النساء [60 إلى 65].

([66])  سورة النور [47 – 52].

([67])  سورة النساء [145].

([68])  سورة الأعراف [3].

([69])  سورة الأعراف [54].

([70])  سورة الأعراف [54].

([71])  سورة الأعراف [55 – 56].

([72])  سورة الشورى [10].

([73])  سورة الشورى [21].

([74])  سورة الأنعام [114 – 121].

([75])  اقرأ في هذا الموضوع بتفصيل وافٍ “مقدمة سورة الأنعام في ظلال القرآن” ج 7 ص 1004 – 1029، وفصل “ألوهية وعبودية” في كتاب “مقومات التصور الإسلامي”.

([76])  سورة النساء [142].

([77])  سورة النساء [72 – 73].

([78])  سورة النساء [64].

([79])  سورة الحديد [25].

([80])  العلم في اللغة يفيد اليقين، فهو يشمل “التصديق” الذي يتكلم عنه المرجئة ويقولون إنه هو المعنيّ بالإيمان.

([81])  سورة المؤمنون [71].

([82])  سورة البينة [5].

([83])  سورة الأحزاب [4].

([84])  أخرجه الشيخان.

([85])  أخرجه الشيخان.

([86])  سورة سبأ [28].

([87])  سورة الأعراف [158].

([88])  سورة المائدة [3].

([89])  سورة آل عمران [104].

([90])  سورة الأنفال [39].

([91])  سورة التوبة [60].

([92])  قال في “سنن ابن ماجه ت الأرناؤوط”: “إسناده ضعيف جدًا، شريك -وهو ابن عبد الله النخعي- سيئ الحفظ، وشيخه أبو حمزة -وهو ميمون الأعور- ضعيف؛ وقال الشيخ الألباني: ضعيف منكر” اهـ. وقال في الحديث الثاني: “وفي سنده أبو حمزة ميمون الأعور، وهو ضعيف، قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمون يضعف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث من قوله، وهذا أصح” اهـ.

([93])  متفق عليه؛ وهذه رواية البخاري.

([94])  متفق عليه؛ وهذه رواية البخاري.

([95])  تلك أبرز سمات الأمة المسلمة التي تحدثنا عنها في كتاب “واقعنا المعاصر” مضافا إليها الحركة العلمية الإسلامية والحركة الحضارية الإسلامية اللتان جاءتا – بطبيعتهما – متأخرتين في الزمن، ولكن بذورهما الأولى وجدت في أطواء الانطلاقة العظمى التي حققها الجيل الأول.

([96])  سورة آل عمران [110].

([97])  تعرضت للحديث عن هذه الظروف وأثرها في تكوين الجيل الأول على صورته الفذة في كتاب “واقعنا المعاصر” فصل “نظرة إلى الجيل الفريد”.

([98])  تحدثت عن هذه النقطة كذلك في الفصل المشار إليه من كتاب “واقعنا المعاصر”.

([99])  سورة البقرة [229].

([100])  سورة البقرة [187].

([101]) سورة آل عمران [14].

([102])  سورة البقرة [168].

([103])  سورة البقرة [221].

([104])  سورة النساء [24].

([105])  سورة البقرة [30].

([106])  سورة هود [61].

([107])  سورة البقرة [36].

([108])  سورة الكهف [7].

([109])  اقرأ إن شئت “منهج التربية الإسلامية” الجزء الأول، و “دراسات في النفس الإنسانية” فصل “الدوافع والضوابط”.

([110])  سورة طه [115].

([111])  أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي. وإسناده حسن كما قال في “جامع الأصول”.

([112])  سورة آل عمران [135 – 136].

([113])  لم يشذ عن هذا إلا الخوارج، وهم فرقة خارجة عن الإسلام.

([114])  هو عمل من أعمال القلب يحدث به الكفر.

([115])  أخرجه الشيخان.

([116])  سورة ص [76].

([117])  سورة الحجر [33].

([118])  سورة النساء [116].

([119])  سورة الحديد [25].

([120])  سورة البقرة [143].

([121])  سورة الحج [78].

([122])  سورة الأعراف [169].

([123])  رواه الطبري عن حذيفـة من أكثر من طريـق. انظر تفسيـر الطبـري 6 / 253 الطبعة الثالثة 1388 هـ.

([124])  سبق ذكره.

([125])  سورة الأنفال [2 – 4].

([126])  سورة النساء [65].

([127])  سورة النساء [59].

([128])  سورة المؤمنون [1 – 11].

([129])  سورة البقرة [98].

([130])  سورة غافر [7].

([131])  سورة طه [75 – 76].

([132])  سورة النساء [124].

([133])  سورة الكهف [2].

([134])  أخرجه النسائي والترمذي. قال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» وحسنه الألباني.

([135])  متفق عليه. وهذه رواية مسلم.

([136])  أخرجه مسلم.

([137])  سورة الأنعام [115].

([138])  يقول الإمام الشاطبي: ( الموافقات جـ 3 ص 165 – 166، مطبعة محمد علي صبيح، القاهرة )

إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال. والدليل على ذلك أمور:

أحدها: أن القاعدة مقطوع بها بالفرض، لأنا إنما نتكلم في الأصول الكلية القطعية، وقضايا الأعيان مظنونة أو متوهمة، والمظنون لا يقف للقطعي ولا يعارضه.

والثاني: أن القاعدة غير محتملة (أي لا تحتمل وجها آخر) لاستنادها إلى الأدلة القطعية، وقضايا الأعيان محتملة، لإمكان أن تكون على غير ظاهرها، أو على ظاهرها وهي مقتطعة مستثناة من ذلك الأصل، فلا يمكن والحالة هذه إبطال كلية القاعدة بما هذا شأنه.

والثالث: أن قضايا الأعيان جزئية، والقواعد المطردة كليات، ولا تنهض الجزئيات أن تنقض الكليات…

([139])  يقول الإمام ابن تيمية: قُلْت: وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ لِلْأَمَةِ {أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ} فَهُوَ مِنْ حُجَجِهِمْ الْمَشْهُورَةِ وَبِهِ احْتَجَّ ابْنُ كُلَّابٍ وَكَانَ يَقُولُ: الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالْقَوْلُ جَمِيعًا فَكَانَ قَوْلُهُ أَقْرَبَ مِنْ قَوْلِ جَهْمٍ وَأَتْبَاعِهِ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ الظَّاهِرَ الَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي الدُّنْيَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ فِي الْبَاطِنِ الَّذِي يَكُونُ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} هُمْ فِي الظَّاهِرِ مُؤْمِنُونَ يُصَلُّونَ مَعَ النَّاسِ. وَيَصُومُونَ وَيَحُجُّونَ وَيَغْزُونَ وَالْمُسْلِمُونَ يُنَاكِحُونَهُمْ ويوارثونهم كَمَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ… وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ فِي الْكَفَّارَةِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى النَّاسِ أَلَّا يُعْتِقُوا إلَّا مَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُمْ: اُقْتُلُوا إلَّا مَنْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ. وَهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا أَنْ يُنَقِّبُوا عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا يَشُقُّوا بُطُونَهُمْ؛ فَإِذَا رَأَوْا رَجُلًا يُظْهِرُ الْإِيمَانَ جَازَ لَهُمْ عِتْقُهُ وَصَاحِبُ الْجَارِيَةِ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ هِيَ مُؤْمِنَةٌ؟ إنَّمَا أَرَادَ الْإِيمَانَ الظَّاهِرَ الَّذِي يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ نَذْرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُعْتِقَ إلَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مُطْلَقًا؛ بَلْ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ يَعْلَمُ ذَلِكَ مُطْلَقًا… وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ تِلْكَ الْأُمَّةِ بِالْإِيمَانِ الظَّاهِرِ الَّذِي عُلِّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ الظَّاهِرَةُ…

([140])  الترغيب والترهيب 3 / 220 تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

([141])  مدارج السالكين ج 1 ص 330 – 332 طبعة دار الكتاب العربي 1392 هـ.

([142])  رواه الشيخان.

([143])  سورة النساء [123 – 124].

([144])  أخرجه مسلم.

([145])  أخرجه مسلم.

([146])  سورة النساء [116].

([147])  سورة التوبة [31].

([148])  أخرجه الترمذي.

([149])  سورة الأعراف [3].

([150])  سورة الشورى [21].

([151])  سورة الشورى [10].

([152])  سورة الأنعام [121].

([153])  سورة النساء [65].

([154])  سورة النور [47 – 48].

([155])  وهي المثارة اليوم كذلك!

([156])  سورة المائدة [44 – 47].

([157])  سورة المائدة [50].

([158])  سورة النور [51].

([159])  سورة الأحزاب [36].

([160])  سورة النحل [106].

([161])  سورة المائدة [44].

([162])  انظر تفسير ابن كثير ج 2 ص 68.

([163])  انظر فصل “آثار الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر”.

([164])  انظر في كتاب “واقعنا المعاصر” فتوى الشيخ رشيد رضا بهذا المعنى وردنا عليها.

([165])  تكلمت عن هذه العوامل بشيء من التوسع في فصل “خط الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر”.

([166])  سورة الذاريات [55].

([167])  سورة الأنفال [60].

([168])  أخرجه ابن ماجه.

([169])  سورة الأنفال [46].

([170])  سورة آل عمران [103].

([171])  سورة الحجرات [11 – 12].

([172])  انظر فصل “آثار الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر”.

([173])  سورة البقرة [217].

([174])  سورة البقرة [109].

([175])  سورة إبراهيم [24 – 25].

([176])  أي بدلا من الإسلام.

([177])  انظر “قضية الحكم على الناس” في فصل “الصحوة الإسلامية” من كتاب “واقعنا المعاصر”. وقد فصلت الحديث هناك عن الأسباب التي تدعوني إلى عدم الخوض في هذه القضية في الوقت الحاضر، وتركيز الجهد كله في عملية البيان والتعليم دون التعرض لإصدار الأحكام على الناس.

([178])  سورة الإنسان [31].

([179])  قال عليه الصلاة والسلام: “بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ” رواه مسلم.

([180])  نطلق لفظ “الأرض الإسلامية” على كل أرض كان الإسلام يحكمها ذات يوم ثم تراجع الحكم فيها عن شريعة الله وحكمتها شرائع الجاهلية. وحكم الفقهاء فيها أن أهلها مطالبون بردها إلى الحكم الإسلامي لا يسقط هذا الواجب عنهم أبد الدهر.

([181])  بعضهم لا يكتفي بقول لا إله إلا الله، بل يزعم أنه هو الذي تتحقق فيه حقيقة الإسلام! ( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) [سورة النور: 47].

([182])  سورة النور [55].

([183])  متفق عليه.

([184])  يحتج كثير من الناس المخدوعين بالديمقراطية على وضعها بين المذاهب الهدامة! وقد بينت حقيقتها في كتاب “مذاهب فكرية معاصرة” وكيف أنها مسرحية جميلة تخفي في أطوائها سيطرة الرأسماليـة على المجتمع. وسيطرة اليهود على مقدرات الناس. وأن الفساد الذي تحتوي عليه أكبر بكثير من الخير الجزئي الذي تحققه!

([185])  سورة الشعراء [88 – 89].

([186])  ناقشت هذه القضية في كتاب “واقعنا المعاصر” بمثل ما ناقشتها به هنا. وكان الأصل أن يصدر كتاب المفاهيم أولا. فلما تأخر – بقدر من الله – وسبقه كتاب ” واقعنا المعاصر ” احتجت فيه إلى بيان بعض القضايا الواردة أصلا في كتاب المفاهيم.

([187])  أخرجه مسلم.

([188])  أخرجه مسلم.

([189])  سورة الأحزاب [36].

([190]) قال في “مجمع الزوائد”: “رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ أَسَدُ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ الْأَزْدِيُّ: مَجْهُولٌ، وَمِنْدَلٌ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ” اهـ.

(3) إحياء علوم الدين المجلد الثالث الجزء السابع ص 9، دار الفكر العربي.

([191])  قولنا الأول والثاني والثالث ليس ترتيب أهمية، إنما هو من ضرورة الكلام. وإلا فهي كلها على مستوى واحد من حيث كونها متعلقة بالعقيدة – أي بأصل الإيمان – وكون الخروج عليها شركا مخرجا من الإسلام.

([192])  كذلك قولنا الرابع والخامس ليس ترتيب أهمية فكلاهما لازم لتحقيق “الإيمان الحق”: “أولئك هم المؤمنون حقا”.

([193])  سورة النساء [65].

([194])  سورة النحل [35].

([195])  سورة التوبة [31].

([196])  أخرجه أحمد وأبو داود.

([197])  سورة البقرة [217].

([198])  كان اليهود قد اعتقلوه صبيحة النكسة ثم أفرجـوا عنه، ثم اعتقله جمال عبد الناصر لأسباب لا يعرفها هو! وظل في معتقل “القناطر” عدة أشهر حتى مات جمال عبد الناصر فأفرجوا عنه! 

([199])  سورة البقرة [146].

([200])  كلمة المثالية في مصطلحهم كلمة ذم لا مدح! بل هي في عرفهم أشد ما يذم به إنسان! لأنها تعني – عندهم – الشخص الذي يشغل نفسه بالأحلام غير القابلة للتحقيق، ويترك مشاكل ” الجماهير ” دون حل حقيقي!

([201])  راجع الحديث عن “التخلف العقيدي” في فصل “آثار الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر”.

([202])  وراجع كذلك بيان الصلة بين التخلف العقيدي والتخلف العلمي والحضاري والاقتصادي والحربي والسياسي.. إلخ. في نفس الفصل.

([203])  راجع إن شئت فصل “الصحوة الإسلامية” في كتاب “واقعنا المعاصر”.

([204])  سورة الأنعام [44].

([205])  سورة هود [15].

([206])  سورة النور [55].

([207])  سورة الأنعام [44 – 45].

([208])  سورة فاطر [43].

([209])  سورة هود [15 – 16].

([210])  سورة القتال [12].

([211])  سورة النور [55].

([212])  سورة الأعراف [96].

([213])  سورة الرعد [28].

([214])  سورة التوبة [72].

([215])  يقول تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) [سورة الروم: 30].

([216])  سورة آل عمران [110].

([217])  سورة الذاريات [56].

([218])  يثير بعض الناس جدلا ذهنيا لا طائل وراءه، مفاده أن الإنسان خلق للابتلاء لا للعبادة، استنادا إلى قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) وقوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) وقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) والقرآن لا يناقض بعضه بعضًا إنما يفسر بعضه بعضًا ويفصله. فلا تناقض بين هذه الآيات جميعا، إذ أن الابتلاء الذي يتعرض له الإنسان في حياته الدنيا هو جعل ما على الأرض زينة لها ثم اختبار الإنسان في موقفه من هذه الزينة: هل يلتزم فيها بعبادة الله، أي يقف في استمتاعه بها عند ما أحل الله، أم يعبد الشيطان فيتجاوز حدود الله؟ ومن ثم تصبح عبادة الله هي المطلب، وهي غاية الوجود الإنساني ولا شيء سواها. 

([219])  سورة الأنبياء [19 – 20].

([220])  سورة التحريم [6].

([221])  فيما عدا العصاة من الجن والإنس.

([222])  سورة الإسراء [44].

([223])  سورة الحج [18].

([224])  سورة فصلت [11].

([225])  سورة السجدة [6 – 9].

([226])  سورة البقرة [30].

([227])  سورة البقرة [31].

([228])  سورة الجاثية [13].

([229])  سورة الأحزاب [72].

([230])  سورة البلد [4].

([231])  سورة الانشقاق [6].

([232])  سورة الأنعام [162 – 163].

([233])  سورة آل عمران [191].

([234])  سورة آل عمران [135 – 136].

([235])  سورة النساء [74].

([236])  سورة النساء [19].

([237])  سورة التحريم [6].

([238])  سورة الملك [15].

([239])  أخرجه ابن ماجه.

([240])  سورة الجاثية [13].

([241])  سورة آل عمران [190 – 195].

([242])  أخرجه الشيخان.

([243])  سورة طه [115].

([244])  سورة الذاريات [56].

([245])  سورة النساء [36].

([246])  وفي مقدمة الأمانات كلها الإقرار بالعبودية لله الواحد، ويشمل هذا الإقرار الاعتقاد الجازم بوحدانية الله، وأداء الشعائر التعبدية له وحده بلا شريك، وتحكيم شريعته في كل أمر من الأمور.

([247])  سورة النساء [58 – 59].

([248])  سورة النساء [74].

([249])  سورة الأنفال [60].

([250])  سورة النساء [19].

([251])  سورة الملك [15].

([252])  سورة الرحمن [9].

([253])  أخرجه ابن ماجه.

([254])  أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

([255])  أخرجه مسلم.

([256])  أخرجه مسلم.

([257]) متفق عليه وهذه رواية البخاري.

([258])  أخرجه البخاري.

([259])  أخرجه مسلم.

([260])  سورة الأنعام [162 – 163].

([261])  أخرجه مسلم.

([262])  سورة محمد [19].

([263])  سورة النساء [36].

([264])  راجع الفصل السابق.

([265])  فرق علماء الإسلام تفريقا اصطلاحيا بين “العقيدة” و “العبادات” و “المعاملات” لمقتضيات “علمية” تخصصية، ولكن كان في حسهم أن “الدين” يشملها كلها، ولا يقتصر على أيٍّ منها، وأن أي واحدة منها –  بمفردها –  لا تمثل الدين سواء في شموله وتكامله، أو في كونه مفروضا على الناس للالتزام والتنفيذ.. ولكن حيـن حدث التخلخل خلال المسيرة التاريخية أثرت هذه التفرقة الاصطلاحية تأثيرا سيئا في مفاهيم الناس، حين اقتصر مفهوم “العبادة” على أداء الشعائر التعبدية فحسب، وخرجت منها العقيدة والمعاملات.

([266])  سورة الذاريات [56].

([267])  أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد والدارمي. قال الألباني: إن سنده ضعيف وكل طرقه كذلك. انظر كتابه “ضعيف الجامع الصغير” 1 / 184.

([268])  اقرأ إن شئت “قضية الحكم على الناس” ص 439 – 454 من كتاب “واقعنا المعاصر”.

([269])  سورة المائدة [3].

([270])  سورة النساء [59].

([271])  أخرجه مسلم.

([272])  أخرجه الشيخان.

([273])  سورة آل عمران [110].

([274])  رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

([275])  سورة الانشقاق [6].

([276])  سورة الأنعام [162 – 163].

([277])  سورة آل عمران [191].

([278])  أخرجه النسائي.

([279])  اقرأ إن شئت فصل “الديمقراطية” من كتاب “مذاهب فكرية معاصرة”.

([280])  سورة الإسراء [20].

([281])  سورة الروم [9 – 10].

([282])  سورة غافر [83].

([283])  كما تستخدم حبوب منع الحمل لإشاعة الفاحشة في الأرض ويستخدم التلقيح الصناعي في حل روابط الأسرة وإفساد الأنساب.

([284])  سورة الرعد [19 – 22].

([285])  سورة الأعراف [172].

([286])  سورة النحل [36].

([287])  سورة الفرقان [63 – 76].

([288])  سورة المؤمنون [1 – 11].

([289])  أخرجه مسلم.

([290])  قال في “مجمع الزوائد”: “رواه الطبراني والبزار وإسناد البزار حسن”.

([291])  أخرجه النسائي.

([292])  متفق عليه؛ وهذه رواية مسلم.

([293])  متفق عليه.

([294])  قال في مسند أحمد ط الرسالة: “حديث صحيح، وهذا إسناد فيه انقطاع، الحسن – وهو البصري – إنما سمعه من سعد بن هشام، عن عائشة كما سلف (24568) وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين”.

([295])  أخرجه مسلم.

([296])  أخرجه مالك في الموطأ. قال أبو عمر بن عبد البر: لا أحفظه مسنداً من وجه ثابت وهو حديث حسن مرسل.

([297])  أخرجه مسلم.

([298])  سورة القلم [4].

([299])  سورة آل عمران [159].

([300])  سورة طه [124].

([301])  كانت الشعوب “المتقدمة” تبحث أولا عن رفع مستوى المعيشة، فلما رفعته سعت إلى الرفاهية، فلما بلغتها صارت تبحث عن الوفرة، وهي مرحلة اقتصادية أبعد ..

([302])  ينفر الغرب كذلك من التخلف الحضاري والمادي والعلمي عند المسلمين، ولكن الذي ينفره أكثر هو السوء الأخلاقي الذي يرونه في حياة المسلمين من الكذب والغش وخلف الوعد والطرق الملتوية في التعامل.

([303])  في النية إصدار كتيب بعنوان “كيف ندعو الناس”، نتعرض فيه لقضية الوعظ ومدى جدواه.

([304])  “الإيمان بضع وسبعون شعبة.. “

([305])  سورة العنكبوت [45].

([306])  سورة البقرة [183].

([307])  أخرجه البخاري.

([308])  أخرجه أحمد وابن ماجه والنسائي؛ وقال في “مسند أحمد ط الرسالة”: “إسناده حسن. أبو خالد الأحمر: وهو سليمان بن حيان، وأسامة: وهو ابن زيد الليثي، صدوقان”.

([309])  سورة التوبة [103].

([310])  أخرجه مسلم.

([311])  سورة البقرة [197].

([312])  سورة الحج [27 – 37].

([313])  متفق عليه.

([314])  متفق عليه؛ وهذه رواية البخاري.

([315])  سورة الأنبياء [23].

([316])  قد يحتاج الإنسان إلى الاستنباط والاجتهاد للتعرف على الحكم غير المنصوص عليها بشأن العبادات، أما المنصوص عليها فلا تحتاج إلى استنباط ولا اجتهاد..

([317])  سورة الماعون [4 – 7].

([318])  ورد ذكر “الزاد” صريحا في شأن الحج في قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [سورة البقرة: 197].

([319])  سورة البقرة [187].

([320])  سورة البقرة [229].

([321])  سورة البقرة [183].

([322])  سورة الملك [15].

([323])  سورة التوبة [103].

([324])  سورة الشمس [9].

([325])  سورة آل عمران [14].

([326])  سورة آل عمران [15 – 17].

([327])  سبق ذكره.

([328])  سورة البقرة [267].

([329])  سورة المؤمنون [60].

([330])  سبق ذكره.

([331])  سورة الرعد [11].

([332])  سورة المائدة [100].

([333])  سورة النور [55].

([334])  سبق أن أشرنا إلى هذه القضية في الفصل الأول “مفهوم لا إله إلا الله” وفي كتاب “واقعنا المعاصر” فصل: “الصحوة الإسلامية”.

([335])  تلك قولة الغرب التي استخدمها في الغزو الفكري لسلخ المسلمين مما بقي لهم من إسلام!

([336])  تلك قولة الشيوعيين التي يستخدمونها في الغزو الفكري لإقناع الناس أنه لا حل لهم إلا الشيوعية!

([337])  يقول يحيى بن سعيد: بعثني عمر على صدقات إفريقية فاقتضيتها، فبحثت عن فقراء أعطيها لهم فلم أجد، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها عبيدا فأعتقتهم. وجاء في كتاب “الأموال” للإمام الحافظ أبي عبيد القاسم بن سلام المتوفـى عام 224 هـ (ص 357 – 358): وحدثني سعيد بن أبي مريم.. قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن وهو بالعراق: “أن أخرج للناس أعطياتهم” فكتب إليه عبد الحميد: “إنني أخرجت للناس أعطياتهم وقد بقي في بيت مال المسلمين مال” فكتب إليه: “أن انظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه فزوجه وأصدق عنه” فكتب إليه “إني قد زوجت كل من وجدت وقد بقي في بيت مال المسلمين مال” فكتب إليه بعد مخرج هذا: “أن انظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على أرضه، فإنا لا نريدهم لعام أو لعامين”!

([338])  يقول الشيوعيون عنا إننا نختـزل القضايا اختزالا مخلاًّ، ونجرد العامل الأخلاقـي (ويقصدون به العقيدة!)، ونرد إليه الأمور كلها، مجردا عن الإطار المادي والاقتصادي والطبقي والتاريخي، سذاجـة منا، وجهلا بالمادية الجدلية والتفسير المادي للتاريخ! وقد ناقشت الفكر المادي وسائر مقولات الشيوعيين مناقشة مستفيضة في كتاب “مذاهب فكرية معاصرة” (ص 258 – ص 444 من الطبعة الأولى 1403 هـ – 1983 م ) ولا مجال هنا للإعادة. ولكنا نقول فقط: إن الذي ندعو إليه ليس عاملا أخلاقيا مجردا كما يتوهمون من كلامنا بسبب جهلهم بحقيقة الإسلام. فالإسلام عقيدة ينبثق منها نظام سياسي اجتماعي اقتصادي فكري حضاري مادي، ثابت الأسس متغير الصورة بما يناسب أوضاع البشرية خلال مسيرتها التاريخية، وهو في تغيره الدائم محكوم أبدا بالأسس الثابتة التي لا يجوز أن تتغير، لأن تغيرها يفسد الحياة البشرية، وإذا كنا “نبرز” العامل الأخلاقي – دون أن نجرده – فإننا نفعل ذلك لأن الشيوعيين يغفلونه إغفالا متعمدا، متأثرين بالفكر اليهودي الذي صاغ لهم الشيوعية. 

([339])  سورة النور [55].

([340])  سورة النساء [123 – 124].

([341])  سنعود إلى تفصيل هذا المعنى في فصل تال بعنوان “مفهوم الدنيا والآخرة”.

([342])  سورة الإسراء [84].

([343])  سورة الأنعام [132].

([344])  أخرجه الشيخان.

([345])  سورة الأنبياء [105].

([346])  سورة النور [55].

([347])  سورة القمر [49].

([348])  سورة الحديد [22].

([349])  سورة التغابن [11].

([350])  سورة التوبة [51].

([351])  سورة التوبة [52].

([352])  سورة آل عمران [154].

([353])  سورة آل عمران [156 – 158].

([354])  سورة آل عمران [165 – 167].

([355])  سورة الصف [9].

([356])  سورة الأنفال [59].

([357])  سورة الأنفال [59 – 60].

([358])  سورة محمد [7].

([359])  سورة التوبة [25 – 26].

([360])  سورة العنكبوت [2 – 3].

([361])  سورة آل عمران [165 – 166].

([362])  سورة آل عمران [153 – 154].

([363])  سورة آل عمران [172 – 174].

([364])  سورة العنكبوت [3].

([365])  راجع إن شئت فصل “الدين والكنيسة” في كتاب “مذاهب فكرية معاصرة”.

([366])  صدر ذات يوم كتاب أوربي – باللغة الإنجليزية – عنوانه “الإنسان يصنع نفسه Man makes himself ” وكتاب آخر عنوانه “الإنسان يقوم وحده Man Stands Alone ” أي بدون إله!.

([367])  عند الماركسيين.

([368])  عند التجريبيين.

([369])  عند فرويد.

([370])  سورة الحديد [22].

([371])  سورة الروم [41].

([372])  سورة الأعراف [96].

([373])  سورة الإسراء [16].

([374])  من عجائب الجاهلية المعاصرة التي تعجز أو تزعم أنها تعجز عن فهم عقيدة القضاء والقدر في وضعها الصحيح عند المسلمين، أنها في ذاتها واقعة في تناقض بين إيمانها بفاعلية الإنسان وإيجابيته، وإيمانها بالحتميات التي لا تجعل للإنسان وجودا حقيقيا ولا إرادة، وهي إما أن تكون غير فاطنة إلى وجود هذا التناقض وإما أنها لا ترى مانعا من وجوده! بينما تشير هذه الجاهلية إلى وجود التناقض في عقيدة المسلم! والأمر في حقيقته في حس المسلم توازن مريح، يجعله يبدع ما يبدع في الأرض وهو مطمئن إلى قدر الله.

([375])  سورة الأنعام [44].

([376])  سورة الأنعام [44 – 45].

([377])  سورة الفتح [28].

([378])  سورة الأنعام [162 – 163].

([379])  سورة الذاريات [56].

([380])  راجع فصل “مفهوم العبادة”.

([381])  راجع فصل “مفهوم لا إله إلا الله”.

([382])  سورة الجاثية [24].

([383])  الجاهلية المعاصرة هي أشد الجاهليات تمزيقاً لوحدة الإنسان وتشتيتا لاتجاهات حياته. ومن ثم يكثر فيها الانتحار والجنون والقلق والأمراض النفسية والعصبية. ويشتد فيها الشعور بالضياع.

([384])  سورة يونس [26 – 27].

([385])  سورة الزلزلة [7 – 8].

([386])  سورة النساء [13 – 14].

([387])  سورة الرعد [19 – 25].

([388])  سورة الأعراف [29 – 30].

([389])  سورة الطور [25 – 28].

([390])  سورة آل عمران [125 – 126].

([391])  سبق ذكره.

([392])  سورة الرعد [26].

([393])  سورة يونس [7 – 8].

([394])  سورة إبراهيم [2 – 3].

([395])  سورة النحل [106 – 107].

([396])  سورة التوبة [24].

([397])  سورة التوبة [86 – 87].

([398])  سورة التوبة [81].

([399])  سورة النساء [145].

([400])  سورة التوبة [54 – 55].

([401])  سورة النازعات [37 – 39].

([402])  سورة الأعلى [16 – 17].

([403])  سورة محمد [12].

([404])  هذه هي السمة البارزة للجاهليـة المعاصرة بصفة خاصة، وإن كانت تنسب هذا الخلل في الفطـرة إلى “العلم” ومقتضياته! كأنما كتب على العلم أن يمسخ كيان الإنسان!

([405])  سورة الأعراف [179].

([406])  سورة الزخرف [36 – 37].

([407])  سورة البقرة [36].

([408])  سورة آل عمران [14].

([409])  سورة البقرة [187].

([410])  سورة البقرة [229].

([411])  ترد هذه الألفاظ مترادفة في اللغة العربية وكذلك يرد اسم القلب أو الفؤاد في القرآن بمعنى العقل.

([412])  سورة النحل [78].

([413])  سورة الحج [46].

([414])  متفق عليه.

([415])  سورة النساء [56 – 57].

([416])  سورة القصص [77].

([417])  سورة الملك [15].

([418])  سورة آل عمران [185].

([419])  جاء في سورة العنكبوت (آية 64): “وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ”.

([420])  سورة البقرة [186].

([421])  كقوله صلى الله عليه وسلم: “الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا” رواه ابن ماجه وأخرجه الترمذي (2475) من طريق ابن ثوبان، بهذا الإسناد. وقال: حديث حسن غريب.

([422])  سورة التوبة [38 – 39].

([423])  سورة الأحقاف [20].

([424])  سورة التكاثر [8].

([425])  هو قول محكي عن قوم قارون، ولكن السياق يدل على أنه قول مرضي عند الله.

([426])  سورة القصص [77].

([427])  سورة الملك [15].

([428])  سورة الأعراف [32].

([429])  متفق عليه.

([430])  سورة النمل [60].

([431])  لم يقل هنا “كلوا من ثمره” كما جاء في نفس السورة [آية 141] لأن المطلوب هنا – إلى جانب التذكير بنعم الله ذات النفع للإنسان – توجيه الوجدان إلى الجمال الرائع في خلق الله المبدع، وأن هذا الجمال ذاته آية من آيات الله تؤدي بالفطرة السليمة إلى الإيمان.

([432])  سورة الأنعام [99].

([433])  سورة النحل [5 – 6].

([434])  سورة آل عمران [110].

([435])  سورة النحل [99 – 100].

([436])  سورة البقرة [285].

([437])  سورة المجادلة [22].

([438])  سورة النساء [119].

([439])  سورة الإسراء [64].

([440])  سورة البقرة [30].

([441])  سورة هود [61].

([442])  سورة ص [71 – 72].

([443])  سورة آل عمران [14].

([444])  سورة الإسراء [70].

([445])  سورة الكهف [7].

([446])  سبق ذكره.

([447])  راجع فصل “مفهوم العبادة”.

([448])  أي الصادق المتبتل، لا المشعوذ المحترف.

([449])  سورة فاطر [5].

([450])  سورة لقمان [33].

([451])  سورة الكهف [45].

([452])  سورة الحديد [20].

([453])  أخرجه البخاري.

([454])  أخرجه البخاري.

([455])  أخرجه مسلم.

([456])  سبق ذكره.

([457])  سورة آل عمران [135 – 136].

([458])  سورة عبس [23].

([459])  سورة التغابن [16].

([460])  سورة الأعراف [56].

([461])  سورة البقرة [251].

([462])  سورة الحج [40].

([463])  من حديث هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم. رواه الشيخان.

([464])  سورة البقرة [143].

([465])  سورة الأنفال [60].

([466])  سبق ذكره.

([467])  انظر إن شئت فصل “خط الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر”.

([468])  الحقيقة أن هناك تناسبا عكسيا بين وجود الصوفيـة ووجود العلماء. فكلما كثر العلماء انحسرت الصوفية، وكلما عزّ العلماء انتشرت الصوفية!

([469])  سورة النساء [5].

([470])  سورة آل عمران [104].

([471])  سورة ص [71 – 72].

([472])  سورة المائدة [50].

([473])  سورة الذاريات [56].

([474])  راجع فصل “مفهوم العبادة”.

([475])  سورة الذاريات [56].

([476])  سورة الأنعام [162 – 163].

([477])  راجع فصل “مفهوم العبادة”.

([478])  سورة النساء [135].

([479])  سورة المائدة [8].

([480])  راجع إن شئت كتاب “منهج الفن الإسلامي”.

([481])  سورة البقرة [30].

([482])  سورة هود [61].

([483])  ذلك حين كفرت الجاهلية المعاصرة بالله، وعبدت الطبيعة بدلا منه!

([484])  سورة الإسراء [16].

([485])  سورة المائدة [18].

([486])  سورة فاطر [43].

([487])  راجع إن شئت فصل “خط الانحراف” من كتاب “واقعنا المعاصر”.

([488])  وراجع إن شئت فصل “آثار الانحراف” من نفس الكتاب.

([489])  علق المترجم “الدكتور نبيل صبحي” على هذه الكلمة بقوله – في الهامش -: “هذا هو تعبير المؤلف .. الأديب!!”.

([490])  من كتاب مترجم بعنوان “الإسلام.. والغرب.. والمستقبل” هو ترجمة محاضرتين ألقاهما توينبي في عامي 1947، 1952 ترجمة الدكتور نبيل صبحي، دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 1389 هـ – 1969 م ص 50 – 53 ( مقتطفات ).

([491])  سورة النور [55].

([492])  سورة البقرة [143].

([493])  سورة الحج [41].

([494])  سورة يوسف [22].

([495])  راجع إن شئت فصل “الصحوة الإسلاميـة” وفصل “نظرة إلى المستقبـل” من كتاب “واقعنا المعاصر”.

([496])  سورة الأنفال [59].

([497])  سورة البقرة [120].

([498])  سورة البقرة [217].

([499])  سورة الإسراء [81].

([500])  سورة البقرة [251].

([501])  سورة الأنفال [62 – 63].

([502])  أي من اتبعك من المؤمنين حسبهم الله.

([503])  سورة الأنفال [64].

([504])  سورة الأنفال [65 – 66].

([505])  سورة الأنعام [44 – 45].

([506])  سورة الرعد [17].

([507])  سورة الأنبياء [105].

([508])  سورة الصافات [171 – 173].

([509])  سورة الإسراء [20].

([510])  قال في “مسند أحمد ط الرسالة”: “إسناده صحيح على شرط مسلم”.

([511])  راجع فصل “مفهوم العبادة”.

([512])  انظر – إن شئت – فصل “خط الانحراف” وفصل “آثار الانحراف” في كتاب “واقعنا المعاصر”.

([513])  في النية – بإذن الله – إصدار كتيب في هذا الموضوع بعنوان “كيف ندعو الناس”.

([514])  رواه الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان. قال في “مسند أحمد ط الرسالة”: “إسناده حسن. داود بن إبراهيم من رجال “التعجيل”، وثقة أبو داود الطيالسي، وذكره ابن حبان في “الثقات” 6/280″ اهـ.

([515])  سورة الروم [4 – 5].

التحميل